الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-4-
التشكيلات الخماسية والتساعية:
جاء الشعر الحر بالحرية وأصبح في مقدور الشاعر أن يزيد التفعيلات في الشطر وينقصها كما يشاء وفق القيود والشروط التي ذكرناها في الفصول السابقة. وقد أدى ذلك إلى أن ينظم الشعراء أشطرًا تتنوع أعداد تفعيلاتها من الواحدة إلى العشر. وكان أن جابهنا في الشعر العربي الأشطر ذات الخمس تفعيلات.
ونحن حريون أن ننبه أولًا إلى أن الشعر العربي، في مختلف عصوره، لم يعرف الشطر ذا التفعيلات الخمس، وإنما كان الشطر يتألف إما من تفعيلتين كما في الهزج والمجتث والمضارع، أو من ثلاث كما في الرجز والرمل والكامل، أو من أربع كما في الطويل والبسيط والمتقارب والخبب. وعند هذا وقف الشاعر، فلم نقرأ له أشطرًا ذات خمس تفعيلات إطلاقًا.
وأما في المجزوء فإن طول الشطر لم يزد على تفعيلتين أو ثلاث. وعندما يكون الشطر المجزوء مدورًا فإن طول الشطر يصبح -في الواقع لا في الاعتبار- ست تفعيلات وإن سميناه بيتًا؛ لأن المدور، في حقيقته، شطر لا شطران. وهذا قد كان الطول الأقصى للشطر العربي.
وجاء المعاصرون وتناولوا الحرية التي أباحها لهم الشعر الحر فخرجوا على قانون الأذن العربية ونظموا أشطرًا ذات خمس تفعيلات. وكان ينبغي لهم، إذ ذاك، أن يتوقفوا ويدرسوا هذه المسألة ويقرروا مدى نجاحها. فلماذا لم يكتب العرب شعرًا خماسي التفعيلات على الإطلاق؟ أو كان ذلك مصادقة واعتباطًا؟ أم أن للعدد خمسة صفة تجعله لا يصلح في شعر لدن ذي إيقاع؟ على أن المعاصرين، شعراء ونقادًا، لم يعنوا ببحث هذه الأسئلة ولم يقفوا عندها. لا بل إن مجابهتنا بالأشطر الخماسية لم تُثر أي صدى فكأن العرب قد ألفوا ذلك. ومضى الشعراء يكتبون أشطرًا خماسية دونما تعليق.
وكان ذلك كله ينم عن الإهمال، إهمال من الشعراء الذين يكتبون بأسلوب جديد فلا يعنون حتى بالإشارة إلى ذلك، وإهمال من النقاد الذين تمر بهم ظاهرة كهذه فلا تلفت أنظارهم. وإنما كان ينبغي أن تدرس القضية فإما أن تُقر باعتبارها تجديدًا يقبله الذوق المعاصر، أو أن ترفض لأنها نشاز موسيقي تأباه الأذن العربية. ولعلنا نعتب على العروضيين أكثر مما نعتب على سواهم، لما في أيديهم من سبل النقد الشعري وما لهم في أنفسنا من ثقة. على أن أكثرهم فيما نعلم قد استكبر أن ينظر في الشعر الحر، وأنف أن يعده شعرًا بحيث ينزل إلى نقده بمقاييس العروض الصلدة، ومن ثم فماذا يعنيه أن ترد فيه خمس تفعيلات أو لا ترد؟ ومهما تكن الأسباب، فإن الشعراء راحوا يقعون في الشطر الخماسي دون أن ينتبهوا إلى شناعة وقعه في السمع وقبح إيقاعه.
هذا نموذج من قصيدة لفدوى طوقان سبق أن اقتبسنا منها1:
تحبني صديقي المقرب
"أربع تفعيلات":
صداقة حميمة تشدني إليك من سنين
"خمس":
1 قصيدة "تاريخ كلمة" لفدوى طوقان. مجلة الآداب العدد الخامس. أيار 1961.
وقولها في القصيدة نفسها:
قبلك من سنين من سنين
"ثلاث":
نشدتها مذ كنت طفلة حزينة مع الصغار
"خمس":
وحين فتحت براعمي ورعرع الصبا النضير
"خمس":
وضمخ الجواء بالعبير
ومثل ذلك في قصيدة عنوانها "جيكور والمدينة" لبدر شاكر السياب1:
تقول يا قطار يا قدر
"ثلاث":
قتلت إذ قتلته الربيع والمطر
"أربع":
وتنشر الزمان والحوادث الخبر
"أربع":
والأم تستغيث بالمضمد الخفر
"ثلاث":
أن يرجع ابنها يديه، مقلتيه، أيما أثر
"خمس"
وترسل النواح يا سنابل القمر
"أربع":
لعل هذه النماذج تخبرنا هي نفسها لماذا لم يرتكب العرب الوقوع في التفعيلات الخماسية، ذلك أنها تبدو قبيحة الوقع، عسيرة على السمع، بحيث لا نحتاج إلى أكثر من إيرادها للتدليل على ضرورة تحاشيها.
ومما لا يقبل كذلك استعمال تشكيلة ذات تسع تفعيلات، ومثالها قصيدة لخليل الخوري، من المتقارب. قال2:
تمر ليال أحس بها أنني لن أكحل جفني بمرأى الصباح
ليالٍ أرى الموت فيها على قاب قوس وأدنى يمد إليَّ الجناح
وأسمع دقات قلبي مجنونة كالرياح كعصف الرياح
1 قصيدة "جيكور والمدينة" لبدر شاكر السياب. مجلة شعر. العدد 7-8 صيف 1998 وخريفها.
2 قصيدة "تمر ليال" لخليل الخوري. مجلة الآداب. آذار 1959.
يرد صداها جدار الظلام ويذرو حبيباتها فهي رجع نواح
فأبسم مستسلمًا غير أني إذا ما أطل على الكون فجر ولاح
أراني ما زلت أحيا كما كنت لا الموت جاء ولا ثار حولي الصياح
إن كل شطر في هذه القصيدة ذو تسع تفعيلات وهو -كما نظن أن القارئ يقرنا عليه- أطول مما ينبغي لشطر واحد. وليس لنا مفر من أن نعده شطرًا واحدًا لأن العدد تسعة لا ينقسم على اثنين بحيث نستطيع أن نرصفه على شطرين فنخفف بذلك من ثقله. ولقد كنا نستطيع أن نقسمه على ثلاثة أشطر ولو أن الشاعر أراد ذلك وأحدث له الوقفات اللازمة في ثنايا الشطر. والواقع أن قابلية العدد تسعة للقسمة على ثلاثة تجعل إطالة الشطر إليه أمرًا غير مقبول، فماذا كان يضير الشاعر أن يقول هذا مثلًا:
فأبسم مستسلمًا غير أني إذا ما أطل
…
على الكون فجر ولاح
أراني ما زلت أحيا كما كنت لا الموت جاء
…
ولا ثار حولي الصياح
إن ثقل التفعيلات التسع يأتي من ناحيتين: أولاهما أن العرب لم يكتبوا شطرًا مدورًا أطول من ثماني تفعيلات، وثانيهما أن الرقم تسعة هو نفسه ثقيل الوقع في السمع، كالرقم خمسة تمامًا. فليس الطول وحده هو الثقيل فيه، وإنما لأنه أيضًا ذو تسع تفعيلات.
أما السبب في كون العددين خمسة وتسعة لا يردان في الشعر العربي فلعله يحتاج إلى دراسة للمقاطع تكشف السر فيه.
ملاحظة ختامية:
نبه أكثر من أديب إلى أنني أنا نفسي أستعمل التشكيلات الخماسية في
شعري، وقد أدهشني هذا فرجعت إلى قصائدي فإذا الأمر صحيح. ومن ثم فإن الظاهر أنني مجزأة إلى جانبين: جانب مني ذهني يرفض كل تشكيلة خماسية رفضًا كاملًا، وجانب مني سمعي يتقبلها ولا يرى فيها ضيرًّا. أو نقل أن الناقدة فيَّ تفرض، والشاعرة تتقبل.
ولقد أجريت تجربة عام 1968 فنظمت قصيدة مقطوعية كل أشطرها خماسية وعنوانها "ضوء القمر" وقد نشرتها مجلة في القاهرة أظن اسمها كان "مجلة الشعر" ورئيس تحريرها صلاح عبد الصبور، وقد صدر منها عدد واحد وتوقفت. ولكني ما زلت أنفر من هذه القصيدة ولا أحبها بسبب خماسية تفعيلاتها، وقد رفضت أن أدخلها مجموعاتي الشعرية المطبوعة. بعد هذا، سأترك الشعراء والقراء يحكمون في قضية التشكيلات الخماسية بما يرونه مناسبًا، ما دمت قد أعلنت حقيقة موقفي إعلانًا أمينًا.