الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضَّيْف: وجائزته يَوْم وَلَيْلَة، والجائزة تفضل لَا وَاجِبَة، وَقيل: هَذَا كَانَ مَخْصُوصًا بالعمال المبعوثين لقبض الصَّدقَات من جِهَة الإِمَام، فَكَانَ على الْمَبْعُوث إِلَيْهِم إنزالهم فِي مُقَابلَة عَمَلهم الَّذِي يتولونه، لِأَنَّهُ لَا قيام لَهُم إلَاّ بذلك، حَكَاهُ الْخطابِيّ، قَالَ: وَكَانَ هَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان إِذْ لم يكن للْمُسلمين بَيت مَال، فَأَما الْيَوْم فأرزاق الْعمَّال من بَيت المَال. قَالَ: وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب أَبُو يُوسُف فِي الضِّيَافَة على أهل نَجْرَان خَاصَّة، وَقيل: كَانَ هَذَا خَاصّا بِأَهْل الذِّمَّة، وَقد شَرط عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين ضرب الْجِزْيَة على نَصَارَى الشَّام ضِيَافَة من نزل بهم، وَقَالَ ابْن التِّين: نسخه قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} (الْبَقَرَة: 881) . قَالَ: وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي أهل العمود والمواطن الَّتِي لَا أسواق فِيهَا.
91 -
(بابُ مَا جاءَ فِي السَّقَائِفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي السقائف، وَهُوَ جمع سَقِيفَة، على وزن فعيلة بِمَعْنى مفعولة، وَهِي الْمَكَان المظلل كالساباط والحوانيت بِجَانِب الدَّار، وَكَانَ مُرَاده من وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْجُلُوس فِي الْأَمْكِنَة الْعَامَّة جَائِز، وَأَن اتِّخَاذ صَاحب الدَّار ساباطاً أَو مستظلاً جَائِز إِذا لم يضر الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: لما كَانَ لأهل الْمَوَاضِع أَن يرتفقوا بسقائفهم وأفنيتهم جَازَ الْجُلُوس فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: السقائف والحواني قد علم النَّاس لِمَ وضعت، وَمن اتخذ فِيهَا مَجْلِسا فَذَلِك مُبَاح لَهُ إِذا الْتزم مَا فِي ذَلِك من: غض الْبَصَر، ورد السَّلَام، وهداية الضال، وَجَمِيع شُرُوطه.
وجَلَسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق سهل بن سعد فِي الْأَشْرِبَة على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وسقيفة بني سَاعِدَة كَانُوا يَجْتَمعُونَ فِيهَا، وَكَانَت مُشْتَركَة بَينهم، وَجلسَ النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، مَعَهم فِيهَا، وفيهَا وَقعت الْمُبَايعَة بخلافة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبَنُو سَاعِدَة فِي الْأَنْصَار فِي الْخَزْرَج، وساعدة هُوَ ابْن كَعْب بن الْخَزْرَج، قَالَ ابْن دُرَيْد: سَاعِدَة اسْم من أَسمَاء الْأسد.
2642 -
حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ ح وأخْبَرَنِي يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ عنْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قَالَ حِينَ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّ الأنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: لَيْسَ لإدخال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْمَظَالِم وَجه، قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْغَرَض بَيَان أَن الْجُلُوس فِي السَّقِيفَة الَّتِي للعامة لَيْسَ ظلما، وَفِيه مَا فِيهِ. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) أَي: قَالَ ابْن وهب وَيُونُس أَيْضا: أَخْبرنِي بِهِ، وَهَذَا تَحْويل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر، وَكَانَ ابْن وهب حَرِيصًا على التَّفْرِقَة بَين التحديث والإخبار مُرَاعَاة للاصطلاح، وَيُقَال: إِنَّه أول من اصْطلحَ على ذَلِك بِمصْر، والْحَدِيث مُخْتَصر من قصَّة بيعَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة، وَفِي كتاب الْحُدُود بِطُولِهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
02 -
(بابٌ لَا يَمْنَعُ جارٌ جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يمْنَع جَار
…
إِلَى آخِره. قَوْله: (خَشَبَة) ، بِالْإِفْرَادِ والتنوين فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره خشباً بِصِيغَة الْجمع، وَرَأَيْت صَاحب (التَّلْوِيح) قد ضبط بِيَدِهِ: خشباً، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الشين. قلت: تجمع الْخَشَبَة على خشب بِفتْحَتَيْنِ وخشب بِضَم الْخَاء وَسُكُون الشين وخشب بِضَمَّتَيْنِ وخشبان، وروى الطَّحَاوِيّ عَن جمَاعَة من الْمَشَايِخ أَنهم رَوَوْهُ فِي الحَدِيث بِالْإِفْرَادِ، وَأنكر ذَلِك عبد الْغَنِيّ بن سعيد، فَقَالَ: النَّاس كلهم يَقُولُونَ بِالْجمعِ إلَاّ الطَّحَاوِيّ.
قلت: إِنْكَار عبد الْغَنِيّ لَيْسَ بموجه، لِأَن الطَّحَاوِيّ مَا انْفَرد بِهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن الْمَشَايِخ فَكيف يَقُول: النَّاس كلهم؟ وَقَالَ أَبُو عمر: قد رُوِيَ اللفظان يَعْنِي: الْإِفْرَاد وَالْجمع. فِي (الْمُوَطَّأ) ، والإفراد أحسن لِأَن أمره أخف فِي مُسَامَحَة الْجَار، بِخِلَاف الْجمع، لِأَنَّهُ أشق عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاحِد.
3642 -
حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يمْنَعُ جارٌ جارَهُ أنْ يَغرِزَ خشَبةً فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ مالِي أراكُمْ مُعْرِضِينَ وَالله لأرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أكْتَافِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إنَّهُمَا سَوَاء، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاء عَن مُسَدّد وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن مَالك عَن ابْن شهَاب) كَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) وَقَالَ خَالِد بن مخلد: عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد، بدل: ابْن شهَاب. وَقَالَ بشر بن عمر: عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة، بدل: الْأَعْرَج، وَوَافَقَهُ هِشَام بن يُوسُف عَن مَالك وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب)، وَقَالَ: الْمَحْفُوظ عَن مَالك الأول، وَقَالَ فِي (الْعِلَل) : رَوَاهُ هِشَام الدستوَائي: عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ب الْمسيب، بدل: الْأَعْرَج، وَكَذَا قَالَ عقيل: عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ ابْن أبي حَفْصَة: عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، بدل: الْأَعْرَج. وَالْمَحْفُوظ: عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج، وَبِذَلِك جزم ابْن عبد الْبر أَيْضا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه يحْتَمل أَن يكون عِنْد الزُّهْرِيّ عَن الْجَمِيع. قَوْله:(لَا يمْنَع) بِالْجَزْمِ على أَن كلمة: لَا، ناهية، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالرَّفْع، على أَن: لَا، نَافِيَة خبر بِمَعْنى النَّهْي، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: لَا يمنعن، بِزِيَادَة نون التَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه:(لَا ضَرَر وَلَا ضرار، وللرجل أَن يضع خَشَبَة فِي حَائِط جَاره) . قَوْله: (أَن يغرز)، أَي: بِأَن يغرز، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بغرز خَشَبَة فِي جِدَار جَاره. قَوْله: (ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة)، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم أَخَاهُ أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَاره فَلَا يمنعهُ، فنكسوا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: مَا لي أَرَاكُم قد أعرضتم، لألقينَّها بَين أكتافكم. وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فَلَمَّا حَدثهمْ أَبُو هُرَيْرَة بذلك طأطأوا رؤوسهم. قَوْله: (عَنْهَا)، أَي: عَن هَذِه الْمقَالة، أَو عَن هَذِه السنَّة. قَوْله:(لأرمينَّ بهَا)، وَفِي رِوَايَة: لأرمينها. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: لألقينها، كَمَا مرت الْآن. قَوْله:(بَين أكتافكم)، قَالَ ابْن عبد الْبر: روينَاهُ فِي (الْمُوَطَّأ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة وبالنون، يَعْنِي: بِالْوَجْهَيْنِ: بأكتافكم، جمع كتف بِالتَّاءِ، وبأكنافكم، بالنُّون: جمع كنف، وَهُوَ الْجَانِب، قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ إِن لم تقبلُوا هَذَا الحكم وتعملوا بِهِ راضين لأجعلنَّها أَي: الْخَشَبَة على رِقَابكُمْ كارهين، وَأَرَادَ بذلك الْمُبَالغَة، وَوَقع ذَلِك من أبي هُرَيْرَة حِين كَانَ يَلِي إمرة الْمَدِينَة لمروان، وَوَقع فِي رِوَايَة عِنْد ابْن عبد الْبر من وَجه آخر: لأرمين بهَا بَين أعينكُم وَإِن كرهتم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف الْعلمَاء فِي معنى هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ قوم: مَعْنَاهُ النّدب إِلَى بر الْجَار وَلَيْسَ على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك، قَالَ: لَيْسَ يقْضِي على رجل أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَار جَاره، وَإِنَّمَا نرى أَن ذَلِك كَانَ من رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، على الوصاءة بالجار. قَالَ: وَأكْثر عُلَمَاء السّلف أَن ذَلِك على النّدب، وَحَمَلُوهُ على معنى قَوْله، صلى الله عليه وسلم:(إِذا اسْتَأْذَنت أحدَكم امرأتُه إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يمْنَعهَا)، وَقد مر فِي حَدِيث أبي دَاوُد: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم أَخَاهُ، وَقيد بَعضهم الْوُجُوب بالاستئذان، وَقَالَ قوم: هُوَ وَاجِب إِذا لم يكن فِي ذَلِك مضرَّة على صَاحب الْجِدَار، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْر وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب، وروى الشَّافِعِي عَن مَالك بِسَنَد صَحِيح: أَن الضَّحَّاك بن خَليفَة سَأَلَ مُحَمَّد بن مسلمة أَن