الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-1-
طبيعة الشعر الحر:
لا ريب في أن السبب الرئيسي في مقاومة الجمهور العر بي للشعر الحر يكمن في كون هذا الشعر خارجًا على أسلوب الوزن الذي ألفه العرب. وكل جديد يقابل في أوله بالمقاومة والرفض، فليس الشعر الحر بدعًا في هذا. ولقد كان طبيعيًّا أن يضيق به القراء حين جوبهوا به أول مرة سنة 1947.
وأكاد أعتقد أن أغلب القراء -وبينهم أدباء وحتى شعراء أحيانا- ما زالوا لا يملكون فكرة واضحة عن معنى الشعر الحر، فهل هو شعر بلا وزن؟ أم أنه وزن ما يخالف أوزان الشعر العربي؟ وإنما يحس بهذه الحيرة، على الخصوص، أولئك الذين لا يملكون أسماعًا مرهفة تميز وزن الشعر تمييزًا دقيقًا، وهؤلاء قد ألفوا، قبلُ، أن يروا الأوزان مرصوصة، على شطرين متساويين، بحيث يكون تبين موسيقاها أسهل. ولذلك تاهوا وتعبوا حين أصبحت الأشطر غير متساوية في أطوالها، وعاد الارتكاز إلى التفعيلة بحيث يحتاج الأمر إلى شاعر لكي يتبين الإيقاع والموسيقى.
كان القراء يقرءون البحر الكامل "الوافي" وهو مكتوب هكذا:
قلبي يحدثني بأنك مُتلفي
…
روحي فداكَ عرفت أم لم تعرف
لم أقضِ حق هوالك إن كنت الذي
…
لم أقضِ فيه أسى ومثلي من يفي
ما لي سوى روحي وباذل نفسه
…
في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني
…
يا خيبة المسعى إذا لم تُسعف1
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
…
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وكانوا يقرءون مجزوء الكامل وهو مكتوب على النحو التالي:
ولقد دخلت على الفتا
…
ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر
…
فل في الدَمْقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت
…
مشي القطاة إلى الغدير2
متفاعلن متفاعلن
…
متفاعلن متفاعلاتن
وكانوا يقرءون مشطور الكامل وهو يعادل شطرًا واحدًا منه. وكانوا يتقبلون ذلك كله لمجرد أن كل صنف منه معزول عن الصنف الآخر، فلا تكون القصيدة إلا وافية أو مجزوءة أو مشطورة دون أن تخلط بين هذه الأصناف.
1 من شعر ابن الفارض. ديوان ابن الفارض: مطبعة حجازي بالقاهرة.
2 من شعر المنخل اليشكري.
وجاء الشاعر الحديث فرأى الرابطة بين وافي البحر ومجزوئه ومشطوره قائمة واضحة لأن هذه الأوزان كلها ذات تفعيلة واحدة هي متفاعلن، وهي كلها تنتمي إلى البحر الكامل، وإنما الفرق بينها في عدد "متفاعلن" وحسب، فهي تتكرر في الوافي ست مرات وفي المجزوء أربعًا وفي المشطور ثلاثًا. وقد لاحظ الشاعر أنه إذا وحد الضرب، استطاع أن يجمع مجزوء البحر ومشطوره وأجزاءهما في القصيدة الواحدة لأن عدد مرات التكرار لا يؤثر في الموسيقى شيئًا ما دامت التفعيلة واحدة والضرب واحدًا، ولذلك رأى أن يمزج بين الأطوال كلها في قصيدة واحدة. وكان ذلك طبيعيًّا وموسيقيًّا على أجمل ما يمكن.
والواقع أن الشعر الحر جارٍ على قواعد العروض العربي، ملتزم لها كل الالتزام، وكل ما فيه من غرابة أنه يجمع الوافي والمجزوء والمشطور والمنهوك جميعًا. ومصداق ما نقول أن نتناول أية قصيدة جيدة من الشعر الحر ونعزل ما فيها من مجزوء ومشطور ومنهوك، فلسوف ننتهي إلى أن نحصل على ثلاث قصائد جارية على الأسلوب العربي دون أية غرابة فيها.
ولنأت بمثال لما نقول. من قصيدة "إلى العام الجديد" من البحر "الكامل":
يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوف
من عالم الأشباح ينكرنا البشر
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدر
ونعيش أشباحًا تطوف
نحن اللذين نسير لا ذكرى لنا
لا حُلْمَ، لا أشواق تشرق، لا مُنى
آفاق أعيننا رماد
تلك البحيرات الرواكد في الوجوه الصامته
ولنا الجباه الساكته
لا نبض فيها لا اتقاد
نحن العراة من الشعور ذوو الشفاه الباهته
الهاربون من الزمان إلى العدم
الجاهلون أسى الندم
نحن الذين نعيش في ترف القصور
ونظل ينقصنا الشعور
لا ذكريات
نحيا ولا تدري الحياة
نحيا ولا نشكو ونجهل ما البكاء
ما الموت ما الميلاد ما معنى السماء1
ولنفرز أشطر هذه القصيدة ونجزئها إلى الأطوال التي يعزلها العروض العربي، فلسوف نحصل على ثلاث قصائد جارية على السلوب العربي حق الجريان. وهذه أولها، وهي من مجزوء الكامل ذي الشطرين:
يا عام لا تقرب مسا
…
كننا فنحن هنا طيوف
ويفر منا الليل والـ
…
ـماضي ويجهلنا القدر
تلك البحيرات الروا
…
كد في الوجوه الصامته
نحن العراة من الشعو
…
ر ذوو الشفاه الباهته
متفاعلن متفاعلن
…
متفاعلن متفاعلن
أما القصيدة الثانية فهي من المشطور وهذا نصها:
نحن الذين نسير لا ذكر ى لنا
لا حُلْم لا أشواق تشرق لا مُنَى
من عالم الأشباح ينكرنا البشر
قرار الموجة. نازك الملائكة. مطابع دار العلم للملايين، بيروت 1957.
الهاربون من الزمان إلى العدم
نحن الذين نعيش في ترف القصور
نحيا ولا نشكو ونجهل ما البكاء
ما الموت ما الميلاد ما معنى السماء
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وهناك قصيدة ثالثة نستطيع استخلاصها ذات وزن أقصر هو المنهوك.
ونعيش أشباحًا تطوف
آفاق أعيننا رماد
ولنا الجباه الساكته
لا نبض فيها لا اتقاد
ونظل ينقصنا الشعور
نحيا ولا تدري الحياة
إن هذه القصائد كلها من البحر الكامل وتفعيلتها جميعًا واحدة هي "متفاعلن" وهي إنما تجتمع في الشعر الحر لأن ذلك لا يخرج على النغم الذي تقبله الأذن العربية، وكل ما هنالك أنه أسلوب يتيح للشاعر تعبيرية أعلى يمنحه الفرصة لإطالة العبارة وتقصيرها بحسب مقتضيات المعنى. وليس يمكن أن يرفض الاعتراف بوزن ذلك شاعر ذو سمع مرهف. وإنما جاءت الضجة من القراء كما أسلفنا، وقد حسب بعضهم أن الشعر الحر نثر اعتيادي لا وزن له إطلاقًا. وليس أفظع غلطًا من هذا الحكم، كما رأى القارئ مما سبق. وإنني لأخجل حين أرى أحيانًا شعراء معروفين من الجيل السابق يصرحون في الصحف بأن الشعر الحر نثر. إن مثل هذه التصريحات الواقعة مؤلمة، ليس لأنها تؤثر في مستقبل الشعر الحر -ذلك لأنها لا تؤثر فيه- وإنما لأنها تشير إلى الارتجالية التي يكتب بها أدباؤنا، وإلى قلة تشخيصهم لمسئوليتهم في توجيه جمهور يتطلع إليهم
ملتمسًا التوجيه. والواقع الذي نحب أن نعود فنؤكده أنه ما من عارف بالشعر على الإطلاق يمكن أن يرضى لنفسه أن يقول إن الشعر الحر نثر لا شعر. وإنما يقول ذلك من لا معرفة له، أية معرفة، بالشعر العربي والعروض العربي. فليتحرج أي أديب كبير من الأحكام الارتجالية. إن الجيل الطالع سيكون أكثر معرفة بالعروض من أن تفوت عليه مثل هذه الأحكام الفاسدة.