المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب إثم من ترك العصر) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - جـ ٥

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌(كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة)

- ‌ بَاب مَوَاقِيت الصَّلَاة وفضلها

- ‌(بابٌ قَوْلُ الله تَعَالَى {مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الرّوم:

- ‌(بابُ البَيْعَةِ عَلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ)

- ‌(بابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ)

- ‌(بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ لوَقْتِهَا)

- ‌(بابٌ الصَلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ)

- ‌(بابُ تَضْيِيعِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا)

- ‌(بابٌ المصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عز وجل

- ‌(بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)

- ‌(بابُ الإبْرَادِ بِالظُهْرِ فِي السفَرِ)

- ‌(بابٌ وَقْتُ الظهْرِ عِنْدَ الزَّوَال)

- ‌(بابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إلَى العَصَرِ)

- ‌(بابُ وَقْتِ العَصْرِ. وقَالَ أبُو أُسامَةَ عنْ هِشَامٍ منْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا)

- ‌(بابُ إثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ)

- ‌(بابُ منْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ)

- ‌(بابُ وقْتِ المغْرَبَ)

- ‌(بابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ العِشَاءُ)

- ‌(بابُ ذِكْرِ العِشَاءِ والعَتْمَةِ ومَنْ رَآهُ واسِعا)

- ‌(بابُ وَقْتِ العِشَاءِ إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أوْ تَأَخَّرُوا

- ‌(بابُ وَقْتِ العِشَاءِ إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أوْ تَأَخَّرُوا

- ‌‌‌(يايُ فَضْلِ العِشَاءِ

- ‌(يايُ فَضْلِ العِشَاءِ

- ‌(بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ)

- ‌(بابُ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ)

- ‌(بابُ وقْتِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ الليْلِ)

- ‌(بابُ فَضْلِ صَّلَاةِ الفَجْرِ)

- ‌(بابُ وقتِ الفَجْرِ)

- ‌(بابُ منْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ)

- ‌(بابُ مَنْ أدْرَكَ مِنَ الصَّلاة رَكْعَةً)

- ‌(بابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ)

- ‌(بابٌ لَا يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ)

- ‌(بابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ ألَاّ بَعْدَ العَصْرِ والفَجْرِ)

- ‌(بابُ مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ منَ الفَوَائِتِ وغَيْرِهَا)

- ‌(بابُ التَّبْكِيرِ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ)

- ‌(بابُ الأَذَانِ بعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)

- ‌(بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)

- ‌(بابُ منْ نَسِيَ صلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذا ذَكَرهَا وَلَا يُعِيدُ إلَاّ تِلْكَ الصَّلَاةِ)

- ‌(بَاب قضَاءِ الصَّلَوَاتِ الأُولَى فَالأُولَى)

- ‌(بابُ مَا يُكْرَهُ منَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ)

- ‌(بابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ)

- ‌(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

- ‌(بابُ السَّمَرِ معَ الضَّيْفِ والأَهْلِ)

- ‌(كِتَابُ الأذَانِ)

- ‌(بابُ بِدْءَ الأَذَانِ)

- ‌‌‌(بابٌ الأَذان مَثْنَى مَثْنَى)

- ‌(بابٌ الأَذان مَثْنَى مَثْنَى)

- ‌(بابٌ الإِقامَةُ واحِدَةٌ إِلَاّ قَوْلَهُ قَدْ قامَتِ الصَّلَاةُ)

- ‌(بابُ فَضْلِ التَّأذِينِ)

- ‌(بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بالنِّدَاءِ)

- ‌(بابُ مَا يُحْقَنُ بِالآذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ)

- ‌(بابُ مَا يَقُولُ إذَا سَمِعَ المُنَادِي)

- ‌(بابُ الدُّعاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ)

- ‌(بابُ الاستِهَامِ فِي الأذَانِ)

- ‌(بابُ الكَلَامِ فِي الأذَانِ)

- ‌(بابُ أَذانِ الأعْمَى إذَا كانَ لهُ مَنْ يُخْبِرِهِ)

- ‌(بابُ الآذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ)

- ‌(بابُ الأذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ)

- ‌(بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإقَامَةَ)

- ‌(بابٌ هَل يُتْبِعُ المُؤَذِّنُ فاهُ هَهنا وهَهُنا وهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ)

- ‌(بابُ قَوْلِ الرَّجلِ فاتَتْنَا الصلاةُ)

- ‌(بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ وَلْيَأْتِ بالسَّكِينَةِ والوَقارِ)

- ‌(بابٌ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إذَا رَأوُا الإِمامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ)

- ‌(بابٌ لَا يَسْعَى إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلاً وَلْيُقِمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ)

- ‌(بابٌ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ

- ‌(بابٌ إذَا قالَ الإمامُ مكانَكُمْ حَتَّى نَرْجِعَ انْتَظِرُوه)

- ‌(بابُ قَوْلِ الرَّجلِ مَا صَلَّيْنا)

- ‌(بابُ الإمامِ تَعْرِضُ لَهُ الحاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ)

- ‌(بابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ)

- ‌(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ)

- ‌(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعةٍ)

- ‌(بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إلَى الظُّهْرِ)

- ‌(بابُ احْتِسَابِ الآثَارِ)

- ‌(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ)

- ‌(بابٌ اثْنان فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ)

- ‌(بابُ مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِد يَنْتَظَرُ الصَّلاةَ وفَضْلِ المسَاجِدِ)

- ‌(بابُ فَضْل منْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ ومنْ راحَ)

- ‌(بابٌ إذَا أُقِيمَتِ الصلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَاّ المَكْتُوبَةُ)

- ‌(بابُ حَدِّ المَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ)

- ‌(بابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ والعِلَّةِ أنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ)

- ‌(بابٌ هَلْ يُصَلِّي الإِمامُ بِمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ)

- ‌(بابٌ إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وأُقِيمتِ الصَّلَاةُ)

- ‌(بابُ إذَا دُعِيَ الإمامُ إلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يأكُلُ)

- ‌(بابُ منْ كانَ فِي حاجَةِ أهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ)

- ‌(بابُ مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ وَهْوَ لَا يُرِيدُ إلَاّ أنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسُنَّتَهْ)

- ‌(بابٌ أهْلُ العِلْمِ والفَضْلِ أحَقُّ بِالإمَامةِ)

- ‌(بابُ منْ قامَ إلَى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ)

- ‌(بابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ الناسَ فَجَاءَ الإمامُ الأوَّلُ فَتَأخَّرَ الأوَّلُ أوْ لَمْ يَتَأخَّرْ جازَتْ صَلَاتُهُ)

- ‌(بابٌ إذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أكْبَرُهُمْ)

- ‌(بابٌ إِذا زَارَ الإمامُ قَوْما فَأمَّهُمْ)

- ‌(بابٌ إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)

- ‌(بابُ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ)

- ‌(بابُ إثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ)

- ‌(بابُ إمامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى)

- ‌(بابٌ إذَا لَمْ يُتِمَّ الإمَامُ وَأَتَم مَنْ خَلْفَهُ)

- ‌(بابُ إمَامَةِ المَفْتُونِ والمُبْتَدِعِ)

- ‌(بابٌ يَقُومُ عنْ يَمِينِ الإمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إذَا كانَا اثْنَيْنِ)

- ‌(بابٌ إذَا قامَ الرَّجُلُ عنْ يَسارِ الإمَامِ فَحَوَّلَهُ الإمَامُ إلَى يَمِينِهِ لَمْ تَفْسُدْ صلَاتُهُمَا)

- ‌(بابٌ إذَا لَمْ يَنْوِ الإمَامْ أَن يَؤُمَّ ثُمَّ جاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ)

- ‌(بابٌ إذَا طَوَّلَ الإمامُ وكانَ لِلرَّجُلِ حاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى)

- ‌(بابُ تَخْفِيفِ الإمَامِ فِي القِيامِ وإتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)

- ‌(بابٌ إذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شاءَ)

- ‌(بابُ منْ شكا إمامَهُ إذَا طَوَّلَ)

- ‌(بابُ الإيجَازِ فِي الصَّلاةِ وَإكْمَالِهَا)

- ‌(بابُ منْ أخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصّبِيِّ)

- ‌(بابُ إذَا صَلَّى ثُمَّ أمَّ قَوْما)

- ‌(بابُ مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإمَامِ)

- ‌(بابٌ الرَّجُلُ يَأتَمُّ بالإمَامِ ويأتَمُّ النَّاسُ بِالمَأمُومِ)

- ‌(بابٌ هِلْ يَأخُذُ الإمَامُ إذَا شَكَّ بِقَوْلِ الناسِ)

- ‌(بابٌ إذَا بَكَى الإمامُ فِي الصَّلاةِ

- ‌(بابُ إقْبَالِ الإمامِ النَّاسَ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُفُوفِ)

- ‌(بابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ)

- ‌(بابٌ إقامةُ الصَّف مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)

- ‌(بابُ إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ)

- ‌(بابُ الصَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ والقَدَم بالقَدَمِ فِي الصَّفِّ)

- ‌(بابٌ إِذا قامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ وَحَوَّلَهُ الإمامُ خَلْفَهُ إلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صلاتُهُ)

- ‌(بابٌ المَرْأةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفّا)

- ‌(بابُ مَيْمَنَةِ المَسْجِدِ والإمَامِ)

- ‌(بابٌ إذَا كانَ بَيْنَ الإمَامِ وبَيْنَ القَوْمِ حائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ)

- ‌(بابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ)

- ‌(أبْوابُ صِفَةُ الصَّلَاةِ)

- ‌(بابُ إيجَاب التَّكبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ)

- ‌(بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأولَى مَعَ الافْتِتَاحِ سَوَاءً)

- ‌(بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ إذَا كَبَّرَ وإذَا رَكَعَ وإذَا رَفَعَ)

- ‌(بابُ إلَى أيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ)

- ‌(بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إذَا قامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ)

- ‌(بابُ وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ)

- ‌(بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ)

- ‌(بابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ)

- ‌(بابُ رَفْعِ البَصَرِ إلَى الإمَامِ فِي الصَّلَاةِ)

- ‌(بَاب رفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة)

- ‌(بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة)

الفصل: ‌(باب إثم من ترك العصر)

على الصَّحِيح أَنَّهَا الصَّلَاة الْوُسْطَى، وَبهَا تختم الصَّلَوَات. وَاعْترض النَّوَوِيّ لِابْنِ عبد الْبر فِي قَوْله: فعلى هَذَا يكون حكم من فَاتَهُ الصُّبْح. . إِلَى آخِره، فَإِن غير الْمَنْصُوص إِنَّمَا يلْحق بالمنصوص إِذا عرفت الْعلَّة واشتركا فِيهَا. قَالَ: وَالْعلَّة فِي هَذَا الحكم لم تتَحَقَّق فَلَا يلْحق غير الْعَصْر بهَا. انْتهى. قلت: لقَائِل أَن يحْتَج لِابْنِ عبد الْبر بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: (من ترك صَلَاة مَكْتُوبَة حَتَّى تفوته) الحَدِيث، ورد بِأَن فِي إِسْنَاده انْقِطَاعًا، لِأَن أَبَا قلَابَة لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد روى أَحْمد حَدِيث أبي الدَّرْدَاء بِلَفْظ:(من ترك الْعَصْر)، فَرجع حَدِيث أبي الدَّرْدَاء إِلَى تعْيين الْعَصْر. قلت: روى ابْن حبَان وَغَيره عَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة مَرْفُوعا: (من فَاتَتْهُ الصَّلَاة فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله) . وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يَشْمَل جَمِيع الصَّلَوَات المكتوبات، وَلَكِن روى الطَّبَرَانِيّ هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث الْبَاب من وَجه آخر، وَزَاد فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ:(قلت لأبي بكر يَعْنِي ابْن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ الَّذِي حَدثهُ بِهِ مَا هَذِه الصَّلَاة؟ قَالَ: الْعَصْر) . رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة من وَجه آخر، فَصرحَ بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر فصرحا بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر، وَفِيه: إِن التَّفْسِير من قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاعْترض ابْن الْمُنِير على قَول الْمُهلب الْمَذْكُور عَن قريب بِأَن الْفجْر أَيْضا فِيهَا شُهُود الْمَلَائِكَة الليلية والنهارية، فَلَا يخْتَص الْعَصْر بذلك. قَالَ: وَالْحق أَن الله تَعَالَى يخص مَا شَاءَ من الصَّلَوَات بِمَا شَاءَ من الْفَضِيلَة. وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيّ على حَدِيث الْبَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْو عَن وَقت الْعَصْر فَحَمله على الساهي. قلت: لَا تطابق بَين تَرْجَمته وَبَين الحَدِيث، فَإِن لفظ الحَدِيث: الَّذِي تفوته، أَعم من أَن يكون سَاهِيا أَو عَامِدًا، وتخصيصه بالساهي لَا وَجه لَهُ، بل الْقَرِينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بِهَذَا الْوَعيد فِي الْعَامِد دون الساهي.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله يَتِرُكُمْ أعْمَالُكُمْ وَتَرْتُ الرَّجُلَ إذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلاً أوْ أخَذْتُ لَهُ مَالا

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن لَفْظَة: يتركم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يتركم} (مُحَمَّد: 35) . أَنه مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، وَهَذَا يُؤَيّد نصب اللَاّمين فِي الحَدِيث، وَأَشَارَ بقوله (وترت الرجل) ، إِلَى أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَهُوَ يُؤَيّد رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

15 -

(بابُ إثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من ترك صَلَاة الْعَصْر. قيل: لَا فَائِدَة فِي هَذَا التَّبْوِيب لِأَن الْبَاب السَّابِق يُغني عَنهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي الْوَعيد، قلت: بَينهمَا فرق دَقِيق، وَهُوَ أَنهم قد اخْتلفُوا فِي المُرَاد من معنى التفويت على مَا ذكرنَا، وَالتّرْك لَا خلاف فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: إِذا كَانَ عَامِدًا.

553 -

حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أبي المَلِيحِ قالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قالَ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. ((الحَدِيث 553 طرفه فِي: 594) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث يتَضَمَّن حَبط الْعَمَل عِنْد التّرْك، والترجمة فِي إِثْم التّرْك.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسلم بن ابراهيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي الْبَصْرِيّ القصاب، يكنى أَبَا عَمْرو. الثَّانِي: هِشَام بن عبد الله الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى ابْن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي. الْخَامِس: أَبُو الْمليح، بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: واسْمه عَامر بن أُسَامَة الْهُذلِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين. السَّادِس: بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: الْأَسْلَمِيّ، رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاث، مَاتَ غازيا بمرو، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بخراسان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ.

ص: 39

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع بِاتِّفَاق الروَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن هِشَام عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره. أخبرنَا بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره: حَدثنَا. وَفِيه: العنعنة عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمليح، وَعند ابْن خُزَيْمَة: من طَرِيق أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن هِشَام عَن يحيى: أَن أَبَا قلَابَة حَدثهُ، وَعند البُخَارِيّ فِي بَاب التبكير بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الْغَيْم: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي قلَابَة: أَن أَبَا الْمليح حَدثهُ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على الْوَلَاء. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن معَاذ بن فضَالة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى عَن هِشَام بِهِ. وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه وَابْن حبَان من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي قلَابَة عَن أبي المُهَاجر عَنهُ، قَالَ ابْن حبَان: وهم الْأَوْزَاعِيّ فِي تصحيفه عَن يحيى، فَقَالَ: عَن أبي المُهَاجر، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو الْمُهلب عَم أبي قلَابَة عَن عَمه عَنهُ، على الصَّوَاب. وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء الْمَقْدِسِي، فَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو الْمليح عَن أبي بُرَيْدَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ذِي غيم)، صفة يَوْم وَمحل:(فِي غَزْوَة) و: (فِي يَوْم) نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا خص يَوْم الْغَيْم لِأَنَّهُ مَظَنَّة التَّأْخِير، لِأَنَّهُ رُبمَا يشْتَبه عَلَيْهِ فَيخرج الْوَقْت بغروب الشَّمْس. قَوْله:(بَكرُوا) أَي: أَسْرعُوا وعجلوا وَبَادرُوا وكل من بَادر إِلَى الشَّيْء فقد بكر، وأبكر إِلَيْهِ أَي وَقت كَانَ، يُقَال: بَكرُوا بِصَلَاة الْمغرب أَي: صلوها عِنْد سُقُوط القرص. قَوْله: (من ترك) كلمة من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره:(فقد حَبط عمله) . وَدخُول: الْفَاء، فِيهِ لأجل تضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط. و: حَبط، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل، يُقَال: حَبط يحبط من بَاب: علم يعلم، يُقَال: حَبط عمله وأحبطه غَيره، وَهُوَ من قَوْلهم: حبطت الدَّابَّة حَبطًا بِالتَّحْرِيكِ إِذا أَصَابَت مرعى طيبا، فأفرطت فِي الْأكل حَتَّى تنتفخ فتموت، وَزَاد معمر فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث لفظ: مُتَعَمدا، وَكَذَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء. وَفِي رِوَايَة معمر:(أحبط الله عمله)، وَسقط من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لفظ: فقد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا على أَن الْمُسْتَحبّ تَعْجِيل الْعَصْر يَوْم الْغَيْم. الثَّانِي: احْتج بِهِ الْخَوَارِج على تَكْفِير أهل الْمعاصِي، قَالُوا: وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: 5) . ورد عَلَيْهِم أَبُو عمر بِأَن مَفْهُوم الْآيَة أَن من لم يكفر بِالْإِيمَان لم يحبط عمله، فيتعارض مَفْهُوم الْآيَة ومنطوق الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يتَعَيَّن تَأْوِيل الحَدِيث، لِأَن الْجمع إِذا كَانَ مُمكنا كَانَ أولى من التَّرْجِيح، وَنَذْكُر عَن قريب وَجه الْجمع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: احْتج بِهِ بعض الْحَنَابِلَة: أَن تَارِك الصَّلَاة يكفر، ورد بِأَن ظَاهره مَتْرُوك، وَالْمرَاد بِهِ التَّغْلِيظ والتهديد، وَالْكفْر ضد الْإِيمَان وتارك الصَّلَاة لَا يَنْفِي عَنهُ الْإِيمَان، وَأَيْضًا لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لما اخْتصّت الْعَصْر بذلك. وَأما وَجه اخْتِصَاص الْعَصْر بذلك فَلِأَنَّهُ وَقت ارْتِفَاع الْأَعْمَال، وَوقت اشْتِغَال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء فِي هَذَا الْوَقْت بِأَكْثَرَ من وَقت غَيره، وَوقت نزُول مَلَائِكَة اللَّيْل. وَأما وَجه الْجمع فَهُوَ أَن الْجُمْهُور تأولوا الحَدِيث فافترقوا على فرق: فَمنهمْ من أول سَبَب التّرْك فَقَالُوا: المُرَاد من تَركهَا جاحدا لوُجُوبهَا، أَو معترفا لَكِن مستخفا مستهزئا بِمن أَقَامَهَا، وَفِيه نظر، لِأَن الَّذِي فهمه الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيط، وَلِهَذَا أَمر بالتبكير والمبادرة إِلَيْهَا وفهمه أولى من فهم غَيره. وَمِنْهُم من قَالَ: المُرَاد بِهِ من تَركهَا متكاسلاً، لَكِن خرج الْوَعيد مخرج الزّجر الشَّديد، وَظَاهره غير مُرَاد كَقَوْلِه صلى الله عليه وسلم:(لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن) . وَمِنْهُم من أول سَبَب الحبط، فَقيل: هُوَ من مجَاز التَّشْبِيه، كَأَن الْمَعْنى: فقد أشبه من حَبط عمله. قيل: مَعْنَاهُ كَاد أَن يحبط، وَقيل: المُرَاد من الحبط نُقْصَان الْعَمَل فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى، وَكَانَ المُرَاد بِالْعَمَلِ الصَّلَاة خَاصَّة أَي: لَا يحصل على أجر من صلى الْعَصْر، وَلَا يرْتَفع لَهُ عَملهَا حِينَئِذٍ، وَقيل: المُرَاد بالحبط الْإِبْطَال، أَي: بَطل انتفاعه بِعَمَلِهِ فِي وَقت ينْتَفع بِهِ غَيره فِي ذَلِك الْوَقْت. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) ذكر أَن الحبط على قسمَيْنِ: حَبط إِسْقَاط وَهُوَ: إحباط الْكفْر للْإيمَان وَجَمِيع الْحَسَنَات، وحبط موازنة وَهُوَ: إحباط الْمعاصِي للِانْتِفَاع بِالْحَسَنَاتِ عِنْد رُجْحَانهَا عَلَيْهَا إِلَى أَن تحصل النجَاة، فَيرجع إِلَيْهِ جَزَاء حَسَنَاته. وَقيل: المُرَاد بِالْعَمَلِ فِي الحَدِيث الْعَمَل الَّذِي كَانَ سَببا لترك الصَّلَاة، بِمَعْنى أَنه: لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يتمتع وَأقرب الْوُجُوه فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن بزيزة: إِن هَذَا على وَجه التَّغْلِيظ، وَإِن ظَاهره غير مُرَاد، وَالله تَعَالَى أعلم، لِأَن الْأَعْمَال لَا يحبطها إلَاّ الشّرك.

16 -

ص: 40

(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْعَصْر. والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة.

554 -

حدَّثنا الحُمَيْدِي قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِير قَالَ كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي البَدْرَ فَقَالَ إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَوْا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فافْعَلُوا ثمَّ قَرَأَ وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ. قالَ إسْمَاعِيلُ افْعَلوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. . [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَقبل غُرُوبهَا)، أَي: قبل غرُوب الشَّمْس، وَالصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَلَو قَالَ: بَاب فضل الصَّلَاة الْفجْر وَالْعصر لَكَانَ أولى، لِأَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَالْآيَة صَلَاة الْفجْر وَالْعصر كلتاهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، أَي: على جَمِيع الصَّلَوَات، إلَاّ قلت هَذَا التَّقْدِير الْمَذْكُور فِي الحَدِيث فِيهِ تعسف، وَلِأَن جَمِيع الصَّلَوَات مُشْتَركَة فِي الْفضل غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن لصلاتي الْفجْر وَالْعصر مزية على غَيرهمَا، وَإِنَّمَا خصص الْعَصْر بِالذكر للاكتفاء، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{سرابيل تقيكم الْحر} (لنحل: 81) . أَي: وَالْبرد أَيْضا. وَقيل: إِنَّمَا خص الْعَصْر لِأَن فِي وقته ترْتَفع الْأَعْمَال وَتشهد فِيهِ مَلَائِكَة اللَّيْل، وَلِهَذَا ذكر فِي الحَدِيث:(فَإِن اسْتَطَعْتُم) . الحَدِيث. قلت: وَفِي الْفجْر أَيْضا تشهد فِيهِ مَلَائِكَة النَّهَار، وَالْأَوْجه فِي الْجَواب مَا ذكرته الْآن. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن الْعَصْر ذَات فَضِيلَة لَا ذَات أَفضَلِيَّة. قلت: كل الصَّلَوَات ذَوَات فَضِيلَة، والترجمة أَيْضا تنبىء عَن ذَلِك.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد، ونسبته إِلَى جده: حميد الْقرشِي الْمَكِّيّ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وماتين. الثَّانِي: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْفَزارِيّ، مَاتَ بِدِمَشْق سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة، قبل التَّرويَة بِيَوْم فجاة. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة. الْخَامِس: جُبَير بن عبد الله بن جَابر البَجلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَوَقع عِنْد أبي مرْدَوَيْه من طَرِيق شُعْبَة عَن إِسْمَاعِيل التَّصْرِيح بِسَمَاع إِسْمَاعِيل من قيس، وَسَمَاع قيس عَن جرير. وَفِيه: ذكر الْحميدِي بنسبته إِلَى أحد أجداده، وَأَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما: إِسْمَاعِيل وَقيس. وَفِيه: أَن أحد الروَاة من المخضرمين، وَهُوَ: قيس، فَإِنَّهُ قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي الصَّلَاة أَيْضا وَأخرجه فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَفِي التَّوْحِيد عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد وهشيم وَعَن يُوسُف ابْن مُوسَى عَن عَاصِم وَعَن عَبدة بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بِهِ وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير وَأبي اسامة ووكيع ثَلَاثَتهمْ عَن اسماعيل بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان بن ابي شيبَة عَن جرير ووكيع وَأبي أُسَامَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يحيى بن كثير وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه ووكيع وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن خَالِد ويعلى بن عبيد ووكيع وَأبي مُعَاوِيَة، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَيْلَة)، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه من بَاب تنَازع الْفِعْلَيْنِ عَلَيْهِ. قلت: الظَّاهِر أَن: لَيْلَة، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَالتَّقْدِير: نظر إِلَى الْقَمَر فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَهَذِه اللَّيْلَة كَانَت لَيْلَة الْبَدْر. وَبِه صرح فِي رِوَايَة مُسلم، وَسَنذكر اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ. قَوْله:(لَا تضَامون)، رُوِيَ بِضَم التَّاء وبتخفيف الْمِيم: من الضيم، وَهُوَ التَّعَب، وبتشديدها من: الضَّم.

ص: 41

وبفتح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم، قَالَ الْخطابِيّ: يرْوى على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَفْتُوحَة التَّاء مُشَدّدَة الْمِيم، وَأَصله: تتضامون، حذفت إِحْدَى التائين، أَي: لَا يضام بَعْضكُم بَعْضًا كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس فِي طلب الشَّيْء الْخَفي الَّذِي لَا يسهل دركه فيتزاحمون عِنْده، يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُم وادع مَكَانَهُ لَا ينازعه فِي رُؤْيَته أحد. وَالْآخر: لَا تضَامون من: الضيم، أَي: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: لَا تضَامون، بتَشْديد الْمِيم، مُرَاده: أَنكُمْ لَا تختلفون إِلَى بعض فِيهِ حَتَّى تجتمعوا للنَّظَر، وينضم بَعْضكُم إِلَى بعض فَيَقُول وَاحِد: هُوَ ذَاك، وَيَقُول الآخر: لَيْسَ ذَاك، كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال أول الشَّهْر، وبتخفيفها، مَعْنَاهُ: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا بِأَن يَدْفَعهُ عَنهُ أَو يستأثر بِهِ دونه. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أَي: لَا يَقع لكم فِي الرُّؤْيَة ضيم وَهُوَ الذل، وَأَصله: تضيمون فالقيت حَرَكَة الْيَاء على الضَّاد فَصَارَت الْيَاء ألفا لانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا تضَامون، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم، وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة، وَالْمعْنَى لَا ينالكم ضيم، والضيم أَصله: الظُّلم، وَهَذَا الضيم يلْحق الرَّائِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا من مزاحمة الناظرين لَهُ، أَي: لَا تزدحمون فِي رُؤْيَته فيراه بَعْضكُم دون بعض، وَلَا يظلم بَعْضكُم بَعْضًا. وَالثَّانِي: من تَأَخره عَن مقَام النَّاظر الْمُحَقق، فَكَأَن الْمُتَقَدِّمين ضاموه، ورؤية الله عز وجل يَسْتَوِي فِيهَا الْكل، فَلَا ضيم وَلَا ضَرَر وَلَا مشقة. وَفِي رِوَايَة:(لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون) . يَعْنِي: على الشَّك، أَي: لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وترتابون فيعارض بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقيل: لَا تشبهونه فِي رُؤْيَته بِغَيْرِهِ من المرئيات. وَرُوِيَ: (تضَارونَ)، بالراء الْمُشَدّدَة وَالتَّاء مَفْتُوحَة ومضمومة. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُمَا لَا تتضارون أَي: لَا يضار بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته بالمخالفة. وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ تتفاعلون من الضرار، أَي: لَا تتنازعون وتختلفون. وَرُوِيَ إيضا: لَا تضَارونَ، بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الرَّاء، أَي: لَا يَقع للمرء فِي رُؤْيَته ضير مَا بالمخالفة أَو الْمُنَازعَة أَو الخفأ. وَرُوِيَ: تمارون، برَاء مُخَفّفَة يَعْنِي: تجادلون أَي لَا يدخلكم شكّ قَوْله (فان اسْتَطَعْتُم ان لَا تغلبُوا) بِلَفْظ الْمَجْهُول وَكلمَة ان مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير ان لاتغلبوا أَي: من الْغَلَبَة بِالنَّوْمِ والاشتغال بِشَيْء من الْأَشْيَاء الْمَانِعَة عَن الصَّلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقبل غُرُوبهَا قَوْله:(فافعلوا) أَي: الصَّلَاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَزَاد مُسلم بعد قَوْله: قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا يَعْنِي الْعَصْر وَالْفَجْر وَفِي رِوَايَة ابْن مردوية من وَجه آخر عَن اسماعيل (قبل طُلُوع الشَّمْس صَلَاة الصُّبْح، وَقبل غُرُوبهَا صَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِلَفْظ: إفعلوا؟ إِذْ لَا يَصح أَن يُرَاد إفعلوا الِاسْتِطَاعَة، أَو إفعلوا عدم المغلوبية؟ قلت: عدم المغلوبية كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَازم الْإِتْيَان، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَأتوا بِالصَّلَاةِ فاعلين لَهَا. انْتهى. قلت: لَو وَقدر مفعول: إفعلوا، مثل مَا قَدرنَا لَكَانَ اسْتغنى عَن هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب. قَوْله:(ثمَّ قَرَأَ) لم يبين فَاعل: قَرَأَ، من هُوَ فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه النَّبِي صلى الله عليه وسلم، قلت: هَذَا تخمين وحسبان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه: لم يبين أحد فِي رِوَايَته من قَرَأَ، ثمَّ سَاق من طَرِيق أبي نعيم فِي (مستخرجه) أَن جَرِيرًا قَرَأَهُ. قلت: وَقع عِنْد مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَرَأَ جرير، أَي الصَّحَابِيّ. وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : من طَرِيق يعلى بن عبيد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، فالعجب من الشَّيْخ قطب الدّين كَيفَ ذهل عَن عُرْوَة إِلَى مُسلم. قَوْله:(فسبح) التِّلَاوَة، وَسبح: بِالْوَاو، لَا: بِالْفَاءِ، المُرَاد بالتسبيح: الصَّلَاة. قَوْله: (افعلوا)، أَي: افعلوا هَذِه الصَّلَاة لَا تفوتكم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الصَّلَاة، وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد، وَهُوَ مدرج من كَلَام إِسْمَاعِيل، كَذَلِك ثمَّ قَرَأَ مدرج.

ذكر الرِّوَايَات فِي قَوْله: (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته)، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ:(إِذْ نظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، فَقَالَ: أما أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا، لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون فِي رُؤْيَته) . وَفِي كتاب التَّوْحِيد: (أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا) . وَفِي التَّفْسِير: (فَنظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة)، وَعَن اللالكائي عَن البُخَارِيّ:(أَنكُمْ ستعرضون على ربكُم وترونه كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: وَقَالَ زيد بن أبي أنيسَة: (فتنظرون إِلَيْهِ كَمَا تنْظرُون إِلَى هَذَا الْقَمَر)، وَقَالَ وَكِيع:(ستعاينون)، وَسَيَأْتِي عِنْد البُخَارِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد: (هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لَيست فِي سَحَابَة؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ فِيهِ سَحَابَة؟) . قَالُوا: لَا. قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته إِلَّا كَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة أَحدهمَا) . وَعَن أبي مُوسَى عِنْده بِنَحْوِهِ، وَعَن أبي رزين الْعقيلِيّ: (قلت: يَا رَسُول الله أكلنَا يرى ربه منجليا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة؟ . قَالَ: نعم. قَالَ: وَمَا آيَة ذَلِك فِي خلقه؟ قَالَ: يَا أَبَا رزين، أَلَيْسَ كلكُمْ يرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر منجليا بِهِ؟ قَالَ:

ص: 42

فَالله أعظم وَأجل، وَذَلِكَ آيَة فِي خلقه) . وَعند ابْن مَاجَه عَن جَابر:(بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب قد أشرف عَلَيْهِم، فَينْظر إِلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) . وَعَن صُهَيْب عِنْد مُسلم، فَذكر حَدِيثا فِيهِ:(فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فوَاللَّه مَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ) . وَفِي (سنَن اللالكائي) : عَن أنس وَأبي بن كَعْب وَكَعب بن عجْرَة: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن الزِّيَادَة فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ: النّظر إِلَى وَجهه) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه. الأول: اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَبِالْقُرْآنِ وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على إِثْبَات رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة للْمُؤْمِنين، وَقد روى أَحَادِيث الرُّؤْيَة أَكثر من عشْرين صحابيا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم: روى رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ لرَبهم عز وجل فِي الْقِيَامَة: أَبُو بكر وَعلي بن أبي طَالب ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَأَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَحُذَيْفَة وَأَبُو أُمَامَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وعمار بن يَاسر وَزيد بن ثَابت وَعبادَة بن الصَّامِت وَبُرَيْدَة بن حصيب وجنادة بن أبي أُميَّة وفضالة بن عبيد وَرجل لَهُ صُحْبَة بِالنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ذكر أَحَادِيثهم بأسانيد غالبها جيد، وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي (كتاب تثبيت النّظر) أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَعمارَة بن رؤيبة وَأَبا رزين الْعقيلِيّ وَأَبا بَرزَة. وَزَاد الْآجُرِيّ فِي (كتاب الشَّرِيعَة) وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي (كتاب السّنة الْوَاضِحَة) تأليفهما: عدي بن حَاتِم الطَّائِي بِسَنَد جيد، والرؤية مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعَة من الْكفَّار. وَقيل: يرَاهُ مُنَافِقُو هَذِه الْأمة، وَهَذَا ضَعِيف، وَالصَّحِيح أَن الْمُنَافِقين كالكفار بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَعَن ابْن عمر وَحُذَيْفَة: من أهل الْجنَّة من ينظر إِلَى وَجهه غدْوَة وَعَشِيَّة.

وَمنع من ذَلِك الْمُعْتَزلَة والخوارج وَبَعض المرجئة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِوُجُوه: الأول: قَوْله تَعَالَى: {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: 103) . وَقَالُوا: يلْزم من نفي الْإِدْرَاك بالبصر نفي الرُّؤْيَة. الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: {لن تراني} (الْأَعْرَاف: 143) . و: لن، للتأييد بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى:{قل لن تتبعونا} (الْفَتْح: 15) . وَإِذا ثَبت فِي حق مُوسَى، عليه الصلاة والسلام، عدم الرُّؤْيَة ثَبت فِي حق غَيره، الثَّالِث: قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا} (الشورى: 51) . فالآية دلّت على أَن كل من يتَكَلَّم الله مَعَه فَإِنَّهُ لَا يرَاهُ، فَإِذا ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي وَقت الْكَلَام ثَبت فِي غير وَقت الْكَلَام ضَرُورَة، أَنه لَا قَائِل بِالْفَصْلِ. الرَّابِع: أَن الله تَعَالَى مَا ذكر فِي طلب الرُّؤْيَة فِي الْقُرْآن إلَاّ وَقد استعظمه وذم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي آيَات: مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون} (الْبَقَرَة: 55) . الْخَامِس: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى لرأيناه الْآن، والتالي بَاطِل، والمقدم مثله.

وَلأَهل السّنة مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قَوْله تَعَالَى: {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} (الْقِيَامَة: 22) . وَقَوله تَعَالَى: {كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون} (المطففين: 55) .، بِهَذَا يدل على أَن الْمُؤمنِينَ لَا يكونُونَ محجوبين، وَالْجَوَاب عَن قَوْله تَعَالَى: لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: 103) . أَن المُرَاد من الْإِدْرَاك الْإِحَاطَة، وَنحن أَيْضا نقُول بِهِ، وَعَن قَوْله:{لن تراني} (الْأَعْرَاف: 143) . أَنا لَا نسلم أَن: لن، تدل على التَّأْبِيد، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى:{وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} (الْبَقَرَة: 95) . مَعَ أَنهم يتمنونه فِي الْآخِرَة. وَعَن قَوْله: {وَمَا كَانَ لبشر} (الشورى: 51) . الْآيَة أَن الْوَحْي كَلَام يسمع بالسرعة، وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على كَون الْمُتَكَلّم محجوبا عَن نظر السَّامع أَو غير مَحْجُوب عَن نظره، وَعَن قَوْله:{وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} (الْبَقَرَة: 55) . الْآيَة أَن الاستعظام لِمَ لَا يجوز أَن يكون لأجل طَلَبهمْ الرُّؤْيَة على سَبِيل التعنت والعناد؟ بِدَلِيل الاستعظام فِي نزُول الْمَلَائِكَة فِي قَوْله: {لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة} (الْفرْقَان: 21) . وَلَا نزاع فِي جَوَاز ذَلِك، وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى

إِلَخ أَن عدم الْوُقُوع لَا يسْتَلْزم عدم الْجَوَاز، فَإِن قَالُوا: الرُّؤْيَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِثمَانِيَة أَشْيَاء: سَلامَة الحاسة، وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يكون جَائِز الرُّؤْيَة، وَأَن يكون المرئي مُقَابلا للرائي، أَو فِي حكم الْمُقَابل، فَالْأول كالجسم المحاذي للرائي وَالثَّانِي كالأعراض المرئية، فَإِنَّهَا لَيست مُقَابلَة للرائي إِذْ الْعرض لَا يكون مُقَابلا للجسم، وَلكنهَا حَالَة فِي الْجِسْم الْمُقَابل للرائي فَكَانَ فِي حكم الْمُقَابل، وَأَن لَا يكون المرئي فِي غَايَة الْقرب وَلَا فِي غَايَة الْبعد، وَأَن لَا يكون فِي غَايَة الصغر وَلَا فِي غَايَة اللطافة، وَأَن لَا يكون بَين الرَّائِي والمرئي حجاب. قُلْنَا: الشَّرَائِط السِّتَّة الْأَخِيرَة لَا يُمكن اعْتِبَارهَا إلَاّ فِي رُؤْيَة الْأَجْسَام، وَالله تَعَالَى لَيْسَ بجسم، فَلَا يُمكن اعْتِبَار هَذِه الشَّرَائِط فِي رُؤْيَته، وَلَا يعْتَبر فِي حُصُول الرُّؤْيَة إلَاّ أَمْرَانِ: سَلامَة الحاسة، وَكَونه بِحَيْثُ يَصح أَن يرى، وَهَذَانِ الشرطان حاصلان. فَإِن قلت: الْكَاف، فِي: كَمَا ترَوْنَ، للتشبيه، وَلَا بُد أَن تكون مُنَاسبَة بَين الرَّائِي والمرئي؟ قلت: معنى التَّشْبِيه فِيهِ أَنكُمْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَة مُحَققَة لَا شكّ فِيهَا وَلَا مشقة وَلَا خَفَاء، كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر

ص: 43

كَذَلِك فَهُوَ تَشْبِيه للرؤية بِالرُّؤْيَةِ لَا المرئي بالمرئي.

الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ زِيَادَة شرف الصَّلَاتَيْنِ، وَذَلِكَ لتعاقب الْمَلَائِكَة فِي وقتيهما، وَلِأَن وَقت صَلَاة الصُّبْح وَقت لَذَّة النّوم كَمَا قيل:

(ألذ الْكرَى عِنْد الصَّباح يطيب)

وَالْقِيَام فِيهِ أشق على النَّفس من الْقيام فِي غَيره، وَصَلَاة الْعَصْر وَقت الْفَرَاغ عَن الصناعات وإتمام الْوَظَائِف، وَالْمُسلم إِذا حَافظ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ من التثاقل والتشاغل فَلِأَن يحافظ على غَيرهَا بِالطَّرِيقِ الأولى.

الْوَجْه الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ إِن قَوْله: (إفعلوا) ، يدل على أَن الرُّؤْيَة قد يُرْجَى نيلها بالمحافظة على هَاتين الصَّلَاتَيْنِ.

555 -

حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وَقد ذكرنَا أَن اقْتِصَاره فِي التَّرْجَمَة على الْعَصْر من بَاب الإكتفاء.

1 -

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، وَقد ذكرُوا غير مرّة، وَأبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُ تنيسي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْبعُوث عَن قُتَيْبَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، الْكل عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة) فَاعل: يتعاقبون، مُضْمر وَالتَّقْدِير: مَلَائِكَة يتعاقبون. وَقَوله: (مَلَائِكَة) بدل من الضَّمِير الَّذِي فِيهِ، إو بَيَان كَأَنَّهُ قيل: من هم؟ فَقيل: مَلَائِكَة. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِيهِ وَفِي نَظَائِره، وَقَالَ الْأَخْفَش وَمن تَابعه: إِن إِظْهَار ضمير الْجمع والتثنية فِي الْفِعْل إِذا تقدم جَائِز، وَهِي لُغَة بني الْحَارِث. وَقَالُوا: هُوَ نَحْو: أكلوني البراغيث. وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: 3) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذِه لُغَة فَاشِية وَلها وَجه فِي الْقيَاس صَحِيح، وَعَلَيْهَا حمل الْأَخْفَش قَوْله تَعَالَى:{وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: 3) . وَقيل: هَذَا الطَّرِيق الْمَذْكُور هُنَا اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي، وَأَصله: الْمَلَائِكَة يتعاقبون مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق من طَرِيق شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد:(إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ عَن أبي الزِّنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: (إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ على أبي الزِّنَاد فَالظَّاهِر أَنه كَانَ تَارَة يذكرهُ هَكَذَا، وَتارَة هَكَذَا، وَهَذَا يُقَوي قَول هَذَا الْقَائِل، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن غير الْأَعْرَج من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة قد رَوَوْهُ تَاما، فَأخْرجهُ أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة مثل رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة، لَكِن بِحَذْف: إِن، من أَوله. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة والسراج من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ:(إِن لله مَلَائِكَة يتعاقبون)، وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا الْبَزَّار أَيْضا. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق أبي يُونُس عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ:(إِن لله مَلَائِكَة فِيكُم يتعاقبون) . وَمعنى: يتعاقبون، تَأتي طَائِفَة عقيب طَائِفَة، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، وَهُوَ أَن يذهب قوم وَيَأْتِي آخَرُونَ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَإِنَّمَا يكون التَّعَاقُب بَين طائفتين أَو رجلَيْنِ بِأَن يَأْتِي هَذَا مرّة ويعقبه هَذَا، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، أَن يُجهز الْأَمِير بعثا إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز غَيرهم إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز الْأَوَّلين فَإِن قلت: مَا وَجه تَكْرِير تنكيره مَلَائِكَة؟ قلت: ليدل على أَن الثَّانِيَة غير الأولى. كَقَوْلِه تَعَالَى: {غدوها شهر ورواحها شهر} (سبأ: 12) . وَأما الْمَلَائِكَة فَعِنْدَ أَكثر الْعلمَاء هم الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَمَّا أَمرهم بِهِ من حفظهم

ص: 44

لأعمالهم وكتبهم إِيَّاهَا عَلَيْهِم.

وَقَالَ عِيَاض، رحمه الله: وَقيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا غير الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ على جِهَة التوبيخ لمن قَالَ:{أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: 30) . وَإنَّهُ اظهر لَهُم مَا سبق فِي علمه بقوله (اني اعْلَم مَا لَا تعلمُونَ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذِه حِكْمَة اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ، أَو يكون سُؤَاله لَهُم استدعاءً لشهادتهم لَهُم، وَلذَلِك قَالُوا:(أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ) . وَهَذَا من خَفِي لطفه وَجَمِيل ستره، إِذا لم يطلعهم إلَاّ على حَال عِبَادَتهم، وَلم يطلعهم على حَالَة شهواتهم وَمَا يشبهها. انْتهى. هَذَا الَّذِي قَالَه يُعْطي أَنهم غير الْحفظَة، لِأَن الْحفظَة يطلعون على أَحْوَالهم كلهَا، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن تكون الْحفظَة غير الْكَاتِبين، فَيتَّجه مَا قَالَه. وَالظَّاهِر أَنهم غَيرهمَا، لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث:(إِذا مَاتَ العَبْد جلس كاتباه عِنْد قَبره يستغفران لَهُ ويصليان عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . يُوضحهُ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِسَنَد لَهُ عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عَن أَبِيه أَنه كَانَ يَقُول: (يتداول الحارسان من مَلَائِكَة الله تَعَالَى: حارس اللَّيْل وحارس النَّهَار، عِنْد طُلُوع الْفجْر) . وَعَن الضَّحَّاك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآن الْفجْر} (الْإِسْرَاء: 78) . قَالَ: (تشهد مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار يشْهدُونَ أَعمال بني آدم) . وَفِي تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم: تشهده الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ.

قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ لطف من الله تَعَالَى بعباده الْمُؤمنِينَ، إِذْ جعل اجْتِمَاعهم عِنْدهم ومفارقتهم لَهُم فِي أَوْقَات عِبَادَتهم، واجتماعهم على طَاعَة رَبهم، فَتكون شَهَادَتهم لَهُم بِمَا شاهدوه من الْخَيْر. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : فِيهِ بَيَان أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل وَالنَّاس فِي صَلَاة الْعَصْر، وَحِينَئِذٍ تصعد مَلَائِكَة النَّهَار، وَهَذَا ضد قَول من زعم: أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل بعد غرُوب الشَّمْس. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَاتين الصَّلَاتَيْنِ عِنْد ذكر الرُّؤْيَة (؟ قلت: لما ثَبت لَهما من الْفضل على غَيرهمَا من اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا وَرفع الْأَعْمَال وَغير ذَلِك، ناسب أَن يجازي المحافظ عَلَيْهِمَا بِأَفْضَل العطايا، وَهُوَ النّظر إِلَى الله تَعَالَى. وَالله أعلم. فَإِن قلت: التَّعَاقُب مُغَاير للاجتماع فَيكون بَين قَوْله: (يتعاقبون)، وَبَين قَوْله:(يَجْتَمعُونَ) مُنَافَاة؟ قلت: كل مِنْهُمَا فِي حَالَة، فَلَا مُنَافَاة. فَإِن قلت: شهودهم مَعَهم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة أم مُطلقًا؟ قلت: اللَّفْظ يحْتَمل للْجَمَاعَة وَغَيرهم، وَلَكِن الظَّاهِر أَن ذَلِك فِي الْجَمَاعَة. قَوْله:(ثمَّ يعرج)، من: عرج يعرج عروجا، من بَاب: نصر ينصر: والعروج: الصعُود، وَيُقَال: عرج يعرج عرجانا إِذا عجز عَن شَيْء أَصَابَهُ، وعرج يعرج عرجا: إِذا صَار أعرج أَو كَانَ خلقه فِيهِ، وعرج بِالتَّشْدِيدِ تعريجا: إِذا قَامَ. قَوْله: (الَّذين باتوا فِيكُم)، الْخطاب فِيهِ وَفِي قَوْله:(يتعاقبون فِيكُم)، للمصلين. وَقَالَ بَعضهم: أَي: الْمُصَلِّين أَو مُطلق الْمُؤمنِينَ قلت: لَا يَصح أَن يكون مُطلق الْمُؤمنِينَ، لِأَن هَذِه الْفَضِيلَة للمصلين، وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله:(يَجْتَمعُونَ فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه التَّخْصِيص بالذين باتوا وَترك الَّذين ظلوا؟ قلت: إِمَّا للاكتفاء بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر، كَقَوْلِه تَعَالَى:{سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: 81) . وَإِمَّا لِأَن اللَّيْل مَظَنَّة الْمعْصِيَة ومظنة الاسْتِرَاحَة، فَلَمَّا لم يعصوا وَاشْتَغلُوا بِالطَّاعَةِ فالنهار أولى بذلك، وَإِمَّا لِأَن حكم طرفِي النَّهَار يعلم من طرفِي اللَّيْل، فَذكره يكون تَكْرَارا. انْتهى. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن مَلَائِكَة اللَّيْل إِذا صلوا الْفجْر عرجوا فِي الْحَال، وملائكة النَّهَار إِذا صلوا الْعَصْر لَبِثُوا إِلَى آخر النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار. وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن مَلَائِكَة النَّهَار لَا يسْأَلُون، وَهُوَ خلاف ظَاهر الحَدِيث. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره ضَعِيف، لِأَن لبث مَلَائِكَة النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار لَا يسْتَلْزم عدم السُّؤَال. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك بِنَاء على أَن الْمَلَائِكَة هم الْحفظَة أَنهم لَا يبرحون عَن مُلَازمَة بني آدم، وملائكة اللَّيْل هم الَّذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيدها مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) لَهُ، من طَرِيق الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، قَالَ:(يلتقي الحارسان)، أَي: مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار، (عِنْد صَلَاة الصُّبْح فَيسلم بَعضهم على بعض فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وتلبث مَلَائِكَة النَّهَار) . وَقيل: يحْتَمل أَن يكون العروج إِنَّمَا يَقع عِنْد صَلَاة الْفجْر خَاصَّة، وَأما النُّزُول فَيَقَع فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعًا، وَفِيه التَّعَاقُب، وَصورته أَن تنزل طَائِفَة عِنْد الْعَصْر، وتبيت ثمَّ تنزل طَائِفَة ثَانِيَة عِنْد الْفجْر، فتجتمع الطائفتان فِي صَلَاة الْفجْر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فَقَط، وَيسْتَمر الَّذين نزلُوا وَقت الْفجْر إِلَى الْعَصْر، فتنزل الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَيحصل اجْتِمَاعهم عِنْد الْعَصْر أَيْضا، وَلَا يصعد مِنْهُم أحد، بل تبيت الطائفتان أَيْضا ثمَّ تعرج إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَيسْتَمر ذَلِك، فَتَصِح صُورَة التَّعَاقُب مَعَ اخْتِصَاص النُّزُول بالعصر، والعروج بِالْفَجْرِ، فَلهَذَا خص السُّؤَال بالذين باتوا. وَقيل: إِن قَوْله: فِي هَذَا الحَدِيث، أَعنِي: حَدِيث الْبَاب. (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وهم، لِأَنَّهُ ثَبت من طرق كَثِيرَة

ص: 45

أَن الِاجْتِمَاع فِي صَلَاة الْفجْر من غير ذكر صَلَاة الْعَصْر، كَمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة فِي اثناء حَدِيث، قَالَ فِيهِ:(ويجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: واقرأوا إِن شِئْتُم: {وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: 78) : وَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: 78) . قَالَ: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا نَحوه، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَيْسَ فِي هَذَا دفع للرواية الَّتِي ذكر فِيهَا الْعَصْر. قلت: مُحَصل كَلَامه أَن ذكر الْفجْر فِي الحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ الْقَائِل الْمَذْكُور على أَن ذكر الْعَصْر وهم غير صَحِيح، لِأَن ذكر الْفجْر لَا يسْتَلْزم نفي ذكر الْعَصْر، وَلَا وَجه لنسبة الرَّاوِي الثِّقَة إِلَى الْوَهم مَعَ إِمْكَان التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات، مَعَ أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة الْعدْل مَقْبُولَة، أَو يكون الِاقْتِصَار فِي الْفجْر لكَونهَا جهرية، وَلقَائِل أَن يَقُول: لِمَ لَا يجوز أَن يكون تَقْصِير من بعض الروَاة فِي تَركهم سُؤال الَّذين أَقَامُوا فِي النَّهَار؟ ولِمَ لَا يجوز أَن يحمل قَوْله: الَّذين باتوا، على مَا هُوَ أَعم من الْمبيت بِاللَّيْلِ وبالإقامة بِالنَّهَارِ، فَلَا يخْتَص ذَلِك حِينَئِذٍ بلَيْل دون نَهَار، وَلَا نَهَار دون ليل، بل كل طَائِفَة مِنْهُم إِذا صعدت سُئِلت؟ وَيكون فِيهِ اسْتِعْمَال لفظ: بَات، فِي أَقَامَ مجَازًا، وَيكون قَوْله: فيسألهم، أَي: كلاًّ من الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْوَقْت الَّذِي تصعد فِيهِ؟ وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والسراج فِي (مُسْنده) جَمِيعًا عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، فيجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر، فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتثبت مَلَائِكَة النَّهَار، ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر، فتصعد مَلَائِكَة النَّهَار وتبيت مَلَائِكَة اللَّيْل، فيسألهم رَبهم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟) الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ التَّصْرِيح بسؤال كل من الطَّائِفَتَيْنِ. قَوْله:(فيسألهم) الْحِكْمَة فِيهِ استدعاء شَهَادَتهم لبني آدم بِالْخَيرِ، واستعطافهم بِمَا يَقْتَضِي الْعَطف عَلَيْهِم، وَقيل: كَانَ ذَلِك لإِظْهَار الْحِكْمَة فِي خلق بني آدم فِي مُقَابلَة من قَالَ من الْمَلَائِكَة {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: 30) . الْآيَة وَالْمعْنَى: أَنه قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكُمْ بِنَصّ شهادتكم. وَقَالَ عِيَاض: هَذَا السُّؤَال على سَبِيل التَّعَبُّد للْمَلَائكَة، كَمَا أمروا أَن يكتبوا أَعمال بني آدم، وَهُوَ سبحانه وتعالى أعلم من الْجَمِيع بِالْجَمِيعِ. قَوْله:(كَيفَ تركْتُم؟) قَالَ ابْن أبي حَمْزَة: وَقع السُّؤَال عَن آخر الْأَعْمَال، لِأَن الْأَعْمَال بخواتيمها. قَالَ: والعباد المسؤول عَنْهُم هم الَّذين ذكرُوا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} (الْحجر: 242 والإسراء: 65) . قَوْله: (تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ) . فَإِن قلت: كَانَ مُقْتَضى الْحَال أَن يبدؤا أَولا بالإتيان ثمَّ بِالتّرْكِ، وَلم يراعوا التَّرْتِيب؟ قلت: لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الْإِخْبَار عَن صلَاتهم، والأعمال بخواتيمها، فَنَاسَبَ أَن يخبروا عَن آخر أَعْمَالهم قبل أَولهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: الْوَاو، فِي قَوْله:(وهم يصلونَ) وَاو الْحَال، أَي: تركناهم على هَذِه الْحَال. فَإِن قلت: يلْزم من هَذَا أَنهم فارقوهم قبل انْقِضَاء الصَّلَاة، فَلم يشهدوها مَعَهم، وَالْخَبَر نَاطِق بِأَنَّهُم شهدوها. قلت: الْخَبَر مَحْمُول على أَنهم شهدُوا الصَّلَاة مَعَ من صلاهَا فِي أول وَقتهَا، وشهدوا من دخل فِيهَا بعد ذَلِك، وَمن شرع فِي إسباب ذَلِك. فَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة فِي قَوْلهم (وأتيناهم) ؟ وَكَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة التّرْك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم زادوا فِي الْجَواب إِظْهَارًا لبَيَان فضيلتهم، وحرصا على ذكر مَا يُوجب مغفرتهم، كَمَا هُوَ وظيفتهم فِيمَا أخبر الله عَنْهُم بقوله:{وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا} (غَافِر: 7)

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّلَاة أَعلَى الْعِبَادَات، لِأَنَّهُ عَلَيْهَا وَقع السُّؤَال وَالْجَوَاب. وَفِيه: التَّنْبِيه على أَن الْفجْر وَالْعصر من أعظم الصَّلَوَات، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى شرف هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَقد ورد أَن الرزق يقسم بعد صَلَاة الصُّبْح، وَأَن الْأَعْمَال ترفع آخر النَّهَار، فَمن كَانَ حِينَئِذٍ فِي طَاعَة بورك فِي رزقه وَفِي عمله. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى تشريف هَذِه الْأمة على غَيرهَا، وَيلْزم من ذَلِك تشريف نَبينَا على غَيره من الْأَنْبِيَاء، عليهم السلام. وَفِيه: الإيذان بِأَن الْمَلَائِكَة تحب هَذِه الْأمة ليزدادوا فيهم حبا ويتقربون بذلك إِلَى الله تَعَالَى. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم مَعَ مَلَائكَته. وَفِيه: الْحَث على المثابرة على صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا تَأتي فِي وَقت اشْتِغَال النَّاس، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بعض الْحَنَفِيَّة بقوله: (ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم) على اسْتِحْبَاب تَأْخِير صَلَاة الْعَصْر، ليَقَع عروج الْمَلَائِكَة إِذا فرغ مِنْهَا آخر النَّهَار، ثمَّ قَالَ: وَتعقب بِأَن ذَلِك غير لَازم، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي أَنهم لَا يصعدون إِلَّا سَاعَة الْفَرَاغ من الصَّلَاة، بل جَائِز أَن تفرغ الصَّلَاة ويتأخروا بعد ذَلِك إِلَى آخر النَّهَار، وَلَا مَانع أَيْضا من أَن تصعد مَلَائِكَة النَّهَار وَبَعض النَّهَار بَاقٍ، وَيُقِيم مَلَائِكَة اللَّيْل. انْتهى. قلت هَذَا

ص: 46