الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون
2153 -
عَن أبي عمرَان رضي الله عنه قَالَ كنَّا بِمَدِينَة الرّوم فأخرجوا إِلَيْنَا صفا عَظِيما من الرّوم فَخرج إِلَيْهِم من الْمُسلمين مثلهم أَو أَكثر وعَلى أهل مصر عقبَة بن عَامر رضي الله عنه وعَلى الْجَمَاعَة فضَالة بن عبيد رضي الله عنه فَحمل رجل من الْمُسلمين على صف الرّوم حَتَّى دخل بَينهم فصاح النَّاس وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يلقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة فَقَامَ أَبُو أَيُّوب فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم لتأولون هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الآيَة لبَعض سرا دون رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن أَمْوَالنَا قد ضَاعَت وَإِن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَلَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا وأصلحنا مَا ضَاعَ مِنْهَا فأنْزل الله تَعَالَى على نبيه صلى الله عليه وسلم مَا يرد علينا مَا قُلْنَا وللفقراء فِي سَبِيل الله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
(1)
وَكَانَت التَّهْلُكَة الإِقَامَة على الأمْوَال وإصلاحها فِينَا معشر الْأَنْصَار لما أعز الله الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَقَالَ بَعْضنَا وَتَركنَا الْغَزْو فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شاخصًا فِي سَبِيل الله حَتَّى دفن بِأَرْض الرّوم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح
(2)
.
(1)
سورة البقرة، الآية:195.
(2)
الترمذي (2972)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والطيالسي (600)، وأبو داود (2512)، والنسائي (11028)، وابن حبان (4711)، والطبراني في الكبير (4060).=
قوله: عن أبي عمران رضي الله عنه[هو أسلم بن يزيد التجيبي المصري: مولى عميرة بن تميم بن جدّ التجيبي، يكنى أبا عمران. يحدث عن أبي أيوب الأنصاري، وعقبة بن عامر، وهبيب بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، ومسلمة بن مخلّد، وأم سلمة، وصفية "زوجى النبي صلى الله عليه وسلم"، حدث عنه يزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عياض، وكان وجيها بمصر في أيامه، وكانت الأمراء يسألونه في أمورهم وقال النسائي: ثقة وقال العجلي: "مصري تابعي ثقة" وذكره ابن حبان في الثقات
(1)
].
قوله: كنا بمدينة الروم، المراد بمدينة الروم القسطنطينية، بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم طاء ثانية مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة تحتها ونون مكسورة وبعدها ياء ثانية ثم هاء ساكنة، أعظم مدائن الروم بالقرب من بلاد كسري بناها قسطنطين ملك الروم وهو [أول من تنصر] من ملوك الروم فنسبت المدينة إليه
(2)
، وثم أخرى في بلاد من بلاد إفريقية أ. هـ.
وتقدم الكلام عليها في أوائل هذا التعليق في دخول الحمام مبسوطًا.
= وقال الألباني صحيح، أخرجه الترمذي (2983)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(1)
تاريخ ابن يونس (1/ 41 ترجمة 121)، وتهذيب الكمال (2/ 528 - 529 ترجمة 405)، وتهذيب التهذيب (1/ 265 ترجمة 499).
(2)
الأنساب للسمعاني (10/ 419) واللباب (3/ 36 - 37)، وفيات الأعيان (7/ 80).
قوله: فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، والروم هم بنو الأصفر وهو الروم بن عيصو
(1)
بن إسحاق بن إبراهيم كذا قال بعضهم، وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم
(2)
، وقيل: إنما سموا بني الأصفر لكثرة أموالهم وإنما يقال ذلك لملوكهم، وقيل: لأن أباهم كان أصفر في بياض فسموا به، وقيل: اسم رجل أسود ملكهم فنكح من نسائهم فولد له ولد في غاية الحسن فنسب إليه الروم
(3)
، وقال ابن الأنباري: سموا بني الأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادا أصفر من سواد الحبشة وبياض الروم
(4)
، قال القاضي عياض
(5)
: قول الحربي أشبه.
قوله: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه، وعلى الجماعة.
فضالة رضي الله عنه[هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء
(1)
في الأصل غيصوم وهكذا وقع في كشف المناهج (4/ 474)، والتصويب من المعارف (ص 38).
(2)
إكمال المعلم (6/ 122 - 123)، ومطالع الأنوار (4/ 302).
(3)
كشف المناهج (4/ 474 - 475)
(4)
شرح الصحيح (1/ 54) لابن بطال، وإكمال المعلم (6/ 122 - 123) ومطالع الأنوار (4/ 302) وشرح النووي على مسلم (12/ 111).
(5)
إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 123).
موحدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسى العمري. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسون حديثا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة ابن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلات وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعنى يا بنى، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق
(1)
].
قوله: فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، قال في شرح الإلمام: لم أقف على اسم هذا الرجل، وفيه جواز ذلك لمن علم من نفسه غناء ونكاية في العدو وبخلافه عكسه فإنه مخاطرة بالنفس فلو فعل وظن الهلاك فله الفرار ليقوي بالمسلمين وينحاز إلى فئة
(2)
، قال ابن عباس:
(1)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 50 ترجمة 250).
(2)
انظر تفسير القرطبي (2/ 263) قال: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]. وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا.
قال الشافعي في الأم: لا أرى ضيقا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقتل.
وقال أحمد في "مسائل صالح"(2/ 469): "قلت: الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو، أعانَ على نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: "ذلك اشترى الآخرة بالدنيا".
وقال أبو داود في مسائله (247): "سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ". وقال: "لا يستأسر، الأسر شديد". وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: "إذا علم أنه يقوى بهم".
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 165): قال القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد، وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة؛ فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207] والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه: الأول: طلب الشهادة.
الثاني: وجود النكاية.
الثالث: تجرية المسلمين عليهم.
الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع، والفرض لقاء واحد اثنين، وغير ذلك جائز. =
"من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر"
(1)
، وقال البغوي
(2)
: يريد إذا فر مسلم من كافرين غير منحرف لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستحق الوعيد من الله تعالى وإن كانوا أكثر من اثنين بإزاء المسلم فلا عيب على من فر، ومن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء لأنه عاص كقاطع الطريق وهو من الكبائر، أ. هـ، وحمل الحس تحريم الفرار على يوم بدر خاصة وخالفه الجمهور
(3)
، وفي الحديث الحث على الغزو والمداومة عليه والله أعلم. قاله في شرح الإلمام.
= وقال النووي في شرح مسلم (13/ 46): فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء.
وقال ابن تيمية في قاعدة في الانغماس (ص 27 - 28): والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية 2 في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة، وليس في ذلك إلا خلافا شاذ نص الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك على الجواز.
(1)
الأم (4/ 256) ومسند الشافعي (1730). قال الطبري في تهذيب الآثار (1/ 567 - الجزء المفقود): الحق على من لقي مشركا من أهل الحرب عند التقاء الزحفين ألا يفر منه، وأن الذي له - إن أتاه أمر لا طاقة له به - الاستطراد للكرة أو التحيز إلى فئة، كما قال جل ثناؤه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} [الأنفال: 15 - 16].
(2)
شرح السنة للبغوي (11/ 70).
(3)
انظر تفسير ابن أبي حاتم (5/ 1671).
قوله: فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، الحديث، سبحان الله للتعجب، وقد جاء ذكر ذلك كثيرًا وتقدم ذلك في قوله "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس"
(1)
فيجوز أن يراد الذكر والتعجب ولا يضر ذلك وإن وردت على سبب خاص كما ذكره أبو أيوب، ولا يمنع أن يشار بها إلى ما في معناه فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح لكن لعل أبا أيوب يقصره على سببه كما يقوله آخرون أ. هـ.
قوله: يلقي بيده إلى التهلكة، التهلكة: الهلكة والخصلة التي تؤدي إلى الهلاك، وأصل الهلاك السقوط والبطلان بأي شيء كان
(2)
، والتهلكة أيضًا لمن ترك الجهاد
(3)
، وقال غيره: التقحم فيه بلا نكاية للعدو
(4)
، وقيل: العقوبة على ترك الجهاد
(5)
، وقيل: ترك التوبة من الناس
(6)
، والصحيح الأول
(7)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
المجموع المغيث (3/ 507).
(3)
تفسير البغوي (1/ 216) وتفسير القرطبي (3/ 261).
(4)
تفسير البغوي (1/ 216)، وشرح الإلمام (2/ 206 - 208).
(5)
تفسير الثعلبي (2/ 92).
(6)
تفسير البغوي (1/ 217) وتفسير القرطبي (3/ 261).
(7)
تفسير الطبري (3/ 312 - 326) قال بعد أن ساق الأقوال السابقة: فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك.
قوله: فقام أبو أيوب فقال أيها الناس، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت، أراد بالأموال الزرع [والصرف] ضاعت أي بقلة المتعهد.
قوله: فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص بصره كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه، ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله، ومنه حديث عثمان "إنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو أو مسافر" قاله في النهاية
(1)
، وأبو أيوب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي الجليل، شهد العقبة وبدرًا وأحد والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة مهاجرًا وأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وخمسون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، توفي رضي الله عنه بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: غير ذلك، وقبره رضي الله عنه بالقسطنطينية
(2)
.
2154 -
وَعَن ابْن عمر رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أَذْنَاب الْبَقر ورضيتم بالزرع وتركتم الْجِهَاد سلط الله عَلَيْكُم ذلا لَا
(1)
النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 450 - 451).
(2)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 177 ترجمة 722).
يَنْزعهُ حَتَّى ترجعوا إِلَى دينكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من طَرِيق إِسْحَاق بن أسيد نزيل مصر
(1)
.
قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" الحديث، العينة: بكسر العين المهملة وبالياء المثناة آخر الحروف وبالنون قال البيهقي في الشعب: التبايع بالعينة أن يقول الرجل اشتر كذا وكذا وأنا أشتريه منك بربح كذا وكذا
(2)
، أ. هـ.
وقال الهروي في الغريبين: العينة أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل أيضا من الثمن فهذا أيضا عينة وهي أهون من الأولى
(3)
.
قال في المفهم
(4)
: احتج أصحابنا وموافقوهم لأن مسألة العينة ليست بحرام وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا بأن
(1)
أبو داود (3462)، وابن عدي في الكامل (13702)، والبيهقي (5/ 316)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 208)، والطبراني في مسند الشاميين (2417)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (423).
(2)
شعب الإيمان (6/ 92).
(3)
الغريبين (4/ 1354).
(4)
القائل هو النووي وليس القرطبي وكلامه الذي ساقه الشارح ذكره النووي في شرح مسلم (11/ 21).
يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ثم يشتريه منه بمائة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد: إنه من قبلك عن العينة فإنها أخت الربا
(1)
، وبيع العينة لها تفاصيل وأمثلة منها الشديد الكراهة فهو مكروه عند الشافعي ومنها المحرم فلم يجزه مالك وأحمد بن حنبل سدا للذريعة، وقال أقضى القضاة الماوردي في الحاوي
(2)
: سميت عينة لأنها أخذ عين بربح والعين الدراهم والدنانير
(3)
، أ. هـ.
قوله صلى الله عليه وسلم: "وأخذتم أذناب البقر" الحديث، وفي الحديث أيضًا وهو لفظ الحاكم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر"
(4)
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس"
(5)
الحديث، وهذا الحديث من معجزات الثبوة فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرط ونحوه
(6)
والله أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا" الحديث،
(1)
المصنف لابن أبي شيبة 4/ 238 (20158).
(2)
الحاوي (5/ 338)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (4/ 54).
(3)
انظر لجميع ما سبق مشارع الأشواق (ص 106).
(4)
أخرجه مسلم (53 و 54 - 2857)، والحاكم 4/ 435 - 436
(5)
أخرجه مسلم (52 و 125 - 2128)، وابن حبان (7461).
(6)
شرح النووي على مسلم (17/ 190).
وفي حديث عمر رضي الله عنه: "اتقوا الله في الفلاحين"
(1)
يعني الزارعين الذين يفلحون الأرض أي يشقونها، والفلح الشق والقطع قاله في النهاية
(2)
، وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث "ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا"
(3)
السكة هي الحديدة التي يحرث بها الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات
(4)
فالذل هاهنا بما يلزمهم من الحقوق التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين، قال الشاعر:
هِيَ العَيْشُ إلَّا أَنَّ فيها مَذلَة
…
فمَنْ ذَلَّ قَاسَاهَا ومَنْ عَزَّ بَاعَهَا
(5)
قريب من هذا الحديث. قوله جم صلى الله عليه وسلم: "العز في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر"، أ. هـ قاله في حياة الحيوان
(6)
.
وقال ابن النحاس عفا الله عنه: معنى الحديث أن الناس إذا تركوا الجهاد وأقبلوا على الزرع ونحوه تسلط عليهم العدو، ولعدم تأهبهم له واعتدادهم
(1)
أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (132)، وسعيد بن منصور في السنن (2625)، وابن أبي شيبة 6/ 483 (33120)، والبيهقي في الكبرى (9/ 155 رقم 18159) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، عن عمر بن الخطاب.
(2)
النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 469).
(3)
أخرجه البخاري (2321) عن أبي أمامة.
(4)
النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 384).
(5)
أعلام الحديث (2/ 1148 - 1149)، والكواكب الدراري (10/ 148).
(6)
حياة الحيوان (1/ 214).
لنزوله ورضاهم بما هم فيه من الأسباب فأولاهم ذلا وهوانا لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار والإغلاظ عليهم وإقامة الدين ونصرة الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم "حتى ترجعوا إلى دينكم"
(1)
على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج من الدين وكفى به ذنبا وإثما مبينا
(2)
والله أعلم.
قوله: رواه أبو داود وغيره من طريق إسحاق بن أسيد نزيل مصر، وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره إلى أن قال إذا الناس تبايعوا بالعين واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يرجعوا دينهم
(3)
، صححه أبو الحسن القطان، وذكر أنه نقله من كتاب الزهد يعني للإمام أحمد بن حنبل
(4)
أشار بذلك إلى
(1)
سبق تخريجه.
(2)
مشارع الأشواق (ص 106 - 107).
(3)
أخرجه أحمد 2/ 28 (4825) والطرسوسي في مسند بن عمر (22) والطبراني في الكبير (12/ 432 رقم 13582)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 313 - 314) و (3/ 318 - 319) والبيهقي في الشعب (6/ 92 - 93 رقم 3920) و (13/ 305 - 306 رقم 10372).
وحسنه ابن تيمية في الفتاوى (6/ 45)، وصححه الألباني في الصحيحة (11).
(4)
بيان الوهم والإيهام (5/ 296)، وانظر الإلمام (2/ 499 حديث 977) طبعة دار المعارج. قوله صححه ابن القطان ليس بسديد بل قال في الوهم والايهام: وهذا الإسناد كل رجاله ثقات، فاعلم ذلك.
تغير الأحوال وانقباض النفوس عن ذلك ثم ذكر أمورا تكون في آخر الزمان منها بيع العين وهو بكسر العين المهملة وبالباء المثناة تحت وتقدم ذلك، ومنها: اتباع أذناب البقر والمراد به الحراثة، ويبينه أن في الحديث قبله وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وقال:"سلط الله عليكم ذلا" بدل قوله "بلاء"، ويقويه أن في الصحيح "أن آلة الحرث ما دخلت بيت قوم إلا دخله الذل" فأما العينة والحراثة فإنهما يوجبان الذل والرياء، والحديث يدل على الكراهة الشديدة فيهما للتوعد على ذلك بالبلاء والمراد به الشقاء في الدنيا والذل ومنه الإقبال على الدنيا والإعراض عن الاشتغال بالآخرة، وأما ترك الجهاد فحرام على الكافة لأنه فرض كفاية.
قوله: "حتى ترجعوا إلى دينكم" أي: بالتوبة، واعلم أن العقوبة في الدنيا ليرجع المذنب والمسيء بذلك من الرحمة والفضل على المسلم بخلاف الكافر فإنه [ ....... ] وفيه تعظيم التحذير عن الحيل عن أكل الربا فكيف بمن يأكله بالصريح وهو إشارة على حرمة المسلم والنهى عن إيثار الدنيا والبقاء فيها سالما على الآخرة والشهادة ومنه أن ترك الجهاد يلزم منه فساد كثير بترك إعلاء كلمة الله والذب عن الإسلام والمسلمين ولذلك عاجلهم على ذلك العقوبة في الدنيا فمن أصر جمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة، ومن رجع سلم وفاز بالجنة والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
2155 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث بِهِ نَفسه مَاتَ على شُعْبَة من النِّفَاق رَوَاهُ
مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
(1)
.
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" الحديث، الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه، كذا في النهاية
(2)
، ومعنى مات على شعبة من نفاق، أي: على قطعة وبعض منه، قال مسلم: قال عبد الله بن المبارك: كنا نرى أي نظن أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل وقد قال غيره إنه عام، وقيل: الشعبة الخصلة وهي في هذا الحديث فريضة الجهاد للتوعد الشديد على ذلك ولهذا حمله بعضهم على النفاق الحقيقي، وقد يحتمل أن يكون على العموم ويكون معنى هذا أنه تشبه بأخلاق المنافقين التي منها التخلف عن الجهاد، وهذا أحد شعب أخلاق المنافقين
(3)
، قال المنذري: ويمكن حمله على الزجر والمبالغة في التحذير من التواني فيه كما في قوله في ترك الصلاة "فقد حبط عمله""ومن ترك الصلاة فقد كفر"[والناس فيه] على قسمين [قادر] وعاجز، فالقادر مطالب بالفعل، والعاجز مطالب بأنه متى قدر فعل، وأما الذي لا يعمل المأمور به ولا ينويه وخصوصا الجهاد الذي به أعز الفه الإسلام [و] أظهر به الدين حتى علا على الأديار ولو كره الكافرون
(4)
، وفيه
(1)
مسلم (1910)، وأبو داود (2502).
(2)
النهاية (2/ 477).
(3)
إكمال المعلم (6/ 335)، وشرح النووي على مسلم (13/ 56).
(4)
المفهم (12/ 55).
أن من منعه مانع من أداء فرض أو مسارعة إلى ركن من أركان الشريعة أو إلى سنة من السنن المشهورة فتركه عجزا أنه لا يؤاخذ بل يؤجر على نيته وأن العزم على الشيء يدل على فعله إذا لم يتمكن منه
(1)
، قال النووي
(2)
: وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله هل يأثم أم لا؟ والصحيح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب، وفيه الحث على الجهاد إن قدر عليه بشرطه.
واعلم أنه يخرج عن العهدة بمدة إن لم يحتج إلى غيرها وفيه تمني الشهادة والعزم على الجهاد وإن أدى إلى الفوت، وقد صح في مسلم:"من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه"
(3)
فيكتب له أجر شهيد بالنية ويدخل في ذلك من خرج للغزو فمات كما قال الله تعالى: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}
(4)
والحمد لله، أ. هـ.
(1)
إكمال المعلم (6/ 335).
(2)
شرح النووي على مسلم (13/ 56).
(3)
صحيح مسلم (1908).
(4)
سورة النساء، الآية:100.
2156 -
وَعَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من لم يغز أَو يُجهز غازيا أَو يخلف غازيا فِي أَهله بِخَير أَصَابَهُ الله تَعَالَى بقارعة قبل يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة
(1)
.
قوله: وعن أبي أمامة رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله تعالى بقارعة قبل يوم القيامة" أي: بداهية تهلكه، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية أعاذنا الله منها بفضله وكرمه، ويقال: أقرعه أمر إذا أتاه فجأة، و [معنى] تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج في غزوه ومنه تجهيز العروس وتجهيز الميت قاله في النهاية
(2)
، قال الله تعالى:{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ}
(3)
أي داهية تقرعهم بما يحل بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في أنفسهم وأموالهم وأولادهم
(4)
وسمى الله تعالى القيامة القارعة لأنه تقرع القلوب بهولها
(5)
وجمع القارعة قوارع والله أعلم.
(1)
أبو داود (2503)، وابن ماجه (2762)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2231).
(2)
النهاية (1/ 321) و (4/ 45).
(3)
سورة الرعد، الآية:31.
(4)
الكشاف (2/ 531).
(5)
تفسير ابن عطية (5/ 516)، وتفسير ابن جزى (2/ 507).
2157 -
وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من لَقِي الله بِغَيْر أثر من جِهَاد لَقِي الله وَفِيه ثلمة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن رَافع عَن سمي عَن أبي صَالح عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب
(1)
.
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الله الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "من لقي الله بغير أثر من جهاد" أي: بغير علامة كالجراحة والتعب أو بذل المال.
قوله: "لقي الله وفيه ثلمة" الثلمة الموضع المنهدم
(2)
أي لقي الله وفي شأنه نقصان، وتقدم ذكرها في كتاب العلم.
2158 -
(3)
وَعَن أبي بكر رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا ترك قوم الْجِهَاد إِلَّا عمهم الله بِالْعَذَابِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن
(4)
.
قوله: وعن أبي بكر رضي الله عنه، تقدم الكلام عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب" تقدم معناه في أحاديث الباب المتقدمة.
(1)
الترمذي (1666)، وابن ماجه (2763)، والحاكم (2/ 79). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5833).
(2)
مشارق الأنوار (1/ 129).
(3)
وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).
(4)
الطبراني في الأوسط (3839)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 284)، رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه علي بن سعيد الرازي، قال الدراقطني: ليس بذاك، وقال الذهبي: روى عنه الناء.