الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في إخلاص النية في الجهاد وما جاء فيمن يولد الأجر والغنيمة والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا
2069 -
عَن أبي مُوسَى رضي الله عنه: أَن أَعْرَابِيًا أتى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول اللّه
الرجل يُقَاتل للمغنم وَالرجل يُقَاتل ليذكر وَالرجل يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ فَمن فِي سَبِيل اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم من قَاتل لتكون كلمة اللّه هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
(1)
.
قوله: عن أبي موسى رضي الله عنه. تقدم الكلام عليه.
قوله: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم "الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية.
قوله: "فقال يا رسول اللّه الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر" أي ليذكره الناس بالشجاعة.
قوله: "والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل اللّه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه" وفي حديث آخر "سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل اللّه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل
(1)
البخاري (2810)، ومسلم (1904)، وأبو داود (2517).
اللّه"
(1)
قال أهل اللغة الشجاعة شدة في القلب عند البأس
(2)
، والحمية الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته وأقاربه
(3)
ولولا ذلك لم يقاتل، والرياء يمد ويقصر والأشهر المد وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة وهو ضد الإخلاص فإن أراد نفع الدنيا والآخرة فهو مراء أيضا
(4)
، وأما القتال للشجاعة فتارة يكون لإظهارها ليقال هو شجاع وهذا هو الفرق بينه وبين من يقاتل لإعلاء كلمة اللّه وبذل نفسه في رضاه رغبة فيما عند اللّه تعالى ظاهرا وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالأول قصد المدح على الشجاعة في الدنيا فقط فهذا قصد الدنيا أو غيرها من الأغراض الفاسدة، وتارة يقاتل للشجاعة طبعا ولم يقصد شيئا فهو أقل من الأول ذنبا لعدم قصده ولا يقال إنه قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا إذ لم يقصد ذلك، نعم إن أخلص أولا ثم قاتل طبعا وشجاعة ولم يقصد ما ينافي الأول فهو على نيته لأن الإنسان عندما يدهمه القتال قد يذهل عن ذلك كما [قد] يذهل عن التوحيد عند الموت [فيحكم] بإيمانه المتقدم ما لم يطرأ [على استحضاره ما ينافيه والثالث] يقاتل للشجاعة [قاصدا إعلاء كلمة اللّه - تعالى - حال]، القتال فهذا هو المراد بالحديث وهو الغاية
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (7458) ومسلم (150 - 1904) عن أبي موسى.
(2)
الصحاح للجوهري (3/ 1235).
(3)
شرح النووي على مسلم (13/ 49).
(4)
رياض الأفهام (5/ 609).
(5)
رياض الأفهام (5/ 609 - 610).
واعلم أن من قاتل لثواب اللّه فهو في سبيل اللّه ويشهد له فعل الصحابة، وقد سمع [رسول اللّه صلى الله عليه وسلم] يقول:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض [فألقى التمرات التي في يده وقاتل حتى قتل وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة] " ذكره [ابن النحاس
(1)
] عفا اللّه عنه، وقال أبو العباس القرطبي: من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه" يعني بكلمة اللّه دين الإسلام وأصله أن الإسلام ظهر بكلام اللّه تعالى الذي أظهره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويفهم من هذا الحديث اشتراط الإخلاص في الجهاد وكذلك هو شرط في جميع العبادات لقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
(2)
(3)
قال المهلب: إذا كان في أصل النية إعلاء كلمة اللّه ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك، ومن قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فخليق أي حقيق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة اللّه وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة اللّه فهذا لا يضره إذا كان عقدًا صحيحًا
(4)
. اهـ
ففي هذا الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل اللّه مختص بمن قاتل لتكون كلمة
(1)
مشارع الأشواق (ص 614 - 615) وانظر إحكام الأحكام (2/ 319).
(2)
سورة البينة، الآية:5.
(3)
المفهم (12/ 50).
(4)
شرح الصحيح (5/ 26) لابن بطال.
الله هي العليا
(1)
واللّه أعلم، ففيه دليل على أن الإخلاص واجب في الجهاد كما يجب في غيره، وأنه تدخله النية، وقد قسم العلماء [الشهداء ثلاثة أقسام شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وشهيد] في الدنيا دون الآخرة وهو الذي يقاتل رياء أو سمعة أو [طمعا في المغنم] ولا يمنع الإخلاص في الجهاد دخول الشهرة بالشجاعة ووقوع المحمدة من الناس فإنا لو فتحنا هذا الباب أدى ذلك إلى ترك العمل جملة بل متى صح القصد لم يضر المدح، وكذلك لا يمنع الإخلاص القتال لطلب الجنة والغنيمة مع قصد إعلاء الكلمة لأنه طلب لما وعد اللّه على الجهاد ولذلك لا يقدح قصد طلب الثواب وسائر الأعمال، قال عبد اللّه بن المبارك: العبادة على ثلاثة أقسام عبادة الأحرار وهم الذين عبدوا اللّه لأداء حق الربوبية لا لطلب ثواب ولا لخوف عقاب فهذه أعلاها، وعبادة التجار وهم الذين عبدوا اللّه تعالى لطلب الثواب وعبادة العبيد وهم الذين عبدوا اللّه خوفا من النار
(2)
ا. هـ.
وإنما كانت عبادة الأحرار أفضل لأنهم شاهدوا من أنفسهم التقصير ورأوا نعم اللّه تعالى أوجبت عليهم الشكر ورأوا أعمالهم تقع قاصرة عن أداء الشكر الواجب عليهم قال اللّه تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}
(3)
(1)
شرح النووي على مسلم (13/ 49).
(2)
هذا كلام علي بن الحسين كما في حلية الأولياء (3/ 134)، وصفة الصفوة (1/ 354).
(3)
سورة سبأ، الآية:13.
والعامل إذا رأى عمله قاصرًا عن وفاء الحق الذي عليه لم يحسن منه طلب ثوابا عليه كما أن دافع الدين لا يطلب عوض ما دفع ممن له الحق اهـ.
2070 -
وَعَن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه. أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يُرِيد عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا للرجل عد لرَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه وَهُوَ يَبْتَغِي عرض الدُّنْيَا قَالَ لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا عد لرَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَة رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يَبْتَغِي عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ لا أجر لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار وَصَححهُ
(1)
. الْعرض بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ مَا يقتنى من مَال وَغَيره.
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه. تقدم الكلام عليه.
قوله: "أن رجلًا قال: يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من الدنيا فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا أجر له" العرض ما يقتنى من مال وغيره قاله الحافظ المنذري اهـ، والعرض أيضا بالتحريك المال قل أو كثر وبالسكون المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير.
قوله: "يبتغي عرضا" أي يطلب.
(1)
أبو داود (2516)، وابن حبان (4637)، وأحمد (7900)، والحاكم (2/ 85)، وابن المبارك في الجهاد (227). وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (2516)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
قوله "لا أجر له" أي لا ثواب له.
اعلم أن المجاهدين في نية الجهاد على أقسام، منهم من يجاهد ونيته تحصيل عرض الدنيا من غير التفات إلى قصد نوع من العبادة بحيث لو عرض عليهم غزو طائفة من الكفار ليس لهم ما يغنم أو علم أنه يمنع من الغنيمة لم يغز فهذا إذا قتل ليس بشهيد وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد وليس له أجر البتة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم لما سئل عمن يريد الجهاد وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال:"لا أجر له" ثم هل يعاقب على ذلك في الآخرة؟ اختلف السلف في ذلك على قولين منهم من قال يعاقب لأنه عمل عمل الآخرة للدنيا، القول الثاني أنه لا يثاب ولا يعاقب وهو الظاهر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "لا أجر له" ولم يذكر فيه عقابا، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من غزا ولم ينوي إلا عقالا فله ما نوى" وأشباه ذلك
(1)
. اهـ
ومنهم من يخرج إلى الجهاد مكثرا سواد المسلمين ليس له من نية أن يقتل ولا يقتل وهذا إن قتل فهو شهيد لأن من كثر سواد قوم فهو منهم
(2)
ومنه الحديث "الشهداء ثلاثة" وذكر منهم من يكثر سواد المسلمين، ومنهم من يجاهد ونيته وجه اللّه ونيل الغنيمة جميعا فهذه النية مما اختلف فيها وفي أشباهها أئمة السلف فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة وأن صاحبها يعاقب عليها لإدخاله قصد الدنيا في عمل الآخرة وذهب آخرون إلى أن هذه
(1)
مشارع الأشواق (ص 631).
(2)
مشارع الأشواق (ص 622).
النية صحيحة وهذا هو المذهب الصحيح وإليه ذهب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وذكر كلاما مطولا ملخصه أن هذا تصريح منه بأن هذه النية صحيحة ومن قتل بها فهو شهيد وكذلك صرح الإمام أبو عبد اللّه القرطبي بصحتها فإنه قال في التفسير: ودل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير يعني عير أبي سفيان لما قدم من الشام على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ
(1)
. أ. هـ
وهذا الدليل الذي استدل به القرطبي دليل جيد فإن أبا سفيان بن حرب لما قدم من الشام في عير قريش وفيها أموالهم وتجارتهم وكان فيها ثلاثون رجلا قال ابن عقبة كانوا سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بها فندب المسلمين إليها الحديث في غزوة بدر الكبرى
(2)
، ومنهم من إذا دهمه القتال يقاتل مقبلا غير مدبر ليس له نية البتة غير الدفع عن نفسه وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة وليس مثلهم وهو شهيد لأن من دفع عن نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء فكيف لا يكون شهيدا من قتل بسيوف الأعداء بل هو شهيد في الفضل والحكم والمقاتل مع هؤلاء مع
(1)
مشارع الأشواق (ص 623 - 624) وكلام الغزالى في الإحياء (4/ 385)، وكلام القرطبى في التفسير (7/ 376).
(2)
مشارع الأشواق (ص 624 - 625).
علمه أنه يسلم إذا استسلم أفضل من المقاتل الذي يعلم أنه إذا استسلم قتلوه وأما من فر حيث يحرم الفرار فقتل مدبرا فإنه ليس بشهيد وإن جرت عليه أحكام الشهداء في هذه الدار
(1)
.
قوله في الحديث "أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر" فدل هذا الحديث على أن من قتل مدبرا حيث لا يجوز له الفرار أنه ليس بشهيد بل قد باء بغضب من اللّه وسخطه لقوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}
(2)
الآية، فأين هذا من الفوز برتبة الشهادة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه "وأعوذ بك أن أقتل في سبيلك مدبرًا" رواه النسائي وغيره
(3)
واللّه أعلم قاله ابن النحاس عفا اللّه عنه
(4)
.
2071 -
وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنه قَالَ يَا رَسُول اللّه أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد اللّه بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك اللّه
(1)
مشارع الأشواق (ص 621).
(2)
سورة الأنفال، الآية:16.
(3)
أخرجه أحمد 3/ 427 (15523) و (15524)، وأبو داود (1552)، والنسائي في المجتبى 8/ 387 (5575) و 8/ 388 (5576) و (5577) والكبرى (7917 و 7918 و 7919)، والحاكم (1/ 531) عن أبي اليسر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1388).
(4)
مشارع الأشواق (ص 622).
صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك اللّه مرائيا مكاثرا يَا عبد اللّه بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك اللّه على تِلْكَ الْحَال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(1)
.
قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: لعمر بن العاص: إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك اللّه صابرًا محتسبًا وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك اللّه مرائيًا مكاثرًا" تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.
2072 -
وَعَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول إِنَّمَا الأعْمَال بِالنِّيَّةِ وَفِي رِوَايَة بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى اللّه وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى اللّه وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
(2)
.
قوله: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. تقدم الكلام عليه مبسوطا في أوائل هذا الكتاب.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية وفي رواية بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، والنيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف فإن شددت كانت من نوى ينوي إذا قصد
(1)
أبو داود (2519)، والحاكم (2/ 85)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (541).
(2)
البخاري (1)، ومسلم (1907)، وأبو داود (2201)، والترمذي (1647)، وابن ماجه (4227)، وأحمد (168)، ومالك في الموطأ (983).
وأصلها نويه قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها فقيل نية وإن خففت كانت من ونى يني إذ أبطأ وتأخر لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر ولهذا ترى بعض الناس يبطئ في نية الصلاة حتى تفوته الركعة الأولى مع الإمام، ومنها: نوى ينوي إذا قصد يقال: نواك اللّه بخير إذا قصدك به ونويت فلانا وانتويته بمعنى، ا. هـ، قاله الطوفي
(1)
، ومعنى الحديث: لا تحسب الأعمال الشرعية إلا بالنية
(2)
، قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهما: لفظة إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه: دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات
(3)
، ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح، فهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما مثلنا، وتدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها: أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإذا أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دُين فيما بينه وبين اللّه تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر
(4)
.
(1)
التعيين (ص 28).
(2)
الفتح المبين (ص 640).
(3)
شرح النووي على مسلم (13/ 54).
(4)
شرح النووي على مسلم (13/ 54).
قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، قالوا: فائدة ذكره بعد "إنما الأعمال بالنية": بيان أن تعين المنوي شرطٌ، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أدر عصرا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك
(1)
؛ والنية: هي القصد إلى الشيء، تقول العرب: نواك اللّه بحفظه أي قصدك اللّه بحفظه
(2)
، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أوائل هذا التعليق، وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: قوله "وإنما لكل امرئ ما نوى" يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينزه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من [المسائل]، فإن جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لا يحصل أو أن غير المنوي يحصل وكان راجحا وعمل وخصص هذا العموم ثم قال: وفرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا: من لم ينو شيئا لم يحصل له، والحديث: يحتمل الأمرين وآخره: يشير إلى المعنى الأول
(3)
، ا. هـ.
وقد [رأينا] من نوى شيئا فحصل غيره كالجمعة للمسبوق يفوتها قبل سلام الإمام ويصليها ظهرًا وغير ذلك ولكن يدخل في ذلك قوله: إلا بدليل قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
(1)
شرح النووي على مسلم (13/ 54).
(2)
شرح النووي على مسلم (1/ 46) وشرح الأربعين (ص 11).
(3)
إحكام الأحكام (1/ 61 و 63).
قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله" وأما الهجرة فأصلها الترك، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل وكان واجبا على من أسلم أن يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفارقا دار قومه، فلما فتحت مكة ودخل الناس في دين اللّه أفواجًا انقطعت هذه الهجرة وبقيت هذه الهجرة من دار الكفر على حالها، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فباقية إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليه السلام:"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين"
(1)
فمن لم يتمكن من إظهار دينه فعليه أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"
(2)
، وسمي الذين تركوا موطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك، واسم الهجرة يقع على أمور الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة رضي الله عنه، الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة" الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى مكة، الهجرة الخامسة: هجرة ما نهي اللّه عنه، وهي أعظمها وأعمها، قال عليه السلام: "المهاجر مما نهى اللّه عنه"
(1)
أخرجه أبو داود (2645)، والترمذي (1604)، والطبراني في الكبير (2/ 302 رقم 2264) واللفظ له. وصححه الألباني في الإرواء (1207)، صحيح أبي داود (2377).
(2)
أخرجه أبو داود (2479). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2241).
ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة واللّه أعلم، والتقدير: فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله حكما وشرعًا
(1)
.
وقوله: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" هذا الحديث ورد على سبب: وهو أنه لما أمر بالهجرة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم اللّه تعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}
(2)
الآية، ولم يهاجر جماعة لفقدان استطاعتهم فعذرهم اللّه تعالى واستثناهم بقوله:{إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}
(3)
الآية، وهاجر إليه المخلصون فمدحهم اللّه تعالى في كتابه في غير موضع من القرآن وكان من المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة يقال لها أم قيس فهاجرت إلى المدينة فهاجر الرجل لأجلها لا تدينا فعرض النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، هذا الحديث تنفيرا عن مثل قصده، وكان ذلك الرجل بعد يدعى مهاجر أم قيس، وأم قيس هذه معدودة
(4)
.
وقوله: "لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور
(1)
شرح الأربعين للنووى (ص 13 - 15) وإحكام الأحكام (1/ 62) والتعيين (ص 39).
(2)
سورة النساء، الآية:97.
(3)
سورة النساء، الآية:98.
(4)
إحكام الأحكام (1/ 62) والتعيين (ص 38 - 39).
كان يحبها لمالها وجمالها فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما، ويحتمل غير ذلك، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية
(1)
، ومعنى الحديث: من قصد بهجرته وجه اللّه وقع أجره على اللّه، ومن قصد دنيا أو امرأة ينكحها فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة
(2)
واللّه أعلم، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.
2073 -
وَعَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَرَأَيت رجلا غزا يلْتَمس الأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم لا شَيء لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم لا شَيْء لَهُ ثمَّ قَالَ إِن اللّه لا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ خَالِصا وابتغي بِهِ وَجهه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
(3)
.
قَوْله يلْتَمس الْأجر وَالذكر يَعْنِي يُرِيد أجر الْجِهَاد وَيُرِيد مَعَ ذَلِك أَن يذكرهُ النَّاس بِأَنَّهُ غاز أَو شجيع وَنَحْو ذَلِك.
2074 -
وَعَن أبي بن كَعْب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي
(1)
التعيين (ص 40)
(2)
شرح النووي على مسلم (13/ 55).
(3)
النسائي في الكبرى (4348)، والطبراني في الكبير (7628)، والأصبهاني في الترغيب (103)، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن النسائي.
صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَتقدم فِي الرِّيَاء هُوَ وَغَيره
(1)
.
2075 -
وَتقدم أَيْضا حَدِيث معَاذ بن جبل رضي الله عنه: عَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع اللّه بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن
(2)
.
قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.
قوله: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزى يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"لا شيء له" فذكر الحديث إلى أن قال: "إذ اللّه لا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه".
قوله: يلتمس الأجر والذكر، يعني: يريد أجر الجهاد ويريد مع ذلك أن يذكره الناس بأنه غاز أو شجاع ونحو ذلك، هكذا قاله المنذري، اختلف الناس هل يعاقب على هذه النية أم لا؟ فذهب ذاهبون إلى أنه يعاقب لإرادته بعباده اللّه غيره، وذهب آخرون إلى أنه لا يثاب ولا يعاقب بل يكفيه من العقوبة إحباط أجر في بذل نفسه التي هي أنفس الأشياء لديه وأعزها عليه، والدليل لهذا القول جملة من الأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: "قال اللّه عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن
(1)
أحمد (21220)، وابن حبان (405)، والحاكم (4/ 311)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (6835)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2825).
(2)
الطبراني في الكبير (20/ رقم 237)، وفي مسند الشاميين (1031)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 223)، إسناده حسن.
عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك"
(1)
وروى الترمذي عن أبي سعد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمع اللّه الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله أحدا فليطلب ثوابه من عنده فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك"
(2)
وهذه أدلة واضحة لهذا القول إذ لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها عقابا. فإن قلت: ينبغي أن يثاب على شائبة القربى في قصده بقدرهما مما يثاب المخلص ويعاقب على قصده الرياء بقدر ما يعاقب المرائي الكامل لأن: (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره) الآية، قلنا يكفيه من العقوبة إحباط أجره في بذل نفسه وعدم فوزه بالشهادة مع ما ناله من ألم القتل لأنه لا يخفف عنه ألمه كما يخفف عن المخلص وحسبه من الثواب على شائبة القربة في قصده دفع العقوبة عنه إذ لولا تلك الشائبة لكان من الثلاثة الذين تسعر بهم النار فوجود تلك الشائبة هو الذي منعه من العقوبة التي يستحقها المرائي الكامل ووجود الرياء هو الذي منعه من الأجر الذي يفوز به المخلص فلا يكون له أجر لعدم حقيقة الإخلاص ولا يستحق عقوبة لما في عمله من قصد القربة وعدم تمحض الرياء واللّه سبحانه أعلم، قاله ابن النحاس
(3)
عفا اللّه عنه.
2076 -
وَعَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم الْغَزْو غَزوَان فَأَما من ابْتغى وَجه اللّه وأطاع الإِمَام وَأنْفق الْكَرِيمَة وياسر الشَّرِيك واجتنب
(1)
أخرجه مسلم (46 - 2985) عن أبي هريرة.
(2)
أخرجه ابن ماجه (4203)، والترمذي (3154) وابن حبان (404 و 7345). وقال الألباني: حسن صحيح - المشكاة (5318)، صحيح الترغيب (33).
(3)
مشارع الأشواق (ص 633 - 635).
الْفساد فَإِن نَومه وتنبهه أجر كله وَأما من غزا فخرا ورياء وَسُمْعَة وَعصى الإِمَام وأفسد فِي الأرْض فَإِنَّهُ لن يرجع بالكفاف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
(1)
.
قَوْله: يَاسر الشَّرِيك مَعْنَاهُ عَامله باليسر والسماحة
قوله: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه اللّه وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله" الحديث، الكريمة هي العزيزة على صاحبها الجامعة للكمال الممكن في حقها من الحيوان وغيره
(2)
.
قوله: "وياسر الشريك" معناه عامله باليسر والسماحة كذا قاله المنذري والمياسرة المساهلة.
قوله: "ونبهه" بفتح النون وبعدها باء موحدة مفتوحة وهاء من الانتباه والسهر.
قوله: "فإنه لن يرجع بالكفاف" هو الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه
(3)
ويكون معناه يرجع ولم يحصل له حسنة ولم يكتسب خطيئة أي يرجع بالإثم لا بالأجر
(4)
واللّه أعلم.
(1)
أبو داود (2515)، وأحمد (22042)، والنسائي في الكبرى (8730)، والحاكم (2/ 85)، والطبراني في الكبير (20/ رقم 176)، وابن أبي عاصم في الجهاد (133)، والبيهقي في شعب الإيمان (4265)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4074).
(2)
النهاية (4/ 167).
(3)
النهاية (4/ 191).
(4)
المفاتيح (4/ 363)، وشرح المشكاة (8/ 2657).
2077 -
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه أَن رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ من غزا فِي سَبِيل اللّه وَلم ينْو إِلَّا عقَالًا فَلهُ مَا نوى رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه
(1)
.
2078 -
وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما. قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللّه إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه اللّه وَأُرِيد أَن يرى موطني فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم حَتَّى نزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}
(2)
. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ
(3)
.
2079 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِن قَاتَلت لأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه
(4)
.
2080 -
وَعند التِّرْمِذِيّ حَدثنِي رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن اللّه تبارك وتعالى إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يَدْعُو بِهِ
(1)
ابن حبان (4638)، وأحمد (22692)، والحاكم (2/ 109)، والبيهقي (6/ 331)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6401).
(2)
سورة الكهف، الآية:110.
(3)
الحاكم (2/ 111)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (6854).
(4)
مسلم (1905)، والنسائي في الكبرى (4345)، وأحمد (8277)، والبيهقي (9/ 168).
رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل اللّه وَرجل كثير المَال فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل اللّه فَيَقُول اللّه لَهُ فيماذا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول اللّه لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول اللّه تبارك وتعالى بل أردْت أَن يُقَال فلَان جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة
(1)
. وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء.
جريء هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء وبالمد أَي شُجَاع.
قوله: وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من غزا في سبيل اللّه ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" تقدم الكلام على معنى ذلك.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل"[الحديث] قال النووى: قوله صلى الله عليه وسلم: [في الغازي والعالم] والجواد وعقابهم [على فعلهم ذلك] وجه اللّه تعالى [وإدخالهم النار دليل على] على تغليظ [تحريم الرياء وشدة] عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
(2)
وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد اللّه تعالى بذلك مخلصا
(1)
الترمذي (2382)، وابن حبان (408)، وابن المبارك في الزهد (419)، والبغوي في شرح السنة (4143)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1713).
(2)
سورة البينة، الآية:5.
وكذلك الثناء على العُلماء وعلى المنفقين في وجوه الخير كلّه محمول على من فعل ذلك للّه مخلصًا
(1)
اهـ. واللّه أعلم.
2081 -
وَعَن شَدَّاد بن الْهَاد رضي الله عنه أَن رجلًا من الأعْرَاب جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَآمن بِهِ وَاتّبعهُ ثمَّ قَالَ أُهَاجِر مَعَك فأوصى بِهِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بعض أَصْحَابه فَلَمَّا كَانَت غزاته غنم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقسم وَقسم لَهُ فَأعْطى أَصْحَابه مَا قسم لَهُ وَكَانَ يرْعَى ظهْرهمْ فَلَمَّا جَاءَ دفعوه إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قسم قسمه لَك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَأَخذه فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قسمته لَك قَالَ مَا على هَذَا اتبعتك وَلَكِن اتبعتك على أَن أرمي إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِسَهْم فأموت فَأدْخل الْجنَّة فَقَالَ إِن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قَلِيلا ثمَّ نهضوا إِلَى قتال الْعَدو فَأتي بِهِ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يحمل قد أَصَابَهُ سهم حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أهوَ هُوَ قَالُوا نعم قَالَ صدق اللّه فَصدقهُ ثمَّ كَفنه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي جبته الَّتِي عَلَيْهِ ثمَّ قدمه فصلى عَلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا ظهر من صلَاته اللَّهُمَّ هَذَا عَبدك خرج مُهَاجرا فِي سَبِيلك فَقتل شَهِيدا أَنا شَهِيد على ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ
(2)
.
قوله: وعن شداد بن الهاد رضي الله عنه: هو شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر والهاد لقب لأسامة، وقيل لعمرو، ولقب به لأنه كان يوقد نارا ليهتدي إليه الأضياف وغيرهم واللّه أعلم.
قوله: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه" فذكر الحديث إلى أن قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى
(1)
شرح النووي على مسلم (13/ 51).
(2)
النسائي (4/ 60)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.
هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهو هو قيل نعم قال صدق اللّه فصدقه ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مجاهدًا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك. فانظر رحمك اللّه كيف شهد اللّه له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة مع أنه ما أراد غير الجنة ولو كانت هذه النية غير صحيحة لأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيرها حين ذكرها له [قاله ابن النحاس
(1)
].
قوله: أنا شهيد على ذلك" شهيد بمعنى شاهد.
2082 -
وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي رضي الله عنهما. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه صلى الله عليه وسلم مَا من غَازِيَة أَو سَريَّة تغزو فِي سَبِيل اللّه يسلمُونَ ويصيبون إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق وتخوف وتصاب إِلَّا تمّ أجرهم
(2)
.
وَفِي رِوَايَة مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فِي سَبيل اللّه فيصيبون الْغَنِيمَة إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم من الآخِرَة وَيبقى لَهُم الثُّلُث وَإِن لم يُصِيبُوا غنيمَة تمّ لَهُم أجرهم رَوَاه مسلم وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة الثَّانِيَة
(3)
.
يُقَال أخفق الْغَازِي إِذا غزا وَلم يغنم أَو لم يظفر.
(1)
مشارع الأشواق (ص 612).
(2)
مسلم (1906).
(3)
مسلم (1906)، وأبو داود (2497)، وابن ماجة (2785)، وأحمد (6577)، والحاكم (2/ 78)، والبيهقي في شعب الإيمان (4245).
قوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم "ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل اللّه" الحديث، والغازية تأنيث الغازي وهو ههنا صفة لجماعة غازية.
قوله "أو سرية" ليس هو من قول الراوي وإنما هو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أتى به للتقسيم وإثبات الحكم المذكور في القليل منهم والكثير، والسرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وسموا بذلك لأنهم يكونون خيار العسكر، من السرى وهو الشيء النفيس كذا في النهاية
(1)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "يسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" الحديث، معنى الحديث والصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المرتب على غزوهم وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر
(2)
فقد أصاب مرتبتين من المراتب الثلاثة للغزو وبقي له الثالثة وهي دخول الجنة وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي يجنيها
(3)
.
(1)
النهاية (2/ 363).
(2)
شرح النووي على مسلم (13/ 52).
(3)
شرح النووي على مسلم (13/ 52).
قال النووي
(1)
: وهذا الذي ذكرناه هو الصَّواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حملة على ما ذكرنا وقد اختار القاضي عياض
(2)
معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة. وذكر كلاما طويلا لا طائل تحته.
قوله صلى الله عليه وسلم: "تخفق وتخوف وتصاب إلا تم لهم أجرهم" أي تقتل وتهلك قاله القاضي عياض
(3)
الحديث معناه رجعت ولم تغنم شيئًا، قال الحافظ
(4)
يقال أخفق الغازي أذا غزا ولم يغنم أو لم يظفر اهـ، وقال أهل اللغة الإخفاق أن يغزوا فلا يغنم شيئًا وكذا كلّ طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه إخفاق الصائد إذا لم يقع له صيد فإذا غزا ولم يغنم شيئًا وليصاب في نفسه أي قتل دخل الجنة وأصاب أجور المراتب كلها والله أعلم.
تنبيه: الناس في الغزو على ثلاثة أحوال:
إما أن يغنموا ويسلموا. أو لم يسلموا ولم يغنموا. أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة وسلم لهم
(1)
شرح النووي على مسلم (13/ 52).
(2)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 293).
(3)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 337).
(4)
فتح الباري لابن حجر (6/ 16).
ثلثا الأجر بمحاربتهم أعداء اللّه و [الأجر] الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب اهـ.
خاتمة: اختلف العُلماء أيهما أفضل من قتل في سبيل اللّه أو غنم ورجع سالما فالأكثرون على الأول وأما الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام فرجح الثاني لما فيه من نكاية العدو وبقائه كذلك بخلاف من انقطع فعله فيهم بالقتل واللّه تعالى أعلم.