الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله:(إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عليه وسلم جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي صلى الله عليه وسلم التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية.
011 -
(بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم.
1071 -
حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً غنَما..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد.
وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْغنم
لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة
…
إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة.
2071 -
حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً..
هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته صلى الله عليه وسلم فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام.
3071 -
حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً..
هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي صلى الله عليه وسلم، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة.
4071 -
حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ..
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن