الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(501) باب غزوة ذي قرد وغيرها
4114 -
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى. وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد. قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان. قال: فصرخت ثلاث صرخات. يا صباحاه. قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة. ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد. وقد أخذوا يسقون من الماء. فجعلت أرميهم بنبلي. وكنت راميا. وأقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. فأرتجز. حتى استنقذت اللقاح منهم. واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس. فقلت: يا نبي الله إني قد حميت القوم الماء. وهم عطاش. فابعث إليهم الساعة. فقال "يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح" قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة.
4115 -
عن إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية، فإما دعا، وإما بصق فيها. قال: فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس. قال "بايع يا سلمة" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: "وأيضا" قال ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلا (يعني ليس معه سلاح) قال: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة. ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس. قال: "ألا تبايعني يا سلمة" قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال "وأيضا" قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ " قال: قلت: يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "إنك كالذي قال الأول اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي" ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى
مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال: وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي.
قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه" فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] الآية كلها. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون. فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمع وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول: 4 أنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع فألحق رجلا منهم فأصك سهما في رحله حتى خلص نصا السهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع
قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلي فارس، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة
يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. حتى أتوا متضايقا من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون يعني يتغدون. وجلست على رأس قرن. قال: الفزاري ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن، فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه، فقتله.
فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة. قال: قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم عنه. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنفذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار. فقال: "يا سلمة أتراك كنت فاعلا" قلت: نعم والذي أكرمك. فقال "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" قال: فجاء رجل من غطفان.
فقال: نحر لهم فلان جزورا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا. ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة: قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا. قال: فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق، فجعل يعيد ذلك. قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل. قال "إن شئت" قال: قلت: اذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين، أستبقي نفسي. ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثم إني رفعت حتى ألحقه. قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظن قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
تالله لولا الله ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
…
فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من هذا" قال: أنا عامر. قال "غفر لك ربك" قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر، قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه، ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
…
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال: وبرز له عمي عامر، فقال:
قد علمت خيبر أني عامر
…
شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا
رسول الله، بطل عمل عامر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال ذلك" قال: قلت: ناس من أصحابك. قال "كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين" ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله" قال: فأتيت عليا. فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب
…
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
…
كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه. قال إبراهيم حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن عكرمة بن عمار بهذا الحديث بطوله
-[المعنى العام]-
سلمة بن الأكوع، الصحابي الجليل، الذي يمتاز بخفة الجسم، ورقة الساقين، وسرعة الجري، وحدة الذهن، وتعلم فوق ذلك صنعة الرمي، يعد ويبري نبله، كما يبري المعلم قلمه، ويختاره من فروع الأشجار الصلبة، بحيث ينفذ في جسم هدفه فيؤذيه ويختار قوسه ووتره بحيث يقوى على دفع نبله إلى أبعد مدى، وبعد هذا وذاك كان راميا، قوي البصر، دقيق تحديد الهدف يجيد الإصابة، لا يكاد يخطئ فهو بهذه الصفات يصيب غيره، ولا يصيبه غيره، إن طلب هدفا أو رجلا أدركه، وإن طلبه وقصد إيذاءه رجل لم يدركه.
إنه بطل شجاع، مهاجم مغامر، جريء محاور، يرعب خصمه، ولا يرهب عدوا، وفوق كل هذا مؤمن بقضيته، يحارب من أجل عقيدته، يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى لا يكاد يحلف بربه إلا بتكريم نبيه، فتراه يقول كثيرا: والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم
وتراه يحرص دائما على أن يكون الجندي الوفي الأول للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا عجب أن يقول عنه صلى الله عليه وسلم "خير رجالتنا اليوم سلمة" أي خير الجنود المشاة على أرجلهم في هذه المعركة سلمة، ولا عجب أن يحكي هو بنفسه لنا عن بطولاته في ثلاث معارك، ليس ذلك من قبيل الفخر والخيلاء، وإنما من قبيل {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11] وفي ذلك حث وإثارة لغيره أن يقتدي به، ليس من قبيل الفخر والخيلاء، فهو المتواضع الذي لا يستحيي أن يقول عن نفسه: كنت
تابعا وخادما لطلحة بن عبيد الله أخدم فرسه وأسقيه وأرعاه وآكل من طعامه وأشرب من شرابه فقد تركت أهلي ومالي في مكة، وهاجرت خاليا في سبيل الله.
يحكى لنا عن مواقفه البطولية المشرفة في معركة غزوة ذي قرد في الرواية الأولى، وعن مواقفه وشجاعته في غزوة الحديبية في الرواية الثانية، ويحكى لنا صورة الحب والوفاء لعمه عامر في غزوة خيبر في آخر الرواية الثانية.
وقارئ هذه الأحاديث يدرك معناها ومغزاها، ولا يحتاج إلى المعنى العام، لكننا سنضع للقارئ علامات على الطريق، وأضواء ومصابيح على المنحنيات.
فسبب غزوة ذي قرد أن المشركين من غطفان أغاروا على إبل الصدقة التي هي في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم أغاروا عليها، وهي ترعى في الكلأ خارج المدينة، يرعاها ويشرف على رعيها غلام صغير، استاقوها وأخذوها كلها، وقتلوا راعيها، كان سلمة قريبا من مكان الجريمة معه فرس طلحة يرعى ويشرب، جاءه غلام يدعى رباح، فأخبره بالحادثة، وهنا تظهر بطولة سلمة وشهامته وذكاؤه، مجموعة من الرجال قد يصل عددهم إلى الثلاثين، ومعهم أسلحتهم، وهم كقطاع الطريق، نهبوا نهبا وساروا به نحو مضاربهم، وهي في ناحية، والمدينة في الناحية الأخرى. ماذا يفعل؟ أيذهب إلى المدينة يستصرخ الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ليهبوا لإنقاذ إبلهم؟ إذن يكون المنتهبون قد فروا بنهبتهم، أم يجري وحده خلف اللصوص؟ وقد يضحي بنفسه ولا ينفذ شيئا؟ وماذا يفعل مع فرس طلحة وهو ليس بفارس؟ وكيف يعرضه للضياع وهو لا يملكه؟
إن الذكاء والحيلة وحسن التصرف في مثل هذه المواقف خير سلاح. قال للغلام: خذ هذه الفرس، فأبلغه إلى صاحبه طلحة، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخبر، ثم صعد على جبل ووجهه إلى المدينة، وصرخ يا صباحاه، يا صباحاه. صوت معلوم عندهم للنجدة، سمعه النبي صلى الله عليه وسلم فعبأ أصحابه، وبلغهم الغلام الخبر، فهبوا. أما سلمة فتبع القوم، يرميهم بالنبال من بعيد، فيجرون، وتشرد منهم الإبل فيخليها خلفه، ويتخففون مما يحملون، فيلقون الأغطية والرماح فيستولى عليها سلمة ويضع عليها أحجارا بطريقة خاصة، يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهي في الوقت نفسه علامات لهم على الطريق المسلوك ليتابعوه، منذ الصباح وحتى الليل وسلمة يتابع القوم، وهم يجرون أمامه، حتى وصلوا إلى ماء ذي قرد، وهم وما معهم من الإبل عطاش، فنزلوا يشربون، فأمطرهم سلمة بوابل من النبل فتركوا البئر وهم عطاش. ولحقه جيش الرسول صلى الله عليه وسلم، ونزلوا عند البئر، وقد استنقذت إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعها غنائم المشركين، ثم رجعوا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يردف سلمة خلفه على ناقته، وقد أعطاه من الغنيمة سهمين، بدلا من سهم واحد.
أما موقفه في غزوة الحديبية فهو يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يبايع بيعة الرضوان ثلاث مرات، في أول القوم، وفي أوسطهم، وفي آخرهم، ويحكي لنا معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في امتلاء البئر بالماء بعد أن نضب، ويحكي لنا عن المشركين الأربعة الذي عابوا واغتابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسرهم، وأخذ سلاحهم، وسلمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحكي لنا أنه -بناء على إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بالصعود
على جبل بني لحيان، ليحرس الرسول صلى الله عليه وسلم وجنوده من غدر المشركين، في طريق عودتهم من الحديبية إلى المدينة.
أما حديثه عن غزوة خيبر فيدور أكثره عن عمه عامر بن الأكوع، وكان بطلا شجاعا، حسن الصوت يحدو للقافلة، فسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقهم إلى خيبر يغني شعرا، يقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا
…
فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
قال: صلى الله عليه وسلم: من صاحب هذا الصوت؟ قالوا: عامر. قال: يغفر الله له، وتعود الصحابة من قبل على أن هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تشير إلى أن المقولة عنه سيموت شهيدا وقريبا فأسفوا، وكانت حقا، فقد خرج ملك خيبر "مرحب" على المسلمين يختال، ويطلب النزال فخرج له عامر فبارزه، وكاد يقتله، لكن سيف عامر كان قصيرا، فارتد عليه، فقتل عامر بسيف نفسه، فقال الصحابة: لم يمت شهيدا، بل حبط عمله، لأنه مات بسلاحه، فساء هذا القول سلمة، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم كذب من قال ذلك، إن له أجرين، مات جاهدا مجاهدا.
ويحكي لنا سلمة أنه كان الرسول الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى علي رضي الله عنه ليحضره وهو مريض يشكو عينيه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأت عيناه في الحال، فسلمه راية الجيش، فبارز ملكهم "مرحب" فقتله، وفتح الله على يديه حصون خيبر، بعد حصار دام بضعة عشر يوما -رضي الله عن سلمة وعن الأصحاب أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(غزوة ذي قرد وغيرها) ذكر مسلم في هذه الأحاديث غزوة ذي قرد في الرواية الأولى والثانية وغزوة الحديبية وخيبر في الرواية الثانية، وفي جميعها يتحدث سلمة بن الأكوع عن نفسه: والقرد -بفتح القاف والراء وحكي الضم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه- في الأصل ما تساقط من الوبر والشعر، ويطلق أيضا على السعف سل خوصه، وهو هنا اسم ماء على عشرين ميلا من المدينة، مما يلي غطفان، بين المدينة وخيبر على طريق الشام.
وقول سلمة في الرواية الثانية "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" صريح في أن غزوة ذي قرد كانت قبيل خيبر، لكن قال القرطبي في شرح مسلم: لا يختلف أهل السير في أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أغزى سرية فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر
قبل فتحها فأخبر سلمة من نفسه وعمن خرج معه يعني حيث قال "خرجنا إلى خيبر" قال: ويؤيده أن ابن إسحق ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أغزى إليها عبد الله بن رواحة مرتين قبل فتحها. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وسياق الحديث يأبى ذلك الجمع، فإن فيه "خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل عمر يرتجز بالقول" وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من السائق"؟ وفيه مبارزة علي لمرحب، وقتل عامر وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر، فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير، قال: ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين. الأولى التي ذكرها ابن إسحق، وهي قبل الحديبية والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر.
(خرجت قبل أن يؤذن بالأولى) يعني صلاة الصبح، يعني خرجت من بيتي بالمدينة إلى خارجها، ففي رواية "خرجت من المدينة ذاهبا نحو الغابة".
(وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد)"اللقاح" بكسر اللام وتخفيف القاف، ذوات الدر من الإبل، أي الناقة التي تدر اللبن بالفعل، جمع لقحة بالكسر وبالفتح أيضا، واللقوح الحلوب، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، وكانت هذه اللقاح ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس أو من الفيء، وكان ينفق منها في سبيل الله.
(فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف) يحتمل أن يكون هو رباح، لقول سلمة في وسط الرواية الثانية "فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس" إلخ. قال الحافظ: وكأنه كان ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخدم عبد الرحمن بن عوف، أو العكس، فنسب تارة "غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة غلام لعبد الرحمن بن عوف.
(فقال: أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان) وفي الرواية الثانية "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره" -أي بإبله- "مع رباح، غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم" -أي للرعي- "وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة" -أي لم يكن سلمة راعيا ولا مسئولا عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل خرج مع رباح بفرس طلحة، وقد كان سلمة تابعا وخادما لطلحة ففي الرواية الثانية "وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله" أي خادما أتبعه "أسقي فرسه، وأحسه" أي أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه "وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنديه" بضم الهمزة وفتح النون وكسر الدال المشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه ولم يذكر القاضي في الشرح عن أحد من رواة مسلم غير هذا، ونقله في المشارق عن جماهير الرواة، قال: ورواه بعضهم في مسلم "أبديه" بالباء بدل النون، أي أخرجه إلى البادية، وأبرزه إلى موضع الكلأ، وكل شيء أظهرته فقد أبديته. قال النووي: والصواب رواية الجمهور بالنون وهي رواية جميع المحدثين، ومعناها أن يورد الماشية الماء، فتسقي قليلا. ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء قليلا، ثم ترد إلى المرعى.
وفي هذه الرواية " أخذها غطفان" وفي الرواية الثانية "فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس، فأبلغه
طلحة بن عبيد الله" أي لألحق أنا بالقوم ماشيا وراميا "وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه".
و"غطفان بفتح الغين والطاء والفاء، هو ابن سعد بن قيس بن عيلان، و"فزارة" من غطفان، فلا تعارض بين قوله في الرواية الأولى "أخذها غطفان" وقوله في الرواية الثانية "عبد الرحمن الفزاري" بل عند أحمد وابن سعد "أخذها عبد الرحمن بن عيينه بن حصن الفزاري" وفي روايتنا الثانية "فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" وعند الطبراني "فإذا عيينة بن حصن قد أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين الروايات، فإن كلا من عيينة وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم، وعند موسى بن عقبة وابن إسحق أن مسعدة الفزاري كان أيضا رئيسا في فزارة في هذه الغزوة.
(قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة) في الرواية الثانية "ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثا: يا صباحاه" كلمة تقال عند الغارة وفي رواية "فصرخت بثلاث صرخات" بزيادة الباء، وهذا الصراخ للاستغاثة معروف، "ولا بتا المدينة" تثنية لابة، والمراد حرتاها، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء أرض بظاهر المدينة، فيها حجارة سود كثيرة.
وعند الطبراني "فصعدت في سلع، ثم صحت: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنودي في الناس: الفزع. الفزع" قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك من خوارق العادات.
(ثم اندفعت على وجهي) يعني لم ألتفت يمينا ولا شمالا، بل أسرعت الجري خلفهم، متبعا آثارهم، وفي الرواية الثانية "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل".
(حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء)
في الكلام طي، وضحته الرواية الثانية، ففيها "ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز:
أنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرضع
جمع راضع وهو اللئيم بضم الراء وتشديد الضاد.
قال النووي: قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أي رضع اللؤم في بطن أمه، وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة بفمه، بدلا من حلبها وشرب لبنها، لئلا يسمع الفقراء والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه، وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنان، ويمص ما يتعلق به، وقيل: معناه اليوم يعرف من أنجبته كريمة فرضعها، ومن أنجبته لئيمة فرضعها، وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب عليها، ويعرف غيره. اهـ وقيل: كان يمص حلمة الشاة والناقة بفمه لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء، أو لئلا يبقى في الإناء
شيء إذا شربه منه، فقيل في المثل: ألأم من راضع، وقيل: معناه: هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا تجد من ترضعه.
"قال: فألحق رجلا منهم، فأصك سهما في رحله، حتى خلص نصل السهل إلى كتفه" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع، استحضارا للصورة، أي فلحقت رجلا منهم، فصككته سهما. قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة "رحله" بالحاء، و"كتفه" بالتاء بعدها فاء، وفي بعضها "رجله" بالجيم، "وكعبة" بالعين ثم الباء، قال: والصحيح الأول، لقوله في الرواية نفسها عن رجل آخر بعد وروده ماء ذي قرد "فأصكه بسهم في نغض كتفه" بضم النون ثم غين ساكنة ثم ضاد، وهو العظم الرقيق على طرف الكتف، سمي بذلك لكثرة تحركه، وهو الناغض أيضا، ومعنى "أصك" أضرب.
"قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرضع
قال: فوالله مازلت أرميهم وأعقر بهم" أي مازلت أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم.
قال القاضي: ورواه بعضهم "أرديهم" بالدال "فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة" أي أتيت شجرة حين فاجأني رجوع فارس منهم إلى "فجلست في أصلها" أي مختبئا عند جذعها، محتميا به "ثم رميته، فعقرت به" أي فعقرت فرسه به، ثم جعلت أرميهم "حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضاييقه" أي وصعب على رميهم وإصابتهم بالنبل "علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة" بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الدال المكسورة، أي أرميهم بالحجارة التي توقعهم وتسقطهم عن سفح الجبل "قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي حتى ما وجدت بعيرا مخلوقا لله هو من ظهر وسرح رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون" بكسر الخاء وتشديد الفاء المضمومة، أي يتخلصون منها ليكونوا خفافا، يسهل عليهم الجري والهرب من رمي سلمة "ولا يطرحون شيئا إلا" أخذته وخبأته "جعلت عليه آراما من الحجارة" جمع إرم كعنب وأعناب، أي علامات من الحجارة، تجمع وتنصب بطريقة خاصة في الصحراء "يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أتوا متضايقا من ثنية" أي من طريق في الجبل" فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" أحد كبرائهم ورؤسائهم، "فجلسوا" معه "يتضحون" أي يأكلون طعام الضحى، وفسره الراوي بقوله "يتغذون" أي يتناولون من الطعام ما به النماء "وجلست على رأس قرن" بفتح القاف وإسكان الراء، وهو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير "قال الفزاري" لأصحابه "ما هذا الذي أرى" من الرعب الذي بكم؟ ونقص أمتعتكم وغنيمتكم"؟ قالوا: لقينا من هذا البرح" بفتح الباء وإسكان الراء الشدة، أي لقينا من هذا المسلم الشدة والأذى الكثير، يقال: برح به الضرب أي اشتد، وضربه ضربا مبرحا، أي شديدا وشاقا، "والله ما فارقنا منذ غلس" أي منذ ظلمة الليل المختلطة بضوء النهار حتى
الآن الضحى "يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام" أي فلما قربوا مني، وأصبحوا مني بحيث يسمعون كلامي، وأسمع كلامهم "قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ " استفهام سخرية
واحتقار "قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني" المراد من الإدراك الإصابة والقتل، ويحتمل الوصول إليه بالجري وراءه، وكان سلمة كذلك في الاحتمالين، فكان في العدو والجري لا يسبق، كما سيذكر عن نفسه في هذا الحديث، وكان راميا متمكنا، يجيد بري النبل واختيار مادته وحجمه، ويجيد إعداد القوس وقوته في الدفع، ويجيد إصابة الهدف "قال أحدهم: أنا أظن" الظن هنا مراد به الاعتقاد والمظنون محذوف للعلم به من المقام أي أنا أعتقد أن ما تقول حقا، وأنك تدركنا ولا ندركك، فخير لنا أن نخليك وشأنك ونرجع "فرجعوا. قال فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي فلم ألبث طويلا حتى رأيت مقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركبانا، فوارسه على خيولهم "يتخللون الشجر" أي يدخلون بين الأشجار "قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم" أي بعنان فرس الأخرم، أحول بينه وبين الإسراع نحو القوم، خوفا عليه منهم، فقد أصبحوا موتورين، وهو كثرة، وهو منفرد "قال: فولوا مدبرين" فقد رأوا مقدمة المدد وجيش المسلمين.
"قلت: يا أخرم، احذرهم" ولا تسرع إليهم "لا يقتطعوك" لا تمكنهم من أن ينفردوا بك "حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه" بنا "قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليته، قال: فالتقى هو وعبد الرحمن" الفزاري رئيس جماعة المشركين، فعقر بعبد الرحمن فرسه" أي عقر الأخرم فرس عبد الرحمن الفزاري وهو عليه، فنزل عبد الرحمن، وأمسك بالرمح، وسدده نحو الأخرم "وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول" عبد الرحمن "على فرسه" أي على فرس الأخرم "ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، فطعنه، فقتله، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم" أي لقد تبعتهم "أعدو على رجلي" وتقدمت على فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدت عنهم "حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" أحدا ولا "أرى من "غبارهم شيئا، حتى يعدلوا" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، أي حتى عدل المشركون "قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد" قال النووي: كذا في بعض النسخ، وهو الوجه، وفي أكثر النسخ "ذا قرد". اهـ كل تلك الأحداث مطوية في الرواية الأولى.
(وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول: أنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع،
فأرتجز) في الرواية الثانية "يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه" قال النووي: هو بحاء ولام مشددة، أي طردتهم عنه، وقد فسره في الحديث بقوله "يعني أجليتهم عنه" بالجيم، قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا، غير مهموز، قال: وأصله الهمز، فسهله. اهـ. وفي كتب اللغة: حلأه عن الشيء بفتح الحاء وتشديد اللام وبالهمز، تحليئا وتحلئة منعه منه. "فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجون" من الشعب "فيشتدون" أي يسرعون بالجري "في ثنية" في طريق ضيق من الجبل "قال: فأعدو فألحق" أي فعدوت فلحقت "رجلا منهم، فأصكه بسهم" أي فصككته بسهم "في نغض كتفه، قال: قلت: .
خذها
وأنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلته أمه. أكوعه بكرة؟ قلت: نعم" معنى "ثكلته أمه" فقدته، وقوله "أكوعه" هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار ترمينا؟ أنت متابعنا بالرمي حتى الليل؟ ولهذا قال: نعم، و"بكرة" منصوب غير منون، قال النووي: قال أهل اللغة: يقال: أتيته بكرة، بالتنوين، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين، قالوا: وإذا أردت بكرة يوم بعينه قلت: أتيته بكرة، غير مصروف، لأنها من الظروف غير المتمكنة. اهـ.
"يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، قال: وأردوا فرسين على ثنية" قال النووي: قال القاضي: رواية الجمهور بالدال -أي بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الدال- ورواه بعضهم بالذال. قال: وكلاهما متقارب المعنى، فبالذال معناه خلفوهما، والرذي الضعيف من كل شيء -وفي كتب اللغة: أرذى ناقته هزلها وخلفها- وبالدال معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما ومنه التردية "قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ولحقني عامر" عمه "بسطيحة" وهي إناء من جلد سطح بعضها على بعض "فيها مذقة من لبن" بفتح الميم وإسكان الذال، أي قليل من لبن "وسطيحة فيها ماء، فتوضأت "من الماء" وشربت" من اللبن، "ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حليتهم عنه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم" قال النووي: كذا في أكثر النسخ "الذي" وفي بعضها "التي" وهو أوجه، لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين، والأول صحيح أيضا، وأعاد الضمير إلى الشيء الذي غنمه، لا إلى لفظ الإبل "وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها.
(فقلت: يا نبي الله، إني قد حميت القوم الماء، وهم عطاش) أي منعتهم إياه.
(فابعث إليهم الساعة) أي وافرض عليهم شروطك، فهم اليوم ضعاف محتاجون.
(يا ابن الأكوع. ملكت فأسجح) بهمزة قطع، بعدها سين، ثم جيم مكسورة، ثم حاء، ومعناه: فأحسن وارفق، والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكاية في العدو، والحمد لله.
وفي الرواية الثانية "قال: قلت: يا رسول الله، خلني" أي اتركني "فأنتخب" أي فأختار "من القوم" أي من الصحابة "مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر" أي حي يستطيع أن يتكلم ويخبر "إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه" أي فتبسم حتى بدت أنيابه "في ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟ " أي أتظن أنك بالمائة رجل تستطيع أن تفعل ذلك؟ "قلت: نعم. والذي أكرمك، فقال": إنك لم تكن تستطيع، لأنهم الآن قد وصلوا إلى قبيلتهم ومقاتليهم، فأصبحوا في منعة، لا يواجهها إلا جيش كبير "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" أي إنهم اليوم في ضيافة أهليهم في أراضيهم "فجاء رجل من غطفان" أي قادم من أرض غطفان "فقال: نحر لهم
فلان" الغطفاني "جزورا، فلما كشفوا جلدها" وسلخوها، ليشووا لحمها، ليأكلوا "رأوا غبارا" ظنوه المسلمين "فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا" من مضرب مضيفهم "هاربين" نحو مضاربهم مذعورين "فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا" بتشديد الجيم، جمع رجال بتشديد الجيم، أي المشاة على أرجلهم "سلمة، قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا" قال النووي: هو محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نفلا، وهو جدير بالنفل ومستحق له رضي الله عنه، لبديع صنعه في هذه الغزوة.
(ثم رجعنا) أي نحو المدينة، أي أردنا الرجوع، وقصدنا الرجوع، ففيه مجاز المشارفة.
(ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته) فيه التعبير عن الماضي بالمضارع لاستحضار الصورة.
وفي الرواية الثانية "ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة".
(حتى دخلنا المدينة) وهنا أيضا طي لأحداث بينتها الرواية الثانية، ففيها "قال: فبينما نحن نسير -وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا" أي عدوا على رجليه "قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك" متحديا "قال: فلما سمعت كلامه قلت" له: "أما تكرم كريما"؟ أي أما تحترم الناس، وتراعي مشاعر الكرماء منهم؟ "ولا تهاب شريفا"؟ أي أما تعمل حسابا لكبار القوم وأشرافهم؟ "قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ذرني" أنزل عن ناقتك "فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: قلت" للرجل: "اذهب" أي ابدأ الجري والسباق "إليك" أي خذ البداية "وثنيت رجلي" أي بدأت الجري، والجري لا يكون إلا بثني الرجلين، واحدة بعد الأخرى "فطفرت" أي فقفزت ووثبت "فعدوت" أي فجريت، قال: فربطت عليه" نفسي، يقال: ربط نفسه عن كذا، أي منعها "شرفا أو شرفين" والشرف ما ارتفع من الأرض، والمعنى توقفت عن الجري حتى سبقني مرتفعا أو مرتفعين والأرض إلى المدينة ارتفاع وانخفاض "أستبقى نفسي" بإسكان الفاء، أي احفظها من أن يضربها استمرار الجري، "ثم عدوت في إثره" حتى قربت منه "فربطت نفسي شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت" درجة العدو "حتى ألحقه" أي حتى لحقته "فأصكه" أي فصككته "بين كتفيه، قلت: قد سبقت والله" فيه التعبير عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، والمراد ستسبق والله "قال: أنا أظن" ذلك، أي أعتقد أنني سأسبق، وأنت ستكون السابق. "قال: فسبقته إلى المدينة".
فقوله في الرواية الأولى "ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة" فيه طي، و"حتى" ليست غاية للإرداف، بل هي غاية لمحذوف، كما وضح من الرواية الثانية.
(قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة الحديبية قصة أخرى، لا علاقة لها بغزوة ذي قرد، ذكرها سلمة محدثا عن نفسه، وعن بطولته، كما كان أمره في غزوة ذي قرد، وغزوة الحديبية قد تقدمت. والمراد من الحديبية هنا بئرها، لقوله فيما بعد "وعليها خمسون شاة لا ترويها".
(ونحن أربع عشرة مائة) قال النووي: هذا هو الأشهر، وفي رواية "ثلاث عشرة مائة" وفي رواية "خمس عشرة مائة".
وفي رواية البخاري "والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضا "عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك".
(فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية) الجبا بفتح الجيم وتخفيف الباء ما حول البئر، وفي كتب اللغة: ما حول الحوض والبئر من التراب، إذ هو مساعد على الجبو وجمع الماء، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء البئر، والمشهور "ركي" بغير هاء، ووقع هنا "الركية" بالهاء، وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره، وفي رواية البخاري "فجلس على شفيرها" وفي رواية أخرى له "فأتى البئر، وقعد على شفيرها".
(فإما دعا) ربه ليفيض عليهم الماء.
(وإما بصق فيها) مع الدعاء أيضا، قال النووي: هكذا هو في النسخ "بسق" بالسين، وهي صحيحة، يقال: بزق، وبصق، وبسق، ثلاث لغات بمعنى، والسين قليلة الاستعمال. اهـ.
وفي رواية للبخاري "ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها" وفي أخرى له "ثم قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به، فبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة" وفي دلائل البيهقي "أنه أمر بسهم، فوضع في قعر البئر، فجاشت بالماء" وفي رواية له عن جابر "فقيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا".
(فجاشت) أي ارتفع ماؤها وفاض، يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا إذا ارتفع.
(فسقينا واستقينا) أي فسقينا أنفسنا ودوابنا، وأخذنا من مائها في أوعيتنا، يقال: استقى من البئر إذا أخذ من مائها، ويقال: استقى المعارف والأخبار من كذا، أي استمدها وحصل عليها من كذا، وفي رواية للبخاري "فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"
(ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة) بيعة الرضوان، وقد سبق الكلام عنها في غزوة الحديبية.
(قال: وأيضا) أي وبايع في وسطهم أيضا، يقال: آض يئيض أيضا، أي عاد، وهو هنا مصدر منصوب بفعله المحذوف، والجملة معطوفة على محذوف معلوم، أي بايعت أول الناس، وتبايع في وسطهم عودا.
(فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة) الحجفة الترس من جلود بلا خشب ولا رباط من عصب، والدرقة شبيهة بها.
(التي أعطيتك) عائد الصلة محذوف، المفعول الثاني لأعطي، أي التي أعطيتكها.
(لقيني عمي عامر عزلا) منصوب على الحال من الفاعل، قال النووي: ضبطوه بوجهين، أحدهما فتح العين مع كسر الزاي، والثاني ضمهما، وقد فسره بالذي لا سلاح معه، ويقال له أيضا: أعزل، وهو أشهر استعمالا.
(إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي) أي إنك تشبه أول من قال: اللهم أعطني حبيبا هو أحب إلي من نفسي، فقد أعطيت عمك ما أنت أحوج إليه منه، فكأنه أحب إليك من نفسك.
(ثم إن المشركين راسلونا الصلح) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "راسلونا" من المراسلة وفي بعضها "راسونا" بفتح الراء الممدودة وتشديد السين مضمومة وحكى القاضي فتحها أيضا وهما بمعنى راسلونا مأخوذ من قولهم: رس الحديث يرسه إذا ابتدأه وقيل: من رس بينهم إذا أصلح وقيل: معناه فاتحونا من قولهم: بلغني رس من الخبر أي أوله ووقع في بعض النسخ "واسونا" بفتح السين أي اتفقنا نحن وهم على الصلح والواو فيه بدل من الهمزة وهو من الأسوة.
(أتيت شجرة فكسحت شوكها) الساقط منها على الأرض أي كنست ما تحتها من الشوك.
(فاضطجعت في أصلها) أي بجوار جذعها وجذورها.
(فأتاني أربعة من المشركين) أي فأتوا إلى شجرتي يستريحون تحتها.
(فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال: وقع فلان في فلان وقيعة ووقوعا سبه واغتابه وعابه.
(قتل ابن زنيم) بضم الزاي وفتح النون.
(فاخترطت سيفي) أي سللته من غمده.
(ثم شددت على أولئك الأربعة) أي عدوت عليهم لأصحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهينة من أجل ابن زنيم.
(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي) أي حزمة في يدي.
(إلا ضربت الذي فيه عيناه) أي إلا ضربت رأسه وقطعتها.
(وجاء عمي عامر برجل من العبلات) بفتح العين والباء وهم أمية الصغرى من قريش والنسبة إليهم عبلى ترده إلى الواحد واسم أمهم عبلة قال القاضي: أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد الله بن عبد شمس بن عبد مناف نسبوا إلى أم لهم من بني تميم اسمها عبلة بنت عبيد.
(يقال له: مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وكسر الراء بعدها زاي.
(يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين) الفرس المجفف بفتح الجيم وفتح الفاء الأولى المشددة أي عليه تجفاف بكسر التاء وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه من السلاح وجمعه تجافيف.
(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه)"بدء الفجور" بفتح الباء وسكون الدال ثم همز أي ابتداؤه قال النووي: وأما "ثناه" فوقع في أكثر النسخ هكذا بثاء مكسورة وفي بعضها "ثنياه" بضم الثاء وبالياء بعد النون قال القاضي: والأول هو الصواب أي عودة ثانية. اهـ. والمعنى دعوهم دون أذى فإن كانوا بدءوا الفجور بقتل زنيم فإننا نعفو عن الأولى وننتظر الثانية لنأخذهم بالفجورين.
{وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا} [الفتح: 24] أي وهو الذي كف أيدي كفار مكة والمراد ببطن مكة الحديبية وبعضها من حرم مكة {من بعد أن أظفركم عليهم} أي من بعد أن أظهركم وأقدركم عليهم وسيأتي سبب آخر لنزول هذه الآية سيأتي في الحديث التالي.
(ثم خرجنا) من الحديبية.
(فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون)"لحيان" بكسر اللام وفتحها لغتان وهم مشركون في ذلك الوقت وأل في "المشركون" للكمال في الصفة أي المشركون المتأصلون في الشرك الموغلون فيه المتعصبون له وقال النووي: "وهم المشركون" بضم الهاء على الابتداء والخبر هكذا ضبطت كما ضبطت بفتح الهاء وتشديد الميم أي هموا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخافوا عائلتهم يقال: همني الأمر أذابني.
(فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكلف أحدا من أصحابه بمهمة خطيرة بل كان يعرض ويعرض الأمر عرضا رقيقا ليتطوع بها من يرى نفسه أهلا لها ومن عنده استعداد وطيب نفس وكأنه صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اغفر لمن يصعد هذا الجبل ليطلع على تحركات المشركين فينذرنا إذا أرادونا بسوء.
(فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا) القاف مكسورة في "رقي" و"رقيت" رقي بكسر القاف وفتح الياء يرقى بفتح القاف رقيا بفتح الراء وسكون القاف ورقيا بضم الراء وإسكان القاف ورقية بفتح الراء وسكون القاف وفتح الياء أي صعد ومفعول "رقيت" محذوف أي رقيت الجبل أي علوته وصعدته أما "رقى" بفتح القاف يرقي بكسرها فمن الرقية.
(فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره) هذا ابتداء كلام عن غزوة ذي قرد وقد سبق القول عنها ثم
انتقل سلمة عن غزوة ذي قرد إلى علاقته بغزوة خيبر فقال: "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" وقد شرحنا بقية كلامه هناك في غزوة خيبر.
-[فقه الحديث]-
يتعرض هذا الحديث إلى ثلاث وقائع:
الأولى: غزوة ذي قرد سببها أحداثها نتائجها دور سلمة بن الأكوع فيها.
ويؤخذ منها
1 -
منقبة لسلمة بن الأكوع.
2 -
جواز الصياح العالي للإنذار بالعدو ونحوه.
3 -
جواز تعريف الإنسان بنفسه في الحرب إذا كان شجاعا وقوله مثل قول سلمة: أنا ابن الأكوع ليرعب خصمه وليبعث في نفسه الإقدام.
4 -
من قوله صلى الله عليه وسلم "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضل لا سيما عند صنيعهم الجميل لما فيه من الترغيب لهم ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل وهذا كله في حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه.
5 -
وفيه منقبة لأبي قتادة.
6 -
وفي إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرون في غطفان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
7 -
وجواز عقر خيل العدو في القتال حيث كان سلمة يعقر خيل المشركين.
8 -
واستحباب الرجز في الحرب.
9 -
ومن مناقشة الأخرم لسلمة ما كان عليه الصحابة من حب الشهادة والحرص عليها.
10 -
وإلقاء النفس في غمرات القتال قال النووي: وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها.
11 -
ومن أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الناقة جواز الأكل من الغنيمة -قال النووي وفيه نظر إذ يحتمل أن الناقة التي نحرت كانت من سرح النبي صلى الله عليه وسلم الذي استنقذ من القوم.
12 -
وفي صعود سلمة على جبل بني لحيان بناء على طلب النبي صلى الله عليه وسلم بعث الطلائع.
13 -
وفي موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على موافقة سلمة للرجل جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض ولا خلاف في جوازه أما بالعوض فالصحيح أنه لا يجوز.
14 -
وفي إعطاء سلمة سهمين جواز التنفيل للمستحق.
15 -
وفي ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي قتادة وسلمة مدح القوة والشجاعة في الحرب.
16 -
وفي جري سلمة في مواقفه المختلفة جواز العدو الشديد في الغزو.
17 -
وفي قوله صلى الله عليه وسلم "ملكت فأسجح" الحث على العفو عند المقدرة.
18 -
وفيه الإرداف على الناقة بشرط إطاقتها.
الواقعة الثانية أو الحدث الثاني الحديبية وبيعة الرضوان ويؤخذ من حديثها:
1 -
منقبة لسلمة في مبايعته ثلاث مرات.
2 -
ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زيادة ماء البئر.
3 -
وتفقد القائد لأحوال جنده والعمل على مصالحهم ومساعدة المحتاج منهم للسلاح.
4 -
ومن إعطاء سلمة الحجفة لعمه فضيلة الإيثار.
5 -
وجواز إهداء هدية الغير.
6 -
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنت كالذي قال الأول إلخ" ضرب المثل لتقريب المعنى.
7 -
وفيه ضحك الرسول صلى الله عليه وسلم عند سماع ما سمع من سلمة وأن ضحكه تبسم.
8 -
وجواز المصالحة مع العدو.
الواقعة الثالثة واقعة غزوة خيبر ويؤخذ من حديثها:
1 -
معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في إبراء عين علي رضي الله عنه.
2 -
ومعجزته صلى الله عليه وسلم في إخباره بالفتح وبأنه على يدي علي رضي الله عنه.
3 -
ومنقبة ظاهرة لعلي رضي الله عنه.
4 -
وأن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا سواء مات بسلاحهم أو سقط عن دابة أو غيرها أو عاد عليه سلاحه.
5 -
وجواز المبارزة بغير إذن الإمام.
6 -
وأن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إيذان بأنه يموت شهيدا.
7 -
ومن طلب عمر حب الصحابة رضي الله عنهم لعامر.
8 -
ومن مبارزة علي رضي الله عنه لمرحب وقتله إياه شجاعة علي رضي الله عنه وقوته وبطولته.
والله أعلم.