المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل الهزل من العوارض المكتسبة] - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٤

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الِاسْتِحْسَانِ]

- ‌[أَقْسَامُ الِاسْتِحْسَانِ]

- ‌[بَابُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ]

- ‌[شَرْطُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[حُكْمُ الِاجْتِهَاد]

- ‌(بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ)

- ‌(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ)

- ‌[أَقْسَام الْعِلَل]

- ‌[الْعِلَل الْمُؤْثَرَة وَطُرُق دُفَعهَا]

- ‌[دَفْعِ الْعِلَل الْمُؤْثَرَة بِطَرِيقِ فاسد وَطَرِيق صَحِيح]

- ‌(بَابُ الْمُمَانَعَةِ)

- ‌بَابُ الْمُعَارَضَةِ)

- ‌[النَّوْعُ الْأَوَّلِ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي الْمُعَارَضَة الْخَالِصَة]

- ‌بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ) :

- ‌بَابُ التَّرْجِيحِ) :

- ‌[الْقِسْمُ الْأَوَّل تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ وَمَعْنَاهُ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ بَيَانُ الْمُخَلِّصِ فِي تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعِ بَيَانُ الْفَاسِدِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ]

- ‌(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ

- ‌ الْمُمَانَعَةُ

- ‌ فَسَادُ الْوَضْعِ

- ‌ الْمُنَاقَضَةُ

- ‌ بَابُ وُجُوهِ الِانْتِقَالِ) :

- ‌بَابُ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ السَّبَبِ)

- ‌بَابُ تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الشَّرْطِ)

- ‌بَابُ تَقْسِيمِ الْعَلَامَةِ) :

- ‌(بَابُ بَيَانِ الْعَقْلِ) :

- ‌(بَابُ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ) :

- ‌[أضرب الْأَهْلِيَّة]

- ‌(بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ)

- ‌(بَابُ الْأُمُورِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ) :

- ‌بَابُ الْعَوَارِضِ) (الْمُكْتَسَبَةِ) :وَهِيَ نَوْعَانِ

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ]

- ‌جَهْلُ صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ عز وجل وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ

- ‌ الْجَهْلُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ

- ‌ الْجَهْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ

- ‌[فَصْلٌ السُّكْر قسمان] [

- ‌الْقَسْم الْأَوَّل السُّكْر بِطَرِيقِ مُبَاح]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي السُّكْر بِطَرِيقِ غَيْر مُبَاح]

- ‌[فَصْلُ الْهَزْلِ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَه مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَر مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْخَطَأُ مِنْ الْعَوَارِض الْمُكْتَسِبَة]

الفصل: ‌[فصل الهزل من العوارض المكتسبة]

(فَصْلُ الْهَزْلِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ. وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتَفْسِيرُهُ اللَّعِبَ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَهُوَ ضِدُّ الْجَدِّ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا وُضِعَ لَهُ فَصَارَ الْهَزْلُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ وَلَا يُنَافِي الرِّضَاءَ بِالْمُبَاشَرَةِ وَاخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ فَصَارَ بِمَعْنَى خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَلَا يُعْدَمُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ هَذَا تَفْسِيرُ الْهَزْلِ وَأَثَرُهُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مَشْرُوطًا بِاللِّسَانِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالتَّلْجِئَةُ هِيَ الْهَزْلُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْأَهْلِيَّةِ وَلَا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا عُذْرًا فِي وَضْعِ الْخِطَابِ بِحَالٍ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَثَرُهُ مَا.

قُلْنَا وَجَبَ النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ كَيْفَ يَنْقَسِمُ فِي حَقِّ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ

ــ

[كشف الأسرار]

[فَصْلُ الْهَزْلِ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ]

فَصْلُ الْهَزْلِ)

وَأَمَّا الْهَزْلُ فَتَفْسِيرُهُ اللَّعِبُ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ هَاهُنَا وَضْعَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا غَيْرُ كَالْأَسَدِ لِلْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ وَالْإِنْسَانِ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ بَلْ الْمُرَادُ وَضْعُ الْعَقْلِ أَوْ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ عَقْلًا لِإِفَادَةِ مَعْنَاهُ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا وَالتَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ حُكْمِهِ فَإِذَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ غَيْرَ مَوْضُوعِهِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ عَدَمُ إفَادَةِ مَعْنَاهُ أَصْلًا أُرِيدَ بِالتَّصَرُّفِ غَيْرَ مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ عَدَمُ إفَادَتِهِ الْحُكْمَ أَصْلًا فَهُوَ الْهَزْلُ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْهَزْلِ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ الْعَقْلِيَّ الْكَلَامُ وَهُوَ إفَادَةُ الْمَعْنَى فِي الْمَجَازِ مُرَادًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْضُوعُ لَهُ اللُّغَوِيُّ مُرَادًا وَفِي الْهَزْلِ كِلَاهُمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ بِاللَّعِبِ إذْ اللَّعِبُ مَا لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا وَهُوَ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رحمه الله أَنَّ الْهَزْلَ مَا لَا يُرَادُ بِهِ مَعْنًى وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْهَزْلَ كَلَامٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ مَا صَلُحَ لَهُ الْكَلَامُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا مَا صَلُحَ لَهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.

وَقَوْلُهُ وَهُوَ ضِدُّ الْجَدِّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَجَازِ كَمَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابِلَ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةُ وَمُقَابِلَ الْهَزْلِ الْجَدُّ وَالْمَجَازُ دَاخِلٌ فِي الْجَدِّ كَالْحَقِيقَةِ فَكَانَ الْهَزْلُ مُخَالِفًا لَهُمَا وَلِهَذَا جَازَ الْمَجَازُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا يَجُوزُ الْهَزْلُ فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِ خُلُوَّهُ عَنْ الْإِفَادَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَصَارَ الْهَزْلُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءَ بِهِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ تَفْسِيرُ الْهَزْلِ مَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَرِدُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ كَانَ الْهَزْلُ مُنَافِيًا لِاخْتِيَارِ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءِ بِهِ ضَرُورَةً وَلَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الرِّضَاءَ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَاخْتِيَارِ الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ يَتَكَلَّمُ بِمَا هَزِلَ بِهِ عَنْ اخْتِيَارٍ وَرِضَاءٍ فَصَارَ الْهَزْلُ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّ الْخِيَارَ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْحُكْمِ لَا غَيْرُ وَلَا يُعْدَمُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْت وَاشْتَرَيْت يُوجَدُ بِرِضَاءِ الْعَاقِدِ وَاخْتِيَارِهِ فَكَذَا فِي الْهَزْلِ يُوجَدُ الرِّضَاءُ وَالِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ السَّبَبِ وَلَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّ الْهَزْلَ فِي الْبَيْعِ يُفْسِدُهُ وَخِيَارُ الشَّرْطِ لَا يُفْسِدُهُ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ الرِّضَاءِ كَمَا فِي مَسَائِلِ الْإِكْرَاهِ وَشَرْطُهُ أَيْ شَرْطُ ثُبُوتِ الْهَزْلِ وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مَشْرُوطًا بِاللِّسَانِ بِأَنْ تَقُولَ إنِّي أَبِيعُ هَذَا الشَّيْءَ هَازِلًا أَوْ أَتَصَرَّفُ التَّصَرُّفَ الْفُلَانِيَّ هَازِلًا وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ.

إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْهَازِلِ فِي الْعَقْدِ إذْ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ التَّصَرُّفَ الَّذِي هَزَلَ بِهِ جِدًّا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يُكْتَفَى بِاشْتِرَاطِهِ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ الْغَبْنِ وَمَنْعِ الْحُكْمِ عَنْ الثُّبُوتِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْعَقْدِ وَالتَّلْجِئَةُ هِيَ الْهَزْلُ ذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ التَّلْجِئَةَ أَنْ تُلْجِئَك إلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمْرًا بَاطِنُهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ فَتَكُونَ التَّلْجِئَةُ نَوْعًا مِنْ الْهَزْلِ وَالْهَزْلُ أَعَمُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ وَقَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا لَهُ بِأَنْ نَقُولَ بِعْتُك هَازِلًا وَاشْتِرَاطُ التَّلْجِئَةُ لَا يَكُونُ إلَّا سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ

ص: 357

فَيَجِبُ تَخْرِيجُهَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ وَذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ إمَّا إنْ يُدْخِلْ التَّلْجِئَةَ وَالْهَزْلَ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ أَوْ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ فَهَذَا وَجْهٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يَنْفَسِخُ أَوْ لَا وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُدْخِلَ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَى الِاعْتِقَادِ وَذَلِكَ وَجْهَانِ الْإِيمَانُ وَالرِّدَّةُ، فَأَمَّا إذَا دَخَلَ فِيمَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِثْلَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَهْزِلَا بِأَصْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ الْعِوَضِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا إنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ ثُمَّ يَتَّفِقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ أَوْ يَخْتَلِفَا فَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ بِأَصْلِهِ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَإِنَّ الْبَيْعَ مُنْعَقِدٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْهَازِلَ مُخْتَارٌ وَرَاضٍ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ وَلَا رَاضٍ بِحُكْمِهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ مُؤَبَّدًا فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ فَاسِدًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ كَخِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَعًا عَلَى احْتِمَالِ الْجَوَازِ كَرَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أَبَدًا أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ أَبَدًا فَإِنْ نَقَضَهُ أَحَدُهُمَا يُنْقَضُ وَإِنْ أَجَازَاهُ جَازَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ وَهَذَا لَمْ يَقَعْ الْمِلْكُ بِهَذَا الْبَيْعِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالسُّنَّةِ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِيجَابَ وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ.

ــ

[كشف الأسرار]

أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَفِي الْمَبْسُوطِ مَعْنَى قَوْلِهِ أُلْجِئُ إلَيْك دَارِي أَجْعَلُك ظَهْرًا لَا تُمَكَّنُ بِجَاهِك مِنْ صِيَانَةِ مِلْكِي يُقَالُ الْتَجَأَ فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ وَأَلْجَأَ ظَهْرَهُ إلَى كَذَا وَالْمُرَادُ هَذَا الْمَعْنَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَا مُلْجَأٌ مُضْطَرٌّ إلَى مَا أُبَاشِرُهُ مِنْ الْبَيْعِ مَعَك وَلَسْت بِقَاصِدٍ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ لَمَّا كَانَ أَثَرُ الْهَزْلِ مَا قُلْنَا إنَّهُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَاءَ بِهِ فَيَجِبُ تَخْرِيجُهَا أَيْ تَخْرِيجُ الْأَحْكَامِ مَعَ الْهَزْلِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ أَيْ عَلَى انْقِسَامِهَا فِي حُكْمِ الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ فَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ وَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ كَمَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ.

وَذَلِكَ أَيْ تَخْرِيجُ الْأَحْكَامِ مَعَ الْهَزْلِ بِحَسَبِ انْقِسَامِهَا فِي الرِّضَاءِ عَلَى وُجُوهٍ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَوْ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ، مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَهَذَا وَجْهٌ إنَّمَا جَعَلَهُمَا وَجْهًا لِيَصِيرَ الْجَمِيعُ أَرْبَعَةً إذْ أَكْثَرُ تَقَاسِيمِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا.

الْمُوَاضَعَةُ الْمُوَافَقَةُ يُقَالُ وَاضَعْته فِي الْأَمْرِ إذَا وَافَقْته عَلَيْهِ وَالتَّوَاضُعُ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّوَافُقِ عَلَى الشَّيْءِ فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ فَاسِدًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ وَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْبَيْعِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ يُوجِبُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ أُلْحِقَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَفِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ كَخِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مَعًا يَعْنِي إذَا شُرِطَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ خِيَارَ كُلِّ وَاحِدٍ يَمْنَعُ زَوَالَ مِلْكِهِ عَمَّا فِي يَدِهِ فَكَذَا الْهَزْلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَازِلًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُمَا عَلَى احْتِمَالِ الْجَوَازِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ انْعَقَدَ فَاسِدًا فَإِنْ نَقَضَ الْعَقْدَ أَحَدُهُمَا يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْهَزْلِ انْتَقَضَتْ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةَ النَّقْضِ فَيَنْفَرِدُ بِهِ وَإِنْ أَجَازَاهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا حُكْمَهُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِمَا لِلْحُكْمِ وَقَدْ اخْتَارَ ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُمَا كَانَ الْمُخَيَّرُ مُسْقِطًا خِيَارَهُ وَلَكِنَّ خِيَارَ الْآخَرِ يَكْفِي فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الْعَقْدِ فَإِنْ أَجَازَ صَاحِبُهُ بَعْدُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَسْقَطَا خِيَارَهُمَا.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْإِجَازَةِ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ حَتَّى لَوْ أَجَازَاهُ فِي الثَّلَاثِ صَحَّ الْعَقْدُ بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ لَوْ أَسْقَطَاهُ فِي الثُّلُثِ يَصِحُّ لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَذَا هَاهُنَا وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَمْ يَقَعْ الْمِلْكُ بِهَذَا الْبَيْعِ هَزْلًا وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَأَعْتَقَهُ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِمَا لِلْحُكْمِ بِالْقَصْدِ إلَى الْهَزْلِ فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا لَهُ فَقَبْلَ الِاخْتِيَارِ لَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ مُخْتَارًا لِلْحُكْمِ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْجَدِّ مِنْ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا أُكْرِهَ عَلَى الْجَدِّ وَأَجَابَ إلَى ذَلِكَ فَلِهَذَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى لَوْ كَانَ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ تَلْجِئَةٍ فَبَاعَهُ لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَيْضًا وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَلَا الِاخْتِيَارَ وَالرِّضَاءَ

ص: 358

وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَقَدْ بَطَلَ الْهَزْلُ بِإِعْرَاضِهِمَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْحَالَيْنِ فَجَعَلَ صِحَّةَ الْإِيجَابِ أَوْلَى إذَا سَكَتَا، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا سَكَتَا وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْبِنَاءَ فَاعْتَبَرَ الْمُوَاضَعَةَ وَأَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهَا إلَّا أَنْ يُوجَدَ النَّصُّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا كَذَلِكَ حَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمهم الله قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ لَكِنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِيمَا أَعْلَمُ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا أَعْلَمُ لَيْسَ بِشَكٍّ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَازِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ هَذَا بِقَوْلِ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْقَاضِي أَشْهَد أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ.

وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ لَا بِفَتْوَى أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْعَقْدُ الْمَشْرُوعُ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ نَصًّا

ــ

[كشف الأسرار]

بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عليه السلام «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» فَعُلِمَ بِهِ أَيْ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِيجَابَ أَيْ السَّبَبَ إذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لِنَفْسِ الْكَلَامِ وَانْعِقَادِهِ سَبَبًا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ الْفَاسِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ الْمَجْنُونِ لِفَسَادِهَا فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الْهَازِلِ صَحِيحٌ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبًا.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ) عَنْ الْمُوَاضَعَةِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً فَتَرْتَفِعُ بِمَا قَصَدَا مِنْ الْجِدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَقْدَ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَالْعَقْدُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهَا وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَنَيْنَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْرَضْنَا عَنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْحَالَيْنِ أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَفِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ أَيْ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ النَّصُّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا وَهُوَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْإِعْرَاضِ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ لَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا أَعْلَمُ يَعْنِي ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ لَفْظَةَ فِيمَا أَعْلَمُ حِينَ رَوَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ شَكًّا فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ وَالْإِنْسَانُ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِيمَا عَلَيْهِ فَكَانَ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فِيمَا أَتَيَقَّنُ بِهِ وَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعِلْمِ مُؤَكِّدًا لِإِقْرَارِهِ لَا مُبْطِلًا لَهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ تَأْكِيدًا لِلرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحَقُّقٍ لَا تَشْكِيكًا فَيَكُونُ الْخِلَافُ ثَابِتًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمِنْهُمْ أَيْ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اعْتَبَرَ هَذَا أَيْ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ هَاهُنَا بِقَوْلِ الشَّاهِدِ أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَيْ قَوْلُ الشَّاهِدِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ اسْتِثْنَاءٌ لِيَقِينِهِ وَبَيَانٌ لَشَكَّهُ بِمَنْزِلَةِ فِيمَا أَحْسَبُ أَوْ أَظُنُّ فَكَذَا هَاهُنَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ تَشْكِيكًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْغَيْرِ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ رحمهم الله؛ لِأَنَّ مَا رُوِيَ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ لِلشَّكِّ وَالْأَصْلُ هُوَ الْمُوَافَقَةُ لَمْ يَثْبُتْ الِاخْتِلَافُ فَيَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ.

وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ هَاهُنَا لِلتَّحْقِيقِ لَا لِلتَّشْكِيكِ فَكَانَ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّى رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمهم الله مُطْلَقًا أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قَوْلِهِ هَاهُنَا فِيمَا أَعْلَمُ بِمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِمَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ مَحْضٌ عَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِهِ زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ وَالرِّوَايَةُ مِثْلُهُ فَتَلْحَقُ بِهِ فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَفِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ حَتَّى اخْتَصَّتْ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَحُضُورِ الْحَادِثَةِ وَلَا تَتَأَدَّى بِلَفْظَةِ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ فَكَانَ قَوْلُ الشَّاهِدِ فِيمَا أَعْلَمُ مُوهِمًا لِلشَّكِّ فِي الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ لَا بِفَتْوَى أَبِي حَنِيفَةَ رَدٌّ لِمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَوَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بِكَلَامِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ رحمه الله -

ص: 359

فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّحْقِيقِ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ وَهُمَا اُعْتُبِرَا لِعَادَةٍ وَهُوَ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ مَا أَمْكَنَ.

أَلَا تَرَى أَنَّهَا أَسْبَقُ الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْآخَرُ نَاسِخٌ وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَقْدِ لَكِنَّهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا هَزْلٌ وَتَلْجِئَةٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ كَانَ الثَّمَنُ بِالْيَقِينِ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَالْهَزْلُ بَاطِلٌ وَالتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ وَاجِبٌ وَالْأَلْفُ الَّذِي هَزَلَا بِهِ بَاطِلٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَصْلِ

ــ

[كشف الأسرار]

فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَعْلَمُهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ فَأُلْحِقَ قَوْلُهُ فِيمَا أَعْلَمُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ مُوجِبٌ لِلشَّكِّ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ.

كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا أَشُكُّ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِلَافُ وَغَرَضُ الشَّيْخِ رحمه الله إثْبَاتُ الِاخْتِلَافِ فَقَالَ هُوَ مُلْحَقٌ بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ عِنْدَهُ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُوجِبُ شَكًّا فِي الرِّوَايَةِ فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ ثَابِتًا فَصَارَ كَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ إنْ فِيمَا أَتَيَقَّنُ وَأَعْلَمُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ لِعَارِضٍ فَمَنْ ادَّعَى عَدَمَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَكَانَ دَعْوَى الْآخَرِ الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ كَدَعْوَاهُ خِيَارَ الشَّرْطِ فَلَا يُقْبَلُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً بَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِإِبْطَالِهَا فَإِعْرَاضُ أَحَدِهِمَا عَنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ كَإِعْرَاضِهِمَا وَإِذَا بَطَلَتْ الْمُوَاضَعَةُ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا ثُمَّ اخْتِلَافُهُمَا فِي بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي أَصْلِ الْمُوَاضَعَةِ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ وَجَحَدَهُ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ وَكَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمَا فَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا.

وَفِيمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ إنَّمَا صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً فِيهِ.

كَمَا لَوْ تَوَاضَعَا عَلَى شَرْطِ خِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ وَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ فَهَذَا مِثْلُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْعَقْدُ الْمَشْرُوعُ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ أَيْ الْعَقْدُ شُرِعَ لِإِيجَابِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ جِدٌّ هَاهُنَا لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْهَزْلِ بِهِ نَصًّا فَهُوَ أَيْ الْجِدُّ أَوْلَى بِالتَّحْقِيقِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي هِيَ عَارِضَةٌ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِمَنْ يَدَّعِي الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَا تَوَاضَعَا إلَّا لِيَبْنِيَا عَلَيْهِ صَوْنًا لِلْمَالِ عَنْ يَدِ الْمُتَغَلِّبِ فَيَكُونُ فِعْلُهُمَا بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْعَلْ بِنَاءً عَلَيْهَا كَانَ اشْتِغَالُهُمَا بِهَا اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الصِّحَّةُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله كَانَ هَذَا الظَّاهِرُ مُعَارِضًا لَهُ فَتَرَجَّحَ السَّابِقُ مِنْهُمَا إذْ السَّبَقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَةَ الْهَزْلِ لَمْ يُعَارِضْهَا شَيْءٌ فَثَبَتَ حُكْمُهُ بِلَا مُعَارِضٍ وَالسُّكُوتُ فِي حَالَةِ الْعَقْدِ أَوْ الِاخْتِلَافِ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْجِدِّ وَلَا لِلْهَزْلِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالسَّابِقِ.

وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْآخَرَ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ مَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْجِدَّ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ شَرْعًا وَعَقْلًا وَكَمَا يَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَسْبِقْهُ مُوَاضَعَةٌ عَلَى الْهَزْلِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إذَا سَبَقَهُ مُوَاضَعَةٌ إنْ أَمْكَنَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْهَزْلِ نَصًّا وَعَدَمِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ فَيُحْمَلُ

ص: 360

وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُمَا جَدَّا فِي الْعَقْدِ، وَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ يَجْعَلُهُ شَرْطًا فَاسِدًا فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْوَصْفِ أَعْنِي تَعَارُضَ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْبَدَلِ وَالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَا أَعْلَمُ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.

وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَنَّ ذَلِكَ تَلْجِئَةٌ وَإِنَّمَا الثَّمَنُ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ هَا هُنَا فَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْهَزْلِ فِي الْقَدْرِ قَالَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَتَيْنِ مُمْكِنٌ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ، وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى شَرْطٌ لَا طَالِبَ لَهُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ

ــ

[كشف الأسرار]

عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ نَاسِخًا لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ.

بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ لِوُجُودِ التَّصْرِيحِ بِالْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ فَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله حَتَّى يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِأَلْفَيْنِ عِنْدَهُ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِأَلْفٍ وَالْأَلْفُ الَّذِي هَزَلَا بِهِ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ يَعْنِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْأَصْلَ هُوَ الْجِدُّ وَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مَا أَمْكَنَ وَعِنْدَهُمَا الْأَصْلُ هُوَ الْمُوَاضَعَةُ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهَا أَحَقَّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله) أَيْضًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَهِيَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَهُمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا السُّمْعَةَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَلَا حَاجَةَ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ إلَى اعْتِبَارِ تَسْمِيَتِهِمَا الْأَلْفَ الَّذِي هَزَلَا بِهِ فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءٌ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا جَدَّا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَقَصَدَا بَيْعًا جَائِزًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاضَعَةُ فِي الْبَدَلِ لَصَارَ الْعَقْدُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ فَيَصِيرُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِيهِ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْهَزْلِ فِي مَنْعِ الْوُجُوبِ لَا فِي الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لَهُمَا فَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ وَفَصَّلَ الثَّمَنَ.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِمَا قَصَدَا مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ مَعَ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْبَدَلِ لِانْدِفَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَاضَعَتَيْنِ بِالْأُخْرَى فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ صَحِيحًا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمُوَاضَعَتَيْنِ أَوَّلًا مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْوَصْفِ وَهِيَ أَنْ لَا يَجِبَ الْأَلْفُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ تَابِعٌ وَالْأَصْلُ مَتْبُوعٌ فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْوَصْفِ وَدَلِيلُ كَوْنِ الثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّهْيِ وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى وَجَبَ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ فَكَانَ الثَّمَنُ أَلْفَيْنِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ يَعْنِي الْمُوَاضَعَةَ عَلَى الْهَزْلِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ حَيْثُ الْعَمَلُ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مُعَارِضٌ يَمْنَعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا، وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَارِضُ هَاهُنَا وَهُوَ قَصْدُهُمَا إلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهَا وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله فِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْ فِي الْهَزْلِ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِي رِوَايَتِهِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِيمَا أَعْلَمُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْهَزْلُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَلَكِنَّ الْمُعَلَّى رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمهم الله قَوْلَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فَيَحْتَمِلُ قَوْلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا عَلَى التَّشْكِيكِ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ) عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ بِالْمُسَمَّى بِالِاتِّفَاقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ الْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِمَا سَمَّيَا

ص: 361

فَأَمَّا هَا هُنَا فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِالْهَزْلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ لِغَيْرِ ثَمَنٍ فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ أَوْلَى.

وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مَا لَا مَالَ فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَالُ فِيهِ تَبَعًا وَمَا كَانَ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا أَمَّا الَّذِي لَا مَالَ فِيهِ هُوَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ وَالْهَزْلُ بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» وَلِأَنَّ الْهَازِلَ مُخْتَارٌ لِلسَّبَبِ رَاضٍ بِهِ دُونَ حُكْمِهِ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِي، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ خِيَارَ الشَّرْطِ.

وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ تَبَعًا مِثْلَ النِّكَاحِ فَعَلَى أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَهْزِلَا بِأَصْلِهِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ أَوْ بِجِنْسِهِ أَمَّا الْهَزْلُ بِأَصْلِهِ فَبَاطِلٌ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ

ــ

[كشف الأسرار]

وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْعَقْدِ مَا قَصَدَا أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَلَا يُكْتَفَى بِالذِّكْرِ قَبْلَ الْعَقْدِ بَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْبَدَلِ فِيهِ فَبَقِيَ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ وَهُمَا قَصَدَا الْجِدَّ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ هَاهُنَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِمَا سَمَّيَا مِنْ الْبَدَلِ يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعَاقَدَةَ بَعْدَ الْمُعَاقَدَةِ فِي الْبَيْعِ إبْطَالٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ تَبَايَعَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ الْبَيْعُ الثَّانِي مُبْطِلًا لِلْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ بِخِلَافِ جِنْسِ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ مُبْطِلًا لِلْمُوَاضَعَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ هَذَا أَيْ بَيْنَ الْهَزْلِ فِي جِنْسِ الْبَدَلِ وَبَيْنَ الْهَزْلِ فِي قَدْرِهِ وَقَالَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ هُنَاكَ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَتَيْنِ وَهُمَا الْمُوَاضَعَةُ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ الْعَقْدِ وَالْمُوَاضَعَةُ عَلَى الْهَزْلِ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُجْعَلَ الْعَقْدُ مُنْعَقِدًا بِأَلْفٍ وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ فِي الْأَلْفَيْنِ مَوْجُودٌ وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْآخَرِ شَرْطٌ لَا طَالِبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ ذَكَرَاهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَطْلُبُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ هَزْلٌ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمَا وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ وَكُلُّ شَرْطٍ لَا طَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا إذَا اشْتَرَى فَرَسًا عَلَى أَنْ يَعْلِفَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا مَنًا مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ اشْتَرَى حِمَارًا عَلَى أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَذَا مَنًا مِنْ الْحِنْطَةِ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَذَا هُنَا.

وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ وَيَبْطُلُ الْآخَرُ فَأَمَّا هَاهُنَا أَيْ فِي الْهَزْلِ بِجِنْسِ الْبَدَلِ فَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِالْهَزْلِ أَيْ مَعَ الْعَمَلِ بِهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِمَا ذُكِرَ فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْعَقْدِ وَهِيَ أَنْ يَنْعَقِدَ صَحِيحًا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ أَصْلٌ وَالثَّمَنَ تَبَعٌ وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الدَّنَانِيرِ الْمُسَمَّاةِ لَا عَلَى الدَّرَاهِمِ.

قَوْلُهُ (أَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ لَا يَجْرِي فِيهِ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَكَذَا لَا مَالَ فِيهِ أَصْلًا أَيْ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ فِيهِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَالذِّكْرِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَيْضًا قَوْلُهُ عليه السلام «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ» الْحَدِيثُ فَفِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَفِي الْبَاقِي ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ كَذَا قِيلَ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَيْ الْعِلَلِ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ بِالْإِقَالَةِ وَالْفَسْخِ وَلَا التَّرَاخِي بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَبِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَلْ يَبْطُلُ وَالتَّعْلِيقُ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ يُؤَخِّرُ السَّبَبَ بِحُكْمِهِ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الْمُضَافُ فَإِنَّهُ سَبَبٌ فِي الْحَالِ وَقَدْ تَرَاخَى حُكْمُهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْعِلَلُ، وَالطَّلَاقُ الْمُضَافُ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوُقُوعِ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَنِدُ حُكْمُهُ إلَى وَقْتِ الْإِيجَابِ وَلَوْ كَانَ عِلَّةً لَاسْتَنَدَ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَا تَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ أَحْكَامِهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْهَزْلُ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَإِذَا انْعَقَدَ وُجِدَ حُكْمُهُ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ، وَحُكْمُهُ يَقْبَلُ التَّرَاخِيَ عَنْهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَلَا جَرَمَ أَثَّرَ فِيهِ الْهَزْلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَيْ هَذَا النَّوْعَ.

قَوْلُهُ (أَمَّا الْهَزْلُ بِأَصْلِهِ فَبَاطِلٌ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِأَلْفٍ تَزَوُّجًا

ص: 362

وَأَمَّا الْهَزْلُ بِالْقَدْرِ فِيهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَإِنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَالْمَهْرُ أَلْفٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ يَفْسُدُ وَالنِّكَاحُ بِمِثْلِهِ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَإِنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِأَلْفٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِي هَذَا فَلَا يُجْعَلُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِصِحَّةِ الْمُوَاضَعَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَذَا أَصَحُّ.

وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الدَّنَانِيرِ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ دَرَاهِمُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمَهْرُ مَا سَمَّيَا وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى شَيْءٍ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَيَطْلُبُ الْمُوَاضَعَةَ

ــ

[كشف الأسرار]

بَاطِلًا وَهَزْلًا وَوَافَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا كَانَ النِّكَاحُ لَازِمًا فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَمَّيَا مِنْ الْمَهْرِ لِلْحَدِيثِ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَزْلَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ.

وَأَمَّا الْهَزْلُ بِالْقَدْرِ فِيهِ أَيْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِي النِّكَاحِ بِأَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ وَوَلِيِّهَا أَوْ قَالَ لِوَلِيِّهَا دُونَهَا إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك أَوْ أَتَزَوَّجَ فُلَانَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَظْهَرَ فِي الْعَلَانِيَةِ أَلْفَيْنِ وَأَجَابَهُ الْوَلِيُّ أَوْ الْمَرْأَةُ إلَى ذَلِكَ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ عَلَانِيَةً كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِكُلِّ حَالٍ وَالْمَهْرُ أَلْفَانِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ وَأَلْفٌ بِالِاتِّفَاقِ إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَالْمَالُ مَعَ الْهَزْلِ لَا يَجِبُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ يَجِبُ تَمَامُ الْأَلْفَيْنِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ فَاسِدٍ وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَا فِي الصَّدَاقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ بِأَلْفٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَيْثُ يَنْعَقِدُ بِأَلْفَيْنِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِيهِ ثُبُوتُ الْحِلِّ فِي الْجَانِبَيْنِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ التَّنَاسُلُ وَإِنَّمَا شُرِعَ الْمَالُ فِيهِ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْمَحَلِّ لَا مَقْصُودًا وَلِهَذَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَيَتَحَمَّلُ فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ مَا لَا يَتَحَمَّلُ فِي غَيْرِهِ.

فَلَا يُجْعَلُ أَيْ الْمَهْرُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ أَيْ بِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِأَنْ يُرَجِّحَ جَانِبَ الْجِدِّ عَلَى الْهَزْلِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَتْ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَجُعِلَ الْمَهْرُ أَلْفَيْنِ لَصَارَ الْمَهْرُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ إذْ أَصْلُ النِّكَاحِ صَحِيحٌ بِلَا شُبْهَةٍ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ فِيهِ وَلِعَدَمِ افْتِقَارِهِ فِي الصِّحَّةِ إلَى ذِكْرِ الْمَهْرِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ مَقْصُودًا فِيهِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ فِيهِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُكْنَيْ الْبَيْعِ وَلِهَذَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِفَسَادِهِ وَجَهَالَتِهِ كَمَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمَبِيعِ وَجَهَالَتِهِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِدُونِ ذِكْرِهِ وَإِذَا كَانَ مَقْصُودًا وَجَبَ تَصْحِيحُهُ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْجِدِّ عَلَى الْهَزْلِ إذَا أَمْكَنَ وَلَا يُقَالُ الثَّمَنُ تَابِعٌ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ عَلَى مَا مَرَّ لِأَنَّا نَقُولُ وَهُوَ تَابِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَبِيعِ فِي مَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ وَلَكِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْبَيْعِ سِوَى حُصُولِ الثَّمَنِ وَلِهَذَا كَانَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُبَادَلَةُ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ رُكْنٌ زَائِدٌ كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَالْإِقْرَارِ مَعَ التَّصْدِيقِ فِي الْأَيْمَان فَأَمَّا الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ ثُبُوتُ الْحِلِّ فِي الْجَانِبَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.

وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ أَيْ التَّسْمِيَةُ بِالْمَهْرِ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ وَافْتِقَارُهُ إلَيْهَا مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّسْمِيَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا كَابْتِدَاءِ الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا وَكَذَا الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ تَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَمَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَكَذَا الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهَا بِالْإِفْسَادِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ وَفِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ أَيْ فِيمَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْبَيْعِ وَاتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ فِي الصُّورَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ تَرْجِيحًا لِلصِّحَّةِ عَلَى الْفَسَادِ

ص: 363

وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.

وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا، مِثْلُ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَيْضًا فَإِنْ هَزَلَا بِأَصْلِهِ وَاتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي الْخُلْعِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ وَالْمَالَ لَازِمٌ وَهَذَا عِنْدَنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَقَدْ نَصَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْخُلْعِ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ فَيَقَعَ الطَّلَاقُ وَيَجِبَ الْمَالُ لِمَا عُرِفَ ثَمَّةَ وَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ وَاجِبٌ وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ هَذَا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ فِي هَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَإِنْ هَزَلَا بِالْكُلِّ لَكِنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ

ــ

[كشف الأسرار]

فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَكَالْبَيْعِ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ مُؤَثِّرٌ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالْإِفْسَادِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهْدَارَ جَانِبِ الْهَزْلِ وَاعْتِبَارَ الْجِدِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا الْهَزْلَ بِمَا سَمَّيَاهُ فِي الْعَقْدِ وَمَعَ الْهَزْلِ لَا يَجِبُ الْمَالُ وَمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا بَيْنَهُمَا لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ وَالْمُسَمَّى لَا يَثْبُتُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ فَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بِخِلَافِ فَصْلِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ سَمَّيَا مَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَزِيَادَةً؛ لِأَنَّ فِي تَسْمِيَةِ الْأَلْفَيْنِ تَسْمِيَةَ الْأَلْفِ وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ فَيَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ ضَرُورَةً وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِلَا تَسْمِيَةٍ فَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ وَتُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ التَّسْمِيَةِ.

وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ إذْ لَا حَاجَةَ لِانْعِقَادِ النِّكَاحِ إلَى صِحَّتِهِ كَمَا فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ فَيَبْقَى النِّكَاحُ بِلَا تَسْمِيَةٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَبَطَلَتْ الْمُوَاضَعَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا) إنَّمَا كَانَ الْمَالُ فِي هَذَا الْقَسَمِ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ فِيهِ بِدُونِ الذِّكْرِ فَلَمَّا شَرْطَا الْمَالَ فِيهِ عُلِمَ أَنَّهُ فِيهِ مَقْصُودٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَيْضًا يَعْنِي الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْمُنْقَسِمَةَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا فَإِنَّهُمَا إمَّا إنْ هَزَلَا بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِيهِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَإِنْ هَزَلَا بِأَصْلِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي بَانَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ خَالَعَهَا بِطَرِيقِ الْهَزْلِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ أَوْ صَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ هَازِلًا وَقَدْ تَوَاضَعَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هَزْلٌ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي الْخُلْعِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ.

قَالَ الشَّيْخُ رحمهم الله وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدَنَا أَرَادَ بِهِ نَفْسِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ لِمَا مَرَّ.

وَقَدْ نَصَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَعْنِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَبِلْت إنْ رَدَّتْ الطَّلَاقَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَطَلَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْأَلْفُ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا شَرْطٌ لِلْيَمِينِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخِيَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّ جَانِبَهَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِعِوَضٍ.

أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِدَايَةَ لَوْ كَانَتْ مِنْ جَانِبِهَا فَرَجَعَتْ قَبْلَ قَبُولِ الزَّوْجِ صَحَّ رُجُوعُهَا وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ قَبُولِ الزَّوْجِ بَطَلَ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ تَمْلِيكُ مَالٍ جُعِلَ شَرْطًا بِهَذَا الْوَصْفِ كَرَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا

ص: 364

وَعِنْدَهُمَا هُوَ جَائِزٌ وَلَا يُفِيدُ الِاخْتِلَافُ وَإِنْ سَكَتَا وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَهُوَ جَائِزٌ لَازِمٌ بِإِجْمَاعٍ. وَأَمَّا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْلِ فِي بَعْضِ الْبَدَلِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْمَالُ كُلُّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا الْمَالَ لَازِمًا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ

ــ

[كشف الأسرار]

فَعَبْدِي هَذَا الْآخَرُ حُرٌّ إنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمُعَارَضَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ فَإِذَا بَطَلَ بِحُكْمِ الْخِيَارِ بَطَلَ كَوْنُهُ شَرْطًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ رحمه الله وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا عُرِفَ ثَمَّةَ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ مِثْلُ الْخِيَارِ الْهَزْلُ يَكُونُ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ فِي الْخُلْعِ وَأَمْثَالِهِ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ جَازَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي بَابِ الْخُلْعِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشُّرُوطِ جَائِزٌ مُطْلَقًا فَلَا يَجِبُ التَّقْدِيرُ بِمُدَّةٍ.

أَمَّا الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ فَعَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشُّرُوطِ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ بِالنَّصِّ مُقَدَّرًا بِالثُّلُثِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَيَبْطُلُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيمَا وَرَاءَ الثَّلَاثِ عَمَلًا بِالْقِيَاسِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْمَرْأَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِمُضِيِّ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مُؤَبَّدًا فَيَكُونُ لَهَا خِيَارٌ ثَابِتٌ فِيمَا فَوْقَ الثَّلَاثِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لَهَا فِي الثَّلَاثِ فَكَانَ لَهَا وِلَايَةُ النَّقْضِ وَالْإِثْبَاتِ مَتَى شَاءَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ الْهَزْلُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ فِي الْخُلْعِ وَأَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِي جَانِبِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَالُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الطَّلَاقِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِالثَّلَاثِ كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ لَكِنَّهُ تَابِعٌ فِي الثُّبُوتِ لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ كَمَالِ الثَّمَنِ تَابِعٌ فِي الْبَيْعِ وَبِالنَّظَرِ الْمَقْصُودِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ بِالثَّلَاثِ كَمَا بَيَّنَّا وَإِنْ هَزَلَا بِالْكُلِّ أَيْ بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ وَالْبَدَلِ جَمِيعًا لَكِنَّهُمَا أَعْرَضَا عَنْ الْمُوَاضَعَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ إذْ الْهَزْلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَوُجُوبِ الْمَالِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ لِبُطْلَانِ الْهَزْلِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله حَتَّى لَزِمَ التَّصَرُّفُ وَوَجَبَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْهَزْلَ مُؤَثِّرًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْوُقُوعِ كَمَا جَعَلَهُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَيْعِ ثُمَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبَيْعِ يُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ تَرْجِيحًا لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ عِنْدَهُ عَلَى الْهَزْلِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَعِنْدَهُمَا هُوَ أَيْ التَّصَرُّفُ جَائِزٌ أَيْ لَازِمٌ وَالْمَالُ وَاجِبٌ.

وَلَا يُفِيدُ الِاخْتِلَافُ أَيْ اخْتِلَافُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ عِنْدَهُمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَلَا فِي الْمَالِ فِي حَالِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ فَفِي حَالِ الِاخْتِلَافِ أَوْلَى وَإِنْ سَكَتَا وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَالتَّصَرُّفُ جَائِزٌ لَازِمٌ حَتَّى وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَزِمَ الْمَالُ بِالْإِجْمَاعِ لِبُطْلَانِ الْهَزْلِ عِنْدَهُمَا وَلِرُجْحَانِ الْجِدِّ عِنْدَهُ فَصَارَ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدًا وَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْجَوَابِ فِيهِمَا مَعَ اخْتِلَافِ التَّجَرُّعِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ فَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ) ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِالْمَنْعِ عِنْدَهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا جَادَّانِ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَالْمَالُ كُلُّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْمَالِ لَكِنَّ الْمَالَ ثَابِتٌ فِي ضِمْنِ الْخُلْعِ تَبَعًا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ إذْ

ص: 365

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْبَدَلِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِالشَّرْطِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ لَزِمَ الطَّلَاقُ وَالْمَالُ كُلُّهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ يَحْضُرُهُمَا شَيْءٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجِدِّ وَجَعَلَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْمُوَاضَعَةِ وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا. وَأَمَّا إذَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْمَالِ فَذَكَرَا الدَّنَانِيرَ تَلْجِئَةً وَغَرَضُهُمَا الدَّرَاهِمُ فَإِنَّ الْمُسَمَّى هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمَا فِي هَذَا بِكُلِّ حَالٍ وَصَارَ كَاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ تَبَعًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْإِعْرَاضَ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ.

ــ

[كشف الأسرار]

الْعِبْرَةُ لِلْمُتَضَمِّنِ لَا لِلْمُتَضَمَّنِ كَالْوَكَالَةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ تَلْزَمُ بِلُزُومِهِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ تَمَامُ الْمُسَمَّى فَإِنْ قِيلَ لَا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الْمَالِ فِي هَذَا النَّوْعِ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ فِيهِ مَقْصُودًا بِقَوْلِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ فِيهِ تَبَعٌ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي النِّكَاحِ تَابِعٌ وَقَدْ أَثَّرَ الْهَزْلُ فِيهِ حَتَّى كَانَ الْمَهْرُ أَلْفًا فِيمَا إذَا هَزَلَا فِيهِ بِقَدْرِ الْبَدَلِ دُونَ الْأَلْفَيْنِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قُلْنَا الْمَالُ هَاهُنَا مَقْصُودٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ.

فَأَمَّا فِي حَقِّ الثُّبُوتِ فَهُوَ تَابِعٌ لِلطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِيهِ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ فَأَمَّا الْمَالُ فِي النِّكَاحِ فَتَابِعٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْأَصْلِ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْآخَرِ وَحُصُولُ الِازْدِوَاجِ دُونَ الْمَالِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الثُّبُوتِ فَلَهُ نَوْعُ أَصَالَةٍ حَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَاقِدَيْنِ بَلْ يَثْبُتُ بِلَا ذِكْرٍ وَيَثْبُتُ مَعَ النَّفْيِ صَرِيحًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي حُكْمِ الْهَزْلِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ رحمه الله ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي بَابِ التَّلْجِئَةِ أَنَّهُمَا لَوْ تَوَاضَعَا فِي النِّكَاحِ عَلَى أَلْفٍ فِي السِّرِّ ثُمَّ عَقَدَا فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ مِثْلُ النِّكَاحِ إذَا كَانَ الْهَزْلُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ فِي أَنَّ الْبَدَلَ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ دُونَ الْمُسَمَّى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى فَرْقٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجِبُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا أَيْ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ لَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلِّ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَلَّقَهُ الزَّوْجُ بِهِ إذْ هُوَ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ وَهُوَ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ حَيْثُ ذَكَرَ الْأَلْفَيْنِ فِي الْعَقْدِ دُونَ الْأَلْفِ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْهَزْلَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي جَانِبِهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ الْبَدَلَ وَالْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْيَمِينِ فَكَانَ الْهَزْلُ وَالْجِدُّ فِيهِ سَوَاءً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الطَّلَاقُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ.

وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ أَيْ بَعْضُ الْبَدَلِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ يَعْنِي لَمَّا تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ كَانَ شَرْطُ وُقُوعِهِ قَبُولَ الْجَمِيعِ، وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَقْبَلْ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّهَا هَازِلَةٌ فِي قَبُولِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَالْهَزْلُ مُؤَثِّرٌ فِي جَانِبِهَا كَخِيَارِ الشَّرْطِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَبِلَتْ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ فِي الْحَالِ وَتَعَلَّقَ قَبُولُهَا الْأَلْفَ الْآخَرَ بِإِعْرَاضِهَا عَنْ الْهَزْلِ وَقَبُولُهَا إيَّاهُ بِطَرِيقِ الْجِدِّ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِالشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفَيْنِ فَقَبِلَتْ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ وَلَمْ تَقْبَلْ الْآخَرَ وَعَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْزَمُ الْأَلْفُ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا أُلْحِقَ جَانِبُ الْمَرْأَةِ بِالْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى قُلْنَا إنَّمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِتَمَامِ الْمُسَمَّى لِعَدَمِ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَأَمَّا الْخُلْعُ فَلَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَأَمْكَنَ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهَا يُوجِبُ هَاهُنَا أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا قَوْلُهُ

ص: 366

وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالسُّكُوتِ مُخْتَارٌ فَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ وَبَعْدَ الطَّلَبِ وَالْإِشْهَادِ السَّلَمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ إبْرَاءُ الْغَرِيمِ.

ــ

[كشف الأسرار]

وَأَمَّا إذَا هَزَلَا بِأَصْلِ الْمَالِ أَيْ بِجِنْسِهِ فَذَكَرَا الدَّنَانِيرَ تَلْجِئَةً وَغَرَضُهُمَا الدَّرَاهِمُ فَإِنَّ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ عِنْدَهُمَا وَلَا فِي الْمَالِ تَبَعًا لَهُ فَصَارَ الْمُسَمَّى بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ أَيْضًا تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ عَلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ وَاخْتِيَارُهَا الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مَنَعَ صِحَّةَ قَبُولِ الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِقَبُولِ الدَّنَانِيرِ وَهِيَ لَمْ تَقْبَلْ فَيَتَوَقَّفُ إلَى الْقَبُولِ كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَفِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ الْمَالُ اعْتِبَارًا لِلْجِدِّ وَأُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِكُلِّ حَالٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ أَيْ مِثْلُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فِي الْخُلْعِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ يَعْنِي الْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ. قَوْلُهُ وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ أَيْ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ طَلَبُ الشُّفْعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عُلِمَ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَطْلُبْ عَلَى الْفَوْرِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.

وَالثَّانِي طَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادِ وَهُوَ أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَيَشْهَدَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ عَلَى طَلَبِ الشُّفْعَةِ فَيَقُولُ إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَقَدْ طَلَبْت الشُّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَبِهَذَا الطَّلَبِ تَسْتَقِرُّ شُفْعَتُهُ حَتَّى لَا تَبْطُلَ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

وَالثَّالِثُ طَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ فَإِذَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ هَازِلًا قَبْلَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ كَالسُّكُوتِ مُخْتَارًا إذْ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلًا سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ضَرُورَةً وَأَنَّهَا تَبْطُلُ بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ فَكَذَا بِالسُّكُوتِ حُكْمًا وَبَعْدَ الطَّلَبِ وَالْإِشْهَادِ أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبِ الْإِشْهَادِ التَّسْلِيمُ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ بَاطِلٌ وَالشُّفْعَةُ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَالتَّقْرِيرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَطَلَ التَّسْلِيمُ وَبَقِيَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْقَاءُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَاءِ بِالْحُكْمِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُ الرِّضَاءَ بِهِ فَيَبْطُلُ التَّسْلِيمُ فَكَذَا الْهَزْلُ يَمْنَعُ الرِّضَاءَ بِالْحُكْمِ فَيَبْطُلُ بِهِ التَّسْلِيمُ كَمَا يَبْطُلُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ إبْرَاءُ الْغَرِيمِ فِي أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأهُ هَازِلًا لَا يَصِحُّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ أُشِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280] فَيُؤَثِّرُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فَكَذَا الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ.

وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيلُ هَازِلًا لَا يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْكَفِيلُ

ص: 367

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْإِقْرَارُ فَإِنْ الْهَزْلَ يُبْطِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْفَسْخُ أَوْ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَالْهَزْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ.

ــ

[كشف الأسرار]

عَلَى عَيْنٍ وَهَلَكَتْ الْعَيْنُ أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ يَنْفَسِخُ الصُّلْحُ وَتَعُودُ الْكَفَالَةُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ الْهَزْلُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ كَالْخِيَارِ كَذَا رَأَيْت مَكْتُوبًا بِخَطِّ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) أَيْ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُخْبِرَا أَنَّهُمَا تَبَايَعَا هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي قَدْ كُنْت بِعْتُك عَبْدِي هَذَا يَوْمَ كَذَا بِكَذَا وَقَالَ الْآخَرُ صَدَقْت فَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ بَاطِلًا فَبِالْإِخْبَارِ بِهِ لَا يَصِيرُ حَقًّا.

أَلَا تَرَى أَنَّ فِرْيَةَ الْمُفْتَرِينَ وَكُفْرَ الْكَافِرِينَ لَا يَصِيرُ حَقًّا بِإِخْبَارِهِمْ بِهِ وَهَاهُنَا ثَبَتَ كَوْنُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَذِبًا بِالْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ فَلَا يَصِيرُ حَقًّا بِالْإِقْرَارِ وَلَوْ أَجْمَعَا عَلَى إجَازَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْعَقْدَ الْمُنْعَقِدَ وَبِالْإِقْرَارِ كَاذِبًا لَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ فَلَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.

أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ صَنَعَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَا طَلَاقًا وَلَا عَتَاقًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْمُوَاضَعَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَا طَلَاقًا وَلَا عَتَاقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ عز وجل وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يُصَدِّقُهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ إذَا أَقَرَّ بِهِ طَائِعًا فَثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَعَ التَّلْجِئَةِ كَمَا ثَبَتَ مَعَ الْإِكْرَاهِ.

لِأَنَّهُ أَيْ الْإِقْرَارَ يَعْنِي صِحَّتَهُ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ أَيْ وُجُودَهُ وَتَحَقُّقَهُ فِي الْمَاضِي. وَالْهَزْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي الْمَاضِي فَيَمْنَعُ انْعِقَادَهُ أَصْلًا فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْ الْإِقْرَارُ بِمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَبِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجَمِيعَ يَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمُخْبَرِ بِهِ فَيُؤَثِّرُ الْهَزْلُ فِي الْكُلِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ أَصْلًا حَتَّى كَانَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَتَهُ وَالْعَبْدُ عَبْدَهُ كَمَا كَانَا لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ قَاصِدٌ إلَى دَفْعِ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَمَا يَبْطُلُ بِالْإِكْرَاهِ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا لَمَا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْهُ هَزْلًا بُطْلَانًا لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَلْحَقُ بِشَيْءٍ يَنْعَقِدُ وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ وَهَذَا الْإِقْرَارُ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِشَيْءٍ أَصْلًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا وَبِالْإِجَازَةِ لَا يَصِيرُ الْكَذِبُ صِدْقًا بِوَجْهٍ فَكَانَ كَبَيْعِ الْحُرِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ هَزْلًا؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ يَعْتَمِدُ انْعِقَادُهُ أَهْلِيَّةَ الْمُتَكَلِّمِ وَصِحَّةَ الْعِبَارَةِ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ.

قَوْلُهُ (لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ مَبْنَى الرِّدَّةِ عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا لِوُجُودِ الْهَزْلِ فَإِنَّهُ يُنَافِي الرِّضَاءَ بِالْحُكْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرًا كَمَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالسُّكْرِ فَقَالَ الْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرٌ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ لَكِنْ بِعَيْنِ الْهَزْلِ يَعْنِي أَنَّا لَا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ مَا هَزَلَ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ بَلْ نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ نَفْسَ الْهَزْلِ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِحُكْمٍ مَا هَزَلَ بِهِ لِكَوْنِهِ هَازِلًا فِيهِ فَهُوَ جَادٌّ فِي نَفْسِ التَّكَلُّمِ بِهِ مُخْتَارٌ لِلسَّبَبِ رَاضٍ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّ النَّبِيَّ عليه السلام هَازِلًا مَثَلًا أَوْ دَعَا لِلَّهِ تَعَالَى شَرِيكًا هَازِلًا فَهُوَ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ مُخْتَارٌ لِذَلِكَ

ص: 368