الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعقيب على فتوى"العامي الذي تربى على عقيدة فاسدة
"
د. أحمد بن سعد الغامدي 14/4/1423
25/06/2002
ورد إلى بريد الموقع تعقيب حول فتوى بعنوان الحكم في العامي إذا تربّى على عقيدة فاسدة لفضيلة الشيخ أحمد بن سعد الغامدي والتي تفيد بأن العامي الذي تربى على عقيدة فاسدة ولم يجد من يصحح له عقيدته أنه لا مؤاخذة عليه، وقد عرضنا هذا التعقيب على فضيلته فتكرم بالتوضيح والبيان
…
التعقيب:
أحب أن أنبه والنصيحة عامة للمسلمين، أن الفتاوى التي تصدر يجب أن تكون محكمة وفق الدليل من الكتاب والسنة، وإلا كل قول مخالف للكتاب أو السنة فهو مردود ولا عبرة في المخالف وتبياني لسؤالي المطروح أو المذكور وهو إنسان عامي نشأ وتربى على العقيدة الفاسدة من الصغر حتى نشأ وأصبح ينكر المعتقد الصحيح، ويرى أنه على حق وغيره على الباطل، وخصوصاً في أمور العقائد من الشرك والكفر، وأنتم أجبتم على سؤاله أنه معذور في التلبيس الذي نشأ عليه من الصغر، وهذا مخالف لكلام الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع أهل العلم، حيث لا عذر فيمن تلبس في الكفر والشرك، وهو يظن أنه على هدى، أو يحسب أنه مهتدٍ؛ لأنه لا عذر في المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، والتي هي من أصل الدين وقاعدته، والله -سبحانه- شدد في مسائل العقائد، ولن يعذر الله -سبحانه- من تلبس في الكفر أو الشرك وهو جاهل نص القرآن، والآيات الكثيرة، أما العذر في المسائل الخفية فجائز إذا كان لا توجد مظنة العلم أو كان في بادية أو كان حديث عهد بالإسلام، والله -سبحانه- أخذ الميثاق على العباد وهم كانوا ذراً من قبل الخلق على أن لا يشركوا به، قال -تعالى-:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ"[الأعراف:172-173]، أي: لن يعذر الله -تعالى- أحداً التبس عليه في الشرك حتى لو كانوا صغاراً، أو تلبس عليهم، وأثبت لهم الوعيد وعدم العذر، وهذه الآية تخص حتى قبل البعثة على أنه من فعل الشرك هو مشرك، وعلى أن من ترك الشرك ولم يعبد الله لعدم وصول النذير فهو مسلم مالم يمسخ فطرته بفعل الشرك، أما الآية التي هي:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء: 15] ، فتخص بالشرائع التي تكون بعد البعثة من الأمور المفصلة وليس فعل الشرك والكفر، أي: أن الله لا يعذب أحداً على ترك الشريعة من العباد إلا بعد وصول النذير أو الرسول إليه وأعرض أو لم يقبل، ولم تخص هذه الآية عذر من فعل الشرك والكفر؛ لأن الله قال في آية الميثاق أنه لا عذر في فعل الشرك وإن كانوا ذرية وأثبت لهم العذاب، فيعلم أن آية:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الاسراء: 15] ، تخص، إذاً الشرائع، أي: الأمور المفصلة من فعل العبادات، وسائر شرائع الإسلام من غير فعل الشرك؛ لأن وظيفة الرسل تبليغ أمور الشريعة بالإجمال والتفصيل، ولكن الله فرق بآية الميثاق على من تلبس بالشرك، فأرجو النظر في تلك المسألة، -وجزاكم الله خيراً-، وهذا الكلام يرجحه الشيخ الشاطبي، والشيخ محمد عبد الوهاب، والشيخ محمد بن إبراهيم، وسائر أئمة الدعوة الداعين إلى التوحيد -رحمهم الله تعالى-.
*****
التوضيح:
اشتمل الاعتراض على عدة مسائل نذكر خمساً منها، ثم نذكر جوابها -إن شاء الله تعالى-، والمسائل، هي:
1-
وجوب إحكام الفتوى.
2-
الإشارة بأن كل قول يخالف الكتاب والسنة فهو مردود.
3-
أن الفتوى مخالفة للكتاب والسنة والإجماع.
4-
أن لا عذر لمن تلبس بالشرك والكفر بنص القرآن.
5-
تفسير آية عدم المؤاخذة بأن المراد به في الشرائع.
هذه هي أهم المسائل التي اشتمل عليها اعتراض المعترض، والإجابة على هذا الاعتراض من عدة أوجه:
الوجه الأول: زيادة إيضاح الفتوى بذكر أقوال المفسرين وبعض علماء الأمة لبيان أن الفتوى اعتمدت على كتاب الله عز وجل ولم تخرج عنه فهم علماء الأمة،
قال -تعالى-:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"[الإسراء: 15] قال قتادة: "إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر"، [تفسير الطبري 15/54] .
وقال الطبري: "يقول الله -تعالى ذكره-: وما كنا مهلكي قوماً إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم"[المصدر السابق] .
قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن قرر أن معرفة الخالق فطرية، وأن تلك المعرفة حجة عليهم يوم القيامة، ولكنه عز وجل لا يعاقبهم إلا إذا خالفوا الرسل، فقال رحمه الله بعد أن أورد هذه الآية السابقة، وعقب عليها ببعض الكلام:"ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال رسول إليهم وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعتاب، والرب -تعالى- مع هذا لم يكن معذباً لهم حتى يبعث إليهم رسولاً"[درء التعارض8/491-492] .
وقال ابن كثير: " إخبار عن عدله -تعالى- وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى: "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير" [الملك:8-10] ، وكذا قوله: " وسيق الذي كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" [الزمر:71] ، إلى أن قال رحمه الله إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله -تعالى- لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسل إليه"[تفسير ابن كثير3/28]
فهذه العبارات كلها تؤكد أن العذاب لا يكون إلا بعد إرسال الرسل.
وابن القيم له بحث طويل نجتزيء ما يخص موضوعنا هنا:
قال رحمه الله بعد تقسيم الكفار: "نتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل
…
ثم ذكر أربعة أصول في المسألة الأولى: أحدهما أن الله -سبحانه- لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة كما قال -تعالى-: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"(سبق تخريجها)، إلى أن قال: "وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذي يعترف بذنبه.
وقال تعالى: "وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين"[الزخرف/76] .
والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه.
وأما من لم يكن عنده من الرسول خبر أصلاً ولا تمكن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟!
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.
فالأول: كفر إعراض
والثاني: كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل، (طريق الهجرتين 727-729) .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي هو قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فتاوى ومسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب/صـ11/آخر القسم الثالث.
وقال الشيخ الشنقيطي بعد إيراد الآية السابقة: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله -جل وعلا- لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.
ثم ذكر رحمه الله اختلاف العلماء في هذه المسألة ثم قال: "الظاهر أولاً هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا وأن الله يوم القيامة يمتحنهم
…
"، (أضواء البيان/3/429) .
الوجه الثاني: الإجابة على المسائل التي أوردها المعترض.
1-
قوله: الفتوى التي تصدر يجب أن تكون محكمة وفق الدليل من الكتاب والسنة.
بعد عرض زيادة الإيضاح أظن أنه تبين أن الفتوى محكمة وأنها وفق الكتاب والسنة وتقرير علماء الأمة.
2-
قوله: كل قول مخالف لكتاب الله عز وجل أو للسنة فهو مردود ولا عبرة في المخالف.
كلام صحيح ولكن لا ينطبق على الفتوى كما رأينا.
3-
قوله عن الفتوى إنها: مخالفة لكلام الله والسنة وإجماع أهل العلم.
أهذا الحكم يليق بطالب العلم أن يطلقه جزافا؟ فيزعم أن الفتوى مخالفة لكتاب الله وقد رأى أيضاً الآيات التي تدل على صحتها؟
ثم يزعم أنها مخالفة لإجماع أهل العلم!!
أيليق بطالب علم يفهم ما يقول أن يطلق هذا الحكم وقد رأينا أن علماء أجلاء قرروها واعتمدوها؟!
4-
قوله: لن يعذر أحد من تلبس في الشرك..، قال بعد آية الميثاق.
والرد عليه قاله الشيخ الشنقيطي فقد أورد رحمه الله قوليه في الآية ورجح أن الحجة لا تقام إلا ببعثة الرسل فقال: "والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله -تعالى- لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل" ثم استرسل بذكر الآيات الدالة على هذا المعنى.
5-
قوله أن: الآية التي هي: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"(سبق تخريجها) -ذكر أنها- تخص الشرائع التي تكون بعد البعثة من الأمور المفصلة وليس الشرك والكفر.
فهذا قول لم أجد أحداً قال به.
وأخيراً أنصح هذا الأخ أن لا يتعجل في إطلاق الأحكام وأن يراجع كلامه وليعلم أن الرجوع إلى الحق فضيلة والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.