الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة الْمَكِّيّ قَاضِي ابْن الزبير، والْحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن بني صُهَيْب)، بِضَم الصَّاد: ابْن سِنَان بن خَالِد الْموصِلِي ثمَّ الرُّومِي ثمَّ الْمَكِّيّ ثمَّ الْمدنِي، كَانَ من السَّابِقين الْأَوَّلين والمعذبين فِي الله، أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو غَسَّان، سبته الرّوم من نِينَوَى وَأمه سلمى من بني مَازِن بن عَمْرو بن تَمِيم، كَانَ أَبوهُ أَو عَمه عَاملا لكسرى على الأبلة، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بِأَرْض الْموصل، فأغارت الرّوم على تِلْكَ النَّاحِيَة فسبت صهيباً وَهُوَ غُلَام صَغِير، فَنَشَأَ بالروم فَصَارَ ألكن، فابتاعه كلب مِنْهُم، فقدموا بِهِ مَكَّة فَاشْتَرَاهُ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة، فَأعْتقهُ فَأَقَامَ مَعَه بِمَكَّة إِلَى أَن هلك ابْن جدعَان، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فِي النّصْف من ربيع الأول، وَأدْركَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، بقباء قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، وَشهد بَدْرًا، وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن سبعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما بَنو صُهَيْب فهم: حَمْزَة وَسعد وَصَالح وَصَيْفِي وَعباد وَعُثْمَان وحبِيب وَمُحَمّد، وَكلهمْ رووا عَنهُ.
قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان)، هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة الْأمَوِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة لمعاوية بن أبي سُفْيَان. قَوْله:(بَيْتَيْنِ وحجرة) بَيْتَيْنِ تَثْنِيَة: بَيت. قَالَ صَاحب (الْمغرب) : الْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد وَأَصله من: بَيت الشّعْر أَو الصُّوف، سمى بِهِ لِأَنَّهُ يبات فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بَيت الرجل دَاره وقصره. قلت: الدَّار لَا تسمى بَيْتا، لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة على بيُوت، والحجرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: هُوَ الْموضع الْمُنْفَرد فِي الدَّار، وَذكر عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) أَن بَيت صُهَيْب كَانَ لأم سَلمَة فَوَهَبته لِصُهَيْب، فلعلها أَعطَتْهُ بِإِذن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، وَالظَّاهِر أَن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الدَّعْوَى غير ذَلِك. قَوْله:(من شهد لَكمَا؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لفظ بني صُهَيْب جمع وَهَذَا مثنى. قلت: أقل الْجمع اثْنَان عِنْد بَعضهم. انْتهى. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف، بل الْجَواب أَن الَّذِي أدعى كَانَ اثْنَيْنِ مِنْهُم فخاطبهما مَرْوَان بِصِيغَة الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْحَاكِم لَا يُخَاطب إِلَّا الَّذِي بدعي وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ مَرْوَان من يشْهد: من يشْهد لكم؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَة لَا إِشْكَال فِيهَا. قَوْله: (قَالُوا: ابْن عمر) أَي: يشْهد بذلك عبد الله بن عمر. قَوْله: (فَدَعَاهُ) أَي: فَدَعَا مَرْوَان عبد الله بن عمر فَشهد بذلك، وَقَالَ) ؛ لأعطي رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا لَام الْقسم، وَالتَّقْدِير: وَالله لأعطي رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم. قَوْله:(فَقضى مَرْوَان بِشَهَادَتِهِ لَهُم)، أَي: حكم مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر لبني صُهَيْب بالبيتين والحجرة.
وَقَالَ ابْن بطال: كَيفَ قضى مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر وَحده؟ ثمَّ قَالَ: فَالْجَوَاب: أَن مَرْوَان إِنَّمَا حكم بِشَهَادَتِهِ مَعَ يَمِين الطَّالِب، على مَا جَاءَ فِي السّنة من الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لم يذكر فِي الحَدِيث. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْقَاعِدَة المستمرة تَنْفِي الحكم بِشَاهِد وَاحِد. فَلَا بُد من شَاهِدين أَو من شَاهد وَيَمِين عِنْد من يرَاهُ بذلك. فَإِن قلت: قد اسْتدلَّ بَعضهم بقول بعض السّلف، كشريح القَاضِي، أَنه قَالَ: الشَّاهِد الْوَاحِد إِذا انضمت إِلَيْهِ قرينَة تدل على صدقه أَلا ترى أَن أَبَا دَاوُد ترْجم فِي (سنَنه) بَاب إِذا علم الْحَاكِم صدق الشَّاهِد الْوَاحِد يجوز لَهُ أَن يحكم! وسَاق قصَّة خُزَيْمَة بن ثَابت، وَسبب تَسْمِيَته: ذَا الشَّهَادَتَيْنِ؟ قلت: الْجُمْهُور على أَن ذَلِك لَا يَصح، وَأَن قصَّة خُزَيْمَة مَخْصُوصَة بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: قَضَاء مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يُعْطي من مَال الله من يسْتَحق الْعَطاء، فَينفذ مَا قيل لَهُ: إِن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، أعطَاهُ، فَإِن لم يكن كَذَلِك كَانَ قد أَمْضَاهُ، وَإِن كَانَ غير ذَلِك كَانَ هُوَ الْمُعْطِي عَطاء صَحِيحا. وَقد يكون هَذَا خَاصّا فِي الْفَيْء، لِأَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، أعْطى أَبَا قَتَادَة بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَة من كَانَ السَّلب عِنْده. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه رُبمَا حكم الإِمَام بِشَهَادَة المبرز فِي الْعَدَالَة وجده، وَقد قَالَ بعض فُقَهَاء الْكُوفَة: حكم شُرَيْح بشهادتي وحدي فِي شَيْء. قَالَ: وَأَخْطَأ شُرَيْح، قَالَ: وَالْوَجْه الأول الصَّحِيح.
23 -
(بابُ مَا قِيلَ فِي العُمْراى والرُّقْباى)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قبل لفظ: بَاب. قَوْله: (بَاب مَا قيل) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي أَحْكَام
الْعمريّ والرقبى، الْعُمْرَى، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم مَقْصُورا، وَحكي بِضَم الْعين وَالْمِيم جَمِيعًا، وبفتح الْعين وَسُكُون الْمِيم. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعُمْرَى، مصدر كالرجعى، وأصل الْعُمْرَى مَأْخُوذ من الْعُمر، والرقبى بِوَزْن الْعُمْرَى كِلَاهُمَا على وزن فعلى، وأصل الرقبى من المراقبة. فَإِن قلت: ذكر فِي التَّرْجَمَة الْعُمْرَى والرقبى، وَلم يذكر فِي الْبَاب إلَاّ حديثين فِي الْعُمْرَى، وَلم يذكر شَيْئا فِي الرقبى؟ قلت: قيل: إنَّهُمَا متحدان فِي الْمَعْنى، فَلذَلِك اقْتصر على الْعُمْرَى، على أَن النَّسَائِيّ روى بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا: الْعُمْرَى والرقبى سَوَاء؟ قلت: هَذَا الْجَواب غير مقنع، لأَنا لَا نسلم الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْمَعْنى فالعمرى من الْعُمر والرقبى من المراقبة. وَبَينهمَا فرق فِي التَّعْرِيف، على مَا يَجِيء بَيَانه، وَمعنى قَول ابْن عَبَّاس: هما سَوَاء يَعْنِي: فِي الحكم، وَهُوَ الْجَوَاز، لَا أَنَّهُمَا سَوَاء فِي الْمَعْنى.
أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْراى جَعَلْتُها لَهُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير الْعُمْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول الرجل لغيره: أعمرته دَاري، أَي: جَعلتهَا لَهُ مُدَّة عمري. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعُمْرَى أَن يَقُول الرجل للرجل: دَاري لَك عمرك، أَو يَقُول: دَاري هَذِه لَك عمري، فَإِذا قَالَ ذَلِك وَسلمهَا إِلَيْهِ كَانَت للمعمر وَلم ترجع إِلَيْهِ إِن مَاتَ، وَكَذَا إِذا قَالَ: أعمرتك هَذِه الدَّار، أَو: جَعلتهَا لَك حياتك، أَو: مَا بقيت، أَو: مَا عِشْت، أَو: مَا حييت، وَمَا يُفِيد هَذَا الْمَعْنى.
وَقَالَ شَيخنَا، رحمه الله: الْعُمْرَى على ثَلَاثَة أَقسَام:
أَحدهَا: أَن يَقُول: أعمرتك هَذِه الدَّار، فَإِذا مت فَهِيَ لعقبك أَو وَرثتك، فَهَذِهِ صَحِيحَة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء. وَذكر النَّوَوِيّ أَنه لَا خلاف فِي صِحَّتهَا، وَإِنَّمَا الْخلاف: هَل يملك الرَّقَبَة أَو الْمَنْفَعَة فَقَط؟ وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْقسم الثَّانِي: أَن لَا يذكر ورثته وَلَا عقبه، بل يَقُول: أعمرتك هَذِه الدَّار، أَو: جَعلتهَا لَك، أَو نَحْو هَذَا، وَيُطلق
…
فَفِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال. أَصَحهَا: الصِّحَّة كالمسألة الأولى، وَيكون لَهُ ولورثته من بعده، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو عبيد وَآخَرُونَ. القَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تصح لِأَنَّهُ تمْلِيك مُؤَقّت، فَأشبه مَا لَو وهبه أَو بَاعه إِلَى وَقت معِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم. الثَّالِث: أَنَّهَا تصح وَيكون للمعمَر فِي حَيَاته فَقَط، فَإِذا مَاتَ رجعت إِلَى المعمِرِ أَو إِلَى ورثته إِن كَانَ قد مَاتَ، وَحكى هَذَا أَيْضا عَن الْقَدِيم. الرَّابِع: أَنَّهَا عَارِية يستردها المعمِر مَتى شَاءَ، فَإِذا مَاتَ عَادَتْ إِلَى ورثته.
الْقسم الثَّالِث: أَن لَا يذكر الْعقب وَلَا الْوَرَثَة، وَلَا يقْتَصر على الْإِطْلَاق، بل يَقُول: فَإِذا مت رجعت إِلَيّ، أَو: إِلَى ورثتي إِن كنت مت. فَإِن قُلْنَا: بِالْبُطْلَانِ فِي حَالَة الْإِطْلَاق فههنا أولى، وَكَذَلِكَ فِي الْإِطْلَاق بِالصِّحَّةِ، وعودها بعد موت المعمَر إِلَى المعمِّر، وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا تصح فِي حَالَة الْإِطْلَاق، ويتأبد الْملك فَفِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي أَحدهمَا: عدم الصِّحَّة. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهُوَ أسبق إِلَى الْفَهم، وَرجحه القَاضِي ابْن كج، وَصَاحب التمة، وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ. وَالثَّانِي: يَصح، وَيَلْغُو الشَّرْط، وَعَزاهُ الرَّافِعِيّ للأكثرين.
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا ينْتَقل إِلَى المعمَر: هَل ينْتَقل إِلَيْهِ ملك الرَّقَبَة حَتَّى يجوز لَهُ البيع وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَغير ذَلِك من التَّصَرُّفَات، أَو إِنَّمَا تنْتَقل إِلَيْهِ الْمَنْفَعَة فَقَط. كالوقف؟ فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن ذَلِك تمْلِيك للرقبة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَذهب مَالك إِلَى أَنه إِنَّمَا يملك الْمَنْفَعَة فَقَط، فعلى هَذَا فَإِنَّهَا ترجع إِلَى المعمر إِذا مَاتَ المعمَر عَن غير وَارِث، أَو انقرضت ورثته، وَلَا يرجع إِلَى بَيت المَال.
ثمَّ هَهُنَا مسَائِل مُتَعَلقَة بِهَذَا الْبَاب.
الأولى: الْعُمْرَى الْمَذْكُورَة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَفِي غَيره، هَل هِيَ عَامَّة فِي كل مَا يَصح تَمْلِيكه من الْعقار وَالْحَيَوَان والأثاث وَغَيرهَا، أَو يخْتَص ذَلِك بالعقار؟ الْجَواب: أَن أَكثر وُرُود الْأَحَادِيث فِي الدّور والأراضي، فإمَّا أَن يكون خرج مخرج الْغَالِب فَلَا يكون لَهُ مَفْهُوم، ويعم الحكم كل مَا يَصح تَمْلِيكه. أَو يُقَال: هَذَا الحكم ورد على خلاف الأَصْل، فَيقْتَصر على مورد النَّص، فَلَا يتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيره، قَالَ شَيخنَا: لم أرَ من تعرض لذَلِك، إلَاّ أَن الرَّافِعِيّ مثل فِي أَمْثِلَة الْعمريّ بِغَيْر الْعقار، فَقَالَ: وَلَو قَالَ: دَاري لَك عمرك فَإِذا مت فَهِيَ لزيد، أَو: عَبدِي لَك عمرك فَإِذا مت فَهُوَ حر، تصح الْعُمْرَى على قَوْلنَا الْجَدِيد، ولغى الْمَذْكُور بعْدهَا، فَعلم من هَذَا جَرَيَان الحكم فِي العبيد وَغَيرهم.
الثَّانِيَة: هَل يَسْتَوِي فِي الْعُمْرَى تَقْيِيد ذَلِك بعمر الْوَاهِب كَمَا لَو قَيده بعمر الْمَوْهُوب؟ فَعَن أبي عبيد التَّسْوِيَة بَينهمَا، لِأَنَّهُ فسر الْعمريّ بِأَن يَقُول للرجل: هَذِه الدَّار لَك عمرك أَو عمري، وَلَكِن عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي عدم الصِّحَّة فِي هَذِه الصُّورَة. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَو قَالَ: جعلت لَك هَذِه الدَّار عمري أَو حَياتِي
الثَّالِثَة: إِذا قيد الْوَاهِب الْعُمْرَى بعمر أجبني، بِأَن قَالَ: جعلت هَذِه الدَّار لَك عمر زيد، فَهَل يَصح؟ قَالَ الرَّافِعِيّ: أجْرى فِيهِ الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ: عمري أَو حَياتِي
فعلى هَذَا فَالْأَصَحّ عدم الصِّحَّة لِخُرُوجِهِ عَن اللَّفْظ الْوَارِد فِيهِ.
الرَّابِعَة: إِذا لم يشْتَرط الْوَاهِب الرُّجُوع بعد موت المعمر لنَفسِهِ بل شَرطه لغيره، فَقَالَ: فَإِذا مت فَهِيَ لزيد، قَالَ الرَّافِعِيّ: يَصح وَيَلْغُو الشَّرْط، وَكَذَا لَو قَالَ: أعمرتك عَبدِي فَإِذا مت فَهُوَ حر يَصح، وَيَلْغُو الشَّرْط على الْجَدِيد.
الْخَامِسَة: إِذا لم يذكر الْعُمر فِي العقد بل أوردهُ بِصِيغَة الْهِبَة، كَمَا إِذا قَالَ: وَهبتك هَذِه الدَّار، فَإِذا مت رجعت إليَّ فَهَذَا لَا يَصح، قَالَ الرَّافِعِيّ: ظَاهر الْمَذْهَب فَسَاد الْهِبَة وَالْوَقْف بِالشُّرُوطِ الَّتِي يفْسد بهَا البيع، بِخِلَاف الْعُمْرَى لما فِيهَا من الْإِخْبَار.
السَّادِسَة: إِذا أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الْعُمْرَى، وَلَكِن بِصِيغَة البيع، فَقَالَ: مَلكتك هَذِه الدَّار بِعشْرَة عمرك، فَنقل الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج أَنه قَالَ: لَا ينْعَقد عِنْدِي جَوَازه تَفْرِيعا على الْجَدِيد. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ: لَا يجوز، قَالَ شَيخنَا: مَا قَالَه أَبُو عَليّ هُوَ الصَّحِيح نقلا وتوجيهاً، فقد جزم بِهِ ابْن شُرَيْح وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَالْمَاوَرْدِيّ، وَمَا نَقله عَن ابْن كج احْتِمَال، وَقَالَ بِهِ ابْن خيران فِيمَا حَكَاهُ صَاحب التَّحْرِير.
السَّابِعَة: هَل تجوز الْوَصِيَّة بالعمرى بِأَن يَقُول: إِذا مت فَهَذِهِ الدَّار لزيد عمره، كَمَا يجوز تنجيزها؟ فَقَالَ بِهِ الرَّافِعِيّ، وَلكنهَا تعْتَبر من الثُّلُث.
الثَّامِنَة: لَا يجوز تَعْلِيق الْعُمْرَى بِغَيْر موت المعمِر، كَقَوْلِه إِذا مَاتَ فلَان فقد أعمرتك هَذِه الدَّار.
وَأما الرقبى فَهُوَ أَن يَقُول الرجل للرجل: أرقبتك دَاري إِن متُ قبلك فَهِيَ لَك وَإِن مت قبلي فَهِيَ لي، وَهُوَ مُشْتَقّ من الرقوب، فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يترقب موت صَاحبه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: ذهب بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَغَيرهم أَن الرقبي جَائِزَة مثل الْعمريّ. وَهُوَ قَول أَحْمد وأسحاق وَفرق بعض أهل الْعلم من أهل الْكُوفَة من أهل الْكُوفَة وَغَيرهم بَين الْعُمْرَى والرقبى، فأجازوا الْعُمْرَى وَلم يجيزوا الرقبى، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : الْعُمْرَى جَائِزَة للمعمِر لَهُ فِي حَال حَيَاته ولورثته من بعده. قلت: وَهَذَا قَول جَابر بن عبد الله، وَعبد الله ابْن عَبَّاس، وَعبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَرُوِيَ عَن شُرَيْح وَمُجاهد وطاووس وَالثَّوْري، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) أَيْضا: والرقبى بَاطِلَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَمَالك، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: جَائِزَة، بِهِ قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد.
اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جعَلَكُمْ عُمَّاراً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن من الْعُمْرَى أَن يكون استعمر بِمَعْنى أعمر، كاستهلك بِمَعْنى أهلك، أَي: أعمركم فِيهَا دِيَاركُمْ ثمَّ هُوَ يَرِثهَا مِنْكُم بعد انْقِضَاء أعماركم، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: أَي: أذن لكم فِي عمارتها واستخراج قوتكم مِنْهَا. وَقيل: استعمركم من الْعُمر نَحْو: استبقاكم من الْبَقَاء، وَقيل: استعمركم أَي: عمركم بالعمارة. قَوْله: (عمَّاراً) بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم.
5262 -
حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قضاى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالعُمْرى أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله مَا قيل فِي الْعُمْرَى، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ جَابر هُوَ الَّذِي قيل فِيهَا، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة: مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن القواريري عَن جمَاعَة غَيره، وَأَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَغَيره. وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، وَالنَّسَائِيّ فِي الْعُمْرَى عَن عبد الْأَعْلَى وَغَيره، وَابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.
قَوْله: (قضى النَّبِي، صلى الله عليه وسلم ، أَي: حكم (بالعمرى) أَي بِصِحَّتِهَا. قَوْله: (أَنَّهَا)، أَي: بِأَنَّهَا، أَي: بِأَن الْهِبَة (لمن وهبت لَهُ) ، ووهبت على صِيغَة الْمَجْهُول.
وروى مُسلم حَدِيث جَابر بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وأسانيد متباينة، أخرج عَن أبي سَلمَة وَلَفظه: الْعُمْرَى لمن وهبت لَهُ. وَعَن
أبي سَلمَة أَيْضا عَنهُ أَن رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، قَالَ:(أَيّمَا رجل أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَأَنَّهَا للَّذي أعطيها لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا) ، لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث. وَعَن أبي سَلمَة عَنهُ أَيْضا. وَلَفظه، قَالَ، صلى الله عليه وسلم:(أَيّمَا رجل أعمر رجلا عمرى لَهُ ولعقبه، فَقَالَ: قد أعطيتكها وَعَقِبك مَا بَقِي مِنْكُم أحد فَإِنَّهَا لمن أعطيها، وَإِنَّهَا لَا ترجع إِلَى صَاحبهَا من أجل أَنه أَعْطَاهَا عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث) . وَعَن أبي سَلمَة أَيْضا عَن جَابر قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجَاز رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم أَن تَقول: هِيَ لَك ولعقبك، فَأَما إِذا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا ترجع إِلَى صَاحبهَا. قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يُفْتِي بِهِ. وَعَن أبي سَلمَة أَيْضا عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى فِيمَن أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَهِيَ لَهُ بتلة لَا يجوز للمعطي فِيهَا شَرط وَلَا ثنيا، قَالَ أَبُو سَلمَة لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث. فَقطعت الْمَوَارِيث شَرطه. وَأخرج مُسلم أَيْضا من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر يرفعهُ إِلَى النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ:(أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم وَلَا تفسدوها، فَإِنَّهُ من أعمر عمرى فَهِيَ للَّذي أعمرها حَيا أَو مَيتا ولعقبه) . وَعَن أبي الزبير أَيْضا عَنهُ، قَالَ: أعمرت امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ حَائِطا لَهَا ابْنا لَهَا، ثمَّ توفّي وَتوفيت بعده، وَترك ولدا بعده، وَله إخْوَة بنُون للمعمرة، فَقَالَ ولد المعمرة: رَجَعَ الْحَائِط إِلَيْنَا، فَقَالَ بَنو المعمّر: بل كَانَ لأبينا حَيَاته وَمَوته، فاختصموا إِلَى طَارق مولى عُثْمَان فَدَعَا جَابِرا فَشهد على رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم بالعمرى لصَاحِبهَا فَقضى بذلك طَارق، ثمَّ كتب إِلَى عبد الْملك فَأخْبرهُ بذلك، وَأخْبرهُ بِشَهَادَة جَابر، فَقَالَ عبد الْملك: صدق جَابر، فَأمْضى ذَلِك طَارق بِأَن ذَلِك الْحَائِط لبني المعمَر حَتَّى الْيَوْم. وَأخرج مُسلم أَيْضا من حَدِيث عَطاء عَن جَابر عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم قَالَ:(الْعُمْرَى جَائِزَة) . وَأخرج أَيْضا عَن عَطاء عَنهُ عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:(المرى مِيرَاث لأَهْلهَا) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مفصلا فِي أول الْبَاب، وبهذه الْأَحَادِيث احْتج أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَأَبُو عبيد، على: أَن الْعُمْرَى لَهُ يملكهَا ملكا تَاما يتَصَرَّف فِيهَا تصرف الْملاك، واشترطوا فِيهَا الْقَبْض على أصولهم فِي الهبات. وَذهب الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَيزِيد بن قسيط وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك إِلَى أَن الْعمريّ جَائِزَة وَلكنهَا ترجع إِلَى الَّذِي أعمرها، واحتجواغ فِي ذَلِك بقوله صلى الله عليه وسلم:(الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأجَاب عَنهُ الطَّحَاوِيّ بِأَن هَذَا على الشُّرُوط الَّتِي قد أَبَاحَ الْكتاب اشْتِرَاطهَا، وَجَاءَت بهَا السّنة، وَأجْمع عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ، وَمَا نهى عَنهُ الْكتاب ونهت عَنهُ السّنة فَهُوَ غير دَاخل فِي ذَلِك. ألَا تَرى أَن رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، قَالَ فِي حَدِيث بَرِيرَة:(كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ بَاطِل، وَإِن كَانَ مائَة شَرط) ؟ .
6262 -
حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا قَتادَةُ قَالَ حدَّثني النَّضْرُ بنُ أنس عنْ بَشيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ العُمْراى جائِزَةٌ.
هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة مثل حَدِيث جَابر، لَكِن حَدِيث جَابر روى عَن فعله، وَهَذَا عَن قَوْله، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن أنس بن مَالك البُخَارِيّ الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: ابْن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء: السلوسي، وَيُقَال: السدُوسِي، يعد فِي الْبَصرِيين. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم قَتَادَة وَالنضْر وَبشير.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار وَعَن يحيى ابْن حبيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن أبي الْوَلِيد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعُمْرَى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.
قَوْله: (الْعُمْرَى جَائِزَة)، قَالَ الطَّحَاوِيّ: أَي جَائِزَة للمعمَر لَا حق فِيهَا للمعمِر بعد ذَلِك أبدا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ:(الْعُمْرَى جَائِزَة لأَهْلهَا، أَو مِيرَاث لأَهْلهَا) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم:(الْعُمْرَى جَائِزَة لمن أعمرها، والرقبى لمن راقبها، سَبِيلهَا سَبِيل الْمِيرَاث) .
فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم قَالَ:(لَا عمرى، فَمن أعمر شَيْئا فَهُوَ لَهُ) . وَهَذَا يُعَارض هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَا مُعَارضَة، لِأَن معنى الحَدِيث قَوْله: لَا عمرى بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة على مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة من الرُّجُوع، أَي: فَلَيْسَ لَهُم الْعُمْرَى الْمَعْرُوفَة عِنْدهم الْمُقْتَضِيَة للرُّجُوع. فَإِن قلت: فِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد النَّسَائِيّ: (لَا عمرى وَلَا رقبى)، وَعند أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث جَابر:(لَا ترقبوا وَلَا تعمروا)، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم لَا تفسدوها
…
الحَدِيث، وَقد مضى عَن قريب؟ قلت: أَحَادِيث النَّهْي مَحْمُولَة على الْإِرْشَاد، يَعْنِي: إِن كَانَ لكم غَرَض فِي عود أَمْوَالكُم إِلَيْكُم فَلَا تعمروها فَإِنَّكُم إِذا أعمرتموها لم ترجع إِلَيْكُم، فَلذَلِك قَالَ: لَا تفسدوها، أَي: لَا تفسدوا ماليتكم فَإِنَّهَا لن تعود إِلَيْكُم، وَفِي بعض طرق حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: جعلت الْأَنْصَار يعمرون الْمُهَاجِرين، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم:(أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم) . انْتهى. وَكَأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم