الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتنشط حركة العمران في بلادها، فتكثر فيها المدن والقرى، وتتعدد الأقاليم والمناطق، فيتسع تبعًا لذلك نطاق لغتها ومدى انتشارها، كما حدث لليابانية والفرنسية والإيطالية؛ فبفضل هذا العامل بلغ عدد الناطقين باليابانية ما يزيد على 70 مليونًا1، وبفضله كذلك مع مساعدة العاملين السابقين، بلغ عدد الناطقين بالفرنسية نحو 70 مليونًا2، وبالإيطالية نحو 45 مليونًا3، وبفضل هذا العامل مع مساعدة العامل الثاني من العوامل السابقة، بلغ عدد الناطقين بالتركية نحو سبعين مليونًا4.
1 يدل آخر تعداد رسمي قبل الحرب الأخيرة على أن عدد الشعب الياباني بلغ 308، 114، 73، أما عدد سكان الإمبراطورية اليابانية فكان يبلغ 101، 126، 105.
2 منهم بفرنسا نحو 45 مليونًا، والباقي ببلجيكا وسويسرا وكندا والمستعمرات الفرنسية.
3 معظمهم بإيطاليا نفسها، والباقي بسويسرا والمستعمرات الإيطالية.
4 نحو عشرين في أذربيجان، وثلاثة ملايين قبائل التركمان وأربك Orbak في أفغانستان، ومليونين في قزن، ومليون ونصف في إيدل-أورال، ومائتي ألف قبيلة قاشقاي بإيران، وثمانين ألفًا في القرم، فمنطقة اللغة التركية تمتد من جبال الطاي إلى الأناضول، وجميع أجزاء هذه المنطقة جمهوريات شيوعية ما عدا تركيا والقسم الجنوبي من أذربيجان وهو تابع لإيران، وقبيلة قاشقاي في إيران، وقبائل التركمان وأربك في أفغانستان.
2-
تفرع اللغة إلى لهجات ولغات نتيجة لازمة لسعة انتشارها:
متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر من العوامل السابق ذكرها، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد، وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدًا طويلًا، فلا تلبث أن تنشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجًا يختلف عن منهج غيرها، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة
غير مفهومة إلّا لأهلها، وبذلك يتولد عن اللغة الأولى فصيلة أو شعبة من اللغات يختلف أفرادها بعضها عن بعض في كثير من الوجوه، ولكنها تظل مع ذلك متفقة في وجوه أخرى؛ إذ يترك الأصل الأول في كل منها آثارًا تنطق بما بينها من صلات قرابة ولحمة نسب لغوي، وكثيرًا ما يبقى الأصل الأول مدة ما لغة أدب وكتابة بين الشعوب الناطقة باللغات المتفرعة منه، ولكنه لا يلبث أن يتنحى عن ذلك بعد ن يكتمل نمو هذه اللغات.
ولهذا القانون خضعت اللغات الإنسانية من مبدأ نشأتها إلى العصر الحاضر.
فاللغة "الهندية-الأوربية" الأولى قد انشعبت في ضحى الإنسانية إلى مجموعات كثيرة، وكل مجموعة منها تفرعت إلى عدة طوائف، وكل طائفة منها انقسمت إلى شعب، وكل شعبة إلى لغات
…
وهكذا دواليك1. ومثل هذا حدث للغة "السامية-الحامية" الأولى2، ولجميع الفصائل اللغوية الأخرى3.
وقد شهدت عصورنا التاريخية نفسها كثيرًا هذا القانون؛ فاللغة اللاتينية، وهي إحدى لغات الفرع الإيطالي المنشعب من الهندية-الأوربية، قد أخذت هي نفسها، في أواخر العصور القديمة وفي العصور الوسطى، تنشعب إلى عدد كبير من اللهجات، وأخذت كل لهجة من هذه اللهجات تسلك في سبيل تطورها منهجًا يختلف عن منهج أخواتها، حتى انفصلت عنها انفصالًا تامًّا، وأصبحت لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلّا لأهلها، وقد بقيت اللاتينية مدة ما لغة أدب وكتابة بين الشعوب الناطقة باللغات المتفرعة منها "الفرنسية، الإيطالية، الأسبانية، والبرتغالية، لغة رومانيا
…
"، ولكنها لم تلبث أن تنحت عن ذلك بعد أن اكتمل نمو هذه اللغات.
1 انظر الفصيلة الأولى، في الفصل الثاني من هذا الباب.
2 النظر الفصيلة الثانية، في الفصل الثاني من هذا الباب.
3 انظر الفصيلة الثالثة، في الفصل الثاني من هذا الباب.
والعصر الحاضر نفسه يشهد كثيرًا من آثار هذا القانون؛ فلانتشار اللغة الأسبانية في مناطق واسعة من الأرض، ولاختلاف الطوائف المتكلمة بها، أخذت تفقد وحدتها، فانشعبت عنها في أمريكا الجنوبية لهجات كثيرة تختلف كل منه عن الأسبانية الأصلية اختلافًا غير يسير في كلماتها وأصواتها، بل إن بعض هذه الهجات أخذ يختلف عن الأسبانية الأصلية في القواعد نفسها1، ومثل هذا حدث بين البرتغالية في البرتغال والبرتغالية في البرازيل، فقد وصل الخلاف بينهما إلى القواعد نفسها، بل إلى شكل كذلك2، وهذا هو ما يحدث الآن للإنجليزية والألمانية، فقد أخذت إنجليزية الولايات المتحدة بأمريكا تختلف عن إنجليزية الجزر البريطانية في كثير من المفردات وأساليب النطق3، وأخذت ألمانية سويسرا تبتعد عن أصلها، ويزداد تأثرها بجارتها الفرنسية حتى توشك أن تكون لهجة متميزة عن ألمانية الألمان، وقد اتسعت مسافة الخلف بين اللهجات المنشعبة عن العربية حتى أصبح بعضها شبه غريب عن بعض؛ فلهجة العراق ولهجات شمال إفريقيا في العصر الحاضر مثلًا يجد المصري بعض الصعوبة في فهمها، غير أنه قد خفف
1 وقد ألف بعض العلماء كتبًا مستقلة في قواعد بعض هذه اللهجات؛ ككتاب الأستاذ لنز Lenze في قواعد لهجة شيلي.
2 جاء بجريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 29/ 3/ 1044 بصدد اتفاق هجائي لغوي بين البرتغال والبرازيل ما يلي: "تلقت وزارة الخارجية من معالي محمود فخري باشا، وزير مصر المفوض في أسبانيا والبرتغال تقريرًا عن اتفاق هجائي لغوي عُقِدَ أخيرًا بين الحكومتين البرتغالية والبرازيلية، الغرض الأساسي منه تنظيم اللغة البرتغالية وتنقيحها، وذلك بتوحيد شكلها الهجائي ونطق كلماتها
…
وكان الوصول إلى وضع هذا الاتفاق بفضل مساعي كبار الكتاب في البلدين، وهذا أول اتفاق من نوعه يعزز الفكرة التي ترمي إلى توحيد الشعوب التي تتكلم لغة واحدة، وختم الوزير المفوض تقريره بالإعراب عن أمنية، هي أن تعمل البلاد العربية على تنظيم لغتنا وتوحيد اصطلاحاتها، وتعميم نطقها الصحيح بين مختلف الشعوب الناطقة بالضاد".
3 حتى إن الإنجليز ليسخرون من اللهجة الأمريكية، كما يسخر الأمريكان من لهجة الإنجليز، ولا يكتم كل منهم سخريته هذه حتى في أحرج الأوقات وأدعاها إلى نسيان الفروق، يدل على ذلك ما جاء في نشرة وزعتها القيادة الأمريكية على قواتها الموجودة في بريطانيا في أثناء الحرب الأخيرة؛ إذ تقول مخاطبة أفراد هذه القوات:"ولا تسخر باللهجة البريطانية؛ لأن لهجتك قد تكون مثار سخرهم، ولكنهم أكثر أدبًا من أن يظهروا لك ذلك"، جريدة الأهرام، عدد 13-7-1942.
من أثر هذا الانقسام اللغوي بقاء العربية الأولى بين هذه الشعوب لغة أدب وكتابة ودين.
والعامل الرئيسي في تفرع اللغة إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها، غير أن هذا العامل لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر، بل يتيح الفرصة لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة، وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر أن أهمها يرجع إلى الطوائف الآتية:
1-
عوامل اجتماعية سياسية: تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض، وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها ويوثق ما بينها من علاقات، وذلك أن اتساع الدولة، وكثرة المناطق التابعة لها، واختلاف الشعوب الخاضعة لنفوذها
…
كل ذلك يؤدي غالبًا إلى ضعف سلطانها المركزي، وتفككها من الناحية الساسية، وانقسامها إلى دويلات أو دول مستقل بعضها عن بعض، وغنيٌّ عن البيان أن انفصام الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصام الوحدة الفكرية واللغوية.
2-
عوامل اجتماعية نفسية أدبية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق النظم الاجتماعية والعرف والتقاليد والعادات ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان، فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
3-
عوامل جغرافية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة؛ من فروق في الجو وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها
…
وما إلى ذلك، وفيما يفصل كل منطقة عن غيرها من جبال وأنهار وبحار وبحيرات
…
وهلم جرا. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي، عاجلًا أو آجلًا، إلى فروق وفواصل في اللغات.
4-
عوامل شعبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من
فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها، والأصول التي انحدروا منها، فمن الواضح أن لهذه الفروق آثارًا بليغة في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
5-
عوامل جسمية فيزيولوجية: تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق1، فمن المحال مع فروق كهذه، أن تظل اللغة محتفظة بوحدتها الأولى أمدًا طويلًا.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شئونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية والنفسية، وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية، كل ذلك وما إليه، يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في الواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجًا يختلف عن منهج أخواتها، فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد، حتى تصبح كل لهجة مها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلّا لأهلها.
ويبدأ الخلاف بين هذه اللهجات من ناحيتين: إحداهما الناحية المتعلقة بالصوت، فتختلف الأصوات "الحروف" التي تتألف منها الكلمة الواحدة، وتختلف طريقة النطق بها تبعًا لاختلاف اللهجات، والأخرى الناحية المتعلقة بدلالة المفردات، فتختلف معاني بعض الكلمات باختلاف الجماعات الناطقة بها.
أما القواعد La Grammaire سواء في ذلك ما يتعلق منها بالبنية
1 ترجع هذه الفروق إلى عوامل كثيرة، منها: العاملان الجغرافي والشعبي، المشار إليهما آنفًا تحت رقمي 3، 4.
"المورفولوجيا"1، أو ما يتعلق بالتنظيم "السنتكس"2، فلا ينالها في المبدأ كثير من التغيير، وإليك مثلًا اللهجات العامية التي انشعبت عن العربية بالعراق والشام والحجاز واليمن وبلاد المغرب ومصر والسودان، فإنه لا يوجد بينها إلّا فروق ضئيلة في نظام تكوين الجملة وتغيير البنية وقواعد الاشتقاق، والجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير
…
وما إلى ذلك، على حين أن مسافة الخلف بينها في الناحيتين الصوتية والدلالية قد بلغت حدًّا جعل بعضها شبه غريب على بعض، كما سبقت الإشارة إلى ذلك3.
ولكن هذه الواحدة في القواعد لا تقوى فى مقاومة عوامل التفريق إلّا لأجل معلوم، ثم تهن قواها وتستسلم لهذه العوامل فيصيبها منها ما أصاب الصوت والدلالة من قبل، وحينئذ تقوى وجوه الخلاف بين اللهجات، وتبدأ مرحلة تحولها إلى لغات مستقلة، ولا تنفك تذهب حثيثًا في هذا الطريق حتى تبلغ غايته.
غير أنه ييقى بها -على الرغم من هذا كله- وجوه شبه قريبة أو بعيدة في أصول المفردات وبعض مظاهر القواعد العامة، وإليك مثلًا طوائف اللغات الهندية-الأوربية، فعلى الرغم من استحكام ما بينها من حلقات الخلاف، فإن الأصل الأول قد ترك في كل منها آثارًا تنطق بما بينها من صلات قرابة وتشهد بتفرعها عن أرومة واحدة.
ومن هذا يتبين أن اللغة لا تموت حتف أنفها، فما لم تصرعها لغة أخرى على الوجوه التي سيأتي شرحها في الفصل الثالث، لا يتطرق إليها الفناء، وخلودها هذا يبدو في أحد مظهرين: فأحيانا تحتفظ بوحدتها، وذلك إذا ظلت حبيسة على منطقة ضيقة وفئة قليلة، وأحيانًا
1 انظر ص8 رقم ب.
2 انظر ص9 رقم جـ.
3 انظر آخر 174 وأول 175.
تنشعب إلى لهجات ولغات، ولذلك إذا انتشرت في مساحات شاسعة من الأرض وتكلم بها طوائف مختلفات من الناس.
ومن ثَمَّ يظهر كذلك خطأ من يحاولون علاج تعدد اللغات بإنشاء لغة عالمية "اسبرانتو Esperanto" يتحدث بها الناس من مختلف الأمم والعصور، وذلك أن هذه اللغة الصناعية على فرض إمكان اختراعها وإلزام الناس باستخدامها1، لا تلبث بعد تداولها على الألسنة أن تخضع لجميع القوانين التي تخضع لها اللغات الطبيعية، والتي خضعت لها أول لغة تكلم بها الإنسان؛ فمادام أفراد الأمم الناطقة بها مختلفين في أصولهم الشعبية، وفي التكوين الطبيعي لجسومهم وأعضاء نطقهم، وفي الظروف الجغرافية والطبيعية والاجتماعية المحيطة بهم، وفي قواهم الإدراكية والوجدانية، ومادامت سنة الطبيعة تقتضي أن يختلف كل جيل على الجيل السابق له في كل هذه الأمور، فلا بد أن تختلف هذه اللغة الصناعية في كلماتها وأصواتها ودلالاتها وقواعدها.. باختلاف العصور، وباختلاف الشعوب الناطقة بها، وتنقسم إلى لهجات تختلف كل واحدة منها عما عداها، وتتفرع مها لهجات عامية، وتتسع الهوة بين لهجاتها قليلًَا قليلًا حتى تنفصل كل لهجة منها عما عداها انفصالًا تامًّا، وتصبح غير مفهومة إلّا لأهلها، شأنها في ذلك شأن غيرها من اللغات، وهكذا لا يمضي زمن قصير أو طويل حتى تتولد من هذا العلاج المشكلة نفسها التي يحاولون القضاء عليها: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ
…
1 هذه الأمنية، وإن كانت ممكنة نظريًّا، يحول دون تحقيقها عمليًّا صعوبات جمة.
2 بكسر اللام على رواية حفص عن عاصم، أي: العارفين المتأملين.