الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: أصناف الأخطاء العروضية
مدخل
…
الفصل الثاني: أصناف الأخطاء العروضية.
نحاول في هذا الفصل أن نصنف الأخطاء العروضية التي يقع فيها الشعراء في شعرهم الحر وندرسها دراسة قصيرة بمقدار ما يتسع المقام، مستعينين في ذلك بالأمثلة.
وقد رأيت، بعد دراسة بطيئة متمهلة لما يُنشر من الشعر الحر، أن الأخطاء الشائعة فيه يمكن أن تصنف إلى أربعة أصناف بارزة هي:
أ- الخلط بين التشكيلات.
ب- الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا.
ج- أخطاء التدوير.
د- اللعب بالقافية وإهمالها.
وسوف نقف عند كل صنف من هذه الأصناف وقفة متمهلة.
أ-
الخلط بين التشكيلات:
لعلنا جميعًا، قراءً ونقادًا، وشعراء، نتفق على أن الأبيات التي
تخرج عن الوزن في قصيدة ما تجرح أسماعنا وتجعلنا نضيق بالقصيدة ونرفض أن نتم قراءتها. والواقع أن هذا هو السبب الذي يجعل الجمهور يقف من الشعر الحر موقف النفور والرفض. إن هذا الشعر يحتوي على نسبة عالية من النشاز الموسيقي وأغلاط الوزن. ولذلك فإن القارئ، مهما كان ضعيف القدرة على تحسن الوزن، يشعر بالضيق حين يقرأ القصائد الحرة التي يتعثر ناظمها في الوزن.
ويكاد الخلط بين التشكيلات يكون أفظع أنواع الغلط وأكثرها شيوعًا في الشعر الحر. وأساس هذا الخطإ أن كثيرًا من الشعراء والناظمين، وأكثرهم ناشئون، قد حسبوا أن مسألة ارتكاز الشعر الحر إلى "التفعيلة" بدلًا من "الشطر" إنما تعني أن في وسع الشاعر أن يورد أية تفعيلة في ضرب القصيدة ما دام يحفظ وحدة التفعيلة في الحشو. فإذا كان ينظم قصيدة من بحر الرجز تجري هكذا:
مستفعلن مستفعلن مفعولن
ظن أن من السائغ له أن يخرج عنه إلى أية تشكيلة أخرى من تشكيلات الرجز المباحة مثل هذه:
مستفعلن مستفعلن فعلن
وهذا خطأ، كما سبق أن أوضحنا. نعم، إن التشكيلتين كلتيهما تنتميان إلى بحر الرجز، ولكن العرب لم يستعملوا أكثر من تشكيلة واحدة في القصيدة الواحدة.
وكان منشأ هذه "الكبوة" التي وقع فيها شعراؤنا المعاصرون أنهم ظنوا أن البحور الشعرية تصبح في الشعر الحر متجاوبة مع تشكيلاتها جميعًا بحيث يصح المزج بينها. وكذلك فسروا "الحرية" في هذا الشعر الجديد، وكذلك خرجوا على الأذن العربية فكان لا بد للقراء المتذوقين أن ينصرفوا عن قراءة هذا الشعر.
الحق أن الشاعر الأصيل الذي أرهف سمعه بالإغراق في قراءة الشعر العربي لا يمكن أن يقع في المزج بين التشكيلات في قصيدة واحدة، وإنما وقع مثل ذلك لدى شعراء موهوبين لأنهم، فيما نظن، أسكتوا صوت فطرتهم الشعرية وانساقوا مع تجديد حسبوه منطقيًّا. ولقد شجع خطأ الواحد منهم أخطاء الآخرين ونصرها، فكان الشاعر منهم يشيح عن صوت نفسه المرهفة التي تأبى عليه المزج بين المتنافر، لمجرد أن شاعرًا آخر منهم قد ارتكب ذلك المزج.
وقد تكون أسباب الخلط غير هذه لدى شعراء آخرين. إن من الشعراء المعاصرين في وطننا العربي من ينقصهم التمرين، ومنهم ناظمون لا يرتفعون إلى مستوى الشعر، وكلا الطائفتين معرضة إلى أن ترتكب الأخطاء. ونحن في عصر بات ازدراء العروض فيه يعتبر صفة ملازمة للشاعر الموهوب. وقد شاعت مثل هذه النظريات المضللة شيوعًا عظيمًا بين الناس.
وكانت نتيجة هذا كله أن الشعر الحر غص بالخلط بين التشكيلات، ووقع مثل ذلك حتى لدى شعراء مارسوا النظم بأسلوب الشطرين طويلًا مثل سليمان العيسى ونزار قباني وفدوى طوقان وهم جميعًا شعراء ذوو وزن. وهذه فدوى مثلًا في قصيدة لها، وزنها الرجز افتتحتها قائلة:
تحبني صديقي المقرب الأثير1؟
مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعول
وقد كان ينبغي لها، حسب قانون الأذن العربية، أن تقصر حرية القصيدة على التلاعب بعدد تفعيلات الحشو الموحدة "مستفعلن"، مع إثبات التفعيلة الأخيرة الشاذة "فعول" بحيث ترد في آخر كل شطر من القصيدة2.
1 قصيدة "تاريخ كلمة" لفدوى طوقان. مجلة الآداب أيان 1961.
2 لا يفوتني أن أقر هنا بأنني لم أعد أومن بهذا القانون أو أراه ملزمًا للشعراء.
على أن فدوى لم تفعل ذلك. وإنما راحت تعبث بكل من الحشو والضرب، خلافًا للقاعدة العربية، فضاع الوزن وأصبحت القصيدة مجموعة من تشكيلات الرجز كما نرى من الفقرة التالية منها. وسوف نكتفي بأن نثبت تفعيلة الضرب ما دامت تفعيلة الحشو ثابتة لا تتغير وهي "مستفعلن":
وكنت في يأسي أمد خلفها اليدين
"فعولْ":
أود لو بلغتها، لمستها حقيقة
"مستفعلن":
شيئًا يُمس صدقه بالراحتين
"مستفعلان":
كانت سرابًا في سراب
"مستفعلان":
الحب عند الآخرين جف وانحصر
"فَعِلْ":
معناه في صدر وساق1
"مستفعلان":
ما معنى هذا؟ أن الشاعرة قد جمعت بين أربع تشكيلات لم يجمع بينها العرب قط. وإنما كانت القصيدة الواحدة تستعمل تشكيلة واحدة لا تتعداها وحين تقع علة في ضرب القصيدة، سواء أكانت علة نقص أم علة زيادة، فإنها تتكرر بعد ذلك في كل شطر من أشطر القصيدة وتصبح قانونًا. وعلى ذلك تبدو أبيات فدوى مصابة باختلال وما من عروضي يستطيع أن يقبلها. لا بل إن فدوى نفسها، بحسها الشعري الرقيق، لو أعطت فطرتها الحكم، لشطبت هذا الخروج وأبت أن تقع فيه. والواقع أننا لا نجد له مثيلًا في قصائدها ذات الشطرين أو ذات الشطر الثابت الطول.
1 سبق أن قلنا، في بحث سابق أن "مستفعلان" لا ترد في ضرب الرجز قط فاستعمالها هنا خطأ عروضي.