المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه - فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب - جـ ٦

[حسن بن علي الفيومي]

فهرس الكتاب

- ‌التَّرْغِيب فِي تَعْجِيل الْفطر وَتَأْخِير السّحُور

- ‌الترغيب في الفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء

- ‌التَّرْغِيب فِي إطْعَام الطَّعَام

- ‌ترغيب الصَّائِم فِي أكل المفطرين عِنْده

- ‌ترهيب الصَّائِم من الغَيْبَة وَالْفُحْش وَالْكذب وَنَحْو ذَلِك

- ‌التَّرْغِيب فِي الِاعْتِكَاف

- ‌التَّرْغِيب فِي صَدَقَة الْفطر وبَيَان تأكيدها

- ‌كتاب الْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة

- ‌التَّرْغِيب فِي إحْيَاء لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ

- ‌التَّرْغِيب فِي التَّكْبِير فِي الْعِيد وَذكر فَضله

- ‌التَّرْغِيب فِي الْأُضْحِية وَمَا جَاءَ فِيمَن لم يضح مَعَ الْقُدْرَة وَمن بَاعَ جلد أضحيته

- ‌التَّرْهِيب من الْمثلَة بِالْحَيَوَانِ وَمن قَتله لغير الْأكل وَمَا جَاءَ فِي الْأَمر بتحسين القتلة والذبحة

- ‌كتاب الحج

- ‌الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى

- ‌التَّرْغِيب فِي النَّفَقَة فِي الْحَج وَالْعمْرَة وَمَا جَاءَ فِيمَن أنْفق فيهمَا من مَال حرَام

- ‌التَّرْغِيب فِي الْعمرَة فِي رَمَضَان

- ‌التَّرْغِيب فِي التَّوَاضُع فِي الْحَج والتبذل وَلبس الدون من الثِّيَاب اقْتِدَاء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام

- ‌التَّرْغِيب فِي الْإِحْرَام والتلبية وَرفع الصَّوْت بهَا

- ‌التَّرْغِيب فِي الْإِحْرَام من الْمَسْجِد الْأَقْصَى

- ‌الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت

- ‌[الترغيب في العمل الصالح في عشر ذي الحجة وفضله]

- ‌التَّرْغِيب فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة والمزدلفة وَفضل يَوْم عَرَفَة

- ‌التَّرْغِيب فِي رمي الْجمار وَمَا جَاءَ فِي رَفعهَا

- ‌التَّرْغِيب فِي حلق الرَّأْس بمنى

- ‌التَّرْغِيب فِي شرب مَاء زَمْزَم وَمَا جَاءَ فِي فَضله

- ‌ترهيب من قدر على الْحَج فَلم يحجّ وَمَا جَاءَ فِي لُزُوم الْمَرْأَة بَيتهَا بعد قَضَاء فرض الْحَج

- ‌التَّرْغِيب فِي الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَبَيت الْمُقَدّس وقباء

- ‌الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها وفضل أحد ووادي [القرى]

- ‌الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء

- ‌كتاب الجهاد

- ‌الترغيب في الرباط في سبيل الله عز وجل

- ‌الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى

- ‌الترغيب في النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة وخلفهم ها أهليهم

- ‌الترغيب في احتباس الخيل في الجهاد لا رياء ولا سمعة وما جاءه في فضلها، والترغيب فيها يذكر منها والنهي عن قص نواصيها لأن فيها الخير والبركة

- ‌ترغيب الغازي والمرابط في الإكثار من العمل الصالح من الصوم والصلاة والذكر ونحو ذلك

- ‌الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه

- ‌الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله

- ‌الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه

- ‌التَّرْغِيب فِي الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى وَمَا جَاءَ فِي فضل الْكَلم فِيهِ وَالدّعَاءِ عِنْد الصَّفّ والقتال

- ‌الترغيب في إخلاص النية في الجهاد وما جاء فيمن يولد الأجر والغنيمة والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا

- ‌الترهيب من الفرار من الزحف

- ‌الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر

- ‌الترهيب من الغلول والتشديد فيه وما جاء فيمن ستر على غال

- ‌الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء

- ‌الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون

- ‌فصل

الفصل: ‌الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه

‌الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه

2008 -

عَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على الْمِنْبَر يَقُول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}

(1)

أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره

(2)

.

قوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام عليه.

قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}

(3)

ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" قد ذهب بعض العلماء إلى إيجابه لهذه الآية الشريفة لأن المراد بالقوة الرمي، والحديث الذي فيه "ألا إن القوة الرمي" ثلاث مرات، رواه مسلم، وقد روى هذا الحديث أبو عوانة في صحيحه، وبوب عليه باب الترغيب في الرمي وإيجابه على المسلم، والدليل على أنه من اللهو المباح، وبيان عقاب من تعلم الرمي ثم تركه، ثم ذكر هذا الحديث، وفي هذا الحديث تصريح بأن [هذا هو تفسيرها] ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا، وفي هذا الحديث وفي الأحاديث بعده

(1)

سورة الأنفال، الآية:60.

(2)

مسلم (1917)، وأبو داود (2514)، وابن ماجه (2813)، وأحمد (17432)، وابن حبان (4709).

(3)

سورة الأنفال، الآية:60.

ص: 420

فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل اللّه، وكذلك المتابعة وسائر أنواع استعمال السلاح وكذلك المسابقة للخيل وغيرها والمراد بهذا كلّه التمرن على القتال والتدرب والتحدق فيه ورياضة الأعضاء بذلك.

وفي فتاوي ابن [الصلاح مسألة الرمي] أفضل أو [الضرب بالسيف أجب] الرمي أفضل لأنه أعدة وقوة لأهل طاعة، اللّه تعالى على [أهل معصية اللّه، واستدل بهذا الحديث على [ذلك وبأن رسول اللّه صلى اللّه عليه] وسلم كرر فيه ألا [إن القوة الرمي] ومعنى هذه [الصيغة عند أهل] العلم أن معظم [القوة المأمور بإعدادها] الرمي وهذا [يوجب تفضيل] الرمي على السيف [ثم أورد] رحمه الله تعالى عقبها [مسألة] وهي أنه أيما أفضل [الكرم في طاعة] اللّه أو الشجاعة في طاعة اللّه [أجاب] فقال إن قابلنا بين الكرم المطلق وبين الشجاعة، فالكرم المطلق أرجح وأفضل فإنه يدخل فيه الشجاعة مع سائر أجناس الجود ثم الكرم من صفات الباري سبحانه وتعالي، ولا يوصف تبارك بالشجاعة وإن قابلنا بين الشجاعة على الخصوص وبين الكرم بالمال على الخصوص أو مع ما يلتحق به من المنافع، فالشجاعة أفضل لأنها جود بالنفس والجود بالنفس أقصى غايات الجود

(1)

، واللّه أعلم. قاله في الديباجة].

2009 -

وَعنهُ رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن اللّه يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاَثة نفر الْجنَّة صانعه يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر والرامي بِهِ ومنبله وَارْمُوا

(1)

فتاوى ابن الصلاح (2/ 474 - 475).

ص: 421

واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا وَمن ترك الرَّمْي بعد مَا علمه رَغْبَة عَنهُ فَإِنَّهَا نعْمَة تَركَهَا أَو قَالَ كفرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكِم وَغَيرهَا

(1)

.

2010 -

وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن اللّه عز وجل يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة صانعه الَّذِي يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر وَالَّذِي يُجهز بِهِ فِي سَبِيل اللّه وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيل اللّه

(2)

.

منبله بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة.

قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ الَّذِي يناول الرَّامِي النبل وَهُوَ يكون على وَجْهَيْن أَحدهمَا يقوم بِجنب الرَّامِي أَو خَلفه يناوله النبل وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى يَرْمِي وَالآخر أَن يرد عَلَيْهِ النبل المرمي بِهِ ويروى والممد بِهِ وَأي الْأَمريْنِ فعل فَهُوَ ممد بِهِ انْتهى

(3)

.

قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله منبله أَي الَّذِي يُعْطِيهِ للمجاهد ويجهز بِهِ من مَاله إمدادا لَهُ وتقوية وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ تدل على هَذَا.

(1)

أبو داود (2513)، والنسائي في الكبرى (4354)، والحاكم (2/ 95)، وقال الألباني ضعيف، دون قوله: ومن ترك الرمي، فصحيح، ضعيف سنن أبي داود (540)، وصحيح الجامع (6142).

(2)

البيهقي في شعب الإيمان (4301).

(3)

شرح السنة، للبغوي (5/ 528).

ص: 422

قوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله"، قوله "ومنبله" قد ضبطه المنذري في الترغيب بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحّدة، وضبطه في التنقيح نقلًا عن المنذري أيضًا بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحّدة وكسرها، وهذا رأيتُ أكثر العُلماء نحوا إليه، يقال: نبلت الرجل بالتشديد وكذا أنبلته إذا ناولته النبل، أ. هـ؛ قال البغوي في شرح السنة

(1)

: والمنبل هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين [أحدهما] يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحدًا بعد واحد حتى يرمي، والوجه الآخر: أن يرد عليه النبل المرمي به والممد به، وأي الأمرين فعل فهو سعد به، ومما يؤيد ما ذكره البغوي

(2)

ما رواه الحاكم وغيره عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم أحد "إنبوا سعدًا، ارم يا سعد رمى اللّه لك فداك أبي وأمي" قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ومعنى قوله:"إنبلوا سعدًا" أي: ناولوه النبل، والنبل: قال الجوهري

(3)

وغيره هي السماع العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقد يجمعوها على نبال وأنبال، أ. هـ.

وقال الهروي: وإذا أراد الواحد قالوا نشابة أو سهم، أ. هـ، وقال غير الجوهري: والنبل السهام العربية وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب

(1)

شرح السنة للبغوي (10/ 370).

(2)

شرح السنة للبغوي (10/ 377).

(3)

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1823).

ص: 423

والحسان أصغر من النبل وهي التي يرمي بها عن القسي الكبار في مجاري من خشب، وذكر الرافعي والنووي

(1)

وصاحب المغني وغيرهم: أن سهام القوس الأعجمية هي المسماة بالنشاب وأن سهام العربية هي التي تسمي نبلا بالقوس العربية تنقسم على أنواع كثيرة منها الحجازية والواسطية وغيرهما، والقوس العربية: اسم جامع لها وإنما سميت عربية لأن أبا العرب وهو إسماعيل صلوات اللّه وسلامه عليه كان الأصل في رمي العرب، أ. هـ، قال الحافظ رحمه الله

(2)

: ويحتمل أن يكون المراد بقوله "ومنبله" أي: الذي يعطيه المجاهد ويجهزه به من ماله إمدادًا له وتقوية، ورواية البيهقي المذكورة في الكتاب تدل على هذا، أ. هـ، وقال في التنقيح: الظاهر أن الضمير في منبله عائد إلى الرامي واللّه أعلم.

2011 -

وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع رضي الله عنه قَالَ مرَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم على قوم ينتصلون فَقَالَ ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كانَ راميا ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِم فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مَا لكم لَا ترمون قَالُوا كيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره

(3)

.

(1)

شرح النووي على مسلم (13/ 35).

(2)

فتح الباري لابن حجر (6/ 16).

(3)

البخاري (2899)، وأحمد (16528)، وابن حبان (4693)، والطبراني في الكبير (6292)، وابن الملقن في البدر المنير (9/ 417)، وابن حجر في التلخيص الحبير (2018).

ص: 424

وَالدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ ارموا وَأَنا مَعَ بني الأدرع فَأمْسك الْقَوْم وَقَالُوا من كنت مَعَه فَأنى يغلب قَالَ ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ فرموا عَامَّة يومهم فَلم يفضل أحدهم الآخر أَو قَالَ فَلم يسْبق أحدهم الآخر أَو كَمَا قَالَ

(1)

.

قوله: وعن سلمة بن الأكوع [هو أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد اللّه بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمى.

شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وكان شجاعا، راميا، محسنا، خيرا، فاضلا، غزا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، ويقال: شهد غزوة مؤتة.

روى له عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. روى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون، وكان يسكن المدينة، فلما قتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها، وتزوج هناك وولد له، فلم يزل بها حتى كان قبل وفاته بليال عاد إلى المدينة فتوفى بها سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، وكان يصفر رأسه ولحيته. قال ابن إياس: ما كذب أبي قط.

وفى صحيح البخاري أحاديث ثلاثيات يرويها البخاري، عن المكى بن إبراهيم، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة، رضى اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"خير رجالتنا سلمة بن الأكوع"،

(1)

الحاكم (2/ 94)، والبيهقي (10/ 17)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2371).

ص: 425

قاله في غزوة ذي قرد لما استنقذ لقاح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من العدو الذين أغاروا عليها وهزمهم وحده

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "على قوم ينتضلون" بالضاد المعجمة أي: يرمون بالسهام [والنضال] الرمي مع الأصحاب يقال: انتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق وناضله إذا رماه، وفلان يناضل عن فلان إذا رمى عنه وحاجج وتكلم بعذره ودفع عنه ومنه في شعر أبي طالب:

كذبتم وبيت اللّه نبري محمدًا

ولما نطاعن دونه ونناضل

قاله صاحب المغيث، قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وفي هذا الحديث دليل على استحباب التعصيب للرماة تقوية لقلوبهم وزيادة لنشاطهم وترغيبا لهم وتحريضا بشرط أن يكون القصد في ذلك حسنا اقتداء بفعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا لتعصيب أهل هذا الزمان بالبواعث النفسانية والأهوية الشيطانية التي يتولد منها الحقود وينتج عنها الضغائن كما يشهد به العيان من أحوالهم، فإن ذلك التعصيب حرام لما ينشأ عنه واللّه أعلم، ويقاس على ذلك اللعب بالسيوف والرماح والعصى ونحوها من آلات الحرب، أ. هـ.

قوله صلى الله عليه وسلم: فقال: "ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكم كَانَ راميا" وبني إسماعيل منادي، وأباهم هو إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهما وهو أبو العرب، قال الخطابي

(2)

فيه: فيه دليل على أن أهل اليمن ولد [إسماعيل].

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (1/ 229 ترجمة 221).

(2)

معالم السنن (2/ 242).

ص: 426

قوله: "ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ" إلى قوله [صلى الله عليه وسلم]"وَأَنت مَعَهم" الحديث، أي: لا نقاوم [وأنت] معهم، فإن قلت: كيف كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع الفريقين وأحدهما غالب والآخر [مغلوب]؟ قلت: المراد منه معية القصد على الخير وإصلاح النية والتدن فيه إلى القتال.

فائدة: واعلم أن المسابقة والمناضلة إذا كان المال فيهما من جهة الإمام أو [من جهة واحد من] عرض الناس وشرط للسابق من الناس أو للمناضل من الراميين مالا معلوما فجائز وإذا سبق أو نضل استحق ذلك المال وإن كان من جهة أحدهما وقال لصاحبه إن سبقتني أو نضلتني بكذا فلك علي كذا، وإن سبقتك أو نضلتك فلا شيء لي عليك فهو جائز أيضًا فإذا سبق أو نضل المشروط له استحق وإن كان المال من جهة كلّ واحد منهما، فإن قال لصاحبه إن نضلتك أو سبقتك فلي عليك كذا وإن سبقتني أو نضلتني فلك علي كذا فهذا لا يجوز إلا بمال يدخل بينهما

(1)

، أ. هـ قاله في الإلمام.

2012 -

وَعَن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه رَفعه قَالَ عَلَيْكُم بِالرَّمْي فَإِنَّهُ خير أَو من خير لهوكم رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ فَإِنَّهُ من خير لعبكم وإسنادهما جيد قوي

(2)

.

(1)

شرح السنة (10/ 394 - 395).

(2)

البزار (1701)، والطبراني في الأوسط (2049)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 268)، ورجال البزار رجال الصحيح، خلا حاتم بن الليث وهو ثقة، كذلك رجال الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4065، 4066).

ص: 427

قوله: وعن سعد بن أبي وقَّاص

(1)

، هو أحد العشرة كنيته أبو إسحاق هو سعد بن مالك بن وهيب، ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المكي المدني وهو من العشرة الذين توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وكان يقال له فارس الإسلام، وكان مجاب الدعوة، وهو الذي فتح المدائن مدائن كسرى واستعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو القرشي الكوفي، وولاه عمر بن الخطاب العراق وأسلم قديما بعد أربعة، وقيل: ستة، وهو ابن سبع عشرة سنة، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إليها، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد كلها مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، روى له عن رسول اللّه مائتان وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمس عشرة، وانفرد البخاري ومسلم بثمانية عشر حديثًا، واختلفوا في وفاته، فحكي ابن سعد عن الواقدي بإسناده عن عائشة بنت سعد قالت: مات أبي بالعقيق في قصره على عشرة أميال من المدينة، وقيل: سبعة على أعناق الرجال إلى البقيع، وصلى عليه مروان وهو والي المدينة يومئذ، وذلك في سنة خمس وخمسين، وكان يوم مات رضي الله عنه ابن بضع وسبعين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت ما قيل في وفاته، وقيل: غير ذلك، قال علماء السير: وكان لسعد بن أبي وقَّاص أربعون

(1)

طبقات ابن سعد: 3/ 1/ 97 - 105، التاريخ الكبير: 4/ 43، حلية الأولياء: 1/ 92 - 95، الاستيعاب: 4/ 170 - 177، تاريخ بغداد: 1/ 144 - 146، تاريخ ابن عساكر: 7/ 66/ 2، تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 213 - 214، تهذيب الكمال: 478، تهذيب التهذيب: 3/ 483، الإصابة: 4/ 160 - 164.

ص: 428

ولدًا ما بين ذكر وأنثي، وقيل: أربعة وخمسون ولدًا، واللّه أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم" الحديث، ذهب مالك رحمه الله إلى أن تعلم ركوب الخيل والسبق بها أفضل من تعلم الرمي والنضال به، كذا حكاه عنه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد

(1)

وابن كثير الحافظ الدمشقي في تفسيره، وذهب جمهور العُلماء إلى أن تعلم الرمي والنضال أفضل من تعلم ركوب الخيل والسبق بها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"وارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا"

(2)

وهو دليل واضح، وقال بعض العُلماء المتأخرين: لا شك أن كلّ واحد من الرمي والركوب لا تتم الفروسية إلا بمجموعهما، فالرمي [مع] بعد العدو أنفع، والكر والفر عند الاختلاط أنفع، والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو وأنفع للجيش، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص ومقتضى الحال واللّه أعلم، قاله ابن النحاس

(3)

.

2013 -

وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ من مَشى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

(4)

.

قوله: وعن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه.

(1)

التمهيد (18/ 341).

(2)

سنن أبي داود (2513) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود - الأم (433).

(3)

مشارع الأشواق (ص 464).

(4)

الطبراني، كما في مجمع الزوائد (5/ 269)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5858).

ص: 429

قوله صلى الله عليه وسلم: "من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة" الحديث، الغرض بفتح الغين المعجمة والراء جميعا بعدهما ضاد معجمة هو ما تقصده الرماة بالإصابة، أ. هـ، قاله المنذري، وقال غيره: هو ما ينصب في [الهدف] من قرطاس أو جلد ونحوه ثم تقصده الرماة بالإصابة.

واعلم أن العُلماء قد نصوا على أنه يستحب أن يكون الرمي بين غرضين متقابلين يرمي المتناضلان من عند أحدهما إلى الآخر ثم يأتيان التاني ويلتقطان السهام ويرميان إلى الأول، قال صاحب المغني: السنة أن يكون لهما غرضان لأن هذا كان فعل أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة"

(1)

قاله ابن النحاس

(2)

- عفا اللّه عنه -.

2014 -

وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ رَأَيْت جَابر بن عبد اللّه وَجَابِر بن عُمَيْر الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهم يرتميان فمل أَحدهمَا فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ الآخر كسلت سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول كلّ شَيْء لَيْسَ من ذكر اللّه عز وجل فَهُوَ لَهو أَو

(1)

أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (1212) عن مطهر بن الهيثم، عن، عنبسه الحذاء، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة. قال ابن حجر في التلخيص 4/ 302: لم أجده هكذا إلا عند صاحب مسند الفردوس من جهة ابن أبي الدنيا بإسناده، عن مكحول، عن أبي هريرة رفعه:"تعلموا الرمي، فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة". وإسناده ضعيف مع انقطاعه.

(2)

مشارع الأشواق (ص 449).

ص: 430

سَهْو إِلَّا أَربع خِصَال مشي الرجل بَين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته أَهله وَتَعْلِيم السباحة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد

(1)

.

الْغَرَض بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بعدهمَا ضاد مُعْجمَة هُوَ مَا يَقْصِدهُ الرُمَاة بالإصابة.

قوله: وعن عطاء بن رباح، واسم أبي رباح أسلم وكنيته عطاء أبو محمد المكي القرشي، مولى أبي خثيم القرشي الفهري، وعطاء معدود في كبار التابعين، ولد في خلافة عثمان بن عفان، ونشأ بمكة، وسمع العبادلة الأربعة: عبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وجماعات آخرين من الصحابة، واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته، توفي بمكة قال الجمهور سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: سبع عشرة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "كلّ شيء ليس من ذكر اللّه فهو لهو أو سهوٌ إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة" والسباحة العوم فاستثناء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الخلال الأربع لأن كلّ واحدة منها معيته على حق أو ذريعة إليه كما تقدم، ويدخل في ذلك ما كان في معناها، الحديث:"علموا أولادكم العوم والفراسة" والفراسة بالفتح ركوب

(1)

الطبراني في الكبير (1785)، وفي الأوسط (8939)، والنسائي في الكبرى (8938)، والبزار (1704)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 269)، ورجال الطبراني رجال الصحيح، خلا عبد الوهَّاب بن بخت، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (4534).

ص: 431

الخيل وركضها من الفروسية، وفي الحديث أيضًا:"علموا صبيانكم العوم" والعوم السباحة يقال: عام يعوم عوما، في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الخلال من جملة ما حرّم منها؛ لأنّ كلّ واحدة منها، إذا تأمّلْتها وَجَدْتها مُعينة على حق، أو ذريعة إليه. ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسّلاح، والشدّ على الأقدام، ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان، فيتوقّح بذلك بدنه، ويتقوّى به على مجالدة العدو.

فأمّا سائر ما يتلهى به البطّالون من أنواع اللهو، كالنرد والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حقٍّ، ولا يُستجمُّ به لدرك الواجب فمحظور كلّه]

(1)

قاله في الديباجة.

2015 -

وَعَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول ستفتح عَلَيْكُم أرضون ويكفيكم اللّه فَلَا يعجز أحدكُم أَن يلهو بأسهمه رَوَاهُ مُسلم وغيره

(2)

.

قوله: وعن عقبة بن عامر، كنيته: أبو حمَّاد، ويقال: أبو سعاد، ويقال أبو أسد، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو الأسود، ويقال: أبو عبس، وهو عقبة بن

(1)

قاله ابن القيم في تهذيبه على سنن أبي داود (3/ 371)، ونحوه في شرح السنة (10/ 383) للبغوي.

(2)

مسلم (1918)، وأحمد (17433)، وأبو يعلى (1742)، وابن حبان (4679)، والطبراني في الكبير (912).

ص: 432

عامر تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم اللّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" الأرضون بفتح الراء على المشهور، وحكي الجوهري

(1)

لغة شاذة بإسكانها.

قوله: "فلا يعجز" هو بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها في لغة، ومعناه: الندب إلى الرمي، ومعنى الحديث: أن النعمة تتسع عليكم فلا تحتاجون في طلب القوت إلى كد وتعب ويبقى أحدكم لا شغل له فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه أي: يلعب بنباله، والمراد به المراماة، وجاز هذا اللعب لأنه مَعين على قتال العدو واللّه أعلم.

2016 -

وَعَن أبي نجيح عَمْرو بن عبسة رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من بلغ بسَهْم فَهُوَ لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة فبلغت يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر سَهْما رَوَاهُ النَّسَائِيّ

(2)

.

قوله: وعن أبي نجيح، واسمه عمرو بن عبسة، هو عمرو بن عبسة [بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين

(1)

ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/ 1063).

(2)

ابن حبان (4615)، والحاكم (2/ 95)، والبيهقي (10/ 272)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6126).

ص: 433

المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح.

أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة معه بمكة، فقال:"إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعتُ بخروجى فأتنى"، وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد، وهو بطوله في صحيح مسلم قبيل صلاة الخوف، وكان أخا أبي ذر لأمه، وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام.

روي له عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثًا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها

(1)

].

قوله صلى الله عليه وسلم: "من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ عدل مُحَرر" والمحرر المعتق وهو الذي جعل من العبيد حرا فأعتق أي فله أجر معتق، يقال: حر العبد يحر حرارا بالفتح أي صار حرا.

2017 -

وَعنهُ رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ عدل مُحَرر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ

(2)

.

(1)

تهذيب الأسماء واللغات (2/ 31 - 32 ترجمة 454).

(2)

أبو داود (3965)، والترمذي (1638)، والحاكم (2/ 95)، وأحمد (4/ 113).

وصححه الألباني في صحيح الجامع (6268).

ص: 434

2018 -

وَعنهُ رضي الله عنه: أَيْضًا قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَبلغ بِهِ الْعَدو أَو لم يبلغ كَانَ لَهُ كعتق رَقَبَة وَمن أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداءه من النَّار عضوا بعضو رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح

(1)

وأفرد التِّرْمِذِيّ مِنْهُ ذكر الشيب

(2)

وَأَبُو دَاوُد ذكر الْعتْق

(3)

.

وَابْن مَاجَة ذكر الرَّمْي وَلَفظه سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من رمى الْعَدو بِسَهْم فَبلغ سَهْمه أصَاب أَو أَخطَأ فَعدل رَقَبَة

(4)

وروى الْحَاكِم ذكر الرَّمْي فِي حَدِيث وَالْعِتْق فِي آخر

(5)

.

قوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة، وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَبلغ بِهِ الْعَدو أَو لم يبلغ كَانَ لَهُ كعتق رَقَبَة" الحديث، قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وفي حديث عمرو بن عبسة دليل على هذا لأن من لازم عدم البلاغ إلى العدو وعدم الإصابة واللّه أعلم، ففي هذا الحديث دليل واضح على أن من رمى بسهم في سبيل اللّه أعتقه اللّه من النار، وفي رواية:"ستفتح عليكم أراضي ويكفيكم [اللّه، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" أي

(1)

النسائي (6/ 26). وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.

(2)

الترمذي (1635)، وقال: حسن صحيح غريب.

(3)

أبو داود (3966)، وأحمد (19441).

(4)

ابن ماجه (2812)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6267).

(5)

الحاكم (3/ 50)، (2/ 211).

ص: 435

يكفيكم القتال بما فتح عليكم وظهور دينكم"، وفي حديث آخر: "ستفتح عليكم الروم" وأهل الروم غالب حربهم الرمي وأنتم تعلمون الرمي ليمكنكم محاربة أهل الروم، فإذا فتح عليكم الروم فلا تتركوا الرمي وتعلمه بأن تقولوا: لم نكن نحتاج في قتالهم إلى الرمي بل تعلموا الرمي وداوموا عليه فإن الرمي مما يحتاج إليه أبدًا، كان الرمي في العرب قليلا فلذلك حرضهم.

2019 -

وَعَن كَعْب بن مرّة رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من بلغ الْعَدو بِسَهْم رفع اللّه لَهُ دَرَجَة فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن النحام وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ أما إِنَّهَا لَيست بِعتبَة أمك مَا بَين الدرجتين مائَة عَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه

(1)

.

النحام بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الْكثير النحم وَهُوَ التنحنح.

2020 -

وَعنهُ رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه كَانَ كمن أعتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه

(2)

.

قوله: وعن كعب بن مرة، هو: كعب بن مرة [كعب بن مرة، وقيل: مرة بن كعب البهزي، من بهز بن الحارث بن سليم بن منصور له صحبة.

سكن الأردن من الشام، ومات بها سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين

(3)

].

(1)

ابن حبان (4616)، وأحمد (18063).

(2)

ابن حبان (4614)، وأحمد (18065).

(3)

الاستيعاب 3/ 1326، وتهذيب الكمال (24/ 196 - 197 ترجمة 4982).

ص: 436

قوله صلى الله عليه وسلم: "من بلغ العدو بسهم رفع اللّه له درجة" فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن النحام: وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه. والنحام: قد فسره الحافظ

(1)

فقال: هو الكثير النحيم وهو التنحنح [وقوله وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم]، قَالَ:"أما إِنَّهَا لَيست بِعتبَة أمك" الحديث، العتبة في الأصل: أسكفة الباب، وكل مرقاة من الدرج أي: أنها ليست بالدرجة التي تعرفها في بيت أمك، فقد روى أن ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض.

2021 -

وَعَن مَعْدان بن أبي طَلْحَة رضي الله عنه: قَالَ حاصرنا مَعَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم الطَّائِف فَسَمعته يَقُول من بلغ بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة قَالَ فبلغت يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر سَهْما رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه

(2)

.

قوله: وعن مَعْدان بن أبي طلحة، وهو ثقة، روى له الأربعة، تقدم ذكره في الصلاة مطلقا وكثرة السجود.

قوله: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، قال سفيان بن عيينة: آخر غزوة غزاها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، وغزوة الطائف في شوال سنة ثمان، سار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين ثم مضى حتى نزل قريبًا من الطائف فضرب به عسكره فحاصرهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر يومًا ويقال: خمسة عشر يومًا، وقال ابن إسحاق: بضعا وعشرين ليلة، وروى ابن سعد عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بنفسه كما تقدم قريبًا.

(1)

فتح الباري لابن حجر (6/ 37).

(2)

ابن حبان (4615)، والحاكم (2/ 95)، والبيهقي (15/ 272).

ص: 437

2022 -

(1)

وَعَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه: أَنه سمع رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورًا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه أَخطَأ أَو أصَاب كَانَ لَهُ بِمثل رَقَبَة من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا ثِقَات

(2)

.

قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل اللّه أخطأ أو أصاب كان له بمثل رقبة من ولد إسماعيل" الحديث، تقدم معناه في الأحاديث قبله.

قوله: وعن عتبة بن عبد السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي].

قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: فرموا فقاتلوا فرمى رجل بسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أوجب هذا"، قال الحافظ

(3)

: أي أوجب لنفسه الجنة بما صنع.

(1)

وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).

(2)

الطبراني في المعجم الكبير (7556)، وعبد الرزاق (9548)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 270)، رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات.

(3)

فتح الباري لابن حجر (6/ 37).

ص: 438

2024 -

وَعَن أنس بن مَالك رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من رمى رمية فِي سَبِيل اللّه قصر أَو بلغ كَانَ لَهُ مثل أجر أَرْبَعَة أُنَاس من بني إِسْمَاعِيل أعتقهم رَوَاهُ الْبَزَّار عَن شبيب بن بشر عَن أنس

(1)

.

2025 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من رمى بسَهْم فِي سَبِيل اللّه كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن

(2)

.

قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من رمى رمية في سبيل اللّه قصر أو بلغ كان له مثل أربعة أناس من بني إسماعيل أعتقهم" الحديث، والحكمة في ذكر بني إسماعيل [فلكونهم أفضل أصناف الأمم فإن العرب أفضل الأمم قدرا ورجاحة ووفاء وسماحة وحسبا وشجاعة وفهما وفصاحة وعفة ونزاهة وأنفة ونباهة، ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب؛ لمكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم مع ما امتازوا به من كرم الأخلاق وطهارة النسب من سواهم. وقد قيل أن أولاد إسماعيل عليه السلام لم يجر عليهم الرق قبل الإسلام وذكر بعض أهل المعرفة بأنساب العرب أن ليس من قبائل العرب قبيلة إلا وهي تنتمي إلى إسماعيل من جهة ما غير أربع قبائل ثقيف وسلت وأوزاع والحضرميون].

(1)

البزار (1706)، والطبراني في الأوسط (1358)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 270)، رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه شبيب بن بشر، وهو ثقة وفيه ضعف.

(2)

البزار (1707)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 270)، رواه البزار عن شيخه عبد الرحمن بن الفضل بن موفق، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.

ص: 439

قوله: رواه البزار عن شبيب بن بشر عن أنس [شبيب بن بشر، ويقال: ابن عبد اللّه، البجلي، أبو بشر الكوفى وثقه ابن مَعين و قال أبو حاتم: لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا].

2026 -

وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد ابْن حنفية قَالَ رَأَيْت أَبَا عَمْرو الْأَنْصَارِيّ رضي الله عنه: وَكَانَ بَدْرِيًّا عقبيا أحديا وَهُوَ صَائِم يتلوى من الْعَطش وَهُوَ يَقُول لغلامه وَيحك ترسني فترسه الْغُلَام حَتَّى نزع بِسَهْم نزعا ضَعِيفا حَتَّى رمى بِثَلَاثَة أسْهم ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه قصر أَو بلغ كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة فَقتل قبل غرُوب الشَّمْس رضي الله عنه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

(1)

.

قوله: وروى عن محمد بن الحنفية [محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو عبد اللّه المدني المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة ابن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر الصديق، وقيل: كانت أمة لبني حنيفة، ولم تكن من أنفسهم، دخل على عمر بن الخطاب.

وروى عن: عبد اللّه بن عباس، وعثمان بن عفان، وأبيه علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة.

(1)

الطبراني في المعجم الكبير، (22/ رقم 951)، وأبو نعيم في معرف الصحابة (6904)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 270)، وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه العرزمي، وهو ضعيف.

ص: 440

روى عنه: ابناه إبراهيم بن محمد بن الحنفية، والحسن بن محمد بن الحنفية، وسالم بن أبي الجعد، وابنه عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وعبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وغيرهم.

روى عن محمد بن الحنفية، عن علي، قال: قلت: يا رسول اللّه إن ولد لي مولود بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم.

وقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: تابعي، تقة، كان رجلًا صالحا وثلاثة يكنون بأبي القاسم رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد اللّه.

وقال إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية

(1)

].

قوله: رَأَيْت أَبَا عَمْرو الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه وَكَانَ بَدْرِيًّا عقبيا أحديا وَهُوَ صَائِم يتلوى من الْعَطش، فذكر الحديث إلى أن قال: فَقتل قبل غرُوب الشَّمْس رضي الله عنه.

قوله: فترسه الْغُلَام حَتَّى نزع بِسَهْم نزعا ضَعِيفا، وأصل النزع الجذب، فالنزع هو شدة جذب الوتر للرمي، وذكر ابن الذهبي الحافظ في الترهيب عن أبي عبد اللّه الجوزجاني رفيق السيد الجليل إبراهيم بن أدهم قال: غزى إبراهيم بن أدهم في البحر فقدم أصحابنا فأخبروني أنه اختلف في الليلة التي توفي فيها إلى الخلاء خمسا وعشرين مرة كلّ ذلك يجدد الوضوء للصلاة

(1)

تهذيب الكمال (26/ ترجمة 5484).

ص: 441

فلما أحس بالموت قال: أوتروا لي قوسي وقبض على قوسه فقبض اللّه روحه والقوس في يده، قال - عفا اللّه عنه -: ما أراه فعل ذلك إلا رجاء أن يبعثه الله يوم القيامة على الهيئة التي قبض عليها.

2027 -

وَعَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من علم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَلَيْسَ منا أَو فقد عصى رَوَاهُ مسلم.

وَابْن مَاجَة إِلَّا أَنه قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه فقد عَصَانِي

(1)

.

قوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا" أي: ليس على طريقتنا ولا سنتنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" و "من غشنا فليس منا" وهو ذم بلا شك، وهذا وعيد عظيم في نسيان الرمي بعد تعلمه وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر، وسبب هذا الذم أن هذا الذي تعلم الرمي حصل له أهلية الدفاع عن دين اللّه تعالى والنكاية في العدو فتعين أن يقوم بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه فقد فرط في القيام بما تعين عليه فذم على ذلك وهذا بمثل من تعلم القرآن ثم نسيه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني" الحديث، وقد ذهب جماعة من العُلماء إلى أن ترك الرمي بعد تعلمه من الكبائر للقاعدة المعتمدة عندهم أن كلّ فعل قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم من فعله فليس منا أو فقد عصى أو عصاني وما أشبه

(1)

مسلم (1919)، وابن ماجة (2814).

ص: 442

ذلك يكون كبيرة، وتقدم أن أبا عوانة بوب على هذا الحديث باب بيان عقاب من تعلم الرمي تم تركه، وعلى كلّ تقدير فترك الرمي ونسيانه إن لم يكن كبيرة فهي صغيرة تلتحق عند الإصرار على الترك بالكبائر فيجب التنبيه لهذا والمبادرة إلى التوبة منه والإقلاع عن الإصرار عليه وملازمة الرامي الرمي ملازمة لا يعد فاعلها تاركًا واللّه ولي التوفيق.

2028 -

وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ نَسيَه فَهِيَ نعْمَة جَحدهَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّئبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن

(1)

.

وَتقدم فِي أول الْبَاب حَدِيث عقبَة بن عَامر وَفِيه وَمن ترك الرَّمْي بعد مَا علمه رَغْبَة عَنهُ فَإِنَّهَا نعْمَة تَركهَا أَو قَالَ كفرها.

قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها" الحديث، اعلم أن الرمي وتعلمه بنية الجهاد في سبيل اللّه وتعليمه والمسابقة به مما ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وحض عليه، وقد ورد في ذلك فضائل كثيرة منها: أن اللّه تعالى أمر بالرمي استعدادًا للجهاد في سبيل اللّه تعالى فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}

(2)

، ومنها: أن اللّه يدخل بالسهم

(1)

الطبراني في الأوسط (4177)، وفي الصغير (534)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 270)، رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه جماعة، وبقة رجاله ثقات.

(2)

سورة الأنفال، الآية:60.

ص: 443

الواحد ثلاثة الجنة صانعه والرامي به والذي يناوله السهم كما تقدم، ومنها: ما رواه مسلم وغيره عن عقبة قال: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم اللّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" كما تقدم، ومنها: ما روى أن تقلد القوس والرمي بها يذهب الهم، ومنها: أن الرمي خير ما يلهو به الرجل كما تقدم، ومنها: أن الرمي وما يذكر معه من الحق المندوب إليه وإن سمي لهوا وليس من اللهو المذموم، ومنها: أن للرامي في مشيه بين الغرضين بكل خطوة حسنة كما تقدم، ومنها: أن من رمى في سبيل اللّه بسهم فبلغ العدو رفعه اللّه درجة، والدرجة مائة عام كما تقدم، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه فبلغ العدو أو لم يبلغه كان كعتق رقبة كما تقدم، ومنها أن من رمى بسهم في سبيل اللّه وجبت له الجنة كما تقدم، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه أخطأ أو أصاب كان له كعتق رقبة، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه كان له نورًا يوم القيامة، ومنها: ما روى أن من اقتنى فرسا عربية نفى اللّه عنه الفقر أربعين سنة، ومنها: ما روى أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قرن تعلمه مع تعلم القرآن وناهيك بهذا فضلًا وشرفًا.

ومنها: أن الملائكة لا تحضر شيئًا من اللهو إلا الرمي وما يذكر معه وهو الرهان والمراد بالرهان الرهان في إجراء الخيل على الوجه المشروع والله أعلم.

ص: 444