المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: الناقد العربي والمسؤولية اللغوية - قضايا الشعر المعاصر

[نازك الملائكة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول: في الشعر الحر

- ‌الباب الأول: الشعر الحر باعتباره حركه

- ‌الفصل الأول: بداية الشعر الحر وظروفه

- ‌البداية

- ‌الظروف:

- ‌المزايا المضللة في الشعر الحر:

- ‌نتائج التدفق في الأوزان الحرة:

- ‌الخواتم الضعيفة للقصائد الحرة:

- ‌عيوب الوزن الحر:

- ‌إمكانيات الشعر الحر ومستقبله:

- ‌الفصل الثاني: الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر

- ‌مدخل

- ‌الشعر الحر اندفاعة اجتماعية:

- ‌الباب الثاني: الشعر الحر باعتباره العروضي

- ‌الفصل الأول: العروض العام للشعر الحر

- ‌توطئة:

- ‌ الشعر الحر أسلوب

- ‌تغعيلات الشعر الحر

- ‌ بحور الشعر الحر وتشكيلاته:

- ‌ الشعر الحر شعر ذو شطر واحد:

- ‌الفصل الثاني: المشاكل الفرعية في الشعر الحر

- ‌توطئة:

- ‌ الوتد المجموع:

- ‌ الزحاف:

- ‌ التدوير:

- ‌ التشكيلات الخماسية والتساعية:

- ‌ مستفعلان في ضرب الرجز:

- ‌ فاعل في حشو الخبب:

- ‌الباب الثالث: الشعر الحر باعتبار أثره

- ‌الفصل الأول: الشعر الحر والجمهور

- ‌توطئة

- ‌ طبيعة الشعر الحر:

- ‌ الظروف الأدبية للعصر:

- ‌ إهمال الشعراء:

- ‌الفصل الثاني: أصناف الأخطاء العروضية

- ‌مدخل

- ‌ الخلط بين التشكيلات:

- ‌ الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا:

- ‌ أخطاء التدوير:

- ‌ اللعب بالقافية وإهمالها:

- ‌الباب الرابع: ملحق بقضايا الشعر الحر

- ‌الفصل الأول: البند ومكانه من العروض العربى

- ‌مدخل

- ‌المقياس العروضي للبند:

- ‌البند والشعر الحر:

- ‌الفصل الثاني: قصيدة النثر

- ‌مدخل

- ‌المناقشة اللغوية:

- ‌المناقشة على أساس النقد الأدبي:

- ‌القسم الثاني

- ‌الباب الأول: في فن الشعر

- ‌الفصل الأول: هيكل القصيدة

- ‌مدخل

- ‌الموضوع:

- ‌الهيكل الجيد وصفاته:

- ‌ثلاثة أصناف من الهياكل:

- ‌الفصل الثاني: أساليب التكرار في الشعر

- ‌الفصل الثالث: دلالة التكرار في الشعر

- ‌مدخل

- ‌التكرار البياني:

- ‌تكرار التقسيم:

- ‌التكرار اللاشعوري:

- ‌الباب الثاني: في الصلة بين الشعر والحياة

- ‌الفصل الأول: الشعر والمجتمع

- ‌الفصل الثاني: الشعر والموت

- ‌الباب الثالث: في نقد الشعر

- ‌الفصل الأول: مزالق النقد المعاصر

- ‌الفصل الثاني: الناقد العربي والمسؤولية اللغوية

- ‌مقدمة الطبعة الأولى:

- ‌فهارس الكتاب:

- ‌ثبت الاعلام:

- ‌ثبت الموضوعات:

الفصل: ‌الفصل الثاني: الناقد العربي والمسؤولية اللغوية

‌الفصل الثاني: الناقد العربي والمسؤولية اللغوية

الفصل الثاني: الناقد العربي والمسئولية اللغوية.

تتجلى، لمن يراقب النقد العربي المعاصر، ظاهرة خطيرة شائعة فيه، ملخصها أن النقاد يتغاضون تغاضيًا تامًّا عن الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية فلا يشيرون إليها ولا يحتجون عليها. وكأنهم، بذلك، يفترضون أن من حق أي إنسان أن يخرق القواعد الراسخة وأن يصوغ الكلمات على غير القياس الوارد وأن يبتدع أنماطًا من التعابير الركيكة التي تخدش السمع المرهف، وكأن من واجب الناقد أن يوافق على ذلك كله موفقة تامة فلا يشير إلى الأخطاء ولا يحاول حتى أن يعطي تلك الأخطاء تخريجًا أو مسامحة. ولقد أصبح هذا التغافل هو القانون النافذ في كل نقد تنشره الصحف الأدبية، حتى لقد يتصدى الناقد إلى نقد ديوان شعر مشحون بالأغلاط المخجلة فلا يزيد على أن يكيل كلمات الإعجاب للشاعر على تجديده وإبداعه، مهملًا التعليق ولو بكلمة زجر عابرة، على فوضى

ص: 325

التعابير والأخطاء. أفلا ينطوي هذا الموقف من النقاد على تشجيع واضح للجيل كله على الاستهانة باللغة العربية والاستخفاف بقواعدها الرصينة؟ وإلى أي مدى ينبغي أن يعد الناقد نفسه مسئولًا عن لغة الشعر المعاصر؟

والواقع أن ازدراء الناقد للجانب اللغوي من النقد ليس إلا صورة من ازدراء الشاعر نفسه للغة وقواعدها، فإن مصدر هذا الازدراء منهما واحد، وفي وسعنا أن نعود بالظاهرة إلى منابعها الحقة في حياتنا المعاصرة نفسها. وليست اللغة بمختلف مظاهرها، إلا مرآة تنعكس فيها حياة الأمة التي تتكلمها.

إن الجذور الرئيسية لهذه الظاهرة تختبئ في شبه عقيدة موهومة وقع فيها الجيل العربي المعاصر مؤداها أن الاهتمام باللغة والحرص على قواعدها المختلفة، يدلان على جمود فكري في الأديب وقد يشيران إلى نقص صريح في ثقافته الحديثة. وقد تبلورت هذه العقيدة الزائفة في أنفس الشعراء والكتاب حتى أصبحت تعني لديهم أن التجديد يتجلى فعلًا في ازدراء القواعد النحوية وإهمال المعجم والمقاييس اللغوية التي تعترف بها الأمة كلها. ولعل الناقد العربي ملزم بأن يعترف اليوم بأنه بات يشعر بكثير من الحرج والاستحياء إذا ما هم بتنبيه شاعر إلى كلمة مغلوط فيها أو قاعدة مخروقة في شعره. ليس ذلك لأن الناقد يقر الخطأ، وإنما لأنه يخشى أن يقال عنه إنه ناقد رجعي لم يتصل بالتيارات الحديثة في النقد، ولم يسمع بعد بأن المضمون أهم من الشكل أو إنه العنصر الأوحد في القصيدة التي ينقدها.

إن القول بأهمية المضمون وسبقه لكل قيمة غيره في القصيدة قول شائع اليوم. وهناك زمرة من النقاد تشهره سلاحًا بتارًا في وجه كل ناقد يحرص على سلامة اللغة. حتى لقد قامت مدارس بعينها تدعو إلى هدم القواعد باسم

ص: 326

هذا وذاك من الأسباب الواهنة. ولم ترتفع، في ردع هذه المدارس، إلا أصوات خافتة خجلة ما لبث الصياح حتى أسكتها. وليس لهذا الصياح -في نظر العلم- اسم غير الإرهاب الفكري. وإن واجب الناقد المخلص ليقتضي أن يعلن رأيه ولا ترهبه التسميات. ذلك أن الأسماء إنما تكتسب قيمتها من الحقائق التي تسندها. ثم إن قضية اللغة العربية يجب أن تكون أعز علينا من سمعتنا الشخصية باعتبارنا كتابًا مجددين ذوي ثقافة حديثة. وبعد فهل حقًّا تستطيع الدعوة إلى سلامة اللغة أن تسلب الناقد صفة التجديد؟ وهل حقًّا حقًّا أن سلامة اللغة ليست شرطًا في جمالية القصيدة، كما يزعم بعضهم، وكما يريدوننا أن نصدق؟ وهل يسوغ لأي ناقد، مهما كان حديثًا في ثقافته، أن يتحدث بلغة النظريات والتحليلات عن أية قصيدة حافلة بالأخطاء المشوهة والتعابير الركيكة؟

إن الأمة العربية تمر اليوم بمفرق هام من مفارق حياتها، ونحن ملزمون بأن نعمل، كلٌ في الجهة التي تؤهله لها فطرته، في سبيل أن نرفع مستوانا ونبرز مواهبنا وننتج في الحقول كلها. وعلى الناقد العربي يقع قسط كبير من حماية اللغة العربية الجميلة من كل دعوة مريضة للعبث بها. إن هنالك اليوم مدارس بعينها هدفها الرسمي أن تهدم قواعد اللغة العربية وتقتضي عليها قضاء مبرمًا. وسواء أكانت هذه المدارس تصدر في دعوتها عن نزوة فكرية بريئة، أم كانت تتعمد -لغرض مبيت- أن توهن اللغة العربية وتهدم أصالتها، فإن علينا أن نتصدى لها ونناقش دعوتها مناقشة الحريص الذي يغار على لغة الضاد من أن يعبث بها عابث غير مسئول. وإنه ليحزننا أن نرى أكثر نقادنا غير عابئين.

وإلا فما الذي جعلهم يسكتون سكوتًا متصلًا على الظاهرة الخطيرة التي بدأت منذ سنين تشيع في شعر المدرسة اللبنانية الحديثة، ظاهرة العبث بالقواعد النحوية الراسخة وإخضاع اللغة للسماع الشاذ الذي لا يعتد به؟ لماذا لم يحتج أي من نقادنا على "أل" التعريف وقد راح جيل كامل من

ص: 327

شباب لبنان يدخلها على الأفعال فيقولون في مثل الأشطر التالية:

أفقاصه الترن في الهياكل

الأروقة المعاول

الترن في الشوارع الغوائل

والأكهف المنازل

التود أن تحبس بي الحياة والتجددا1

ولماذا سكت الناقد العربي على دخول "أل" هذه على المنادى بـ"يا" في مثل الأبيات التالية:

يا الفلك الدائر، يا اليوزع الحياة في فصولها

ألم أكن أنا من التراب، يا اليبخبح المطر2

إن دفاع بعض هؤلاء الشعراء بأن هذه الأساليب السقيمة قد وردت في شواهد النحو3 دفاع ضعيف. ذلك أننا قد خرجنا اليوم من بداوة

1 قصيدة عنوانها "اللحم والسنابل" لنذير عظمة نشرتها مجلة "شعر" في عددها الثالث صيف سنة 1957.

2 القصيدة السابقة نفسها لنذير عظمة.

3 وردت شواهد شاذة من الشعر القديم تسند هذه الأغلاط فدخلت "أل" على الفعل في أكثر من شاهد واحد المشهور منها:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته

ولا الأصيل ولا ذو الرأي والجدل

ودخلت "أل" على المنادى في قول الشاعر:

فيا الغلامان اللذان فرا

إياكما أن تعقبانا شرا

ص: 328

القرون الأولى التي كانت تعزل بطنًا من قبيلة ما فتجعل لغته تشذ وتنحرف. ولقد ثبت القرآن، بلغته السهلة الجميلة، صورة للغة العرب سارت عليها القرون وأغنتنا عن الشذوذ والعبث. ثم إن قواعد النحو ليست إلا صورة من القوانين التي تخضع لها الجماعات، والجماعة التي تضيع قواعد لغتها لا بد أن تضيع قواعد تفكيرها وحياتها بالتالي. إن لزوم القاعدة النحوية صورة من إحساس الأمة بالنظام ودليل على احترامها لتاريخها وثقتها بأنها أمة أصلية. وما القواعد النحوية، بعد، إلا عصارة الألسنة العربية الفصيحة عبر مئات من السنين، فلن يكون في وسع شاعر اليوم أن يلعب بها إطاعة لنزوة لغوية عابرة.

ولنتساءل، على كل حال، عن المكسب التعبيري الذي يحققه الشاعر من إدخاله "أل" على الفعل مثلًا. ولا بد أن يسوقنا هذا إلى أن نتساءل أولًا لماذا كانت الأفعال غير قابلة لدخول "أل" عليها؟ في الواقع أن قواعد النحو تخضع لمنطق العاطفة الإنسانية خضوعًا تامًّا، وما من قاعدة معقولة قط إلا وفي وسعنا أن نلتمس لها سببًا إنسانيًّا يدعمها. وإنما تدخل "أل" على الأسماء لأنها أسماء ولها صفة الاسمية، أو صفة التجريد بكلمة أخرى. فالأسماء كلها مجردة من الزمن ومن الحركة ومن العاطفة. ومثلها في هذه الصفات. إن وجودها جامد لا ينمو ولا يتغير ولا تأثير لمشاعرنا فيه. وليست كذلك الأفعال. هنا، في الأفعال، يمتد مجال الإنسانية وتعيش أحاسيسنا وحركاتنا وتقلباتنا وحياتنا كلها. إن قولنا "جاء" يمتلك من الحياة الزاخرة ما لا يملكه ألف اسم وألف صفة. هذه الحركة التي ينطوي عليها فعل المجيء، وهذه الإنسانية الكاملة التي يتضمنها وهذا الزمن الذي يختبئ في ثنايا الحروف، كل ذلك يميز الفعل ويجعله أوثق ارتباطًا بالحياة نفسها. ولذلك كان الفعل أشرف ما في اللغة، وإليه تستند الجمل والعبارات. الفعل هو حقًّا إنسانية اللغة، إذا صح هذا التعبير. ومن ثم فأية خسارة جسيمة أن تدعو مدرسة كاملة اليوم إلى

ص: 329

أن نضيع هذا الفعل ونكتب بلغة خالية منه؟ ذلك أن إدخال "أل" على الفعل يعني حتمًا أن يكف الفعل عن أن يكون فعلًا، ويكتسب جمود الاسمية. الواقع أنه، إذا تأملناه، يتحول إلى نوع من "الصفة" ويفقد طابع الامتداد الزمني1 وذلك هو السبب في الجفاف الماحل واليبوسة القاسية التي نجدها في الأبيات التي اقتبسناها سابقًا:

أفقاصة الترن في الهياكل

الأروقة المعاول

لترن في الشوارع الغوائل

والأكهف المنازل

التود أن تحبس بي الحياة والتجددا

هذا، في الحق، كلام صلد لا ليونة فيه ولا عذوبة، تترادف فيه المجردات التي توحش القلب الإنساني وتشعره بجفاف الدنيا التي يصورها الشاعر. وكم كانت الأبيات تكتسب من الحرارة والحركة والطراوة لو أن الشاعر أعطانا أفعالًا طبيعية تتنفس بين الأسماء وتخفف من وحشة التجريد فيها. ولكن هذا الشاعر الحديث يحسب القواعد، فيما يلوح، قيودًا مرتجلة قيدنا بها أسلافنا النحاة دونما سبب موجب. ولذلك رضي أن يغبن قصيدته فيحرمها من أجمل ما فيها، من الأفعال التي هي مصدر الضوء والدفء في اللغة، ثم إن "أل" هذه حين تكثر تزعج

1 يعرب النحاة "أل" التي تدخل على الفعل على أنها أل الموصولة وهذه مجرد تسمية كان الغرض منها التمييز. ذلك أن "أل" الموصولة -إذا درسنا أمثلتها وتأملنا- ليست إلا "أل" التعريف نفسها. وإنما أراد النحاة بها أن يفرقوا بينها وبين التي تدخل على الأسماء. ونحن نرى أن "الذي" وسائر الموصولات ليست إلا وسائل تحاشى بها اللسان العربي إدخال "أل" على الفعل وبذلك حفظ له فعليته وأصالته. وهذه هي القيمة الوحيدة للموصولات، وهي قيمة عظيمة لا ندري لماذا لم يعد هذا الشاعر الحديث يقدرها؟

ص: 330

السمع وتصبح رتيبة ولا أدري لماذا يولع شعراء هذه المدرسة بها. هذا نموذج:

الوحدة الفراغ

والدم الصقيع

والركود السأم الجامد1

هذه ثلاثة أشطر من قصيدة "وسأحتفظ باعتراضاتي الكثيرة على تشكيلات الوزن فيها" ستة أسماء وصفة، وكلها معرف بأل. ما أشد ما تبدو الدنيا موحشة ميتة لنا ونحن نعيش بين كل هذه المجردات! وأي بعد بين هذه الدنيا وحياتنا العربية الملتهبة اليوم بحرارة النضال وحماسة الاندفاع والحياة!

وبعد فمهما كانت هذه الدعوة وأمثالها بريئة من القصد السيئ فهي، على كل حال، دعوة مجحفة تنطوي على بذور مميتة لن تنتهي باللغة العربية إلى الخير. وقيام مثل هذه الدعوات يلقي على الناقد مسئولية خطيرة. فمن سواه يستطيع أن يتصدى لإنقاذ اللغة والشعر من أن ينقادا لدعوات الموت والفناء هذه؟ إننا لندرك أن هناك اليوم في صفوف هذه الأمة قوى متربصة تنطوي على الشر وسوء النية ويهمها أن تهدم العروبة على أي وجه يتاح. ولعل الحرب العلنية ليست أفظع وسائل هذا العدو في محاربتنا. فإن له أساليب أخرى أخفى وأشد مضاء. وهل أخطر من أن يضعف إيمان الجيل الطالع باللغة العربية وحصانة قواعدها السليمة؟ وإذا أضعفنا ذلك الإيمان أفلن نكون قد ساعدنا في خلق جيل ضعيف الثقة بالعروبة نفسها؟ إنه ليحزننا أن نقول إننا، حتى الآن، قد مضينا في هذا طويلًا، وإن بين أيدينا الآن جيلًا يتشكك في منطقية القواعد

1 نذير عظمة - القصيدة المذكورة سابقًا.

ص: 331

البديهية ويستخف باللغة معتقدًا أن الاستهانة بالمقاييس اللغوية أمر ينم عن التجديد الحق والتحرر الفكري. وإني لأجزم أن بين الأدباء أنفسهم فئة تؤمن بأن التنبيه إلى أخطاء النحو واللغة مظهر ضحالة ورجعية في ثقافة الناقد. وقد تكون أول تهمة توجه إلى هذا الناقد أنه غير مثقف في النقد الأدبي الحديث.

على أننا لا ندعو إلى التمسك بقواعد اللغة لذاتها. ولسنا نحب أن ننصب مشانق أدبية لكل من يستعمل لفظة استعمالًا يهبها حياة جديدة، أو يدعو إلى الاستغناء عن بعض شكليات النحو البالية التي لم نعد نستعملها. لا بل إننا نؤمن أعمق إيمان بالتجديد المبدع ونعتقد أن هذا التجديد لا يتم إلا على أيدي الشعراء والأدباء والنقاد المثقفين الموهوبين. غير أن هذا كله شيء، والعبث بالمقاييس شيء آخر. نحن نرفض بقوة وصرامة أن يبيح شاعر لنفسه أن يلعب بقواعد النحو واللغة لمجرد أن قافية تضايقه أو أن تفعيلة تضغط عليه. وأنه لسخف عظيم أن يمنح الشاعر نفسه أية حرية لغوية لا يملكها الناثر1. فمن قال إن الشاعر الموهوب يستطيع أن يبدع أي شيء في غير الإطار اللغوي لعصره؟

إن كل خروج على القواعد المعتبرة ينقص من تعبيرية الشعر ويبعده عن روحية العصر. ولسنا، على كل، نفهم لماذا يريد الناقد أن يكون الشاعر الحديث طفل اللغة المدلل فيخطئ ويرتكب المحذورات ما شاء دون أن يحاسب؟

بعد أن شخصنا جوهر الظاهرة التي لفتت نظرنا في نقدنا المعاصر، وفسرناها بأنها، في حقيقتها، موجة من العناية بالمضمون جرفت النقاد

1 هذا رأيي، على الرغم من علمي بوجود باب سماه الآلوسي "الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر".

ص: 332

العرب اليوم حتى أهملوا الأداة التي يعبر بها عن ذلك المضمون، بعد ذلك نود أن ندرس صلة هذه الظاهرة بتاريخنا الأدبي وبحياتنا القائمة. فما من ظاهرة أدبية إلا ولها جذور اجتماعية تتصل بالحياة النفسية للأمة، فهل هذه الظاهرة أصيلة؟ هل تنبع من موقف أمة تتحدر من مثل تاريخنا الأدبي العربي أم أنها بمجملها ظاهرة دخيلة وافدة على حياتنا وفودًا متعفسًا على نحو ما وفدت عشرات الأشياء الأخرى من الغرب؟

إن الظواهر الأدبية تخضع للقانون العام الذي يتحكم في الظواهر كلها. فكل ظاهرة مندفعة في الأمة تعبر عن وجود نقص ما في الاتجاه الذي تندفع نحوه الظاهرة. وإذا بالغنا اليوم العناية بالمضمون، فإن معنى ذلك أن في أعماقنا إحساسًا بأننا كنا سابقًا نبالغ في العناية باللغة حتى اختل التوازن. وذلك حق من واجبنا أن نعترف به. إن أدبنا الحديث قد خضع لحركة التموج التطوري الطبيعي فانتقل من تطرف أدباء الفترة المظلمة في التمسك بشكليات الشعر ومظاهره السطحية الخارجية، إلى تطرف عصرنا في إهمال المظاهر الخارجية. على أن العشرين سنة الماضية من حياة الشعر العربي لا بد أن تكون قد استوفت حركة رد الفعل هذه استيفاءً تامًّا. هذا فضلًا عن أن ردود الفعل يجب ألا تقودنا من خطإ في أقصى اليمين إلى خطإ في أقصى اليسار. فكلا اليمين المتطرف واليسار المتطرف خطأ في هذه الحالة، ولا بد لنا أن نقف في الوسط، مسيطرين تمام السيطرة، على المضمون والأداة في وعي واتزان. وإلا فلا بد لنا أن نبقى أطفالًا مخطئين إلى الأبد نُضيع مرة الشكل لفرط حرصنا على المضمون، ونُضيع في المرة التالية المضمون بسبب إيثارنا للشكل.

والواقع أن السبب المباشر في استمرار حركة رد الفعل هذه أطول مما يصح هو أن الناقد العربي يقف اليوم وقفة خشوع وتقديس أمام النقد الأوروبي ونظرياته الوافدة، وكأن ذلك النقد نموذج في الإبداع والعبقرية لا يمكن أن يصله الفكر العربي إلا بالتقليد والاقتباس والنقل. وفي

ص: 333

غمرة هذه العقيدة الواهمة، أغلق الناقد العربي الباب على منابع الفكر والخصوبة والموهبة في ذهنه وراح يغترف من معين الأساتذة النقاد الأوروبيين، دون أن يفطن إلى أن النقد الأوروبي يتحدر من تاريخ منعزل انعزالًا تامًّا عن تاريخنا. وكيف يتاح لنا أن نطبق أسس ذلك النقد الأجنبي على شعرنا الذي يتدفق من قلوب غير تلك القلوب، وعصور غير تلك العصور؟ كيف يتاح لنا أن نحقق ذلك التطبيق إلا بطفرة متعسفة ظالمة يقع القسر فيها والضغط على الشعر العربي أكثر ما يقع؟ ومن يجرؤ أن يزعم أن الذهن العربي ليس مفعمًا بالخصب والحياة، وأننا لا نقتله قتلًا عندما نضغطه في قوالب من التفكير الأوروبي جاءونا بها مؤخرًا وشهروها في وجوهنا؟ إننا لا نصدر في عقيدتنا هذه عن تعصب ولا عن ضعف إيمان بغنى الآداب الأوروبية وجمالها. ولكننا نقول، ونصر على القول، إن لآدابنا العربية شخصيتها المستقلة وإن النقد الذي يصلح لشعرنا يختلف بالضرورة، عن النقد الأوروبي، ولا بد لنا أن نستقرئ نحن القواعد، من شعرنا، ومن أدبنا، في هذا الوطن العربي، وباللغة العربية.

وليست الظاهرة التي ندرسها في هذا الفصل إلا نموذجًا واحدًا من نماذج كثيرة للضلال المحزن الذي يقع فيه الناقد العربي إذا هو أسلم قياده مغمض العينين للنقد الأجنبي الوافد. ذلك أن الناقد الفرنسي مثلًا، قلما يحتاج إلى أن يفرد بابًا لنقد الأخطاء اللغوية والنحوية على نحو ما يحتاج الناقد العربي وذلك لمجرد أن المادة التي ينقدها ذاك خالية من الأخطاء فعلًا، وإذن فعلى أي وجه يستطيع الناقد العربي أن يقلده وهو يواجه قصائد مثقلة بالأخطاء؟ إن المحاكاة، في هذه الحالة، لا تتم إلا بأن يتخلى الناقد العربي عن مسئوليته فيقف متفرجًا على هموم القصيدة العربية تاركًا شعرنا يعاني من مشكلاته دونما يد تُمد لانتشاله أو صوت في الدفاع عنه.

على أن النقد الأوروبي لا يقف في ضرره عند هذا، وإنما ينصب لناقدنا شركًا أخطر. هذه النظريات الأدبية الممتعة، وتلك المذاهب

ص: 334

الفلسفية والمدارس التحليلية في النقد الأوروبي.. هذه الدراسات الباهرة التي يكتبها الناقد الأجنبي هناك.. إنها تعمل في نقادنا عمل السحر فتبهرهم وتسكرهم وتفقدهم أصالة أذهانهم وتصيب حواسهم المبدعة بشيء يشبه التنويم. فما يكاد الناقد العربي اليافع يقرأ ما كتبه إيليوت ورتشردز وبرادلي ومالارميه وفاليري وغيرهم حتى يشتهي أن يطبق ما يقولون على الشعر العربي مهما كلفه ذلك من تصنع وتعسف وجور على شعرنا ولغتنا.

ويكون أول ما يضحي به هذا الناقد الجالب اللغوي من القصيدة العربية فبدلًا من أن يتناول القلم ويرفع صوت احتجاج على الشذوذ والأخطاء نجده يهمل ذلك ويعتبر القصيدة منزهة لكي يتاح له أن يحللها ويغرقنا خلال ذلك بسيل من الاصطلاحات الأجنبية التي لا تنطبق على شعرنا إطلاقًا ولم توضع له.

إن هذا الناقد العربي الذي يحترق شوقًا إلى أن يجاري الناقد الاوروبي في حديثه عن المدارس والنظريات الكبيرة ذات الطابع النفسي والفلسفي، لا يجد أمامه إلا قصائد عربية مزرية، ضعيفة الإنشاء، يتعثر السمع بغلطة عروضية في كل ثلاثة أشطر منها. ومن ثم فإنه مضطر اضطرارًا إلى أن يغمض عينيه عن عيوبها، لكي يتاح له أن يعيش في جنة النظريات المسحورة التي استقاها من النقد الأجنبي. وبهذا يتغاضى عن مشكلة قائمة تحت بصره لكي يتحدث عن مشكلة مستحبة يود لو وجدت بالرغم من كل شيء.

إن اللوم في هذا كله لا يقع على نقاد أوروبا الذين لم يتوقفوا ليشيروا في مقالاتهم إلى أخطاء لغوية ونحوية كالتي يجب أن يشير إليها الناقد العربي. وإنما نحن الملومون. فلماذا ينبغي أن يعنينا النقاد الأوروبيون إذا كانت القصائد التي نتناولها نحن بالنقد مثقلة بإشكالات من نوع لا يحلمون هم به؟ ولماذا نحكم أولئك النقاد الأجانب في الشعر العربي الذي يتحدر من تاريخ لا صلة له بتاريخهم الأدبي؟ وما هذه "العنجهية" التي تجعل الناقد العربي يتعالى عن مواجهة مشاكل شعرنا الواقعية لمجرد أن

ص: 335

الأساتذة المبدعين من نقاد الغرب لا يتناولون مشكلات مماثلة في شعرهم؟

هذا الموقف العجيب ينم عن أن الناقد العربي لا يرى في عملية النقد إلا ترفًا فكريًّا ووسيلة يستعين بها على اللعب بنظريات النقد الأوروبي.

فليس المهم أن يدرس مشاكل الشعر العربي لكي يضع الأسس الموضوعية لنقد عربي حديث، وإنما المقصد أن يشغل نفسه بتطبيق النظريات الأجنبية على هذا الشعر بأي ثمن. إن واقع شعرنا ليس هو الذي يملي على نقادنا ما يكتبون وإنما ينتقدون ليسلوا أنفسهم ويسلونا بالكلمات الكبيرة الممتعة التي ابتدعها الأوروبيون في أوقات فراغهم. والحق أن مسئولية الناقد العربي تقضي عليه اليوم بألا يكون له فراغ قط. ذلك أن شعرنا -كسائر جهات حياتنا العربية- مثقل بالإشكالات، وفي وسع همومه أن تشغلنا أعوامًا طويلة قبل أن نفرغ لتطبيق النظريات الممتعة عليه. ولعلنا نعترف كلنا بأن الشعر العربي -بعد الحرب العالمية الثانية- قد واجه صدمة غير هينة بسبب الدعوة المتطرفة إلى الحرية حتى بدت علامات الاحتضار تلوح على أكثر من واحدة من المدارس الحديثة، وإذا لم نتدارك هذا الشعر فسرعان ما سيموت. فهل نريد حقًّا أن نمضي في اللعب بالنظريات الأوروبية والكلمات الأجنبية ذات البريق والسحر؟ أم أن الشعر العربي سيعز على نقادنا فيقفون صفًّا واحدًا ليسندوه؟

ومهما سيكون موقفنا فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن موقف نقادنا من الفكر الأوروبي يكاد يكون موقف استخذاء. إن بعضهم يعتقد اعتقادًا جازمًا أننا أقل موهبة من شعراء الغرب وأن علينا أن نغترف نظرياتهم ونأكلها أكلًا إذا نحن أردنا أن ننشئ شعرًا عربيًّا ونقدًا. لا بل أنا أقول إن مادة شعرنا وحياتنا العربية أغنى وأخصب بكثير من مادة الشعر الأوروبي المعاصر -لأسباب منطقية لا محل الآن لبسطها- وإن موجة تجديد جارفة سوف تنبعث من عالمنا العربي هذا، ولسوف يتتلمذ الغرب على شعراء هذه الأرض الموهوبة ونقادها وأدبائها في يوم قريب. ولكن هذا لن

ص: 336

يحدث إلا بعد أن نؤمن بأنفسنا. إن الأمم المبدعة هي دائما أمم تثق بأنها موهوبة. وأما الأمم التي تزدري ذاتها وتقف وقفة الهوان أمام سواها فلن تبدع شيئًا على الإطلاق. فلنكف عن الانحناء للغرب. إننا قد سئمنا سماع الكلمات الفرنسية والإنكليزية في النقد العربي وأصبحنا نتعطش إلى نقد محلي، التجديد فيه منبعه العروبة، والمصطلحات فيه ترتكز إلى مظاهر في الشعر العربي نفسه. وإني لأهيب بالجيل الناشئ من النقاد أن يتجهوا إلى أنفسهم حين يكتبون لينبت الذهن العربي الخصيب أثماره، وسرعان ما سوف تكتشف الأمة المنابع الحقة في كيانها الفكري، المنابع العربية التي لن يغتني الأديب العربي بسواها ولا مصلحة له في سواها.

ص: 337