المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا فِي بَيَانِ - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٤

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الِاسْتِحْسَانِ]

- ‌[أَقْسَامُ الِاسْتِحْسَانِ]

- ‌[بَابُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ]

- ‌[شَرْطُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[حُكْمُ الِاجْتِهَاد]

- ‌(بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ)

- ‌(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ)

- ‌[أَقْسَام الْعِلَل]

- ‌[الْعِلَل الْمُؤْثَرَة وَطُرُق دُفَعهَا]

- ‌[دَفْعِ الْعِلَل الْمُؤْثَرَة بِطَرِيقِ فاسد وَطَرِيق صَحِيح]

- ‌(بَابُ الْمُمَانَعَةِ)

- ‌بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌[النَّوْعُ الْأَوَّلِ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي الْمُعَارَضَة الْخَالِصَة]

- ‌بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ) :

- ‌بَابُ التَّرْجِيحِ) :

- ‌[الْقِسْمُ الْأَوَّل تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ وَمَعْنَاهُ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ بَيَانُ الْمُخَلِّصِ فِي تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعِ بَيَانُ الْفَاسِدِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ]

- ‌(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ

- ‌ الْمُمَانَعَةُ

- ‌ فَسَادُ الْوَضْعِ

- ‌ الْمُنَاقَضَةُ

- ‌ بَابُ وُجُوهِ الِانْتِقَالِ) :

- ‌بَابُ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السَّبَبِ)

- ‌بَابُ تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الشَّرْطِ)

- ‌بَابُ تَقْسِيمِ الْعَلَامَةِ) :

- ‌(بَابُ بَيَانِ الْعَقْلِ) :

- ‌(بَابُ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ) :

- ‌[أضرب الْأَهْلِيَّة]

- ‌(بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ)

- ‌(بَابُ الْأُمُورِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ) :

- ‌بَابُ الْعَوَارِضِ) (الْمُكْتَسَبَةِ) :وَهِيَ نَوْعَانِ

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ]

- ‌جَهْلُ صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ عز وجل وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ

- ‌ الْجَهْلُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ

- ‌ الْجَهْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ

- ‌[فَصْلٌ السُّكْر قسمان] [

- ‌الْقَسْم الْأَوَّل السُّكْر بِطَرِيقِ مُبَاح]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي السُّكْر بِطَرِيقِ غَيْر مُبَاح]

- ‌[فَصْلُ الْهَزْلِ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَه مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَر مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْخَطَأُ مِنْ الْعَوَارِض الْمُكْتَسِبَة]

الفصل: عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا فِي بَيَانِ

عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْعِلَّةِ إنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْفَرْعِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ قَطْعًا وَتُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ

(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ) وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ:

ــ

[كشف الأسرار]

وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ الطَّبْعَ قَدْ يَمِيلُ إلَى مَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَقَامِ الذَّمِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} [إبراهيم: 3]{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} [النحل: 107] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَفْصَحُ، وَأَقْوَى مِنْ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ يَعْنِي فِي بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ التَّلْفِيقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ: وَقَوْلُنَا كَذَا رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ أَيْ أَحْكَامِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. لَا يَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ. وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِالْقِيَاسِ كَذَا.

[بَابُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ]

[شَرْطُ الِاجْتِهَادِ]

(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ) .

إنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ لَا مَحَالَةَ إذْ احْتِمَالُ الْخَطَأِ قَائِمٌ فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَمَنَازِلُهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ أَيْ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوْ مُعَاتَبٌ مُخَطَّأٌ. قَوْلُهُ:(وَالْكَلَامُ فِي هـ) أَيْ فِي الِاجْتِهَادِ فِي شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي تَحْقِيقِ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَمَشَقَّةٌ فَيُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الرَّحَى، وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ أَوْ نَوَاةٍ لَكِنْ صَارَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مَخْصُوصًا بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَالِاجْتِهَادُ التَّامُّ أَنْ يَبْذُلَ الْوُسْعَ فِي الطَّلَبِ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ شَوَاهِدِهَا الدَّالَّةِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا، وَقِيلَ هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَاحْتَرَزَ بِالْفَقِيهِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ اسْتِفْرَاغَ النَّحْوِيِّ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي لَا فِقْهَ لَهُ لِتَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى اجْتِهَادًا. وَبِقَوْلِهِ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ كَطَلَبِهِ النَّصَّ فِي حَادِثَةٍ وَظَفَرِهِ بِهِ. وَبِقَوْلِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَنْ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ وَالْعُرْفِيِّ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ فَالْمُجْتَهِدُ مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَا قَاطِعَ فِيهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ الظَّنَّ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْقَاطِعِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ، وَمَسَائِلُ الْكَلَامِ وَوُجُوبُ أَرْكَانِ الشَّرْعِ، وَمَا اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ جَلِيَّاتِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً لَكِنَّ فِيهَا دَلَائِلَ قَطْعِيَّةً.

ثُمَّ قِيلَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَنَدْبٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي حَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ.

وَالثَّانِيَةُ اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي حَالَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا إذَا نَزَلَتْ حَادِثَةٌ بِأَحَدٍ فَاسْتَفْتَى أَحَدَ الْعُلَمَاءِ كَانَ الْجَوَابُ فَرْضًا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَأَخَصُّهُمْ بِفَرْضِهِ مَنْ خُصَّ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَادِثَةِ فَإِنْ أَجَابَ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ ظُهُورِ الْجَوَابِ وَالصَّوَابِ لَهُمْ أَثِمُوا، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ الْتِبَاسِهِ عَلَيْهِمْ عُذِرَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الطَّلَبُ، وَكَانَ فَرْضُ الْجَوَابِ بَاقِيًا عِنْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ

ص: 14

أَمَّا شَرْطُهُ فَأَنْ يَحْوِيَ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِهِ الَّتِي قُلْنَا وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، وَمُتُونِهَا وَوُجُوهِ مَعَانِيهَا، وَأَنْ يَعْرِفَ وُجُوهَ الْقِيَاسِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُنَا هَذَا.

ــ

[كشف الأسرار]

قَاضِيَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ فِي النُّطْقِ فَيَكُونُ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ سَقَطَ الْفَرْضُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَالَتَيْنِ أَيْضًا أَحَدَيْهِمَا أَنْ يَجْتَهِدَ الْعَالِمُ قَبْلَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ لِيَسْبِقَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ سَائِلٌ قَبْلَ نُزُولِهَا بِهِ فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْحَالَتَيْنِ نَدْبًا كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ الِاجْتِهَادِ فَأَنْ يَحْوِيَ أَيْ يَجْمَعَ الْمُجْتَهِدُ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ أَيْ مَعَ مَعَانِيهِ أَوْ مُلْتَبِسًا بِمَعَانِيهِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَوُجُوهَهُ أَيْ أَقْسَامَهُ الَّتِي قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ حِفْظَ نَظْمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ مِنْ النَّاظِرِ فِيهِ. وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الطَّلَبِ وَالنَّظَرِ فِيهِ كَمَا فِي السُّنَنِ. وَقِيلَ يَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ مَا اخْتَصَّ بِالْأَحْكَامِ دُونَ مَا سِوَاهُ. وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطَرِيقِهَا أَيْ مُلْتَبِسَةً لِطُرُقِهَا مِنْ التَّوَاتُرِ وَالشُّهْرَةِ وَالْآحَادِ. وَمُتُونَهَا يَعْنِي يَعْرِفُ نَفْسَ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِلَفْظِ الرَّسُولِ أَوْ نُقِلَتْ بِالْمَعْنَى. وَوُجُوهَ مَعَانِيهَا أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا مِثْلُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَسَائِرِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ: مَعْرِفَةَ طُرُقِهَا مِنْ تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ لِيَكُونَ الْمُتَوَاتِرَاتُ مَعْلُومَةً وَالْآحَادُ مَظْنُونَةً. وَمَعْرِفَةَ صِحَّةِ طُرُقِ الْآحَادِ وَرُوَاتِهَا لِيَعْمَلَ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا وَيَعْدِلَ عَمَّا لَا يَصِحُّ. وَمَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِيَعْلَمَ مَا يُوجِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَعْرِفَةَ مَعَانِي مَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ عَنْهُ وَحِفْظُ أَلْفَاظِ مَا وُجِدَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ. وَتَرْجِيحُ مَا تَعَارَضَ مِنْ الْأَخْبَارِ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِمَدَارِكِ الشَّارِعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِثْمَارِ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ.

وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَنِبًا عَنْ الْمَعَاصِي الْقَادِحَةِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ فَمَنْ لَيْسَ عَدْلًا لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطَ قَبُولِ الْفَتْوَى لَا شَرْطَ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ. ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَتْوَى بِأَنْ يَعْرِفَ الْمَدَارِكَ الْمُثْمِرَةَ لِلْأَحْكَامِ، وَأَنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِثْمَارِ. وَالْمَدَارِكُ الْمُثْمِرَةُ أَرْبَعَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ، وَطَرِيقُ الِاسْتِثْمَارِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةِ عُلُومٍ اثْنَانِ مُقَدَّمَانِ وَاثْنَانِ مُتَمِّمَانِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ فَلْنُفَصِّلْهَا وَلْنُنَبِّهْ فِيهَا عَلَى دَقَائِقَ أَهْمَلَهَا الْأُصُولِيُّونَ.

أَمَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلْنُحَقِّقْ عَنْهُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْكِتَابِ بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ. الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوَاقِعِهَا حَتَّى يَطْلُبَ الْآيَةَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى أُلُوفٍ فَهِيَ مَحْصُورَةٌ، وَفِيهَا التَّحْقِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالْمَوَاعِظِ، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِهَا.

وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلٌ مُصَحَّحٌ بِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ كَالْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ وَالْجَامِعِ لِمُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَيَكْفِيهِ أَنْ يَعْرِفَ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ فَيُرَاجِعُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الْفَتْوَى، وَإِنْ كَانَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ.

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَيَّزَ عِنْدَهُ مَوَاقِعُ الْإِجْمَاعِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ

ص: 15

وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْإِصَابَةُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ حَتَّى قُلْنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ

ــ

[كشف الأسرار]

كَمَا تَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِهَا وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يُفْتِي فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَتْوَاهُ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ أَمَّا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ مَذْهَبَ أَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مُتَوَلِّدَةٌ فِي الْعَصْرِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهَا خَوْضٌ فَهَذِهِ الْقَدْرُ فِيهِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَنَعْنِي بِهِ مُسْتَنَدَ النَّصِّ وَالْمُسْتَنَدَ الْأَصْلِيَّ لِلْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْجَرْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَعَلَى نَفْيِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا فِي صُوَرٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُسْتَثْنَيَات مَحْصُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُغَيَّرُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّصِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَهَذِهِ هِيَ الْمَدَارِكُ الْأَرْبَعَةُ.

وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُقَدَّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ نُصُبِ الْأَدِلَّةِ وَشُرُوطِهَا الَّتِي بِهَا تَصِيرُ الْبَرَاهِينُ وَالْأَدِلَّةُ مُنْتِجَةً، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ تَعُمُّ الْمَدَارِكَ الْأَرْبَعَةَ.

وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَيَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَعْنِي بِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ خِطَابَ الْعَرَبِ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَى حَدٍّ يُمَيِّزُ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَمُجْمَلِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ وَفَحْوَاهُ، وَمَنْظُومِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ بَلْ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَوَاقِعِ الْخِطَابِ وَدَرْكِ دَقَائِقِ الْمَقَاصِدِ فِيهِ.

وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُتَمِّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ عَلَى حِفْظِهِ بَلْ كُلُّ وَاقِعَةٍ يُفْتِي فِيهَا بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَوْ الْآيَةَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَنْسُوخِ، وَهَذَا يَعُمُّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.

وَالثَّانِي، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالسُّنَّةِ مَعْرِفَةُ الرُّوَاةِ وَتَمْيِيزُ الصَّحِيحِ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُولِ مِنْ الْمَرْدُودِ. وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُفْتِي بِهِ مِمَّا قَبِلَتْهُ الْأُمَّةُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى النَّظَرِ فِي إسْنَادِهِ فَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ رُوَاتَهُ وَعَدَالَتَهُمْ. وَالْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا الِاكْتِفَاءَ بِتَعْدِيلِ أَئِمَّةِ الدِّينِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْخَلَفُ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رِوَايَتَهَا كَانَ حَسَنًا، وَقَصَّرَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُفْتِي فَهَذِهِ هِيَ الْعُلُومُ الثَّمَانِيَةُ يُسْتَفَادُ بِهَا مَنَاصِبُ الِاجْتِهَادِ.

وَمُعْظَمُ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ فُنُونٍ: عِلْمُ الْحَدِيثِ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ، وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ فَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا إنْسَانًا جَازِمًا بِاعْتِقَادِ الْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا لَأَمْكَنَهُ الِاسْتِدْلَال بِالدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ عَنْ حَدِّ التَّقْلِيدِ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ تَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إلَّا وَقَدْ قَرَعَ سَمْعَهُ أَدِلَّةُ خَلْقِ الْعَالَمِ، وَأَوْصَافِ الصَّانِعِ جل جلاله وَبَعْثَةِ الرَّسُولِ عليه السلام، وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل وَذَلِكَ مُحَصِّلٌ لِلْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ مُجَاوِزٌ لِصَاحِبِهِ حَدَّ التَّقْلِيدِ.

وَأَمَّا تَفَارِيعُ الْفِقْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِلِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ التَّفَارِيعَ وَلَّدَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا فِي مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، وَتَقَدُّمُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهَا شَرْطٌ. نَعَمْ

ص: 16