المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(537) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير - فتح المنعم شرح صحيح مسلم - جـ ٧

[موسى شاهين لاشين]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الأقضية

- ‌(454) باب اليمين

- ‌(455) باب حكم الحاكم لا يغير الباطن

- ‌(456) باب قضية هند

- ‌(457) باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات

- ‌(458) باب بيان أجر الحاكم إذا أخطأ

- ‌(459) باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان

- ‌(460) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور

- ‌(461) باب بيان خير الشهود

- ‌(462) باب اختلاف المجتهدين

- ‌(463) باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين

- ‌كتاب اللقطة

- ‌(464) باب اللقطة

- ‌(465) باب تحريم حلب الماشية بدون إذن صاحبها

- ‌(466) باب الضيافة ونحوها

- ‌(467) باب استحباب المواساة بفضول المال واستحباب خلط الأزواد إذا قلت

- ‌كتاب الجهاد والسير

- ‌(468) باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام

- ‌(469) باب تأمير الأمراء على البعوث ووصاياهم

- ‌(470) باب تحريم الغدر

- ‌(471) باب جواز الخداع في الحرب

- ‌(472) باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء واستحباب الدعاء بالنصر عند اللقاء

- ‌(473) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب وفي البيات

- ‌(474) باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها

- ‌(475) باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة

- ‌(476) باب الأنفال

- ‌(477) باب استحقاق القاتل سلب القتيل

- ‌(478) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى

- ‌(479) باب حكم الفيء

- ‌(480) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين

- ‌(481) باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم

- ‌(482) باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه

- ‌(483) باب إجلاء اليهود من الحجاز

- ‌(484) باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم وجواز المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين

- ‌(485) باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح

- ‌(486) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب

- ‌(487) باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الشام وإلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام

- ‌(488) باب غزوة حنين

- ‌(489) باب غزوة الطائف

- ‌(490) باب غزوة بدر

- ‌(491) باب فتح مكة

- ‌(492) باب صلح الحديبية

- ‌(493) باب الوفاء بالعهد

- ‌(494) باب غزوة الأحزاب

- ‌(495) باب غزوة أحد

- ‌(496) باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين

- ‌(497) باب قتل أبي جهل

- ‌(498) باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود

- ‌(499) باب غزوة خيبر

- ‌(500) باب غزوة الأحزاب وهي الخندق

- ‌(501) باب غزوة ذي قرد وغيرها

- ‌(502) باب قول الله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم

- ‌(503) باب غزوة النساء مع الرجال، والرضخ لهن

- ‌(504) باب عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(505) باب غزوة ذات الرقاع

- ‌(506) باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر

- ‌كتاب الإمارة

- ‌(507) باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش

- ‌(508) باب الاستخلاف وتركه

- ‌(509) باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها وكراهة الإمارة بغير ضرورة

- ‌(510) باب فضيلة الأمير العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم

- ‌(511) باب غلظ تحريم الغلول

- ‌(512) باب تحريم هدايا العمال

- ‌(513) باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية والإمام جنة

- ‌(514) باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول

- ‌(515) باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة، وحكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، والحكم إذا بويع لخليفتين، ووجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع

- ‌(516) باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة

- ‌(517) باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه والمبايعة بعد الفتح على الإسلام والجهاد والخير

- ‌(518) باب كيفية بيعة النساء

- ‌(519) باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع وبيان سن البلوغ

- ‌(520) باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم

- ‌(521) باب الخيل: تضميرها، والمسابقة بينها وفضلها، وما يكره من صفاتها

- ‌(522) باب فضل الجهاد والخروج والرباط في سبيل الله، وفضل الشهادة، وفضل الغدوة والروحة في سبيل الله، وما أعده الله للمجاهد في الجنة

- ‌(523) باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ولا يجتمع كافر وقاتله في النار

- ‌(524) باب فضل الصدقة في سبيل الله، وإعانة الغازي، وخلافة أهله بخير، وإثم من خانه فيهم

- ‌(525) باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين وثبوت الجنة للشهيد

- ‌(526) باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ومن قاتل للرياء والسمعة استحق النار

- ‌(527) باب ثواب من غزا فغنم، ومن لم يغنم

- ‌(528) باب إنما الأعمال بالنية

- ‌(529) باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله

- ‌(530) باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو

- ‌(531) باب ثواب من حبسه العذر عن الغزو

- ‌(532) باب فضل الغزو في البحر

- ‌(533) باب فضل الرباط في سبيل الله

- ‌(534) باب بيان الشهداء

- ‌(535) باب فضل الرمي، وذم من علمه ثم نسيه

- ‌(536) باب "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق

- ‌(537) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير

- ‌كتاب الصيد والذبائح

- ‌(538) باب الصيد بالكلاب المعلمة

الفصل: ‌(537) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير

(537) باب مراعاة مصلحة الدواب والسير

4345 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض. وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها السير. وإذا عرستم بالليل، فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام بالليل".

4346 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض. وإذا سافرتم في السنة، فبادروا بها نقيها. وإذا عرستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل".

4347 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله".

4348 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية.

4349 -

-/- وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. غير أنه قال: كان لا يدخل.

4350 -

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل. فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلا (أي عشاء) كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة".

ص: 598

4351 -

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة".

4352 -

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا.

4353 -

عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.

4354 -

-/- وفي رواية عن سفيان بهذا الإسناد قال عبد الرحمن: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا. يعني أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.

4355 -

عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بكراهة الطروق، ولم يذكر: يتخونهم أو يلتمس عثراتهم.

-[المعنى العام]-

السفر قطعة من العذاب، ولون بل ألوان من الألم، يغير الإنسان فيه ما تعود عليه من ناعم الفراش، ومن السكن وقت السكن، والراحة وقت الراحة، يغير الإنسان فيه مطعمه ومشربه ونومه، يخلف فيه أهلا ومالا ووطنا وأصحابا ومن يعز عليه فراقه، يحمل فيه بين جوانحه هم ما يقصده من مجهول مكسب أو خسارة، وما قد يتعرض له في رحلته من أخطار، ومن نوائب الدهر، ومن مجهول الزمان والمكان والمتعاملين، فما أشق السفر على النفس وعلى البدن، وما أصعبه على المقيم الآمن القانع.

رخص الله الفطر في رمضان للمسافر، ورخص له الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ورسم للمسافر آدابا في ذهابه وغيابه وعودته، آدابا تراعي حقوقه، وحقوق المتعاملين معه، والمحيطين به، وتوابعه، حتى توابعه من الحيوان.

ص: 599

إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه، فإذا ركبتم في سفركم دابة فارفقوا بها، طعاما وشرابا وراحة سير، فإذا كانت الأرض في طريقكم مخضرة وكلأ مباحا فأعطوا دوابكم حظها من الطعام والشراب، وقللوا بها السير لترعى، وإذا كانت الأرض جدباء فأسرعوا السير في حدود طاقة دوابكم، لتصلوا مقصدكم قبل أن ينهكها الجوع والعطش وطول السير.

فإذا أردتم النزول ليلا للنوم والراحة فلا تضربوا منازلكم في طريق الناس، وانحرفوا عن الطريق إلى الأرض المجاورة الصالحة للنزول، فإن الطرق في أواخر الليل يسعى إليها الزواحف السامة المؤذية والسباع المتوحشة، لتلتقط منها ما عساه يتخلف عن المسافرين من مأكول، فالنوم في طريق الناس آخر الليل يضيق على الناس، ويعرضكم للأذى.

وإذا قضى أحكم حاجته التي سافر من أجلها فليعجل العودة إلى أهله، ليتخلص من عذاب السفر، وليريح أهله ومن غاب عنهم من آلام غيبته.

وإذا رجع مسافركم إلى بلد إقامته فلا يفاجئ أهله بالوصول بعد طول غيبة، بل يخطرهم بموعد وصوله قبل الوصول بزمن تستعد فيه الزوجة للقائه بما ينبغي له من النظافة والزينة، حتى لا يرى ما يكره، وحتى لا تنفر نفسه من أهله، ولئلا يرى شيئا يريب، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فنعم الإسلام ونعم آداب الإسلام في الحل والترحال.

-[المباحث العربية]-

(إذا سافرتم في الخصب) بكسر الخاء وسكون الصاد، وهو كثرة العشب والمراعي، وهو ضد الجدب، يقال: خصب المكان، بكسر الصاد يخصب بفتحها، وأخصب المكان، وأخصب الله المكان، فالمكان خصب وخصيب، والمعنى إذا سافرتم بالإبل في أرض كثيرة المرعى.

(فأعطوا الإبل حظها من الأرض) في رواية أبي داود "فأعطوا الإبل حقها" أي فقللوا السير واتركوا الإبل ترعى في بعض النهار، وأثناء السير، فتأخذ حظها من الأرض، بما ترعاه منها.

(وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير) المراد بالسنة هنا القحط، وهي بفتح السين والنون، وجمعها سنون وسنوات، ومنه قوله تعالى {ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين} [الأعراف: 130] أي بالقحط، أي إذا سافرتم بالإبل في الجدب والقحط فعجلوا السير، وفي الرواية الثانية "وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها" بكسر النون وسكون القاف، وهو المخ، مخ العظم، والنقو بكسر النون وفتحها كل عظم ذي مخ، والجمع أنقاء، أي إذا سافرتم بالإبل في أرض جدبة فأسرعوا السير، لتحتفظوا بمخ عظامها، وتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها، فتقليل السير بها في الأرض الجدبة يلحقها الضرر، لأنها لا تجد ما ترعاه، ويطول بها الزمن، فتضعف، ويذهب نقيها ومخ عظامها، وربما كلت وتعبت وتوقفت، فعليكم بالرفق، وقد جاء صدر هذا الحديث عند مالك في الموطأ بلفظ "إن الله

ص: 600

تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم، فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها ببقيها" أي اطلبوا السرعة من تلك الأرض بسرعة السير عليها مادامت الإبل بنقيها وشحمها.

(وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق) قال أهل اللغة: التعريس النزول في أواخر الليل للنوم والراحة، هذا قول الخليل والأكثرين، وقال بعضهم: هو النزول، أي وقت كان، من ليل أو نهار، ويقال: أعرس المسافرون، وعرسوا بتشديد الراء، إذا نزلوا للراحة آخر الليل، وهو المراد هنا.

(فإنها مأوى الهوام بالليل) الهوام بتشديد الميم جمع هامة، وهي كل ذي سم يقتل سمه وتطلق على الدابة، أي لا تضربوا خيامكم في آخر الليل على الطريق، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق، لسهولتها، ولتلتقط منها ما يسقط من المسافرين من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمة وبقايا لحم، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد في نزوله عن الطريق، وفي رواية أبي داود "وإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق" أي اجتنبوه، يقال: نكب عنه بفتح النون والكاف ينكب بضم الكاف نكبا بسكونها إذا مال عنه واعتزله، وتنكب فلان فلانا، إذا أعطاه منكبه وأعرض عنه.

(السفر قطعة من العذاب) أي جزء منه، والمراد من العذاب الألم الناشئ عن المشقة.

(يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه) أي يمنعه كما لها ولذيذها، لا أصلها، فعند الطبراني "لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه" والجملة تعليل لما قبلها، أي استئناف تعليلي، كأنها جواب عن سؤال بلفظ "لم"؟ وقد جاء بصيغة التعليل في رواية سعيد المقبري، ولفظها "السفر قطعة من العذاب، لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه" وعند ابن عدي "وأنه ليس له دواء إلا سرعة السير". وذلك لما في السفر من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والسير بالليل، والخوف على الأموال والأهل، ومفارقة الوطن والأصحاب، ومألوف الراحة.

(فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله)"نهمته" بفتح النون وسكون الهاء، أي حاجته "من وجهه" أي من مقصده، وعند ابن عدي "إذا قضى أحدكم وطره من سفره" وفي رواية "فإذا فرغ أحدكم من حاجته" وفي رواية "فليعجل الرجوع إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الكرة إلى أهله" وفي رواية "فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره" والمقصود تعجيل الرجوع إلى الأهل بعد قضاء الشغل، ولا يتأخر بما ليس له بمهم.

(كان لا يطرق أهله ليلا) أي في الليل.

(وكان يأتيهم غدوة أو عشية) أي أول النهار، أو آخره، أوائل الليل، والعشى والعشية من الزوال إلى المغرب، أو من صلاة المغرب إلى العتمة، ولهذا فسر قوله في الرواية الخامسة "أمهلوا حتى ندخل ليلا" بقوله: أي عشاء. قال أهل اللغة: الطروق بضم الطاء المجيء بالليل من سفر أو غيره على

ص: 601

غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازا، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق، لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا، لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، فلما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي فيه طارقا، وأيا كان أصل الطروق فالمراد به هنا الدخول على الأهل بغتة على غفلة بعد غيبة، ففي الرواية السابعة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا" قال الحافظ ابن حجر: والتقييد بطول الغيبة يشير إلى علة النهي، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلا، لا يتأتى له ما يحذر، من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبه، من التنظف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع يحرص على الستر، وإلى ذلك أشار بقوله "يتخونهم ويتطلب عثراتهم" فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا، مثلا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق حديث ابن عمر، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة، فقال:"لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون".

وضمير الجمع في "كان يأتيهم" للأهل، وكان حقه أن يقول "كان يأتيهن" ولعله غلب عليهن جماعة الذكور، كقوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33].

(كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) يقال: مشط الشعر بفتح الشين، يمشط بضمها، إذا رجله، ويقال: مشطت الماشطة المرأة إذا سرحت شعرها بالمشط، وامتشطت المرأة، أي مشطت شعرها. و"الشعثة" بفتح الشين وكسر العين وفتح الثاء التي تغير شعرها واتسخ وتلبد، والاستحداد استفعال، من استعمال الحديدة، وهي الموسى، أي الحلق بآلة حادة، و"المغيبة" بضم الميم وكسر الغين التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها، فهي مغيب ومغيبة، والمراد أن تزيل المرأة التي غاب عنها زوجها شعر سوأتيها بأية طريقة، استعدادا لزوجها.

(يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) أي يكتشف هل خانوا؟ أم لا؟ شكا فيهم، أو ظنا سيئا بهم، وفي رواية "أو يطلب عثراتهم" والعثرات بفتح العين والثاء جمع عثرة، وهي الزلة، وعند أحمد "لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".

وكان الظاهر أن يقول "يتخونهن، أو يلتمس عثراتهن" بضمير غيبة جماعة الإناث، لكن الوارد في الصحيح بضمير جمع الذكور الغائبين، وله توجيهه، لكن قال ابن التين: الصواب بالنون فيهما.

وهذه الجملة مختلف في رفعها، قيل: مدرجة، وقيل مرفوعة، لذا شك سفيان في رفعها، كما جاء في ملحق الرواية الثامنة.

ص: 602

-[فقه الحديث]-

في هذه الأحاديث جملة من آداب السفر، وهي:

1 -

استحباب تعجيل الرجوع إلى الأهل، بعد قضاء المصلحة، فالسفر غالبا فيه مشقة وخشونة عيش، ومقاساة شدائد، وبعد عن الأهل والمال والأوطان.

وقد ذكر البخاري حديث "السفر قطعة من العذاب" في أواخر أبواب الحج والعمرة، قال ابن المنير: أشار البخاري بذلك إلى أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون البخاري أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة، بلفظ "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله".

قال الحافظ: وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، لما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات، والقوة على العبادة.

قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا "سافروا تصحوا" فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة، أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر، المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة.

واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني، لأنه قد أمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، قال الحافظ ابن حجر: ولا يخفى ما فيه.

2 -

وفي الرواية الأولى والثانية جملة من آداب السير والنزول، والحث على الرفق بالدواب، ومراعاة مصلحتها، وفي معنى ذلك السيارات ونحوها.

3 -

وفي الرواية الرابعة وما بعدها أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة، لتتأهب له ولئلا يرى منها ما يكره، وفي ذلك الحث على التواد والتحاب، خصوصا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهي عن الطروق ليلا، لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى.

قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في النهي عن تغيير الخلقة.

قال: وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب ظن السوء بالمسلم.

والله أعلم.

ص: 603