الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ أَبُو عبيد: النَّص أَصله مُنْتَهى الْأَشْيَاء وغايتها، ومبلغ أقصاها. وَقَالَ ابْن بطال: تَعْجِيل الدّفع من عَرَفَة، وَالله أعلم، إِنَّمَا هُوَ لضيق الْوَقْت لأَنهم إِنَّمَا يدْفَعُونَ من عَرَفَة إِلَى الْمزْدَلِفَة عِنْد سُقُوط الشَّمْس، وَبَين عَرَفَة والمزدلفة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال، وَعَلَيْهِم أَن يجمعوا الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ وَتلك سنتها فتعجلوا فِي السّير لاستعجال الصَّلَاة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصَّوَاب فِي صفة السّير فِي الإفاضتين جَمِيعًا مَا صحت بِهِ الْآثَار إلَاّ فِي وَادي محسر، فَإِنَّهُ يوضع لصِحَّة الحَدِيث بذلك، فَلَو أوضع أحد فِي مَوضِع الْعُنُق أَو الْعَكْس لم يلْزمه شَيْء لإِجْمَاع الْجمع على ذَلِك، غير أَنه يكون مخطئا طَرِيق الصَّوَاب قلت: أَشَارَ بقوله: لصِحَّة الحَدِيث، إِلَى مَا رُوِيَ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، حَدثنَا وَكِيع وَبشر بن السّري وَأَبُو نعيم، قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي الزبير (عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أوضع فِي وَادي محسر) الحَدِيث وَقَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: (أوضع)، أَي: أسْرع السّير من الإيضاع وَهُوَ السّير السَّرِيع، ومفعول: أوضع،، مَحْذُوف أَي: أوضع رَاحِلَته، لِأَن الرباعي مُتَعَدٍّ، والقاصر مِنْهُ ثلاثي. قَالَ الْجَوْهَرِي: وضع الْبَعِير وَغَيره أَي: أسْرع فِي سيره.
وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن السّلف كَانُوا يحرصون على السُّؤَال عَن كَيْفيَّة أَحْوَاله، صلى الله عليه وسلم، فِي جَمِيع حركاته وسكونه ليقتدوا بِهِ فِي ذَلِك.
قَالَ هِشَامٌ والنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ
هُوَ هِشَام بن عُرْوَة الرَّاوِي، وَهَذَا تَفْسِير مِنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن هِشَام بن عُرْوَة، قَالَ هِشَام: وَالنَّص فَوق الْعُنُق، وأدرجه يحيى الْقطَّان فِي الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، حَدثنَا يحيى عَن هِشَام، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَة بن زيد: كَانَ يحيى يَقُول وَأَنا أسمع، فَسقط عني عَن مسير النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي حجَّة الْوَدَاع، قَالَ: فَكَانَ يسير الْعُنُق فَإِذا وجد فجوة نَص، وَالنَّص فَوق الْعُنُق، وَكَذَا أدرجه سُفْيَان فِيمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَعبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان ووكيع فِيمَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة كلهم عَن هِشَام، وَقد رَوَاهُ عَن إِسْحَاق فِي (مُسْنده) عَن وَكِيع، ففصله وَجعل التَّفْسِير من كَلَام وَكِيع، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق سُفْيَان ففصله وَجعل التَّفْسِير من كَلَام سُفْيَان، وسُفْيَان ووكيع، إِنَّمَا أخذا التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن هِشَام، فَرجع التَّفْسِير إِلَيْهِ. وَقد رَوَاهُ أَكثر رُوَاة (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك، فَلم يذكر التَّفْسِير، وَلذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة، وَمُسلم من طَرِيق حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن هِشَام.
فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ وَالجَمْعُ فَجَوَاتٌ وفِجَاءٌ وكذَلِكَ رَكْوَةٌ ورِكَاءٌ مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ
فسر البُخَارِيّ الفجوة بقوله: متسع، وَأَبُو عبد الله هُوَ كنية البُخَارِيّ، وَذكر أَيْضا أَن جمع فجوة يَأْتِي على مثالين: أَحدهمَا: فجوات، بِفتْحَتَيْنِ، وَالْآخر: فجَاء، بِكَسْر الْفَاء، وَمثل لذَلِك بقوله:(وَكَذَا ركوة وركاء) فَإِن ركوة على وزن فجوة، وركاء الَّذِي هُوَ جمع على وزن فجَاء. قَوْله:(مناص لَيْسَ حِين فرار) لم يثبت فِي كثير من النّسخ، وَأما وَجه الْمَذْكُور من ذَلِك أَنه إِنَّمَا ذكره لدفع وهم من يتَوَهَّم أَن المناص وَالنَّص من بَاب وَاحِد، وَأَن أَحدهمَا مُشْتَقّ من الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن النَّص مضعف وحروفه صِحَاح، والمناص من بَاب المعتل الْعين الواوي لِأَنَّهُ من النوص. قَالَ الْفراء: النوص التَّأَخُّر وَيُقَال: ناص عَن قرنه ينوص نوصا ومناصا أَي: فر وزاغ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الله تَعَالَى: {ولات حِين مناص} (ص: 3) . أَي: لَيْسَ وَقت تَأَخّر وفرار. وَالَّذِي يظْهر أَن أَبَا عبد الله هُوَ الَّذِي وهم فِيهِ فَظن أَن مَادَّة: نَص ومناص وَاحِدَة، فَلذَلِك ذكره، وَالْأولَى أَن يعْتَمد على النُّسْخَة الَّتِي لم يذكر هَذَا فِيهَا، وَيبعد الشَّخْص من نِسْبَة الْوَهم إِلَيْهِ أَو إِلَى غَيره.
39 -
(بابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفةَ وجَمْعٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول الْحَاج بَين عَرَفَة وَجمع، وَهُوَ الْمزْدَلِفَة لقَضَاء حَاجته، أَي حَاجَة كَانَت، وَلَيْسَ هَذَا من الْمَنَاسِك.
7661 -
حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ
كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أُسَامةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ أفاضَ منْ عَرَفَةَ مَال إلَى الشّعْبِ فقَضى حاجَتَهُ فَتَوَضِّأ فقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أتُصَلِّي فَقَالَ الصَّلَاةُ أمامَكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَال إِلَى الشّعب فَقضى حَاجته) ، لِأَن مَعْنَاهُ نزل هُنَاكَ وَهُوَ بَين عَرَفَة وَجمع على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ وَرِوَايَته عَن مُوسَى بن عقبَة من رِوَايَة الأقران لِأَنَّهُمَا تابعيان صغيران، وَقد حمله مُوسَى عَن كريب فَصَارَ فِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة من التَّابِعين.
والْحَدِيث أخرجه فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب إسباغ الْوضُوء عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ وأطول، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (حَيْثُ أَفَاضَ)، وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت:(حِين أَفَاضَ) ، وَهِي أصوب لِأَنَّهُ ظرف زمَان، وَحَيْثُ ظرف مَكَان. قَوْله:(إِلَى الشّعب) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين. قَوْله: (فَقضى حَاجته) أَي: استنجى. قَوْله: (أَتُصَلِّي؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، ويروى بِدُونِ الْهمزَة وَلكنهَا مقدرَة. قَوْله:(الصَّلَاة أمامك؟) ، بِفَتْح الْهمزَة، أَي: الصَّلَاة فِي هَذِه اللَّيْلَة مَشْرُوعَة فِيمَا بَين يَديك أَي فِي الْمزْدَلِفَة، وَيجوز فِي لفظ: الصَّلَاة، الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره الصَّلَاة حَاضِرَة أَو حانت أمامك، وَأما النصب فبفعل مُقَدّر.
8661 -
حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِجَمْعٍ غَيْرَ أنَّهُ يَمُرُّ بالشَّعْبِ الَّذِي أخذَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُ فيَنْتَفِضُ ويَتَوَضِّأُ ولَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّي بِجَمعٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (غير أَنه يمر بِالشعبِ فَيدْخل فينتفض) ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي وَجُوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة ابْن أَسمَاء الضبعِي الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (بِجمع)، هُوَ الْمزْدَلِفَة. قَوْله:(غير أَنه يمر)، هَذَا فِي معنى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع أَي: بِجمع، لَكِن بِهَذَا التَّفْصِيل من الْمُرُور بِالشعبِ وَمَا بعده لَا مُطلقًا. قَوْله:(الَّذِي أَخذه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي أَي: قَوْله: (فينتفض)، بفاء وضاد مُعْجمَة: من الانتفاض وَهُوَ كِنَايَة عَن قَضَاء الْحَاجة، مَعْنَاهُ: يستنجي ثمَّ يتَوَضَّأ وَلَا يُصَلِّي شَيْئا حَتَّى يُصَلِّي بِجمع.
9661 -
حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي حَرْمَلَةَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ رَدِفْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفاتٍ فلَمَّا بلَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الشِّعْبَ الأيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَهِ أناخَ فَبالَ ثُمَّ جاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوضُوء تَوَضَّأ وُضُوءًا خَفِيفا فقُلْتُ الصَّلاةُ يَا رسولَ الله قَالَ الصَّلاةُ أمامَكَ فَرَكِبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ جَمْعٍ. قَالَ كُرَيْبٌ فأخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ الفَضْلِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَمَّا بلغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الشّعب الْأَيْسَر الَّذِي دون الْمزْدَلِفَة أَنَاخَ فَبَال) ، والإناخة وَالْبَوْل لَا يكونَانِ إلَاّ بالنزول، وَكَانَ ذَلِك بَين عَرَفَة وَجمع.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ مولى زُرَيْق الْمُؤَدب، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمِيم، وَلَا يعرف اسْمه، وَهُوَ مولى إِلَى حويطب، وَكَانَ خصيف يروي عَنهُ فَيَقُول: حَدثنِي مُحَمَّد بن حويطب، فَذكر ابْن حبَان أَن خصيفا كَانَ ينْسبهُ إِلَى جده وَإِلَيْهِ، وَذكر فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة الْقرشِي