الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحق أن البياتي لا يسامح على هذا. فإنه ذو شاعرية غنية لا تبيح له التهاون. ولعل مبالغته في استعمال التكرار في بعض قصائده توقعه في مزالق هو في غنًى عنها. ومثل هذا يقع لكثير من الشعراء الجدد الذين لا يدركون أن التكرار، ككل أسلوب شعري، يجب أن يرد في مكانه من البيت حيث يستدعيه السياق النفسي والجمالي والهندسي معًا وإلا أضر بالقصيدة.
تكرار التقسيم:
وأما تكرار التقسيم فنعني به تكرار كلمة أو عبارة في ختام كل مقطوعة من القصيدة. ومن النماذج المشهورة له قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبي ماضي وقصيدة "المواكب" لجبران، و"أغنية الجندول" لعلي محمود طه، و"النهر الخالد" لمحمود حسن إسماعيل. والغرض الأساسي من هذا الصنف من التكرار إجمالًا أن يقوم بعمل النقطة في ختام المقطوعة ويوحد القصيدة في إتجاه معين. وإنما تنصب عناية الشاعر هنا على ما قبل الكلمات المكررة لأن التكرار لم يعد هو المهم في القصيدة بطبيعة كونه يتكرر كثيرًا، وكأن التكرار يفقده "بيانيته" إذا صح التعبير.
ومن هذا الصنف نوع يرد فيه التكرار في أول كل مقطوعة ومنه قصيدة عبد الوهاب البياتي "غيوم الربيع"1 وقصيدتي "أنا"2 والتكرار هنا يؤدي وظيفة افتتاح المقطوعة ويدق الجرس مؤذنًا بتفريغ جديد للمعنى الأساسي الذي تقوم عليه القصيدة.
وأكثر ما تنجح هذه القصائد في الموضوعات التي تقدم فكرة أساسية.
1 ملائكة وشياطين، لعبد الوهاب البياتي "بيروت 1950" ص50.
2 شظايا ورماد، لنازك الملائكة. الطبعة الأولى – بغداد 1949 ص97.
يمكن تقسيمها إلى فقرات يتناول كل منها حلقة صغيرة جديدة في المعنى. فالتكرار يساعد الشاعر على إقامة وحدات صغيرة في داخل الإطار الكبير.
وأما القصائد التي تقدم فكرة موحدة متسلسلة تبلغ قمة ثم تنحل وتتلاشى فهي تخسر كثيرًا باستعمال تكرار التقسيم، وذلك لأن طبيعة هذا التكرار تتعارض مع الوحدة العامة للقصيدة حتى يكاد كل تكرار يصبح وقفة صارمة لا يستطيع الشاعر تجاوزها. وقد سبق لنا أن وقفنا عند قصيدة بدر شاكر السياب "سجين" التي فشل فيها التكرار فشلًا ذريعًا بسبب لجوئه إلى تكرار التقسيم دونما غرض فني، ودونما مراعاة للوقفات الصارمة التي أحدثها هذا التكرار في المقطوعات في قصيدة كان ينبغي أن تتسلسل وتمتلك ذرة شعورية تصلها دونما تقطيع مفتعل.
ومن الوسائل التي تساعد على تكرار التقسيم وتنقذه من الرتابة أن يدخل الشاعر تغييرًا طفيفًا على العبارة المكررة في كل مرة يستعمل فيها وبذلك يعطي القارئ هزة ومفاجأة. ونموذج هذا قصيدة محمود حسن إسماعيل "خمر الزوال"1 وهي تبدأ هكذا:
لا تتركيني في ضلال
…
بين الحقيقة والخيال
إني شربت على يديك
…
مع الهوى خمر الزوال
ويرد التكرار في ختام المقطوعة الأولى على النحو التالي:
لا تتركيني زلة في الأرض تائهة المتاب
إني شربت على يديك مع الهوى خمر العذاب
ومما تجدر الشاعر ملاحظته أن التكرار يجنح بطبيعته إلى أن يفقد الألفاظ أصالتها وجدتها ويبهت لونها ويضفي عليها رتابة مملة، ومن ثم فإن العبارة المكررة ينبغي أن تكون من قوة التعبير وجماله ومن الرسوخ والارتباط
1 أين المفر، محمود حسن إسماعيل "القاهرة 1948" ص129.
بما حولها بحيث تصمد أمام هذه الرتابة. والحق أن التكرار عدو البيت الرديء فهو يفضح ضعفه ويشير إليه صائحًا. وهذه الخاصية المعرقلة "بكسر القاف" في التكرار تصبح أوضح في تكرار التقسيم الذي يختلف عن سائر الأصناف في أنه يتكرر كثيرًا وقد يصبح أشبه بدقات ساعة رتيبة مملة إذا لم ينتبه الشاعر. وخير مثال لهذا التكرار الهزيل الذي ارتكزت إليه القصيدة الخلابة "النارنجة الذابلة" لمحمد الهمشري وقد جرى هكذا:
كانت لنا يا ليتها دامت لنا
أو دام يهتف فوقها الزرزور1
فبالمقارنة مع المقطوعات الجميلة التي غصت بها هذه القصيدة الموهوبة نجد البيت المكرر متنافر الحروف رديء السبك بحيث يسيء إلى القصيدة كلها. ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء في هذا الباب أن ينتقوا العبارة المكررة على أساس غنائي. وقد صنع علي محمود طه هذا في عدد من قصائده مثل "سيرانادا مصرية"2 حيث كرر هذا البيت:
ألا فلنحلم الآن فهذي ليلة الحب
ومثل "من ليالي كيلوبترا"3 حيث كرر هذا البيت:
يا حبيبي هذي ليلة حبي
آه لو شاركتني أفراح قلبي
ومثل "أندلسية"4 حيث كرر هذا الشطر:
فاسقنيها أنت يا أندلسيه
1 "الروائع لشعراء الجيل" ج1 - محمد فهمي. "القاهرة" ص12.
2 ليالي الملاح التائه "القاهرة 1940" ص73.
3 زهر وخمر "القاهرة 1943" ص6.
4 شرق وغرب "القاهرة 1947" ص53.