الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما نتيجة كل هذا التدوير بالنسبة للقارئ الذي ليس شاعرًا؟ أنه يرتبك ولا يعرف حدود الوزن. يقرأ شطر الشاعر:
يأكل الأبعاد يفترش الزمان
أو شطره:
عصف الريح روح البحر
فلا يجد له وزنًا معروفًا، ولا يجده منطبقًا على أي بحر من بحور الشعر. فلا يكون منه إلا أن يحكم بأن هذا نثر بلا وزن. وينبغي لنا ألا نلومه. وهل الناس كلهم شعراء يعرفون حدود الأوزان؟ لا بل إن كان الشاعر لا يعين حدود الشطر فكيف ننتظر ذلك من القارئ البسيط الذي يقرأ الشعر ليجد فيه لذة ونشوة وحسب وكثيرًا ما يضيع بين حدوده؟
د-
اللعب بالقافية وإهمالها:
بدأ العرب يتخلصون من عبء القافية الموحدة ذات الرنين العالي منذ عصور بعيدة، فنشأ الموشح والبند وفنون الشعر الشعبي، ودرجت الأغاني التي تستعمل أكثر من قافية واحدة. وفي عصرنا هذا شاعت الرباعيات والثنائيات وخطط القوافي المعقدة، غير أن القافية بقيت ملكة تتحكم في الشعر فلم يخرج عنها شاعر معروف. ومضى ذلك حتى السنوات الأخيرة، بعد قيام حركة الشعر الحر واستسلام الشعراء الشباب لها بلا تريث ولا تمحيص. فلقد بدأنا مؤخرًا نقرأ قصائد لا قافية لها على الإطلاق، وارتفعت أصوات غير قليلة تنادي بنبذ القافية نبذًا تامًّا. وكان هذا صدى للشعر الغربي وهو قد عرف الشعر المرسل الذي يخلو من القافية منذ مسرح شكسبير، فكان هذا الشاعر الإنكليزي الكبير يكتب شعرًا لا قافية له في الغالب فلا يأتي بقافية إلا في خاتمة الفصل إيذانًا
بانتهائه. والشعر الغربي اليوم أغلبه بلا قافية، ومن هناك جاءتنا الفكرة فاستجاب لها بعض الشباب ومضوا في تطبيقها. على أننا لا نملك إلا أن نلاحظ أن الذين ينادون اليوم بنبذ القافية هم غالبًا الشعراء الذين يرتكبون الأخطاء النحوية واللغوية والعروضية؛ ولذلك نحشى أن تكون مناداة بعضهم بها تهربًا إلى السهولة وتخلصًا من العبء اللغوي الذي تلقيه القافية على الشاعر. وأنا أومن بأن الحرية ينبغي ألا تمنح إلا لإنسان قادر على أن يلتزم القيود وإلا أصبحت قيدًا.
على أن مسألة نبذ القافية ليست جديدة كل الجدة في الشعر الحديث، ففي ديوان الزهاوي الذي توفي حين كنا نحن صغارًا قصيدة جارية على أسلوب الشطرين، غير أنها مرسلة إرسالًا بلا قافية. قال من الطويل:
لموتُ الفتى خيرٌ له من معيشة
…
يكون بها عبئًا ثقيلًا على الناس
يعيش رخي العيش عشرٌ من الورى
…
وتسعة أعشار الأنام مناكيد
أما في بني الأرض العريضة قادرٌ
…
يخفف ويلات الحياة قليلا
أفي الحق أن البعض يشبع بطنه
…
وأن بطون الأكثرين تجوع
أسائلني عن غاية الخالق اسكتي
…
فما لي على هذا السؤال جوابُ
إذا حيي الإنسان صادف منكرًا
…
وإن مات لاقى منكرًا ونكيرًا
إذا قلت حقًّا خفتُ لوم مخاطبي
…
وإن لم أقل حقًّا أخاف ضميري
أرى الناس، إلا من توفر عقلُهُ
…
من الناس، أعداء لكل جديد1
إن هذا شعر بلا قافية، وقد جمع فيه الشاعر تشكيلتين من البحر الطويل فكانت أبياته متنافرة. ولم تكن هذه من الزهاوي إلا تجربة، فلسنا نراه سار عليها في سائر شعره. ولغير الزهاوي محاولات في هذا الباب. على أن المحاولة لم تنجح وبقيت نموذجًا يشار إليه لغرابته.
ثم إن الشعراء، إن كانوا لم ينجحوا في إحداث الشعر المرسل، فإنهم نجحوا في الخروج على القافية الموحدة، فشاع في الوطن العربي شعر الزركلي والمهجريين الذي جرى على تنويع القوافي بأشكال الموشح وأشكال جديدة جميلة أضافوها هم. ومشى ذلك حتى في شعر شوقي والزهاوي والرصافي وبشارة الخوري وغيرهم كثير، حتى أصبح تنويع القوافي مألوفًا وصدرت المطولات الشعرية والمسرحيات.
ومهما يكن من فكرة نبذ القافية وإرسال الشعر فإن الشعر الحر بالذات يحتاج إلى القافية احتياجًا خاصًّا. وذلك لأنه شعر يفقد بعض المزايا الموسيقية المتوافرة في شعر الشطرين الشائع. إن الطول الثابت للشطر العربي الخليلي يساعد السامع على التقاط النبرة الموسيقية ويعطي القصيدة إيقاعًا شديد الوضوح بحيث يخفف ذلك من الحاجة إلى القافية الصلدة الرنانة التي تصوت في آخر كل شطر فلا يغفل عنها إنسان. وأما الشعر الحر فإنه ليس ثابت الطول وإنما تتغير أطوال أشطره تغيرًا متصلًّا، فمن ذي تفعيلة إلى ثانٍ ذي ثلاث إلى ثالث ذي اثنتين وهكذا. وهذا التنوع في العدد،
1 قصيدة "الشعر المرسل" لجميل صدقي الزهاوي. ديوان الزهاوي. المطبعة العربية. القاهرة 1924 "ص31".
مهما قلنا فيه، يصير الإيقاع أقل وضوحًا ويجعل السامع أضعف قدرة على التقاط النغم فيه. ولذلك فإن مجيء القافية في آخر كل شطر، سواء أكانت موحدة أم منوعة، يعطي هذا الشعر الحر شعرية أعلى ويمكن الجمهور من تذوقه والاستجابة له.
ولنقارن بين قصيدتين إحداهما مرسلة والأخرى ذات قافية، ولنلاحظ الفرق في الموسيقى والشعرية. لصلاح عبد الصبور من "الكامل"1:
كنا على ظهر الطريق عصابة من أشقياء
متعذبين كآلهة
بالكتب والأفكار والدخان والزمن المقيت
طال الكلام مضى المساء لجاجة، طال الكلام
وابتل وجه الليل بالأنداء
ومشت إلى النفس الملالة والنعاس إلى العيون
كانت هذه القصيدة مرسلة من دون قافية، وقد أفقدها ذلك جمال الوقع وعلو النبرة. فأين هي من قصيدة نزار قباني من "الكامل"2:
ولمحت طوق الياسمين
في الأرض مكتوم الأنين
كالجثة البيضاء تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه فتمانعين
وتقهقهين
"لا شيء يستدعي انحناءك، ذاك طوق الياسمين"
1 قصيدة "السلام" لصلاح الدين عبد الصبور ديوان "الناس في بلادي". بيروت 1957- ويلاحظ أن القصيدة، مثل كثير من الشعر الحر، تجمع بين أكثر من تشكيلة خلافًا للعروض العربي القديم.
2 قصيدة "طوق الياسمين" لنزار قباني. مجموعة قصائد من نزار قباني. بيروت 1956 ونعتذر إلى الشاعر على أننا نسقنا له الأشطر تنسيقًا عروضيًّا على غير الطريقة الغالطة التي كتبها بها في المجموعة.
والحقيقة أن القافية ركن مهم في موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنينًا وتثير في النفس أنغامًا وأصداء. وهي فوق ذلك فاصلة قوية واضحة بين الشطر والشطر، والشعر الحر أحوج ما يكون إلى الفواصل خاصة بعد أن أغرقوه بالنثرية الباردة. ولذلك يؤسفنا أن نرى الناشئين متجهين اليوم إلى نبذ القافية في شعرهم الحر. وذلك يضيف إلى نثرية ما ينظمون وضعف الموسيقى فيه. فكأن لم يكفهم أن يوردوا في شعرهم تشكيلات متنافرة، وأن يخرجوا على الوزن، وأن يتنقلوا من بحر إلى بحر، وأن يرتكبوا الأخطاء النحوية واللغوية، وأن يأتوا بالعامي والسقط، كأن لم يكفهم ذلك كله، فأهملوا القافية وهي لو يدرون سند شعرهم وحليته المتبقية.