الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّرْغِيب فِي الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى وَمَا جَاءَ فِي فضل الْكَلم فِيهِ وَالدّعَاءِ عِنْد الصَّفّ والقتال
اعلم أنه لا خفاء أن الإيمان باللّه أفضل الأعمال لأنه الأصل [وهو] الذي لا يصح سواه إلا به، وأما الجهاد في سبيل اللّه ففضائله كثيرة، بينها أنه لا يتمكن من إظهار الإيمان باللّه وإقامة [الدين إلا به] فكان [تاليا] له، واختلف فيه [هل هو أفضل الأعمال أم غيره أفضل فقيل هو أفضل] لمن علم من حاله الشجاعة وأنه يبلي في العدو ما لا يبلي غيره فهو أفضل في حقه من غيره، وأما العاجزون فمنهم من الأفضل له الصلاة ومنهم من الأفضل له بر الوالدين إلى غير ذلك من الأعمال فكل على ما يقتضيه حاله يكون ذلك أفضل بالنسبة إليه، فإن قيل: لم لم يذكر الجهاد في مباني الإسلام؟ قلنا: إنه فرض كفاية يسقط بفعل البعض بخلاف المباني الخمسة بأنها على التعيين وأيضًا فإنها لم تظهر وتتم إلا بالجهاد فإنها من أركانها ووسيلة إليه نعم إن تعين الجهاد، قال القرطبي كما في هذه الأزمان فهو أفضل من جميع العبادات العملية، وأما إذا لم يتعين فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه كما في حديث أبي ذر لما سئل عن أفضل الأعمال فقال:"الصلاة على وقتها" وكذلك العلم كما نقله في شرح الهداية وغيرها، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.
2029 -
عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: سُئِلَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم أَي الْعَمَل أفضل قَالَ إِيمَان بِاللّه وَرَسُوله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ حج
مبرور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
(1)
.
وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم أفضل الأعْمَال عِنْد اللّه إِيمَانٌ لا شكّ فِيهِ وغزوٌ لا غلُول فِيهِ وَحج مبرور
(2)
.
2030 -
وَعَن أبي ذَر رضي الله عنه: قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ الإِيمَان بِاللّه وَالْجهَاد فِي سَبِيل اللّه الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
(3)
.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله: سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللّه ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل اللّه" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"، وفي رواية ابن خزيمة في صحيحه قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"أفضل الأعمال عند اللّه إيمان لا شك فيه وغزو لا غلول فيه وحج مبرور" الحديث، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين، أحدهما: الإيمان باللّه ورسوله وهو التصديق الجازم باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بذلك في حديث جبريل المطول، الثاني: الجهاد في سبيل اللّه، وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أول كتاب الحج مما يدلّ على فضل الجهاد على الحج ما جاء عن عمرو بن الأسود قال: قال عمر
(1)
البخاري (26)، ومسلم (135)، والترمذي (1658)، وأحمد (7590).
(2)
أحمد (7511)، والطيالسي (2518)، وابن حبان (4597)، والبخاري في خلق أفعال العباد (151).
(3)
البخاري (2518)، ومسلم (84)، وابن حبان (4310)، وأحمد (21331).
- رضي الله عنه: عليكم بالحج فإنه عمل صالح أمر اللّه به والجهاد أفضل منه، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، قال - عفا اللّه عنه - في هذا الحديث والأحاديث قبله أن الجهاد مطلقا أفضل من الحج مطلقا، وقد جاء في أحاديث آخر إنما هو أفضل من حج النافلة، وأن حجة الإسلام أفضل من الجهاد، والظاهر أن حجة الإسلام إنما تكون أفضل من جهاد هو فرض كفاية، وأما الجهاد إذا صار فرض عين فهو مقدم على حجة الإسلام قطعا لوجوب فعله على الفور، ولعل الأحاديث المتقدمة محمولة على ذلك واللّه أعلم.
فمن الأحاديث ما رواه عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج "رواه الطبراني
(1)
ومثله أحاديث آخر.
2031 -
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ أَتَى رجل رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أي النَّاس أفضل قَالَ مُؤمن يُجَاهد بِنَفسِهِ وبماله فِي سَبِيل اللّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ من قَالَ ثمَّ مُؤمن فِي شعب من الشعاب يعبد اللّه ويدع النَّاس من شَره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
(2)
.
وَالْحَاكم بِإِسْنَاد على شَرطهمَا وَلَفظه قَالَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه سُئِلَ أَي الْمُؤمنِينَ أكمل إِيمَانًا قَالَ الَّذِي يُجَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله وَرجل يعبد اللّه فِي شعب
(1)
المعجم الأوسط (3144).
(2)
البخاري (2786)، ومسلم (1888)، وأبو داود (2485)، والترمذي (1660)، وابن ماجه (3978)، وابن حبان (606)، وأحمد (11125).
من الشعاب وَقد كفى النَّاس شَره
(1)
.
قوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.
قوله: أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه" الحديث، قال القاضي عياض
(2)
رحمه الله: هذا عام مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس وإلا فالعلماء أفضل وكذلك الصديقون كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره" الحديث، ففيه إشارة إلى أن الخلوة والانقطاع أفضل من الاختلاط بالناس، الشعب: هو ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشعب خصوصًا بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالا لأنه خال عن الناس غالبا، وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل صلى الله عليه وسلم عن النجاة فقال:"أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الاختلاط، وفي ذلك خلاف مشهور فذهب الشافعي وأكثر العُلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن فذهب طوائف أن الاعتزال أفضل؟ وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمان الفتن والحروب أو هو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر عليهم أو نحو ذلك من الخصوص، وقد كانت الأنبياء عليهم الصلاة
(1)
الحاكم (2/ 71).
(2)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 337).
والسلام وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين فيحصلون منافع الاختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك.
2032 -
وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج عَلَيْهِم وهم جُلُوس فِي مجْلِس لَهُم فَقَالَ أَلَا أخْبركُم بِخَير النَّاس منزلًا قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ رجل أَخذ بِرَأْس فرسه فِي سَبِيل اللّه حَتَّى يَمُوت أَو يقتل أَلا أخْبركُم بِالَّذِي يَلِيهِ قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ امْرُؤ معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعتزل شرور النَّاس أَو أخْبركُم بشر النَّاس قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ الَّذِي يسْأَل بِاللّه وَلا يُعْطي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهما وَهُوَ أتم
(1)
. وَرَوَاهُ مَالك عَن عَطاء بن يسَار مُرْسلا
(2)
.
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الناس منزلا" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:"رجل أخذ برأس فرسه في سبيل اللّه حتى يموت أو يقتل"، أراد من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان
(1)
الترمذي (1652)، وابن حبان (604)، وأحمد (2116)، وابن المبارك في الجهاد (169)، والطيالسي (2661)، والدارمي (2400)، وابن أبي عاصم في الجهاد (153). وصححه الألباني في صحيح الجامع (2601).
(2)
مالك في الموطأ (1286)، قال ابن عبد البر في التمهيد (17/ 439)، هذا حديث مرسل من رواية مالك، لا خلاف عنه فيه، وقد يتصل من وجوه ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عطاء بن يسار وغيره.
فرسه إذا كان أعلم باللّه وأخشى للّه ولم يكن الجهاد عليه فرض عين، فهذا خير الناس أي بعده.
قوله: "معتزل في شعب" أي: متباعد عن الناس.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالذي يليه؟ " قلنا: بلى يا رس ل اللّه، قال: "امرؤ
معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور
الناس"، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.
قوله: "معتزل في شعب"أي: متباعد عن الناس.
قوله: ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا، تقدم الكلام على مناقب الإمام مالك - قدس اللّه سره - وتقدم الكلام أيضًا على الحديث المرسل في اصطلاح المحدّثين، وأما عطاء بن يسار فهو الإمام الجليل [أبو محمد عطاء بن يسار الهلالى المدني، مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، رضى اللّه عنها، أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد اللّه بنى يسار، وهو من كبار التابعين، سمع ابن مسعود، وأبى بن كعب، وعبد اللّه بن سلام، وأبا أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع سعيد الخدري، وأبا هريرة، وأبا مالك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة، رضي الله عنهم. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.
روى عنه جماعات من التابعين، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. واتفقوا على
توثيقه. قال زيد بن أسلم: توفى سنة ثلاث أو أربع ومائة. وقال عمرو بن علي، وابن نمير: توفى سنة أربع وتسعين، وهذا أصح. وقال الهيثم بن عدى: سنه سبع وتسعين
(1)
].
2033 -
وَعَن سُبْرَة بن الْفَاكِه رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الشَّيْطَان قعد لابْنِ آدم بطرِيق الْإِسْلَام فَقَالَ تسلم وَتَذَر دينك وَدين آبَائِك فَعَصَاهُ فَأسلم فغفر لَهُ فَقعدَ لَهُ بطرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ لَهُ تهَاجر وَتَذَر دَارك وأرضك وسماءك فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ فَقعدَ بطرِيق الْجِهَاد فَقَالَ تُجَاهِد وَهُوَ جهد النَّفس وَالْمَال فتقاتل فَتقْتل فَتُنْكح الْمَرْأَة وَيقسم المَال فَعَصَاهُ فَجَاهد فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَمن فعل ذَلِك فَمَاتَ كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن غرق كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن وقصته دَابَّة كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ
(2)
.
قوله: وعن سبرة بن الفاكه [ويقال: ابن أبي الفاكه. ويقال: ابن الفاكهة. ويقال: ابن أبي الفاكهة. له صحبة. نزل الكوفة، له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، روى عنه: سالم بن أبي الجعد وعمارة بن خزيمة بن ثابت
(3)
].
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام والهجرة والجهاد" وتقدم الكلام على ذلك كلّه.
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (1/ 335 ترجمة 411).
(2)
ابن حبان (4593)، والبيهقي في شعب الإيمان (4246)، والطبراني في الكبير (6558)، وأحمد (15958)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1652).
(3)
تهذيب الكمال (10/ 202 - 203 ترجمة 2180).
2034 -
وَعَن فضَالة بن عبيد رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول أَنا زعيم والزعيم الْحميل لمن آمن بِي وَأسلم وَهَاجَر بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وَأَنا زعيم لمن آمن بِي وَأسلم وجاهد فِي سَبِيل اللّه بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وببيت فِي أَعلَى غرف الْجنَّة فَمن فعل ذَلِك لم يدع للخير مطلبا وَلا من الشَّرّ مهربا يَمُوت حَيْثُ شَاءَ أَن يَمُوت رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه
(1)
.
قوله: وعن فضالة بن عبيد [هو بفتح الفاء. وهو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء موحّدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى العمرى. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر.
روى له عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خمسون حديثًا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة بن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد اللّه بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه:
(1)
ابن حبان (4619)، والطبراني في الكبير (801)، والحاكم (2/ 71)، والبيهقي (6/ 72). قال الألباني صحيح، وصححه في صحيح سنن النسائي.
أعنى يا بني، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق
(1)
].
قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم" والزعيم الكفيل، والكفيل هو الضامن صلى الله عليه وسلم "لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة" وربض الجنة ما حولها من داخل والمراد بالبيت هنا القصر.
قوله صلى الله عليه وسلم: "وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر في سبيل اللّه ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة" تقدم الكلام على ذلك في أواخر كتاب العلم.
2035 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: قَالَ مر رجل من أَصْحَاب رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم بشعب فِيهِ عُيَيْنَة من مَاء عذبة فَأَعْجَبتهُ فَقَالَ لَو اعتزلت النَّاس فأقمت فِي هَذَا الشّعب وَلنْ أفعل حَتَّى أَسْتَأْذن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَذكر ذَلِك لرَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لا تفعل فَإِن مقَام أحدكم فِي سَبِيل اللّه تَعَالَى أفضل من صلَاته فِي بَيته سبعين عَاما أَلا تحبون أَن يغْفر اللّه لكم ويدخلكم الْجنَّة اغزوا فِي سَبِيل اللّه من قَاتل فِي سَبِيل اللّه فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم
(2)
.
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 50 ترجمة 490).
(2)
الترمذي (1650)، والحاكم (2/ 68)، وأحمد (9762)، وابن أبي عاصم في الجهاد (135)، والبزار (1652)، والبيهقي (9/ 160)، وقال الألباني صحيح، وأخرجه الترمذي (1651)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة أطول مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ ولمقام أحدكُم فِي الصَّفّ خير من صلَاته سِتِّينَ سنة
(1)
.
فوَاق النَّاقة هُوَ مَا بَين رفع يدك عَن ضرْعهَا وَقت الْحَلب ووضعها وَقيل هُوَ مَا بَين الحلبتين
2036 -
وَعَن عمرَان بن حُصَين رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ مقَام الرجل فِي الصَّفّ فِي سَبِيل اللّه أفضل عِنْد اللّه من عبَادَة الرجل سِتِّينَ سنة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ
(2)
.
2037 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم أفضل الأعْمَال عِنْد اللّه تَعَالَى إِيمَان لَا شكّ فِيهِ وغزو لَا غلُول فِيهِ وَحج مبرور رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ وَقد تقدم
(3)
.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله: مر رجل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، الحديث، تقدم الكلام على الشعب، والعيينة تصغير عين وهي الينبوع، ووقع في كثير من نسخ المصابيح "غيضة" والظاهر أنه وهم.
(1)
أحمد (22291)، والطبراني في الكبير (7868).
(2)
الحاكم (2/ 68)، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافق الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5886).
(3)
أحمد (7511)، والطيالسي (2518)، وابن حبان (4597)، والبخاري في خلق أفعال العباد (151).
قوله: فأعجبته، أي: حسنت في عينه وطابت في قلبه [قاله في المفاتيح
(1)
].
قوله: فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول اللّه فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل اللّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما" فذكره إلى أن قال: "من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة وجبت له الجنة"، فواق الناقة: هو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها، قيل: هو ما بين الحلبتين، كذا قاله المنذري، وقال غيره: فواق الناقة هو بضم الفاء وفتحها، قال الجوهري
(2)
وغيره: فواق الناقة هو ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصل لتذر ثم تحلب، أ. هـ قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وعلى هذا فتكون من باب المبالغة في التحريض على القتال والترغيب فيه لا من باب إرادة حقيقة اللفظ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:"من بني للّه مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني اللّه له بيتا في الجنة"
(3)
ومحال أن يسع مفحص القطاة آدميا يصلي فيه، وقال ابن حبيب فيما حكاه عنه ابن رشد في مقدماته: هو قدر ما تحلب فيه وعلى هذا يكون المراد حقيقة اللفظ وهو أحسن، وفي هذا الحديث أدل دليل على ما تقدم من أن الجهاد والتصدى له أفضل من العزلة للعبادة واللّه
(1)
المفاتيح (4/ 354).
(2)
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1546).
(3)
أخرجه أحمد (2157)، والطيالسي (2617)، وابن أبي شيبة 1/ 310، وابن عدي 2/ 542.
أعلم، يا هذا ليت شعري من يقوم مقام هذا الصحابي في عزلته وعبادته وطيب مطعمه، ومع هذا فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تفعل" وأرشده إلى الجهاد فكيف لو أحد منا أن يتركه مع أعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجي معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه، ونفوس جامحة إلا نهيت عنه ومآكل حكم حلها عند خالقها، وخواطر علم أصلها عند خالقها ونيات لا يتحقق إخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها، وروى ابن الجوزي عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول اللّه في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيفوته ما كان فيه ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبي اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه، فقال: يا نبي اللّه إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدّثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت با [لحنيفية] السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة" أ. هـ.
2038 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَيْضًا قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قَالَ لَا تستطيعونه فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا كلّ ذَلِك يَقُول لا تستطيعونه ثمَّ قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كَمثل الصَّائِم الْقَائِم القانت بآيَات اللّه لا يفتر من صَلَاة وَلا صِيَام حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ
(1)
.
2039 -
وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه دلَّنِي على عمل يعدل الْجِهَاد قَالَ لَا أَجِدهُ ثمَّ قَالَ هَل تَسْتَطِيع إِذا خرج الْمُجَاهِد أَن تدخل مسجدك فتقوم وَلَا تفتر وتصوم وَلَا تفطر قَالَ وَمن يَسْتَطِيع ذَلِك فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَإِن فرس الْمُجَاهِد ليستن يمرح فِي طوله فَيكْتب لَهُ حَسَنَات وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ نَحْو هَذَا
(2)
.
اسْتنَّ الْفرس عدا.
والطول بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الدَّابَّة ويمسك طرفه لترعى.
2040 -
وَعنهُ صلى الله عليه وسلم أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة أعدهَا اللّه للمجاهدين فِي سَبِيل اللّه مَا بَين الدرجتين كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ
(3)
.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله: قال: قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: "لا تستطيعونه" فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كلّ ذلك يقول: "لا تستطيعونه" الحديث، هكذا في بعض النسخ "لا تستطيعونه" بالنون، وهذا جار على اللغة
(1)
البخاري (2787)، ومسلم (1878)، وأحمد (9481)، وابن حبان (4627).
(2)
البخاري (2785).
(3)
البخاري (2790).
المشهورة، وفي بعضها:"لا تستطيعوه" هكذا هو في معظم النسخ "تستطيعوه" وهذا صحيح أيضًا وهي لغة فصيحة، حذف النون من غير ناصب ولا جازم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم القائم" الحديث، يريد قيام الليل أو قيام الصلاة ومداومة ذلك.
قوله: "لا يفتر" هو صفة للقائم [كقوله: ولقد أمر علي اللئيم يسبني] القانت هنا المطيع، قال ابن الأنباري: القنوت أربعة أقسام: الصلاة وطول القيام وإدامة الطاعة والسكوت، وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات اللّه أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تستطيعونه".
قوله صلى الله عليه وسلم: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر من صلاتك" ولا تفتر معناه: ولا تسكن، قول أبي هريرة: فإن فرس المجاهد لتستريح بمرج في طولة فتكتب له حسنات، استن الفرس: عدا، والطول: بكسر الطاء وفتح الواو وهو الحبل الذي يشد في الدابة ويمسك طرفه لترعى قاله المنذري.
2041 -
وَعَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج بِالنَّاسِ قبل غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا أَن أصبح صلى بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح ثمَّ إِن النَّاس ركِبُوا فَلَمَّا أَن طلعت الشَّمْس نعس النَّاس على إِثْر الدلجة وَلزِمَ معَاذ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَتْلُو إثره وَالنَّاس تَفَرَّقت بهم رِكَابهمْ على جواد الطَّرِيق تَأْكُل وتسير فَبينا معَاذ
على إِثْر رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم وناقته تَأْكُل مرّة وتسير أُخْرَى عثرت نَاقَة معَاذ فحنكها بالزمام فَهبت حَتَّى نفرت مِنْهَا نَاقَة رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ إِن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم كشف عَنهُ قناعه فَالْتَفت فَإِذا لَيْسَ فِي الْجَيْش أدنى إِلَيْهِ من معَاذ فناداه رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا معَاذ فَقَالَ لبيْك يَا رَسُول اللّه قَالَ ادن دُونك فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى لصقت راحلتاهما إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مَا كنت أَحسب النَّاس منا بمكانهم من الْبعد.
فَقَالَ معَاذ يَا نَبِي اللّه نعس النَّاس فتفرقت رِكَابهمْ ترتع وتسير فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم وَأَنا كنت ناعسا فَلَمَّا رأى معَاذ بشر رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم وخلوته لَهُ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه ائْذَنْ لي أَسأَلك عَن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم سل عَمَّا شِئْت قَالَ يَا نَبِي اللّه حَدثنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة لا أَسأَلك عَن شَيْء غَيره.
قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم بخ بخ بخ لقد سَأَلت لعَظيم لقد سَأَلت لعَظيم ثَلَاثًا وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر فَلم يحدّثه بِشَيْء إِلَّا أَعَادَهُ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم ثَلَاث مَرَّات حرصا لكيما يتقنه عَنهُ فَقَالَ نَبِي اللّه صلى الله عليه وسلم تؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتعبد اللّه وَحده لا تشرك بِهِ شَيْئا حَتَّى تَمُوت وَأَنت على ذَلِك قَالَ يَا رَسُول اللّه أعد لي فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ نَبِي اللّه صلى الله عليه وسلم إِن شِئْت يَا معَاذ حدّثتك بِرَأْس هَذَا الْأَمر وقوام هَذَا الْأَمر وذروة السنام.
فَقَالَ معَاذ بلَى يَا رَسُول اللّه حَدثني بِأبي أنت وَأمي فَقَالَ نَبِي اللّه صلى الله عليه وسلم إِن رَأس
هَذَا الْأَمر أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَإِن قوام هَذَا الْأَمر إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَإِن ذرْوَة السنام مِنْهُ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه إِنَّمَا أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة ويشهدوا أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد اعتصموا وعصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على اللّه وَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَد مَا شحب وَجه وَلَا اغبرت قدم فِي عمل تبتغى بِهِ دَرَجَات الْآخِرَة بعد الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة كجهاد فِي سَبِيل اللّه وَلَا ثقل ميزَان عبد كدابة تنْفق فِي سَبِيل اللّه أَو يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن معَاذ وَلَا أرَاهُ سمع مِنْهُ
(1)
.
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة كلهم من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ مُخْتَصرا وَيَأْتِي فِي الصمت إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى
(2)
.
قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.
قوله: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس قبل غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إليها في ثمانين ألفا في
(1)
أحمد (22122)، والبزار (1653)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 273)، رواه أحمد والبزار والطبراني باختصار، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه.
(2)
أحمد (22016)، وابن ماجه (3973)، والترمذي (2616)، والنسائي في الكبرى (11394)، والبيهقي في شعب الإيمان (3350).
شدة الحر، وسميت تبوك لأنه عليه السلام جاءوهم يبوكون بقدح فقال:"ما زلتم تبوكونها بعد" وهو مشتق من البوك.
قوله: نعس الناس على أثر الدلجة؛ نعس: بفتح العين، قوله: على أثر الدلجة، الدلجة: هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح.
قوله: ولزم معاذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتلوا أثره، هو بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبكسر الهمزة وسكون الثاء لغتان مشهورتان.
قوله: "والناس قد تفرقت بهم ركابهم على جواد الطريق" الجواد الطرق واحدها جادة وهي سواء الطريق ووسطه، قيل: هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطرق ولابد من المرور عليه قاله في النهاية
(1)
.
قوله: عثرت ناقة معاذ فحنكها بالزمام فهبت، الحديث، الزمام: ما يقاد به الدابة.
قوله: حتى نفرت منها ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وحكي النووي في شرح مسلم في كتاب الحج
(2)
في العضباء، والقصوي، والجذعاء، هل هي ناقة واحدة أو نوق؟ فقال ابن قتيبة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نوق ثلاث: القصوي، والعضباء، والجذعاء، وقال القاضي عياض
(3)
: إنها ناقة واحدة بخلاف ما قاله ابن قتيبة وأن هذا كان اسمها ووصفها، وقال النووي
(4)
بعد ذلك: وقد
(1)
ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 312).
(2)
شرح النووي على مسلم (13/ 17).
(3)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 69).
(4)
شرح النووي على مسلم (13/ 35).
قال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره أن العضباء والقصوى والجذعاء أسماء لناقة واحدة كانت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
قوله: ثم إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كشف عنه قناعه، القناع: ما يغطى به الرأس.
قوله: فقال معاذ: يا رسول اللّه ائذن لي أن أسألك عن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني، وهذا يدلّ على شدة اهتمام معاذ رضي الله عنه بالأعمال الصالحة.
قوله: يا نبي اللّه حدّثني بعمل يدخلني الجنة، لا أسألك عن شيء غيره، وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى:{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)}
(1)
، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" فالمراد، واللّه أعلم، أن العمل بنفسه لا يستحق به أحدٌ الجنة لولا أن اللّه جعله بفضله ورحمته سببا لذلك والعمل نفسه من رحمة اللّه وفضله على عبيده، وأسبابها كلّ من فضل اللّه ورحمته.
قوله صلى الله عليه وسلم: "بخ بخ، لقد سألت عن عظيم" قالها ثلاثًا، وذلك أن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم ولأجله أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل.
قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنه ليسير على من أراد اللّه به الخير" إشارة إلى أن التوفيق كلّه بيد اللّه تعالى ممن يسر اللّه عليه الهدى اهتدي، ومن لم ييسره عليه لم ييسر له ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له" أما أهل السعادة فييسرون
(1)
سورة الزخرف، الآية:72.
لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.
قوله صلى الله عليه وسلم: "وتعبد اللّه وحده لا تشرك به شيئًا حتى تموت وأنت على ذلك" الحديث، إنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه وتعالى في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا بقوله:"تعبد اللّه" أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة اللّه تعالى والإقرار بوحدانيته.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت يا معاذ حدّثتك برأس هذا الْأَمر وقوام هذا الْأَمر وذروة السنام" الحديث، أخبر صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، فأما رأس الْأَمر: فهو الدين الذي بعث به صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام، وقد جاء تفسيره في هذا الحديث بالشهادتين فمن لم يقربهما ظاهرا وباطنا فليس من الإسلام في شيء وأما قوام الْأَمر الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده فهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الصلاة هو الإتيان بها بالشروط الصحيحة المكملة مع الدوام عليها، وأما الزكاة فمعروفة يأتي الكلام عليها في أماكنها فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه، والفسطاط الخيمة، وأما ذروة سنامه وهو أعلا ما فيه وأرفعه فهو الجهاد وهذا يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العُلماء قاله ابن رجب الحنبلي، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا شيء بعد فرض الأعيان من أعمال البر أفضل من العلم ثم الجهاد، ومذهب الشافعي: أفضل
الأعمال بعد الفرائض الصلاة أفضل الأعمال البدنية وتطوعها أفضل التطوع، قاله ابن هبيرة، وقال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: إنما كان الإسلام رأس الْأَمر وهو الدين لأنه لا يصح شيء من الأعمال إلا مع وجوده، فإذا فقد الرأس كانت الأعمال كالجسد بلا رأس فهي موات، ولهذا تجعل يوم القيامة هباء منثورا وإنما كانت الصلاة عمود الدين تشبيها لها بعمود الخيمة لأن أول ما يحاسب به المرء من عمله إقامة الصلاة كذلك أول ما يقام من الخيمة عمودها، وكما أنه إذا ردت الصلاة رد عليه سائر عمله كما جاء في الحديث كذلك عمود الخيمة إن أقيم رفعت وإن حبط حبطت، وأيضًا كما أن الخيمة لا تثبت وتمنع من الحر والبرد إلا إذا أقيم عمودها كذلك لا يثبت الإسلام ويحقن الدم إلا إذا أقيمت الصلاة، وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير لأن ذروة السنام وهي أعلاه لا يعادلها شيء من أجزاء البعير كذلك الجهاد لا يعادله شيء من أعمال الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال:"لا أجده"، وفي رواية:"لا تستطيعونه" هذا ما يظهر لي واللّه أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه لما كان البعير حاملا الإنسان وموصلا له إلى المكان الذي يرومه شبه به هذا الْأَمر وهو الدين الحنيفي لأنه يوصل المؤمن في سفره الدنيوي إلى موطنه الأول وهو الجنة ثم شبه صلى الله عليه وسلم الإسلام وهو التلفظ بالشهادة برأس البعير إذ كان كلّ أحد يمكنه الوصول إلى هذا الإسلام كما يمكنه الوصول إلى رأس البعير إما باللمس أو الرؤية، وشبه الجهاد بذروة سنامه إذ كان لا ينالها إلا أطول الناس جدًّا أو
مالًا كذلك الجهاد لا يناله إلا أفضل المؤمنين سابقة ومآلا كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يناله إلا أفضلهم"، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما شبه الجهاد بذروة السنام لأن من تسور السنام فقد حكم على جميع أجزاء البعير كذلك من رزقه الله الجهاد فقد أناله جميع ما في الإسلام من أجزاء الفضل؛ لأن نوم المجاهد أجر، وسفره أجر، ونفقته أجر، ونصبه أجر، وخوفه أجر، وظمأه أجر، وجوعه أجر، وحركاته كلها أجر إلى غير ذلك واللّه سبحانه أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" الحديث، إذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أمرت" فهم منه أن اللّه أمره بذلك، وإذا قال الصحابي: فهم منه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمره بذلك فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره بذلك.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ويشهدوا أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" ومن أعظم [الأعمال وأفضلها] أداء الصلوات في أوقاتها بكمالها وحقوقها كما أمرنا، قال بعض الحكماء: من منع الصلاة منع اللّه منه الشهادة ومن منع الزكاة منع اللّه منه البركة، ومن منع الصدقة منع اللّه منه الصحة، ومن منع الدعاء منع اللّه منه الإجابة، ومن منع الاستغفار منع اللّه منه التوبة.
قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ومعنى عصموا: منعوا.
قوله صلى الله عليه وسلم: "وحسابهم على اللّه" أي: فيما يسرون به من الكفر والمعاصي ويخفونه من النيات ويذرونه من الأعمال الباطنة دون ما يخلون به من
الواجبات الظاهرة، والمعنى: إنما نحكم عليهم بالإيمان ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم واللّه سبحانه وتعالى يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ويجازي الفاسق بفسقه أو يعفو عنه فذلك إلى المطلع على السرائر، وأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده إنما كان على الظاهر، أما إذا أخلوا بشيء من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر فإنهم يطالبون بموجبه كما قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، ويدل عليه قوله:"عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه".
قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده" تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما شحب وجه ولا اغبرت قدم" الحديث شحب بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدهما باء موحّدة أي تغير، والشحوب من حزن أو خوف أو نحوه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل اللّه" أي: تموت، يقال: نفقت الدابة إذا هلكت أي ماتت، قد جاء في الحديث أن النفقة في سبيل الله توضع في ميزان منفقها كلّ يوم.
قوله: رواه البزار من رواية شهر بن حوشب، تقدم الكلام على شهر بن حوشب، ورواه أحمد وغيره من رواية أبي وائل، أبو وائل: اسمه شقيق بن مسلمة الأسدي، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع منه شيئًا واللّه أعلم، أ. هـ.
2042 -
وَعَن أبي سعيد رضي الله عنه أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ من رَضِي بِاللّه رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولًا وَجَبت لَهُ الْجنَّة فَعجب لَهَا أَبُو سعيد
فَقَالَ أعدهَا عَليّ يَا رَسُول اللّه فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَأُخْرَى يرفع اللّه بهَا للْعَبد مائَة دَرَجَة فِي الْجنَّة مَا بَين كلّ دَرَجَتَيْنِ كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللّه قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
(1)
.
قوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وجبت له الجنة" الحديث، أي: من آمن باللّه ورضي به وبدين الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت له الجنة واستحق دخولها فإذا دخلها بفضلة وكرمه أعطى الثواب بقدر عمله، وأي عمل أزكى ممن باع نفسه للّه تعالى وبذلها في طاعته وهو الجهاد في سبيله بقتال الكفار أو بقهر الشيطان وعدم طاعته كذا في التحفة، وفي رواية:"ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" الرضي ينقسم إلى عام وخاص، فالعام هو الرضي بأن لا رب سوى اللّه ولا دين سوى دين الإسلام ولا نبي في زمن المصطفى ولا بعده سواه وهذا هو الظاهر من الحديث، وأما الخاص فقد كان أبو الحُسين النوري يقول: هو سرور القلب بمر القضاء فالرضى بربوبية اللّه تعالى يتضمن الرضى بعبادته وحده لا شريك له والرضى بتدبيره للعبد و اختياره له والرضي بالإسلام دينا يقتضي اختياره على سائر الأديان، والرضي بمحمد صلى الله عليه وسلم يقتضي الرضي بجميع ما جاء به من عند اللّه وقبول ذلك بالتسليم والانشراح
(1)
مسلم (1884).
كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}
(1)
الآية.
قوله: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول اللّه، فأعادها عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم قال:"وأخرى يرفع اللّه بها للعبد مائة درجة في الجنة ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض"، قال: وما هي يا رسول اللّه؟ قال: "الجهاد في سبيل اللّه" الحديث، قال القاضي عياض
(2)
: يحتمل أن هذا على ظاهره وأن الدرجات هي المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدري، قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم وعظيم الإحسان ما لم يخطر على قلب بشر ولا يصفه مخلوق، وأن أنواع ما أنعم اللّه به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلا كثيرًا ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد، قال القاضي عياض
(3)
: والاحتمال أظهر وهو كما قال.
فائدة: في صحيح البخاري
(4)
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آمن باللّه ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على اللّه أن
(1)
سورة النساء، الآية:65.
(2)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 293).
(3)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 69).
(4)
صحيح البخاري (2790).
يدخله الجنة" فذكر الحديث إلى أن قال: "إن في الجنة مائة درجة".
أعدها اللّه للمجاهد في سبيل اللّه، وخرج ابن عساكر عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعن أبي أمامة رضي الله عنهما قالا: ذكر عند رسول صلى الله عليه وسلم الجهاد، فقال:"إن للمجاهد في سبيل اللّه سبعين درجة من ياقوت ما بين كلّ درجتين مثل ما بين السماء والأرض"، فإن قلت: قد تقدم في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد أن الدرجات مائة، وفي هذا الحديث أن الدرجات سبعون، فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن الوازع لا تقوم به حجة، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة الذي بعده من حيث الصحة لا يقاومهما شيء وإن صح حديث السبعين فيحمل على تفاوت المجاهدين بتفاوت مقاصدهم وإخلاصهم: فمنهم من يرفع سبعين درجة، ومنهم من يرفع مائة درجة، واللّه أعلم، ذكره ابن النحاس في كتابه الذي في الجهاد.
2043 -
وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه: عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذرْوَة سَنَام الْإِسْلَام الْجِهَاد لا يَنَالهُ إِلَّا أفضلهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
(1)
.
قوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ذروة سنام الإسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم" تقدم ذكر ذروة سنام الإسلام في حديث معاذ المطول.
(1)
الطبراني في الكبير (7885)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 274)، وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3045).
2044 -
وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن عبسة رضي الله عنه عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه فوَاق نَاقَة حرم اللّه على وَجهه النَّار رَوَاهُ أَحْمد
(1)
.
قوله: وعن عمرو بن عبسة [هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحّدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ورأيت جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب يزيدون فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما ذكرته نتبيها عليه لئلا يغتر به، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابي الصالح أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة معه بمكة، فقال:"إنك لا تقدر على ذلك الآن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعتُ بخروجى فأتنى"، وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبي ذر لأمه، وفد المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام روى له عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون
(1)
أحمد (19444)، وابن أبي عاصم في الجهاد (138)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 275)، وفيه عبد العزيز بن عبيد اللّه، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5724).
حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفي بها
(1)
].
قوله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة حرم اللّه على وجهه النار" فواق الناقة، تقدم الكلام عليه.
2045 -
وَعَن أبي الْمنْذر رضي الله عنه أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِن فلانا هلك فصل عَلَيْهِ فَقَالَ عمر إِنَّه فَاجر فَلَا تصل عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه ألم ترَ اللَّيْلَة الَّتِي صبحت فِيهَا فِي الحرس فَإِنَّهُ كانَ فيهم فَقَامَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلى عَلَيْهِ ثمَّ تبعه حَتَّى جَاءَ قَبره قعد حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُ حثى عَلَيْهِ ثَلَاث حثيات ثمَّ قَالَ يثني عَلَيْك النَّاس شرا وأثني عَلَيْك خيرا فَقَالَ عمر وَمَا ذَاك يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم دَعْنَا مِنْك يَا ابْن الْخطاب من جَاهد فِي سَبِيل اللّه وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده لا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى
(2)
.
قوله: وعن أبي المنذر، أبو المنذر اسمه [لا يعرف وذكره مطين في الصحابة، وأخرجه أبو داود في المراسيل].
قوله: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه، إن فلانا هلك فصل
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 31 - 32 ترجمة 454).
(2)
الطبراني في الكبير (846)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 276)، وفيه يزيد بن ثعلب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
عليه! فقال عمر: إنه فاجر، فلا تصل عليه، فقال الرجل: يا رسول اللّه، ألم تر الليلة التي صبحت فيها في الحرس فإنه كان فيهم، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا فرغ منه حثى عليه ثلاث حثيات، الحثية أما أخذ بالكف المبسوطة وقيل: الحثية باليد والحفنة باليدين وقيل الحثية ما يحثيه الإنسان بيديه].
2046 -
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ بَيْنَمَا أَنا عِنْد رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان بِاللّه وَجِهَاد فِي سَبيله وَحج مبرور فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام وَحسن الْخلق فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك لا تتهم اللّه على شَيْء قَضَاهُ عَلَيْك رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن وَاللَّفْظ لَهُ
(1)
.
قوله: وعن عبادة بن الصامت [هو أبو الوليد عبادة بن أبي عبادة الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارى الخزرجى، شهد عبادة العقبة الأولى والثانية مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان،
(1)
أحمد (22716)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 279)، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وفي الآخر سويد بن إبراهيم، وثقه ابن معين في روايتين وضعفه النسائي، وبقية رجالهما ثقات.
وسائر المشاهد، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، كان نقيبا على القواقل؛ وآخى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبى مرثد الغنوى، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقات، وكان يعلّم أهل الصفة القرآن، ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب، ومعاذا، وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفهموهم، فأقام عبادة بحمص، ومعاذ بفلسطين، وأبو الدرداء بدمشق، ثم صار عبادة إلى فلسطين، روى له عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مائة وأحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. قال الأوزاعى: أول من ولى قضاء فلسطين عبادة، وكان فاضلا، خيرا، جميلا، طويلا، جسيما، توفى ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفى سنة خمس وأربعين، والأول أصح وأشهر
(1)
].
قوله: إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه، أي الأعمال أفضل؟ قال:"إيمان باللّه وجهاد في سبيله وحج مبرور" تقدم الكلام على ذلك، والحج المبرور: هو الذي لا تقع فيه معصية، وقيل:[هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما].
2047 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ ثَلاثَة حق على اللّه عونهم الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه وَالْمكَاتب الَّذِي يُرِيد الأدَاء والناكح الَّذِي يُرِيد العفاف
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (1/ 256 - 257 ترجمة 281).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم
(1)
.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل اللّه والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف" المكاتب هو: العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم معلومة، فإذا أداها إليه وحط عنه السيد بعض الشيء من النجوم صار حرًا.
2048 -
وَعَن مَكْحُول رضي الله عنه: قَالَ كثر المستأذنون رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحَج يَوْم غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم غَزْوَة لمن قد حج أفضل من أَرْبَعِينَ حجَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش
(2)
.
قوله: وعن مكحول [هو أبو عبد اللّه مكحول بن زيد، ويقال: ابن أبي مسلم بن شاذل بن سند بن شروان بن يردك بن يغوث بن كسرى الكابلى الدمشقى، يقال: كابلى، ويقال: هذلى، فالكابلى من سبى كابل، والهذيلى قيل لأنه كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل: كان مولى لسعيد بن العاص، فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، وكان يسكن دمشق، وداره عند طرف سوق الأحد، وقال أبو مسهر: لم يسمع مكحول عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدرى
(1)
الترمذي (1655)، وقال: حديث حسن، وابن حبان (4030)، والحاكم (2/ 160)، وابن ماجه (2518)، وأحمد (7416)، والبيهقي في شعب الإيمان (4278)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3050).
(2)
أبو داود في المراسيل (304).
أدركه أم لا. وقال ابن إسحاق: سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وقال أبو وهيب، عن مكحول: عقبت بمصر فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن يونس: كان فقيها، عالما. واتفقوا على توثيقه، سكن دمشق. توفى بها سنة ثمانى عشرة ومائة
(1)
].
قوله: فقام رجل رث الهيئة، الرث بالثاء المثلثة الشيء البالي، أ. هـ.
قوله: كثر المستأذنون على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى الحج يوم غزوة تبوك.
قوله: "غزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة" رواه أبو داود في المراسيل من رواية إسماعيل بن عياش [هو إسماعيل بن عياش الحمصي: عالم أهل الشام قال النسائي ضعيف وقال ابن حبان كثير الخطأ في حديثه فخرج عن حد الاحتجاج به وقال علي بن المديني إسماعيل عندي ضعيف وقال ابن خزيمة لا يحتج به وقال أبو داود سمعت ابن معين يقول إسماعيل بن عياش ثقة، وكذا روى عباس عن ابن معين أيضا وقال دحيم هو في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين وقال الفسوي: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشاميين أكثر ما تكلموا فيه قالوا يغرب عن نقات الحجازيين وقال البخاري إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر وقال أبو حاتم لين].
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 113 - 114 ترجمة 605).
2049 -
وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ حجَّة خير من أَرْبَعِينَ غَزْوَة وغزوة خير من أَرْبَعِينَ حجَّة يَقُول إِذا حج الرجل حجَّة الإِسْلَام فغزوة خير لَهُ من أَرْبَعِينَ حجَّة وَحجَّة الإِسْلَام خير لَهُ من أَرْبَعِينَ غَزْوَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقات معروفون
(1)
.
وعنبسة بن هُبَيْرَة وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَلم أَقف فِيهِ على جرح.
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.
قوله: "حجة أفضل من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة" يقول: إذا حج الرجل حجة الإسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإسلام خير له من أربعين، رواه البزار، وفيه عنبسة بن هبيرة [عنبسة بن هبيرة بن النعمان الطائي من أهل حران كنيته أبو مروان يروي عن عكرمة روى عنه عثمان بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه من غير رواية عثمان الطائفي عنه
(2)
].
2050 -
وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيهَقِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي غزَاة الْبَحْر إِن شَاءَ اللّه
(3)
.
(1)
البزار (1651)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 279)، ورجاله ثقات، وعنبسة ابن هبيرة وثقه ابن حبان، وجهلة الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2690).
(2)
الجرح والتعديل (6/ 403) والثقات (7/ 289).
(3)
الطبراني في الأوسط (3144)، والبيهقي (4/ 334)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 281)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال =
قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات" الحديث، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.
2051 -
وَعَن أبي بكر بن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت أبي وَهُوَ بِحَضْرَة الْعَدو يَقُول قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم إِن أَبْوَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف فَقَامَ رجل رث الْهَيْئَة فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَنْت سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول هَذَا قَالَ نعم فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ أَقرَأ عَلَيْكُم السَّلَام ثمَّ كسر جفن سَيْفه فَأَلْقَاهُ ثمَّ مَشى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدو فَضرب بِهِ حَتَّى قتل رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وغيرهما
(1)
.
جفن السَّيْف بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الْفَاء هُوَ قرَابه.
قوله: وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري [أخو أبي بردة بن أبي موسى، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة بن أبي موسى، كان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني
= عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه غيره. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2692).
(1)
مسلم (1902)، والترمذي (1659)، وأحمد (19538)، وابن حبان (4617)، والحاكم (2/ 70)، والبيهقي (9/ 44).
قاتل عمار فأجلسه إلى جنبه، وقال:"مرحبا بأخي"، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، ومات في ولاية خالد بن عبد اللّه
(1)
].
قوله: سمعت أبي وهو بحضرة العدو، هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال: أيضًا يحضر العدو بفتح الحاء والضاد وحذف الهاء، ذكره النووي في شرح مسلم
(2)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" قال العلماء: معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها، وقيل: المراد به الدنو من الأقران حتى يكونوا تحت ظلال سيوفهم ولا يفرون منهم وكل شيء علاك ودنا منك فقد أظلك، وقيل: معناه ثواب اللّه والسبب الوصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل اللّه، ومشي المجاهد في سبيل اللّه فأحضروا فيه بصدق واثبتوا، قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة: هو من باب البلاغة والمجاز الحسن فيجوز أن يكون من مجاز التشبيه مع حذف المضاف، فإن ظل الشيء لما كان ملازما له جعل ثواب الجنة واستحقاقها بالجهاد وأعمال السيوف لازما لذلك كما يلزم الظل، أ. هـ؛ قال - عفا اللّه عنه -: والذي يظهر في معناه واللّه أعلم أنه من رفع يده بالسيف ضاربا به في سبيل اللّه أو رفع عليه سيف في سبيل اللّه على أي حال
(1)
تهذيب الكمال (33/ 144 - 145 ترجمة 7256).
(2)
شرح النووي على مسلم (13/ 58).
ظلل عليه السيف صار بذلك كأنه وصل إلى أبواب الجنة فيوشك أن يستشهد فيدخلها في الحال أو يؤخر فيموت على فراشه فيدخلها في المآل لأن من قاتل في سبيل اللّه وجبت له الجنة فكأن أبواب الجنة لذلك تحت ظلال السيوف حقيقة، وشبيه بهذا قوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض".
قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستأذنه في الجهاد: "ألك والدن؟ " قال: نعم، قال:"الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما" وكذلك ما روي في الحديث: "الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات" وأشباه ذلك والله أعلم.
قوله: "الجنة تحت ظلال السيوف" أي: تحت بارقة السيوف وبارقة السيوف هو ظلها الذي يقع على الأرض وغيره ولما كان بارقة السيوف مما يفزع الأنفس ويكون سببا لفرارها، بيّن صلى الله عليه وسلم أن من وقف تحت ظلال السيوف وحبس نفسه على القتال دخل الجنة قُتل أم لم يقتل لقوله تعالى:{بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}
(1)
ويحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون المعنى أن الصبر على بارقة السيوف ثوابه أفضل من الجنة وأن الجنة دونه وأن ثوابه رضي الله عنه: أفضل من الجنة وكذلك النظر إلى وجهه الكريم، الثاني: أنه يعبر بالتحت [عما] خفي عن المشاهدة بالبصر، وقد يكون للشيء ظاهر مكروه وباطن محبوب ببارقة السيوف ظاهرها ورؤيتها مما يكره النفس وثواب الجنة منطو فيها والصبر على بارقة السيوف
(1)
سورة التوبة، الآية:11.
كالصبر على شرب الدواء لما فيه من النفع العظيم والصبر على القتال في سبيل الله في ضمنه تكفير الذنوب وحصولها الجنة، وهذا وقع نظيره في الدجال فإنه يأتي ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار فجنته ظاهرها محبوب وباطنها مكروه وناره على العكس ظاهرها مكروه وباطنها محبوب، ومما قيل فيه:
فَنَارُهُ جَنَّة طُوْبَي لِدَاخِلِها
…
وَزُوْرُ جَنّتِهِ نَارٌ مِنَ السُّعُرِ
ولما كانت الجنة منطوية فيما يشاهد من المكروه من طلال السيوف أي: بارقتها، وكان المجاهد كأنه يرى الموت عيانا أعطى اللّه تعالى للمجاهد خصلتين إحداهما: ألا يذوق من ألم الموت إلا كما يذوق الإنسان من قرصة البقة، كما رواه النسائي عنه صلى الله عليه وسلم، ويكفيه بارقة السيوف عبارة عن السكرة، الثانية: أنه قتل حصلت له الشهادة والحياة الأبدية من غير تأخير حسب قوله تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
(1)
بيّن تعالى أنهم في البرزخ أحياء يتنعمون بالجنة وأن عملهم لا ينقطع بموتهم كما جاء في الخبر الآخر، أ. هـ، واللّه أعلم، وعن الحسن أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"ما أذن اللّه لعبد في جهاد ولو قدر فواق ناقة إلا استحيى أن يرده إلى منزله ولم يعتقه من النار" ذكره صاحب شفاء الصدور.
فائدة: ذكر غير واحد أن أول سيف سلّ في سبيل اللّه تعالى سيف الزبير بن العوام رضي الله عنه لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم له، وذلك أنه أسلم وله ثمان سنين فنفخت
(1)
سورة آل عمران، الآية:169.
نفخة من الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بأعلى مكة فخرج الزبير وهو ابن ثنتي عشرة سنة ومعه سيف حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لك؟ " قال: أخبرت أنك أخذت، فقال: كنت صانعا ماذا، قال: كنت أضرب به من أخذك فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فكان سيفه أول سيف سل في سبيل الله وهو أحد شجعان الإسلام وأبطاله، قال ابن أبي الزناد: ضرب الزبير يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقطعه إلى القربوس، فقالوا: ما أجود سيفك؟ فغضب الزبير يريد أن العمل ليده لا للسيف، وهذه الضربة إحدى الضربات المشهورة في الإسلام، أ. هـ، قاله ابن النحاس.
فائدة أخرى: كان للنبي صلى الله عليه وسلم أسياف، منها:(المأثور) ورثه من أبيه وقدم به المدينة، ومنها:(العضب) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة أرسل به إليه سعد بن عبادة عند توجهه إلى بدر، ومنها:(ذو الفقار) بكسر الفاء وقيل بفتحها كان في وسطه مثل فقرات الظهر غنمه يوم بدر وكان معه في حروبه كلها وكانت قائمته وحلقه وعلاقته وبكراته ونصله فضة، ومنها:(الصمصام) بصادين مهملتين مفتوحتين وهو سيف عمرو بن معدي كرب وكان مشهورًا، ومنها:(القلعي) بفتح القاف واللام نسبه إلى مرج القلعة بالبادية، ومنها:(البتار) بباء موحدة ثم مثناة فوق مشددة، ومنها:(الحتف) بفتح الحاء المهملة وهو من أسماء الموت، ومنها أيضًا:(الرِّسُوب) وكان عنده، من رسب في الماء إذا غاص فيه، لأن ضربته تغوص في المضروب به، ومنها:(المخذم) بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الذال المعجمة
وهو اسم للسيف القاطع والقضيب، أ. هـ.
فائدة أخرى: وقد روى في السيوف والرماح أحاديث وفضائل، منها: ما رواه أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي" الحديث، ومنها:"أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ومنها:"أن السيوف مفاتيح الجنة"، ومنها:"أن الضرب بالسيف في سبيل اللّه سبب لدخول الجنة"، ومنها: ما روي أن "من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه وشاح الكرامة ورداه رداء الإيمان"، ومنها: ما روي أن "من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه تعالى وشاحين من الجنة وأن اللّه يباهي ملائكته بسيف الغازي ورمحه"، ومنها: ما روي أن الملائكة تصلي على الغازي ما دام سيفه معلقا في عنقه، أ. هـ.
2052 -
وَعَن الْبَراء رضي الله عنه قَالَ أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أقَاتل أَو أسلم قَالَ أسلم ثمَّ قَاتل فَأسلم ثمَّ قَاتل فَقتل فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم عمل قَلِيلا وَأجر كثيرا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم
(1)
.
2053 -
وروى مُسلم عَن جَابر رضي الله عنه: قَالَ جَاءَ رجل من بني النبيت قبيل من الأَنصَار فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا اللّه وَأنَك عَبده وَرَسُوله ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عمل هَذَا يَسِيرا وَأجر كثيرا
(2)
.
(1)
البخاري (2808)، ومسلم في الإمارة، وهو الحديث الآتي بعد، وابن حبان (4601).
(2)
مسلم (1900).
مقنع بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة أَي متغط بالحديد وَقيل على رَأسه خوذة وَقيل غير ذَلِك.
قوله: وعن البراء، هو البراء بن عازب تقدم الكلام على مناقبه رضي الله عنه.
قوله: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد، قال الحافظ
(1)
: أي متغط بالحديد، قيل: على رأسه خوذة، وقيل: بيضة وهي الخوذة، لأن الرأس موضع القناع، قاله في [النهاية] وقيل: غير ذلك، ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه في ألف مقنع، أي: ألف فارس مغطى بالسلاح.
قوله صلى الله عليه وسلم: "عمل هذا قليلا" إشارة إلى الزمان الذي قتل فيه وهو زمان يسير لم يفتقر إلى أداء شيء من العبادات.
قوله: "وأجر كثير" إشارة إلى ما حصل له من الفوز بالشهادة.
قوله: في حديث جابر من رواية مسلم: جاء رجل من بني النبيت قبيل من الأنصار، النبيت: هو بنون مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم مثناة فوق وهم قبيل من الأنصار كما ذكر في حديث جابر، وقال غيره: بنو النبيت: جيل من النصارى.
2054 -
وَعَن أنس رضي الله عنه قَالَ انْطلق رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر وَجَاء الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يتقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه فَدَنَا الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قومُوا إِلَى
(1)
فتح الباري لابن حجر (6/ 3).
جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ عُمَيْر بن الْحمام يَا رَسُول اللّه جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ نعم قَالَ بخ بخ فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مَا يحملك على قَوْلك بخ بخ فَقَالَ لا وَاللّه يَا رَسُول اللّه إِلَا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا قَالَ فَإنَّك من أَهلهَا فَأخْرج تمرات من قرنه فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ ثمَّ قَالَ إِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة فَرمى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل رضي الله عنه رَوَاهُ مُسلم
(1)
.
الْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء هُوَ جعبة النشاب.
قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.
قوله: انطلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، وغزاة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بنفسه كما تقدم ذلك.
قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" الحديث أي: قدامه متقدما في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا يعلمونها.
قوله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" أي: إلى سبب جنة وهو القتال لإعلاء كلمة اللّه تعالى، وقيل: قوموا إلى قتال إن قتلتم فلكم الجنة، والجنة هي دار النعيم في الدار الآخرة من الاجتنان وهو الستر لتكاثف
(1)
مسلم (1901).
أشجارها وتطليلها بالتفاف أغصانها.
قوله: فقال عمير بن الحمام: يا رسول اللّه جنة عرضها السموات والأرض، قال:"نعم"؛ عمير بن الحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي الصحابي، شهد بدرا واستشهد بها، وذكر ابن عقبة في مغازيه أن عمير أول قتيل يومئذ من الأنصار في الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث المطلبي فاستشهدا في وقعة بدر رضي الله عنهما، والقاتل لعمير بن الحمام خالد بن الأعلم العقيلي، قيل: بل أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة.
قوله: بخ بخ، بفتح الباء وإسكان الخاء المعجمة وهي كلمة تقال عند تعظيم الأمور وتفخيمه في الخير تعجبا ويقال فيها أيضا بخ بخ بالخفض منونا.
قوله: فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ " قال لا واللّه يا رسول اللّه إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال "فإنك من أهلها" هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة، (رجاءة) بالمد ونصب التاء وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدودا بحذف التاء وكله صحيح معروف في اللغة ومعناه: واللّه ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها.
قوله: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، القرن هو جعبة النشاب أي السهام وهي تصنع من جلد قش ويجعل فيها النشاب والقرن بالتحريك ويجمع على أقرن وأقران كحبل وأحبال ومنه الحديث "الناس يوم القيامة
كالنبل في القرن يجتمعون مثلها" قاله في النهاية
(1)
.
قوله: فإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، أي لم ير تأخير الغزو إلى الفراغ من أكل التمر فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رضي الله عنه الحديث. في هذا الحديث جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة فيه عند جماهير وفيه ثبوت الجنة للشهيد وفيه المبادرة بالخير وأنه لا يشتغل عنه بحظوظ النفس وفيه أن عميرا إنما قاتل رجاء دخول الجنة، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهلها.
2055 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ لا يجْتَمع كَافِر وقاتله فِي النَّار أبدا رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكم أطول مِنْهُ
(2)
.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيت معَاذ بن جبل.
2056 -
وَعَن أنس بن مَالك رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَعْنِي يَقُول اللّه عز وجل الْمُجَاهِد فِي سبيلي هُوَ عَليّ ضَامِن إِن قَبضته أورثته الْجنَّة وَإِن رجعته رجعته بِأَجْر أَو غنيمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح
(3)
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَتقدم.
(1)
النهاية في غريب الحديث والأثر (4/ 55).
(2)
مسلم (1891)، وأبو داود (2495)، وابن حبان (4665)، وأحمد (8816)، والحاكم (2/ 72).
(3)
الترمذي (1620)، وابن أبي عاصم في الجهاد (45)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8135).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا" الحديث وفي رواية "لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر" قيل من هم يا رسول اللّه؟ قال "هو من قتل كافرا ثم سدد" قال القاضي عياض
(1)
في الرواية الأولى يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد فيكون ذلك مكفرا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها أو تكون نيته مخصوصة أو حالة مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولا ولا يدخل النار أو يكون إن عوقب به في غير موضع عقاب الكفار ولا يجتمعان في إدراكها، قال وأما قوله في الرواية الثانية اجتماع يضر أحدهما الآخر فيدل على أنه اجتماع مخصوص قال وهو مشكل المعنى وأوجه ما فيه أن يكون معناه ما أشرنا إليه أنهما لا يجتمعان في وقت إن استحق العقاب فيعيره بدخوله معه وأنه لم ينفعه إيمانه وقتله إياه، وقد جاء مثل هذا في بعض الآثار لكن قوله في هذا الحديث: مؤمن قتل كافرا ثم سدد مشكل لأن المؤمن إذا سدد ومعناه استقام على الطريقة المثلى ولم يخلط لم يدخل النار أصلا سواء قتل كافرا أو لم يقتله، قال القاضي ووجهه عندي أن يكون قوله ثم سدد عائدا على الكافر القاتل ويكون بمعنى الحديث الآخر "يضحك اللّه من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة" ورأى بعضهم هذا اللفظ تغييرا من بعض الرواة وأن صوابه "مؤمن قتله كافر ثم سدد" ويكون معنى قوله "لا
(1)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 293).
يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر" أي لا يدخلانها للعقاب ويكون هذا استثناء من اجتماع الورود وتخاصمهم على جسر جهنم هذا آخر كلام القاضي عياض
(1)
والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على شيء من ذلك من كلام المنذري في الحواشي.
2057 -
وَعَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه عَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ من جَاهد فِي سَبِيل اللّه كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن عَاد مَرِيضا كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن دخل على إِمَام يعزره كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن جلس فِي بَيته لم يغتب إنْسَانا كَانَ ضَامِنا على اللّه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لَهما
(2)
.
وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وَعِنْده أَو خرج مَعَ جَنَازَة بدل وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَتقدم لَفْظهمَا
(3)
.
وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَا أَن عِنْده الثَّالِثَة وَرجل دخل بَيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على اللّه
(4)
.
قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على ذلك.
(1)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 337).
(2)
ابن حبان (372)، وابن خزيمة (1495).
(3)
أبو يعلى في مسنده الكبير، وأحمد (22093)، والطبراني في الكبير (20/ رقم 55)، والبزار (1649).
(4)
أبو داود (2494).
قوله: "فهو علي ضامن" بمعنى مضمون ويجيء فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}
(1)
أي مرضية وقوله تعالى: {مَاءٍ دَافِقٍ}
(2)
أي مدفوق قيل معناه ذا ضمان كقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
(3)
وذا عيشة راضية ومعنى "ضامن على اللّه تعالى": أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشيء، كما يقال: تَامِرٌ، ولَابنٌ: أي صاحب تمر ولبن فمعناه أنه في رعاية اللّه تعالى وحفظه ذكره النووي في الأذكار
(4)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنا على اللّه" الحديث، الغدو والرواح عند العرب يستعملان في السير متى كان ليلا أو نهارا يقال راح أول النهار وآخره وغدا بمعناه، هذا كلام الأزهري
(5)
.
قوله: "ومن دخل على إمام يعزره كان ضامنا على اللّه" تقدم الكلام على قوله: يعزره في المشي إلى المساجد.
قوله: "ورجل دخل بيته بسلام" قيل يحتمل وجهين أحدهما أن يسلم إذا دخل منزله كما قال تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً
(1)
سورة القارعة، الآية: 7
(2)
سورة الطارق، الآية:6.
(3)
سورة النساء، الآية 100.
(4)
(ص:24 رقم 59).
(5)
تهذيب اللغة (8/ 155).
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}
(1)
الوجه الآخر أن يكون أراد بدخوله بيته أي لزم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب بذلك من العزلة ويأمن بالإقلال من الخلطة ذكره المنذري في الحواشي
(2)
أ. هـ.
2058 -
وَعَن عبد اللّه بن حبشِي الْخَثْعَمِي رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان لا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لا غلُول فِيهِ وَحجَّة مبرورة قيل فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل قيل فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ من هجر مَا حرم اللّه قيل فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من جَاهد الْمُشْركين بنَفسِهِ وَمَاله قيل فَأَي الْقَتْل أشرف قَالَ من أهريق دَمه وعقر جَوَاده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم
(3)
.
قوله: وعن عبد اللّه بن حبشي الخثعمي رضي الله عنه[سكن مكة، وله صحبة. روى عنه عبيد بن عمير ومحمد بن جبير بن مطعم
(4)
].
قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة" تقدم الكلام على ذلك.
قوله: قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل [أي قدر ما يحتمله حال القليل المال].
(1)
سورة النور، الآية:61.
(2)
انظر: معالم السنن للخطابي (3/ 361).
(3)
أبو داود (1449)، وأحمد (15401)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 14)، وابن أبي عاصم في الجهاد (26)، وفي الآحاد والمثاني (2520).
(4)
أسد الغابة (3/ 104 ترجمة 2884).
قوله: قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بنفسه وماله.
قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه" يقال هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه وأصله أراق يريق إراقة وفي الحديث الآخر: "قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه" الجواد الفرس الجيد سمي بذلك لأنه يجود بجريه والأنثى جواد أيضا قاله في الديباجة.
2059 -
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم: جاهدوا فِي سَبِيل اللّه فَإِن الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يُنجي اللّه تبارك وتعالى بِهِ من الْهم وَالْغَم رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده
(1)
.
قوله وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: جاهدوا في سبيل اللّه فإن الجهاد في سبيل اللّه باب من أبواب الجنة".
2060 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل القانت الصَّائِم لا يفتر صَلَاة وَلا صياما حَتَّى يرجعه اللّه إِلَى أَهله بِمَا يرجعه إِلَيْهِم من أجر أَو غنيمَة أَو يتوفاه فيدخله الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان
(1)
أحمد (22680)، والحاكم (2/ 74)، وابن أبي عاصم في الجهاد (5)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 272)، رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط أطول من هذا، وأحد أسانيد أحمد وغيره ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4063).
في صَحِيحه
(1)
. عَن شَيْخه عَمْرو بن سعيد بن سِنَان قَالَ وَكَانَ قد صَامَ النَّهَار وَقَامَ اللَّيْل ثَمَانِينَ سنة غازيا ومرابطا. قَالَ المملي رحمه الله وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَتقدم.
2061 -
وَفِي رِوَايَة للنسائي فِي هَذَا الحَدِيث مثل الْمُجَاهِد فِي سَبيل اللّه وَاللّه أعلم بِمن جَاهد فِي سَبيله كمثل الصَّائِم الْقَائِم الخاشع الرَّاكع الساجد
(2)
.
قوله عن أبي هريرة رضي الله عنه: تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل القانت الصائم لا يفتر صلاة ولا صياما" ومعنى القانت هنا المطيع وقد تقدم الكلام على ذلك.
2062 -
وَعَن معَاذ بن أنس رضي الله عنه: عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن امْرَأَة أَتَتهُ فَقَالَت يَا رَسُول اللّه انْطلق زَوجي غازيا وَكنت أقتدي بِصَلَاتِهِ إِذا صلى وبفعله كُله فَأَخْبرنِي بِعَمَل يبلغنِي عمله حَتَّى يرجع قَالَ لَهَا أتستطيعين أَن تقومي وَلا تقعدي وتصومي وَلا تفطري وتذكري اللّه تَعَالَى وَلا تفتري حَتَّى يرجع قَالَت مَا أُطِيق هَذَا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أطقته مَا بلغت العشور من عمله رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة رشدين بن سعد وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَلا بَأْس بحَديثه فِي المتابعات وَالرَّقَائِق
(3)
.
(1)
ابن حبان (4622).
(2)
النسائي (6/ 18)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5850).
(3)
أحمد (15633)، والطبراني في الكبير (20/ رقم 440)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 274)، رواه أحمد والطبراني، وفيه رشدين بن سعد، وثقه أحمد، وضعفه جماعة.
العشور جمع عشرَة وَهُوَ الْوَاحِد من عشرَة أَجزَاء.
قوله وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه تقدم الكلام عليه.
قوله: أن امرأة أتته فقالت يا رسول اللّه انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع فذكره إلى أن قال والذي نفسي بيده لو أطقته ما بلغت العشور من عمله. قال الحافظ
(1)
: العشور جمع عشر وهو الواحد من عشرة أجزاء قد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عمل يعدل الجهاد وفات بعض النساء الحج مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال "اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجه أو حجة معي" ا هـ.
ولما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء. اهـ.
فائدة فيها بشرى لهذه الأمة زادها اللّه شرفا: حكى القرطبي في تفسيره عن كعب الأحبار
(2)
قال: كان ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى اللّه إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه اللّه ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في العسكر، ويخرجه
(1)
فتح الباري لابن حجر (6/ 143).
(2)
تفسير القرطبى (20/ 132).
مجاهدا في سبيل اللّه، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في العسكر، فكان كل واحد يقتل في شهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل اللّه تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل اللّه.
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وهذا من سعة فضل اللّه على هذه الأمة يضاعف لها من العمل اليسير ما لم تدركه الأمم السالفة في العمر الطويل والعمل الكثير فإذا كانت ليلة القدر لهذه الأمة خيرا من ألف شهر من شهور ذلك الملك فكيف بما هو أفضل من ليلة القدر عند الحجر الأسود وهو موقف ساعة في سبيل اللّه تعالى كما صح ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللّه أعلم أبيات في فضل الجهاد:
قال عبد اللّه بن محمد قاضي نصيبين حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال أملى علي عبد اللّه بن المبارك بهذه الأبيات بطرسوس فأرسلها إلى مكة إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع والفضيل يرى عكس ذلك وهي هذه الأبيات:
يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرتَنا
…
لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعبُ
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ
…
فَنَحُوُرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّب
أوْ كَانَ يُتعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ
…
فَخُيُوْلنا يَوْم الصبيحة تَتْعَبُ
ريْحُ العَبيْرِ لكُمْ وَنحْنُ عَبِيرنا
…
رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبارُ الأطْيَبُ
وَلقد أتانَا مِنْ مَقَالِ نبينا
…
قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِق لا يَكذِبُ
لا يَسْتَوِى وَغُبَارُ خَيْلِ اللّه في
…
أنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ
هَذَا كتَابُ الله يَنطِقُ بَيْنَنَا
…
لَيسَ الشَّهِيدُ بِميِّتٍ، لا يَكذِب
قال: فلقيت الفضيل بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني واللّه أعلم.
2063 -
وَعَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل الصَّائِم نَهَاره الْقَائِم ليله حَتَّى يرجع مَتى يرجع رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرِجَال أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح
(1)
.
قوله: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى يرجع" الحديث تقدم معناه.
2064 -
وَعَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه من رجل مُسلم فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه أَو نكب نكبة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كأغزر مَا كَانَت لَوْنهَا لون الزَّعْفَرَان وريحها ريح الْمسك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وصدره فِي صَحِيح ابْن حبَان
(2)
.
(1)
أحمد (18401)، والبزار (1645)، وابن أبي عاصم في الجهاد (31)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 275)، رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(2)
أبو داود (2541)، والترمذي (1657)، وابن ماجه (2792)، وابن حبان (3185)، وأحمد (22014)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6416).
قوله: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل في سبيل اللّه من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة" تقدم الكلام على فواق الناقة.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن جرح جرحا في سبيل اللّه أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك" تقدم الكلام على الجرح، قوله:"أو نكب نكبة" والنكبة بفتح النون وسكون الكاف واحدة نكبات الدهر: وهو ما يصيب الإنسان من الحوادث.
وقوله: "فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت" يقال: غزر الشيء بالضم يغرز فهو غزير إذا كثر وتقدم الكلام على ذلك.
2065 -
وَعنهُ رضي الله عنه: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة رِيحه كريح الْمسك ولونه لون الزَّعْفَرَان عَلَيْهِ طَابع الشّهَدَاء وَمن سَأل اللّه الشَّهَادَة مخلصا أعطَاهُ الله أجر شَهِيد وَإِن مَاتَ على فرَاشه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا
(1)
.
قوله: وعنه رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من جرح جرحا في سبيل اللّه جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك ولونه لون الزعفران عليه طابع الشهداء" والطابع بالطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة مفتوحة وهو الخاتم يختم به على الشيء، وكسر الباء لغة فيه والله أعلم. وتقدم ذلك أيضًا.
(1)
ابن حبان (3191)، والحاكم (2/ 77).
قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن سأل اللّه الشهادة مخلصا أعطاه اللّه أجر شهيد وإن مات على فراشه" تقدم الكلام على ذلك.
2066 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل اللّه إِلَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَكَلمه يدمى اللَّوْن لون دم وَالرِّيح ريح مسك.
وَفِي رِوَايَة كل كلم يكلم فِي سَبِيل اللّه يكون يَوْم الْقِيَامَة كهيئتها يَوْم طعنت تفجر دَمًا اللَّوْن لون دم وَالْعرْف عرف مسك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ
(1)
.
الْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان اللَّام هُوَ الْجرْح.
وَالْعرْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الرَّائِحَة.
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مكلوم يكلم في سبيل اللّه إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح المسك، والكلم بفتح الكاف وإسكان اللام هو الجرح، وفيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة اللّه تعالى، وفي رواية "واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله" الحديث، هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه
(1)
البخاري (27)، ومسلم (1876)، ومالك (1326)، والترمذي (1656)، وأحمد (9175).
وقاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا، قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من جرح في سبيل اللّه في قتال البغاة وقطاع الطريق في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك والله أعلم. وفي رواية: "كل كلم يكلم في سبيل اللّه يكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت تفجر دما لون دم والعرف عرف المسك" العرف بفتح العين المهملة وإسكان الراء هو الرائحة كذا قاله المنذري، وفي رواية "إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما" هو بفتح الياء وإسكان الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وآخره باء موحدة ومعناه: يجري متفجرًا أي: كثيرًا وهو معنى الرواية الأخرى: "يتفجر دما"، وقوله صلى الله عليه وسلم "كهيئتها يوم طعنت" الضمير في هيئتها يعود على الجراحة، قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة:
(1)
مجيئه يوم القيامة مع سيلان الجرح فيه أمران: أَحَدُهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى ظَالِمِهِ بِالْقَتْلِ. الثَّانِي: إظْهَارُ شَرَفِهِ لِأَهْلِ الْمَشْهَدِ وَالْمَوْقِفِ بِمَا فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الشَّاهِدَةِ بِالطِّيبِ، واللّه أعلم.
2067 -
وَعَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه: عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى اللّه من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة اللّه وقطرة دم تهراق فِي سَبيل اللّه وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل اللّه وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض اللّه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب
(2)
.
(1)
إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 305).
(2)
الترمذي (1669)، والطبراني في الكبير (7918)، وابن أبي عاصم في الجهاد (108)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1363).
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء أحب إلى اللّه من قطرتين وأثرين قطرة دموع من خشية اللّه وقطرة دم تهراق في سبيل اللّه وأما الأثران فأثر في سبيل اللّه وأثر في فريضة من فرائض اللّه" هو الذي يقوم فتنفطر قدماه أو يصوم فينحل بدنه وتجف شفتاه ويصفر لونه من أثر العبادة واللّه أعلم، قاله في التنقيح، وقال في الديباجة: الأثران هما الخُطى في سبيل اللّه وفي أداء فرائض اللّه من الصلاة والحج، روى الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حج من مكة حتى يرجع إليها كتب اللّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة" قال الله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}
(1)
قال مجاهد وقتادة والحسن: الآثار في هذه الآية الخطى إلى الجمعة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت الصلاة قال لي: أما علمت أن الآثار تكتب، وتقدم قريبا فضل من اغبرت قدماه في سبيل اللّه، وفي أبواب الصلاة فضل [المشي] إلى المسجد واللّه أعلم، أهـ.
2068 -
وَعَن سهل بن سعد رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد حُضُور النداء والصف فِي سَبِيل اللّه
(2)
.
(1)
سورة يس، الآية:12.
(2)
عبد الغني المقدسي في الترغيب (34)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3079).
وَفِي لفظ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا تردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه
(1)
.
وَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان ساعتان لا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل اللّه
(2)
.
يلحم بِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب.
قوله: "وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ساعتان لا تردان أو ما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا" الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم "وعند البأس" بالهمز الشدة في الحرب.
قوله صلى الله عليه وسلم "يلحم بعضهم بعضا" يلحم: هو بضم الباء وسكون اللام وكسر الحاء هذا هو الذي يظهر من كلام الجوهري في صحاحه وكلام النهاية ومعناه: ينشب بعضهم ببعض في الحرب كذا قاله المنذري، أي: يشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضا، يقال: لحمت الرجل إذا قتلته، والملحمة الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسداء وقيل غير ذلك.
(1)
أبو داود (2540)، وابن خزيمة (419)، والحاكم (1/ 198) وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (2516)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
(2)
ابن حبان (1764).
خاتمة: قد ورد في الحديث "لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا"، فإن قيل: فما الفرق بين تمني لقاء العدو حيث نهي عنه وبين تمني الشهادة حيث طلبه ورغب فيه فقال صلى الله عليه وسلم "من سأل اللّه الشهادة صادقا من قلبه أعطيها وإن مات على فراشه"؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهاد ابتلاء وامتحان لا يعرف ما تسفر عاقبته وقد لا تحصل فيه غنيمة ولا شهادة بل حصل ضد ذلك ففيه خطر عظيم بخلاف الشهادة من حيث الشهادة فإنها درجة عظيمة يتمناها العلماء، وقد قال عليه السلام وددت أن أقتل في سبيل اللّه الحديث، وربما تحصل الشهادة وهو على فراشه بغير قتال بالنية أو بمرض من الأمراض انتهى.