المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المحتويات الافتتاحية: العناية بالتراث الإسلامي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ تمهيد

- ‌(العينة والتورق)

- ‌من مسائل السلم

- ‌الفتاوى

- ‌ إقامة احتفال بمناسبة مولده صلى الله عليه وسلم

- ‌ الوعظ في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ التاريخ الصحيح لمولد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ الكتاب المسمى بالبردة المديح

- ‌ حضور الاحتفالات البدعية

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ /عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

- ‌ الصلاة خلف العاصي

- ‌ من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌ مراعاة المصالح العامة

- ‌ إزالة الشعر الذي ينبت في وجه المرأة

- ‌ ضرب الطالبات لغرض التعليم

- ‌(الوشم)

- ‌ التعاون بالجهر أفضل أم بالسر

- ‌ التعاون على البر والتقوى في البيت

- ‌ العلاج لمن يعصي ويتوب ثم يرجع إلى المعصية

- ‌النص المحقق

- ‌ تعريف الشرك وأقسامه:

- ‌الخاتمة

- ‌المبادرة والمسابقة إلى الأعمال الصالحةفي ضوء الكتاب والسنة

- ‌ المقدمة:

- ‌ الندب إلى المبادرة والمسابقة في الكتاب والسنة

- ‌ الحض على التسابق والتنافس في الباقيات الصالحاتوالتحذير من التنافس في الملذات والشهوات

- ‌ الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهد أصحابه بالتربية والقدوة حتى يصبح السبقخلقا من أخلاقهم

- ‌ من نتائج المبادرة والمسابقة وآثارها على الصحابة رضي الله عنهم

- ‌ المبادرة والمسابقة فيها تنشيط للهمم وإذكاء للعزائم وبعث لروح المنافسة بوجود القدوة:

- ‌المراجع

- ‌بطلان علاماته التي ميزوه بها:

- ‌الوضع:

- ‌التبادر إلى الذهن حين الإطلاق:

- ‌صحة النفي:

- ‌اختلاف صيغة الجمع:

- ‌التوقف على المسمى الآخر:

- ‌ما كل ما جاز في اللغة جاز في القرآن:

- ‌المجاز باطل شرعا ولغة وعقلا:

- ‌كيفية وصول اللبن إلى الجوف:

- ‌حكم اللبن إذا خالط غيره أو تبدل طبعه:

- ‌حكم لبن الميتة:

- ‌حكم لبن البكر:

- ‌حكم لبن الرجل:

- ‌حكم لبن الفحل

- ‌ما يثبت به الرضاع:

- ‌المحرمات بسبب الرضاع:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌المحتويات الافتتاحية: العناية بالتراث الإسلامي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن

‌المحتويات

الافتتاحية:

العناية بالتراث الإسلامي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 7

بحث اللجنة:

أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 21

الفتاوى:

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 113

فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 167

ص: 4

البحوث:

ذم الغلو د / الوليد بن عبد الرحمن آل فريان 179

بعض أنواع الشرك الأصغر د. عواد بن عبد الله المعتق 197

المبادرة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة د / عبد الله بن مرحول السوالمة 247

بطلان أدلة المجاز مصطفى عيد الصياصنة 299

الرضاع وأحكامه محمد عودة السلمان 319

حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 351

ص: 5

صفحة فارغة

ص: 6

الافتتاحية

العناية بالتراث الإسلامي (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. .

أما بعد:

فإن مما لا شك فيه أن التراث الإسلامي أمره مهم والعناية به واجبة، وعلى رأس هذا التراث كتاب الله عز وجل وسنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فهما أعظم تراث، وأفضل تراث، وأنفع تراث، وهما أصل دين الإسلام وأساسه، خلفهما لنا رسولنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله عليه من ربه الصلاة والتسليم، والله يقول في كتابه العظيم:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} (2)، وعلى رأس المصطفين رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم صحابته الكرام ثم أتباعهم بإحسان، جعلنا الله وإياكم من أتباعهم بإحسان.

فكتاب الله فيه الهدى والنور، وهو أعظم التراث، وأفضل التراث وأصدقه، فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير، والتحذير من كل شر، فيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والتحذير من سيئ الأخلاق وسيئ الأعمال، يقول الله عز

(1) محاضرة ألقاها سماحة الشيخ بتاريخ 26/ 7 / 1410 هـ في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

(2)

سورة فاطر الآية 32

ص: 7

وجل في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة القلم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (1) وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه (على خلق عظيم) وهذا الخلق العظيم وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها: «كان خلقه القرآن (2)» لما سئلت عن ذلك، والأمر كما قال الله عنه، فإن خلقه هو القرآن، ممتثلا لأوامره، وينتهي عن نواهيه، ويدعو إليه، ويعمل بالصفات التي أثنى على أهلها القرآن، ويبتعد عن الصفات التي ذم أهلها القرآن، هكذا كان صلى الله عليه وسلم، على هذا الخلق العظيم، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، والدعوة إلى سبيله، كان صلى الله عليه وسلم مثلا أعلى في الأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والصفات الحميدة، فهو خير الناس، وأفضلهم، وأكملهم علما وسيرة وخلقا، وأصدقهم قيلا، وأحسنهم عملا، عليه الصلاة والسلام، وهو صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ما يدعو إليه القرآن العظيم في قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (3) ويقول سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (4) ويقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} (5) فهو تبيان لكل شيء أوضح الله فيه كل شيء إجمالا وتفصيلا وجعله هدى وشفاء، جعله سبحانه هدى وشفاء للناس، شفاء لما في الصدور، من أمراض الشرك والكفر والحسد والكبر والنفاق، وشفاء للأبدان من أمراض كثيرة تستعصي على الأطباء ويشفيها القرآن، يقول جل وعلا:

(1) سورة القلم الآية 4

(2)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (746)، سنن أبو داود الصلاة (1342)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 54)، سنن الدارمي الصلاة (1475).

(3)

سورة الإسراء الآية 9

(4)

سورة فصلت الآية 44

(5)

سورة النحل الآية 89

ص: 8

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (1)، ويقول جل وعلا:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (2).

فالواجب على أهل الإسلام العناية بهذا الكتاب العظيم، وحفظه والمذاكرة فيه، وتدبر معانيه، ونقل ألفاظه ومعانيه للناس كما أنزل؛ لأن فيه الهدى والنور، فيه الدلالة على كل خير، فيه الدعوة لكل ما ينفع العباد والبلاد، وفيه الترهيب من كل سوء.

ولهذا أوصى صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع بهذا الكتاب العظيم فيما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم عرفة، وقال في خطبته:«وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله (3)» . وفي رواية الحاكم وغيره: «كتاب الله وسنتي» .

فالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو السبيل الوحيد للنجاة وهو الصراط المستقيم، فالواجب على أهل الإسلام بل على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله وأن يلتزموا بدين الله وأن يعتصموا بهذا الكتاب العظيم والسنة المطهرة، وذلك فرض على جميع المكلفين من الجن والإنس، من العرب والعجم، من الذكور والإناث، والأغنياء والفقراء، والحكام والمحكومين، فرض عليهم جميعا أن يدخلوا في دين الله، وهو الإسلام، كما

(1) سورة يونس الآية 57

(2)

سورة الإسراء الآية 82

(3)

صحيح مسلم كتاب الحج (1218)، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905)، سنن ابن ماجه المناسك (3074)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 321)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850).

ص: 9

قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (1)، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} (2). فرض عليهم أن يدخلوا في دين الله وأن يعتصموا بكتابه وهو القرآن، وبسنة الرسول الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم وليس لهم أن يحيدوا عن ذلك.

فالواجب على اليهود والنصارى، وعلى جميع المشركين، وعلى جميع أصناف الكفرة - الواجب على الجميع أن يدخلوا في دين الله وأن يلتزموا به، وهذا هو التراث الذي فيه سعادتهم إذا عقلوا.

وعلى أهل الإسلام الذين من الله عليهم بالإسلام أن يحمدوا الله على ذلك ويشكروه وأن يستقيموا على دينهم، وأن يحفظوا تراثهم العظيم، ويتواصوا به كثيرا ويتدبروه ويتعقلوه ويعملوا به، كما قال عز وجل:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (3)، وقال سبحانه:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (4)، وقال عز وجل:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (5).

فالواجب على جميع المكلفين أن يدخلوا في دين الله (الإسلام) وأن يلتزموا به، وأن يخضعوا لأوامر الله وينتهوا عن نواهيه ويلتزموا بهذا الكتاب العظيم فيدينوا به، ويؤمنوا به، ويعملوا به مع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها الوحي الثاني.

(1) سورة البقرة الآية 21

(2)

سورة النساء الآية 1

(3)

سورة ص الآية 29

(4)

سورة محمد الآية 24

(5)

سورة الأنعام الآية 155

ص: 10

وهذا التراث هو أعظم تراث ولا نجاة للعالم ولا سعادة للعالم إلا بحفظ هذا التراث والتفقه فيه، والاستقامة عليه، والدعوة إليه علما وعملا، وعقيدة، وخلقا، وسيرة، فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما قد يخفى، مع بيان أحكام جاءت بها السنة لم تذكر في كتاب الله، وأحكام فصلتها السنة لم تفصل في كتاب الله، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1)، وقال جل وعلا:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (2).

فالله أنزل الكتاب عليه تبيانا لكل شيء، وأمره سبحانه أن يبين للناس وأن يشرح لهم ما قد يخفى عليهم، وأن يوضح لهم ما قد يختلفون فيه، حتى يرجعوا إلى الصواب، وحتى يستقيموا على الهدى. وقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأدى الأمانة ونصح الأمة، حتى قال لهم يوم عرفة بعد ما خطبهم وبين لهم ما يجب عليهم في حجهم، وبين لهم أمورا أخرى تهمهم وتهم المسلمين جميعا فيما يتعلق بالربا وأمور الجاهلية وبتحريم الدماء والأموال والأعراض، وما يتعلق بالنساء والوصية بهن خيرا وبيان حقوقهن على أزواجهن وحق أزواجهن عليهن - قال بعد ذلك وبعد ما أوصاهم بالقرآن: «وأنتم تسألون عني فما أنتم

(1) سورة النحل الآية 44

(2)

سورة النحل الآية 64

ص: 11

قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع أصبعه إلى السماء فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (1)»، يستشهد ربه وهو فوق العرش، فوق جميع المخلوقات سبحانه وتعالى، يستشهده عليهم، وكل عالم يشهد، وكل مسلم يشهد بأنه بلغ الرسالة، وكل مسلم عرف دين الله يشهد لهذا النبي الكريم أنه أدى الرسالة وأدى الأمانة وبلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام.

فعلينا جميعا معشر المسلمين، ومعشر طلاب العلم ومعشر العلماء، على الجميع أن يعظموا هذا التراث العظيم، وأن يحببوه إلى الناس ويذكروهم بهذا التراث ويتمسكوا به، ويعضوا عليه بالنواجذ، ويعملوا به مع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها الوحي الثاني، الموضح لكتاب الله، والدال على أحكام أخرى، أوحاها الله لنبيه عليه الصلاة والسلام. وهذا التراث العظيم، كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام: هما أعظم التراث، وهما أهم التراث والواجب العناية بهما، والوصية بهما والتمسك بهما قولا وعملا وعقيدة، في السر والجهر، في الشدة والرخاء، في الصحة والمرض، في السفر والإقامة، من الذكور والإناث، من العرب والعجم، من الجن والإنس، من الحكام والمحكومين، من الأغنياء والفقراء، على هؤلاء جميعا أن يعملوا بهذا القرآن وسنة رسول الله المطهرة، وأن يحفظوا هذا التراث حفظا يتضمن العمل والنصيحة، والدعوة إلى هذا التراث والاستقامة على معناه

(1) صحيح مسلم كتاب الحج (1218)، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905)، سنن ابن ماجه المناسك (3074)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 321)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850).

ص: 12

والحرص على تبليغه لجميع العالم، وبكل الطرق وبجميع الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، يقول سبحانه وتعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1).

ويقول عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2)، ويقول جل وعلا:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (3) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (4)» ، ويقول صلى الله عليه وسلم:«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (5)» . ويقول صلى الله عليه وسلم «لما بعث عليا إلى خيبر وأمره أن يدعو أهلها - وهم اليهود - إلى الإسلام قال صلى الله عليه وسلم: فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (6)» متفق على صحته.

فسيرته صلى الله عليه وسلم وأقواله وأعماله وتقريراته كلها من التراث وكلها من السنة، فالواجب العناية بذلك، والحرص على كتب السنة، فكتب السنة من أعظم التراث، وإن السنة التي جاءت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله وعمله وتقريراته وغزواته وغير ذلك يجب على أهل الإسلام والعلماء على الوجه الأخص والحكام وطلبة العلم العناية بها، ومن ذلك الكتب الإسلامية المشتملة على

(1) سورة فصلت الآية 33

(2)

سورة النحل الآية 125

(3)

سورة يوسف الآية 108

(4)

صحيح مسلم الإمارة (1893)، سنن الترمذي العلم (2671)، سنن أبو داود الأدب (5129)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 120).

(5)

صحيح مسلم العلم (2674)، سنن الترمذي العلم (2674)، سنن أبو داود السنة (4609)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 397)، سنن الدارمي المقدمة (513).

(6)

صحيح البخاري المناقب (3701)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2406)، سنن أبو داود العلم (3661)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 333).

ص: 13

تفسير كتاب الله وبيان معناه، والمشتملة على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه وغير ذلك، كالصحيحين، والسنن الأربع، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وكتب الحديث، فإنها أعظم التراث، وأفضل التراث، وأهم التراث بعد كتاب الله، وإنها الحافظة للسنة، والمبلغة لها وهي الوحي الثاني. فالواجب على أهل الإسلام العناية بها وبأصولها ومخطوطاتها الصحيحة؛ لأنها مرجع يرجع إليها عند الحاجة، عند الاختلاف.

ص: 14

ومن أعظم العناية بالتراث، العناية بالمخطوطات الحديثية، والمخطوطات التفسيرية، والمخطوطات الفقهية لأئمة الإسلام المعروفين المحتج بهم والمعمول بأقوالهم، فالعناية بها من أهم العناية، وهكذا كتب اللغة العربية والقواعد العربية، وكتب التاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية، كلها تجب العناية بها، حتى تنقل سليمة صافية، سليمة من عبث العابثين وكذب الكذابين، وفد عني علماء الإسلام في ذلك، وبينوا ما أدخله الكذابون في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وما وضعه الواضعون من الكتب الباطلة، فقد عني أهل العلم بذلك، فعلينا أيضا أن نسير على نهجهم، وعلينا أن نعنى بهذا التراث العظيم ونبين الحق من الباطل ونبين الصالح من الزائف، ونحرص على العناية بالكتب السليمة المفيدة، من كتب الحديث والتفسير والفقه الإسلامي، والقواعد العربية وغيرها من الكتب النافعة، حتى الكتب الأخرى التي تنفع المسلمين في أمور دنياهم والمتلقاة عن

ص: 14

أهل الثقة والبصيرة في شئونهم؛ لأن الناس في حاجة إلى أن يعرفوا شئون دنياهم ويستعينوا بها على طاعة الله، وكل شيء ينفع المسلمين ويعينهم على حفظ دينهم، وحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، ويعينهم على الإعداد للأعداء - فهو مهم، ومن التراث الذي يجب أن يحفظ ويعتنى به، والله يقول سبحانه:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (1).

فالكتب التي ألفها الأقدمون من المسلمين أو ألفها غير المسلمين وتنفع المسلمين وتعينهم على الإعداد لعدوهم في شتى العلوم الدنيوية يعتنى بها أيضا إن كانت تنفع المسلمين وتعينهم على إعداد القوة والاجتهاد فيما ينفعهم في دينهم، ويقوي جندهم وجهادهم ضد عدوهم.

ومن أعظم ذلك العناية أيضا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه وسيرة أهل العلم حتى يقتدى بهم في الخير؛ لأن العلم المقصود منه العمل، علينا أن نعنى بالسلف الأخيار وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في أخلاقه وسيرته، وقيامه، وصلاته، وغير ذلك، وسيرة أصحابه وأعمالهم الطيبة وغزواتهم وجهادهم وتعليمهم وإرشادهم وما كانوا عليه من بث العلم، ونشره، وحلقات العلم في المساجد وما كان عليه أهل العلم من النشاط في ذلك، والعناية بذلك حتى يتأسى الآخر بالأول، وحتى يلحق الآخر بالأول، بالعمل الصالح والعلم النافع

(1) سورة الأنفال الآية 60

ص: 15

والسيرة الحميدة، والبلاغ للحق وإيثاره على ما سواه، وكل أمر سلكه الأخيار القدامى مما ينفع المسلمين ويعينهم على تنفيذ أمر الله والوقوف عند حدوده يعتنى به.

أما ما ألصقه الجهلة أو الأعداء بالإسلام فيجب التنبيه عليه حتى يتبين براءة الإسلام منه وحتى لا يلصق بالتراث الإسلامي ما ليس منه، كما فعل الجهلة والمشركون من إحداث الأبنية على القبور، واتخاذ المساجد على القبور، فهذا ليس من شأن الإسلام، والإسلام يحارب هذا، يحارب البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها؛ لأنها من وسائل الشرك كما فعلت اليهود والنصارى، وتابعهم كثير من هذه الأمة: من الجهلة والمبتدعة، حتى بنوا على القبور واتخذوا عليها المساجد والقباب، وحصل الشرك بسبب ذلك، فيجب أن ينبه على أنها ليست من الإسلام، وليست من التراث الإسلامي، ويجب إنكار ذلك والقضاء عليه، وهكذا الصلاة عند القبور والدعاء عندها، وتحري القراءة عندها - من وسائل الشرك، يجب أن ينبه على هذا، ويبين أنها ليست من التراث الإسلامي، بل هي مما أحدثه الجهلة وأنكره الإسلام، وهكذا ما أحدثه بعض الناس من الاحتفال بالموالد، ويزعمون أنه من التراث، وهذا غلط ليس من التراث الإسلامي وإن فعله كثير من المسلمين في أمصار كثيرة جهلا وتقليدا، فالاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين بعد القرون المفضلة، وليس من التراث الإسلامي، وهو من التراث المبتدع، وهكذا الاحتفال بجميع الآثار التي يدعو

ص: 16

إليها دعاة الشرك، سواء كانت صخرة أو شجرة أو غير ذلك مما يعظمه الجهال أو يتبركون به، كل هذا مما ينافي الإسلام وهو ضد الإسلام.

ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن أناسا يقصدون الشجرة التي بويع تحتها الرسول صلى الله عليه وسلم ويصلون عندها خاف عليهم وأمر بقطعها سدا لذرائع الشرك، ولما بلغه أن جثة في فارس تنسب إلى دانيال نبي الله وأن هناك من يغلو فيها من الأعاجم وبلغه جيشه ذلك، أمر بأن يحفر بالليل بضعة عشر قبرا ثم يدفن في أحدها ثم تسوى ليلا حتى لا يعرف وحتى لا يغلى فيه ولا يعبد. والمقصود أن الغلو في القبور بالبناء عليها والصلاة عندها، والعكوف عليها واتخاذ المساجد عليها ليس من التراث الإسلامي، بل هو من التراث الذي نهى عنه الإسلام وأنكره وحذر منه، وهو من وسائل الشرك، وهكذا فقد توجد أصنام في بعض البلدان أو بعض الدول تنسب إلى الأنبياء أو تنسب إلى الإسلام يجب أن يعلم أنها خطأ وضلال، وأن جميع الأنبياء وجميع الرسل كلهم عليهم الصلاة والسلام دعوا إلى توحيد الله وإلى الإسلام الذي هو إخلاص العبادة لله وحده، وكلهم يحاربون الأصنام، وأولهم نوح عليه الصلاة والسلام، حارب ما يعبد من غير الله ونهى قومه عن ذلك، وحذر من عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، لما وقع الشرك بهم بسبب الغلو، فيجب التنبه لهذا الأمر، ويجب على طلاب العلم وأهله النهي عن ذلك حتى لا يدخل في

ص: 17

الإسلام ما ليس منه، ويجب أن يعرف التراث الإسلامي وأنه ما ثبت بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما شرعه الله لعباده أو أجمع عليه المسلمون هذا هو التراث الإسلامي. أما ما ابتدعه المبتدعون وأحدثه المحدثون من عبادات أو أماكن تعظم أو أشجار وغير ذلك - فهذه لا يجوز أن تنسب إلى الإسلام ويقال إنها تراث إسلامي، بل يبين أنها بدع، وأنه من الواجب الحذر منها كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (1)» متفق على صحته، وقال صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (2)» أخرجه مسلم في صحيحه.

والخلاصة أن المقصود من التراث الإسلامي هو ما بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام من الهدى ودين الحق والكتب التي ألفت في ذلك، مما ينفعنا والمخطوطات الموجودة في ذلك، وهكذا كل ما نريده ونأخذ به ونستعين به على طاعة الله وعلى الإعداد لأعداء الله، أما ما يخالف ديننا فهو ليس من الإسلام في شيء، بل يجب أن يحارب ويبتعد عنه، ويحذر منه على حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومن إجماع أهل العلم.

وأسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمنحنا وإياكم الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يصلح أحوالنا جميعا، وأن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والثبات

(1) صحيح البخاري الصلح (2697)، صحيح مسلم الأقضية (1718)، سنن أبو داود السنة (4606)، سنن ابن ماجه المقدمة (14)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 256).

(2)

صحيح مسلم الأقضية (1718)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 180).

ص: 18

عليه وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، ويوفق جميع ولاة الأمر من المسلمين إلى الأخذ بشريعته والتحاكم إليها وإنكار ما خالفها، إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الرئيس العام

لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

ص: 19

صفحة فارغة

ص: 20

أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس

إعداد: اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه، وبعد: -

فبناء على ما جاء في الأمر السامي رقم 30891 في 20/ 12 / 1396 هـ من الرغبة في دراسة مجلس هيئة كبار العلماء للمعاملات التي يستغلها بعض التجار في المداينات لحصولهم على مكاسب مالية بطرق ملتوية لا تتفق ومبدأ المعاملات الشرعية في البيع والاقتراض، والنظر فيما إذا كان بالإمكان إيجاد بديل للحد من جشع أمثال هؤلاء واستغلالهم للمحتاجين من الناس، وبناء على ما قرره المجلس في دورته العاشرة من إعداد بحث في هذا الموضوع فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في أنواع من البيوع التي يستعملها كثير من الناس وهي قد تؤدي إلى الوقوع في الربا المحرم وهي: -

- بيع العينة والتورق.

- بيع دين السلم.

- بيع بيعتين في بيعة.

- بيع المضطر.

- بيع الإنسان ما ليس عنده وبيعه ما اشتراه قبل قبضه.

بيان ما يمكن القضاء به على جشع التجار الذين يحتالون بأنواع من البيوع المحرمة على استغلال حاجة المضطرين.

وفيما يلي الكلام على كل منها والله الموفق.

ص: 21