الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك أن السنن الوحيدة الموجودة هي قصائد الآخرين، وهي مازالت قليلة نسبيًّا. والمعروف أن الشاعر الذي يعجب بوزن قصيدة من القصائد فيعارضه لا يستطيع أن ينجو من السقوط في "معارضة" معانيها وجوها وحتى سقطاتها أيضًا. وقد كان هذا أحد وجوه الخطر الكثيرة التي تضمنتها حركة الشعر الحر حين قيامها أول مرة. وما لبثت مظاهره حتى بدأت تلوح على بعض الشعر الحر الذي ينظمه الناشئون، فلم يعد من النادر أن تتشابه قصائد الشعراء في موضوعاتها وألفاظها وأجوائها وأخيلتها. وأن الخطأ في شعر الواحد ليسري سريانًا مدهشًا في شعر الآخرين وكأنه بات سنة تُحتذى لا خطأ ينبغي تحاشيه.
على أن مشكلات حركة الشعر لم تقتصر على مزالق الظروف وإنما جاءتها من جهات أخرى سندرسها في الفقرة التالية.
المزايا المضللة في الشعر الحر:
تبدو الأوزان الحرة، وكأنها تمتلك مزايا عظيمة تسهل على الشاعر مهمة التعبير، وتهيئ له جوًّا موسيقيًّا جاهزًا يستطيع أن يمنحه قصيدته دونما جهد كبير. والحقيقة أن سرعان ما يكتشفها كل شاعر ناضج لا تخدعه المظاهر، أن ما يبدو لنا أول وهلة مزايا في الأوزان الحرة ينقلب حين نتفحصه إلى مزالق خطرة. وهذه المزالق قادرة على أن تخلق من إمكانيات الابتذال والرخاوة في الشعر الحر ما هو خليق بأن يسبب للشاعر قلقًا محقًّا على شعره. أن أقل تهاون من جانب الشاعر يكفي لدفع القصيدة إلى درك الابتذال وعامية اللين.
وسوف نتناول هذه المزايا الخادعة في الشعر الحر فيما يلي وهي ثلاث:
"أولًا" الحرية البراقة التي تمنحها الأوزان الحرة للشاعر. والحق أنها حرية خطرة. أن الشاعر يلوح معها غير ملزم باتباع طول معين لأشطره، وهو كذلك غير ملزم بأن يحافظ على خطة ثابتة في القافية. فما يكاد يبدأ قصيدته حتى تخلب لبه السهولة التي يتقدم بها، فلا قافية تضايقه ولا عدد معينًا للتفعيلات يقف في سبيله، وإنما هو حر، حر، سكران بالحرية، وهو، في نشوة هذه الحرية، ينسى حتى ما ينبغي ألا ينساه من قواعد، وكأنه يصرخ بآلهة الشعر:"لا نصف حرية أبدا. إما الحرية كلها أو لا! " وهكذا ينطلق الشاعر حتى من قيود الاتزان ووحدة القصيدة وأحكام هيكلها وربط معانيها، فتتحول الحرية إلى فوضى كاملة.
"ثانيًا" الموسيقية التي تمتلكها الأوزان الحرة، فهي تساهم مساهمة كبيرة في تضليل الشاعر عن مهمته. أنها سعلاة الشعر الحر الخفية، وفي ظلها يكتب الشاعر أحيانًا كلامًا غثًّا مفككًا دون أن ينتبه؛ لأن موسيقية الوزن وانسيابه يخدعانه ويخفيان العيوب. ويفوت الشاعر أن هذه الموسيقى ليست موسيقى شعره وإنما هي موسيقى ظاهرية في الوزن نفسه، يزيد تأثيرها أن الأوزان الحرة جديدة في أدبنا ولكل جديد لذة. وعلى هذه الصورة تنقلب موسيقية الأوزان الحرة وبالًا على الشاعر، بدلًا من أن يستخدمها ويسخرها في رفع مستوى القصيدة وتلوينها.
"ثالثًا" التدفق، وهي مزية معقدة تفوق المزيتين السابقتين في التعقيد. وينشأ التدفق عن وحدة التفعيلة في أغلب الأوزان الحرة، فإنما يعتمد الشعر الحر على تكرار تفعيلة ما مرات يختلف عددها من شطر إلى شطر. وهذه الحقيقة تجعل الوزن متدفقًا تدفقًا مستمرًا، كما يتدفق جدول في أرض منحدرة، وهي كذلك مسئولة عن خلوه من الوقفات. والوقفات، كما يعلم الشعراء، شديدة الأهمية في كل وزن، ولا يدرك الشاعر مدى
ضرورتها إلا حين يفتقدها في الشعر الحر. أنه إذ ذاك مضطر إلى مضاعفة جهده، وحشد قواه لتجنب "الانحدار" من تفعيلة إلى تفعيلة دونما تنفس. ولنلاحظ أسلوب الوقوف في أوزان الخليل ونقارنه بما يقدمه الشعر الحر من إمكانيات في هذا الباب.
إن البحور الستة عشر ذات الشطرين، تقف عند نهاية الشطر الثاني من البيت وقفة صارمة لا مهرب منها، فتنتهي الألفاظ وينتهي المعنى وتقوم حدود البيت واضحة فتميزه عن البيت التالي وكلنا يعلم أن استقلال البيت كان يعد فضيلة القصيدة لدى العرب القدماء، بحيث كانوا يعتبرون "التضمين" عيبًا فادحًا. والتضمين هو ارتباط آخر البيت المقفى بأول البيت التالي إعرابيًّا ومعنويًّا. وهو معيب حتى في شعر الشطرين المعاصر ومنه قول الشاعر بدوي الجبل في مرثيته الجميلة للملك غازي الذي قاوم الاستعمار البريطاني في العراق وتحداه، فقتله نوري السعيد سنة 1939
…
قال بدوي الجبل:
خضبت عرة الصباح فقد نـ
…
ـم عليها بالعطر والتوريد
قدر أنزل الكمي عن السر
…
ج وألوى بالفارس المعدود
فقد جاءت كلمة "قدر" في أول البيت الثاني مع أنها فاعل الفعل "نم" في البيت الأول، وهذا هو التضمين.
كل هذا جار في شعر الشطرين الخليلي الذي يتمسك أشد التمسك باستقلال البيت. أما الشعر الحر الذي تكون وحدته التفعيلة فإنه يتعمد تحطيم استقلال الشطر تحطيمًا كاملًا، لذلك لا نجد له وقفات ثابتة حتى مع وجود القافية في نهاية كل شطر، وإنما يترك الشاعر حرًّا يقف حيث يشاء.
ومعنى ذلك أن الشاعر، في الشعر الحر، ليس ملزمًا أن ينهي المعنى والإعراب عند آخر الشطر، وإنما يجعل من حقه أن يمدهما إلى الشطر التالي أو ما بعده. وعلى هذا تترك مسألة الوقوف للشاعر يتصرف فيها بما يملي