الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهد أصحابه بالتربية والقدوة حتى يصبح السبق
خلقا من أخلاقهم
وجزءا غير منفصل عن ذواتهم
وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه ويحضهم على المبادرة في الخيرات، والتسابق في الطاعات وينمي لديهم هذا الخلق ويعالج ما قد ينشأ عند بعضهم من فتور، أو قصور، أو تطلع زائد إلى الدنيا وزهرتها وذلك في سبيل بناء قاعدة صلبة قادرة على حمل أعباء المهمة الشاقة، مهمة حمل الرسالة وأداء الأمانة، ولهذا نجده صلى الله عليه وسلم يوجه أمته توجيها رشيدا محذرا إياهم أن يزدروا نعمة الله عليهم وألا يتشوفوا - دائما - إلى ما عند الآخرين ممن هم فوقهم في المادة والغنى، لئلا يحملهم ذلك على المنافسة والمسابقة للحاق بهم فقال صلى الله عليه وسلم:«إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه (1)» . وفي لفظ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله (2)» .
(1) صحيح مسلم " الزهد والرقائق "(4/ 2275).
(2)
صحيح مسلم " الزهد والرقائق "(4/ 2275).
(3)
صحيح مسلم " صلاة المسافرين "(1/ 552).
قال الحافظ ابن حبان: أضمر في الحديث كلمة وهي " لو تصدق بها " أي: فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين أو ثلاث لو تصدق بها (1).
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم استشعر ما بأهل الصفة من فقر وحاجة وانكسار قد يؤثران لو استمرا على نفوسهم بعض التأثير، فأراد أن ينسيهم ما هم فيه، ويرشدهم في الوقت نفسه إلى ما هو خير لهم من المال والغنى بل ومن الدنيا بأسرها، فأرشدهم إلى تعلم القرآن وأخبرهم بما لهم من الأجر والفضل.
وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بين المؤلفة قلوبهم ومسلمة الفتح، ولم يعط الأنصار شيئا فوجد بعض الأنصار في نفسه، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الأنصار ليعالج هذا الأمر ويصلح الحال فكان مما قال:«ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم (2)» ؟ وفي لفظ: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا (3)» ، وهكذا فقد صحح الرسول ما بنفوسهم وما التبس عليهم، وربطهم بالله سبحانه وتعالى بدلا من التعلق بالدنيا وزهرتها وذكرهم بما نسوه، وقد ذكر الواقدي:«أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا (4)» .
(1) الصحيح (1/ 278).
(2)
صحيح البخاري المغازي (4330)، صحيح مسلم الزكاة (1061)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 42).
(3)
صحيح البخاري " المغازي "(8/ 47، 53).
(4)
فتح الباري (8/ 51).
ولعله ليس بخاف ما حصل للمخلفين الثلاثة في غزوة تبوك من تأخير التوبة عليهم - مع فضلهم وسبقهم - ومقاطعة المسلمين لهم فضاقت الأرض عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، فيقول أحدهم وهو كعب رضي الله عنه واصفا حالهم: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكر لنا الناس ما هم الذين نعرف، وهكذا،. . . إلى أن أمروا باعتزال نسائهم وبقوا يبكون لا يكلمهم أحد ولا يرد عليهم سلاما، حتى أذن الله بالتوبة عليهم (1).
كل هذا لا لحرام اقترفوه ولا لجريمة جنوها سوى أنهم لم يبادروا إلى الخروج معه صلى الله عليه وسلم في الغزوة لا لنفاق أو شك في قلوبهم ولكن تسويفا وتباطوءا، وهكذا كانت التربية في تلك الفترة تربية جادة، وكانت المؤاخذة لهؤلاء النفر الثلاثة مختلفة عن المؤاخذة لغيرهم من المنافقين والضعفاء، وذلك لإعداد مجتمع رباني وقاعدة صلبة للقيام بمهام الدعوة والدفاع عن الدين وأهله.
وهكذا بقي الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه ويتعهدهم ويغرس في نفوسهم روح السبق والمبادرة على ضوء ما يتنزل من الذكر الحكيم، وكان هو ذاته صلى الله عليه وسلم لهم قدوة وأسوة حسنة في القول والفعل حتى أصبح هذا العنصر عنصر المبادرة شيمة من شيمهم، وجزءا لا ينفصل عن ذواتهم، يطيرون إليه مستسهلين كل صعب، مستعذبين كل مر، مستقربين كل بعيد، مستبعدين كل عذر وإن بدا وجيها، متجاهلين كل المعوقات
(1) انظر القصة بتمامها في صحيح البخاري " المغازي "(8/ 113 - 116).
نفسية كانت، أو اجتماعية، أو مادية، متشوفين إلى نظرة كريمة ربانية، متطلعين إلى جنة علية أبدية.
فهذا حنظلة الغسيل رضي الله عنه قد ألم بأهله فلما سمع الهيعة في غزوة أحد بادر إلى الخروج جنبا وقد أخبرت زوجته أنها غسلت إحدى شقي رأسه فلما سمع الهيعة خرج فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد رأيت الملائكة تغسله (1)» .
وهذا عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أحد السابقين الأولين من الأنصار وأحد الأمراء الثلاثة في مؤتة يخاطب نفسه - وقد غازلته عندما أخذ الراية وترددت بعض التردد فتغلب عليها - قائلا (2):
أقسمت يا نفس لتنزلنه
…
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة
…
ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة
…
هل أنت إلا نطفة في شنة
يا نفس إلا تقتلي تموتي
…
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
…
إن تفعلي فعلهما هديت
وهكذا يهجم ويقاتل حتى يلتحق بزيد وجعفر شهيدا رضي الله عنهم جميعا.
وهؤلاء البكاؤون الذين بادروا إلى تلبية النداء للنفير رغبة في صحبة البشير النذير صلى الله عليه وسلم في الحصول على شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله تعالى، ولما لم يجدوا مركبا أو وسيلة تحملهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع
(1) الاستيعاب (1/ 280 - 282)، أسد الغابة (1/ 543).
(2)
سيرة ابن هشام مجلد 2 ص 379.
حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، نعم إنهم جاءوا مسرعين مبادرين غير معتذرين ولا متعللين بالفقر والحاجة، فنظر الله إلى قصدهم وسلامة نيتهم فعذرهم ورفع الحرج عنهم رضي الله عنهم.
وهكذا بفضل التوجيهات الربانية ثم التربية النبوية يتأصل في أذهان الصحابة وفي عقولهم أنهم لا بد وأن يكونوا - دائما - سباقين إلى الخيرات مهما كانت الصعاب أو المعوقات، ولهذا فإنهم كانوا يتألمون بل قد يقفون حائرين - أحيانا - في بعض المواقف التي لم يكتب لهم فيها السبق أو الديمومة عليه، أو تحقيق النصر مما يستدعي معالجة حالاتهم، ومسح آلامهم وتخفيف مصابهم وتطييب مشاعرهم.
فهذا الصحابي الجليل: حنظلة الأسيدي يرمي نفسه بالنفاق عند أبي بكر رضي الله عنه ثم عند النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: «نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال حنظلة: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا نراها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة (1)» ثلاث مرات.
ويستلم خالد بن الوليد رضي الله عنه الراية بعد استشهاد القادة الثلاثة في سرية مؤتة، وبخدعة ذكية ومن غير تول من المعركة يستطيع
(1) صحيح مسلم " التوبة "(4/ 2106) والمعافسة في الحديث هي: معاشرة ومداعبة في حق الأزواج والأولاد، وأما في حق الضيعات: تكون شغلا من زراعة وفلاحة وإصلاح ونحوه.
هذا البطل - أن ينجو هو ومن معه بسلامة، وبالرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الناس بما فعل القادة الثلاثة وبما حصل للجيش إلا أن الناس جعلوا يحثون على الجيش التراب عند رجوعهم قائلين لهم: يا فرار فررتم في سبيل الله، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى (1)» . وما فعل الناس هذا الفعل، وما استقبلوا الجيش هذا الاستقبال إلا لأنه تأصل عندهم أن المسلم ينبغي عليه أن يجاهد ولا ينهزم، فإما أن ينتصر وإما أن ينال الشهادة، ولذا فقد اعتبروا رجوعهم بلا نصر أو شهادة فرارا.
وهؤلاء أهل الحديبية يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلح بأن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم، وكرر ذلك عليهم ثلاثا فلم يقم منهم أحد، وإنما لم يفعلوا ذلك ليس عصيانا لأمره صلى الله عليه وسلم فهم لم يتنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابتدروا نخامته يدلكون بها وجوههم وجلودهم، وما توضأ إلا تزاحموا على وضوئه، وما أمرهم إلا ابتدروا أمره، ولكن الموقف أخذهم هذه المرة وهم ما زالوا يتشوفون إلى بلوغ غايتهم ودخول مكة وإتمام نسكهم، خاصة وأنهم يعتقدون أنهم أهل للغلبة والعزة والنصر، وأنهم على حق وعدوهم على باطل، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حصل لهم قام دون أن يكلمهم فنحر هديه وحلق رأسه، فما كان منهم إلا أن بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد غاية تنتظر (2).
(1) سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 382).
(2)
انظر القصة في البخاري " الشروط "(5/ 329 - 333).
5 -
تسابق الصحابة رضي الله عنهم وتنافسهم في الجهاد
بالأموال والأنفس في سبيل الله متحدين الصعاب بلا ضجر أو ملل
لقد كان الصحابة يبادرون ويسابقون في الطاعات، بل ويتنافسون في ذلك، ومن أمثلة ذلك:
ما فعله الفقراء إذ جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم: أبو ذر، وأبو الدرداء، رضي الله عنهم، فقالوا:«ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين. . . . (1)» الحديث.
وظاهر أنه لم يأت بهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم الحسد لإخوانهم الأغنياء، لا بل جاء بهم حب المبادرة، والرغبة في السبق والمنافسة في فعل الطاعات، فهم يريدون أن يلحقوا بإخوانهم ليحرزوا من الأجر ما أحرزوه، وهكذا يوجههم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما يحقق رغبتهم ويخفف ما بهم، من غير أن يوجههم إلى المنافسة في الدنيا وجمع الأموال، وإن كان بغرض التصدق والطاعات.
" وهؤلاء الأوس والخزرج، كانوا في الجاهلية يتنافسون في العداوة، والبغضاء، والحروب، والثارات، فكان مما صنع الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم أنهما أصبحا بعد الإسلام يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع
(1) صحيح البخاري " الأذان "(2/ 325)، صحيح مسلم " المساجد "(1/ 416 - 417).
الأوس شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذا فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك، فقد قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا، فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم فذهبوا إليه فقتلوه. . . " (1).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأسماء بنت عميس رضي الله عنها وقد قدمت مع من قدم من الحبشة في السفينة -: «آلحبشية هذه؟ آلبحرية هذه؟ فقالت: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم فغضبت. . . وقالت: وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. . . فلما أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أصحاب السفينة هجرتان، قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم (2)» -.
وهكذا لا يخفى ما في هذا الخبر من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السبق والمبادرة والتنافس في أمور الآخرة، كما لا يخفى ما أصاب هذه الصحابية - عندما قال لها عمر: سبقناكم. . . - من غضب
(1) سيرة ابن هشام (مجلد 2 ص 273 - 275).
(2)
صحيح البخاري " المغازي "(7/ 484)، صحيح مسلم " فضائل الصحابة "(4/ 1946).
واضطراب نفسي حتى إنها عافت الأكل والشرب ولم تهدأ حتى سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لقوله هذا وقع كبير عليها وعلى أصحاب السفينة لدرجة أنهم كانوا يأتونها أرسالا يسمعون منها هذا الخبر ويستذكرونه.
نماذج من مبادرات الصحابة وتنافسهم في الجهاد في سبيل الله:
وسأقتصر هنا على ذكر نماذج من جهاد الصحابة بالأموال والأنفس في سبيل الله وتنافسهم في هذا، وذلك لأن النفس والمال هما خير ما يملك الإنسان بعد تقوى الله عز وجل، وهما أكثر ما يحرص عليه الناس في دنياهم، فمن يضحي بنفسه في سبيل الله، ويضحي كذلك بماله يكون من باب أولى أن يبذل ما عداهما، والصحابة - رضوان الله عليهم - بما امتن الله عليهم من معايشة التنزيل ومصاحبة البشير النذير قد سطروا أروع الأمثلة في هذا المجال، وإليك - زيادة على ما ذكر آنفا - نماذج من هذا الجهاد والتنافس فيه.
أولا - الجهاد بالأنفس وحب الاستشهاد في سبيل الله:
زيادة على ما مر من أمثلة كثيرة حول جهاد الصحابة رضي الله عنهم بالأنفس فإنني سأذكر هنا - أيضا - نماذج توضح سبقهم وتنافسهم في حب الشهادة.
فقد حرض الرسول صلى الله عليه وسلم الناس على الجهاد يوم بدر وقال: «لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة (1)» فقال عمير بن الحمام: (وفي يده تمرات يأكلهن) بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده،
(1) مسند أحمد بن حنبل (3/ 352).
وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل (1).
وقد غاب أنس بن النضر رضي الله عنه عن بدر فشق عليه ذلك وقال: «لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد أسرع إلى المعركة، وهو يقول: إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته: فما عرفت أخي إلا ببنانه (2)» .
وقد رصد معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل في بدر حتى أمكنه الله منه فقطع رجله قال عمرو: (وضربني ابنه - يعني ابن أبي جهل - فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها)(3).
ولا يخفى مدى صبر هذا الصحابي ومصابرته، إذ أشغله القتال عن يده وبقي يسحبها خلفه، وأخيرا رمى بها.
وهذا عمرو بن الجموح رجل شديد العرج وهو ممن عذر الله، وله أربعة أبناء مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، يصر على الخروج يوم أحد قائلا:(إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة) فقتل شهيدا (4).
(1) سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 627).
(2)
صحيح البخاري " الجهاد " باب قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا)(6/ 21)، سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 83).
(3)
سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 635).
(4)
سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 90).
ولما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحاب أحد الخروج في اليوم الثاني طلبا للقوم، وقد أصاب المسلمين ما أصابهم من ألم وجراح خرجوا من غير تردد أو تذمر، فقد قال رجل من بني عبد الأشهل:(شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي: أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون)(1).
وقد كان حسيل بن جابر اليماني " وقيل حسل "، وثابت بن وقش شيخين كبيرين، فبقيا مع النساء والصبيان في غزوة أحد فقال أحدهما لصاحبه:(لا أبا لك ما تنظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه (2).
ولما قرأ أبو طلحة رضي الله عنه قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3). قال: (أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا جهزوني يا بني فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت
(1) سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 101).
(2)
سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 87).
(3)
سورة التوبة الآية 41
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك فأبى فركب البحر فمات. . . .) (1).
وقد حضرت أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها أحدا تسقي الماء، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت تباشر القتال، وتذب عنه بالسيف، وترمي عنه بالقوس حتى خلصت الجراحة إليها (2).
وكانت أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها ممسكة بخطام جملها صامدة مع من صمد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ومعها خنجر تقول: «إن دنا مني أحد من المشركين بعجته وتقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنك لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم (3)» .
وقد بادر أولاد الصحابة رضي الله عنهم في الاشتراك في الجهاد، فهذا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، يقف أحدهما عن يمين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، والآخر عن يساره، ويقول كل واحد منهما لعبد الرحمن سرا عن صاحبه: «يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فيقول عبد الرحمن: نعم ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فيقول الشاب: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول عبد الرحمن: فتعجبت لذلك، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ابتدراه بسيفيهما
(1) تفسير ابن كثير (2/ 359).
(2)
عيون الآثار (2/ 21).
(3)
سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 446).
فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته (1)».
وقد سبق أن معاذا قطع رجل أبي جهل، وأن ابن أبي جهل قطع يد معاذ ولا منافاة بين الخبرين، والله أعلم.
(وقد عرض رافع بن خديج على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر فرده لصغر سنه ثم أجازه في أحد، وجاء سمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده، فقال سمرة: أجزت رافعا ولو صارعته لصرعته، فصارع رافعا بحضرته فصرعه فأجازه، وكان رافع ابن خمس عشرة سنة وكان راميا)(2).
وهذا «علي رضي الله عنه كان قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم رمدا، فخرج فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله: لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله
(1) انظر القصة في صحيح البخاري " فرض الخمس "(6/ 246)، وفي " المغازي "(7/ 307).
(2)
سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 66)، الإصابة (2/ 79).
(3)
انظر صحيح مسلم " فضائل الصحابة "(4/ 1917)، سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 66).
يفتح الله على يديه ". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، وفي بعض الألفاظ: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: امش على رسلك ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟. . . . . (1)» إلخ.
ولا يخفى ما في هذه القصة من تسابق الصحابة. وتنافسهم على أخذ الراية والفوز بمحبة الله ورسوله، كما لا يخفى موقف علي رضي الله عنه وخروجه إلى الغزو متناسيا ما به من ألم الرمد وغير متعلل بذلك.
وهذا أبو محجن الثقفي رضي الله عنه، كان سجينا في بيت سعد بن أبي وقاص أثناء معركة القادسية، وكان سعد مريضا - يومئذ - وفرسه تجول، فتعطش أبو محجن إلى القتال، ولم يصبر عن المسارعة إلى أداء الواجب والاشتراك في المعركة فطلب من زوج سعد أن تخلي سبيله، ويعدها إن سلمه الله أن يأتي ويضع رجله في القيد، وهكذا يخرج أبو محجن على فرس سعد ويبلي بلاء حسنا، فيتعجب الناس له، ثم يعود ويضع رجله في القيد كما وعد (2).
وهكذا لم يمنع السجن أو القيد هذا البطل من القيام بالواجب، وكان من الممكن أن يقول يكفيني ما أنا فيه من سجن، وقيد، وهم،
(1) صحيح البخاري " فضائل الصحابة "(7/ 70)، صحيح مسلم " فضائل الصحابة "(4/ 1871 - 1873)، والنص بشيء من التصرف.
(2)
انظر الإصابة (4/ 173 - 174).
وحزن أن لو كان الأمر أمرا سهلا أو أمر أعذار ومراوغة، ولكنها التربية الجهادية التي أشربها الصحابة أجمعون، ومنهم هذا البطل.
وهكذا فإن حب الشهادة وحب لقاء الله قد سرى في عروقهم، وأشربتها قلوبهم، فكان الواحد منهم يطير إلى الشهادة حامدا الله شاكرا لأنعمه مودعا الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا له إذ كان سببا في بلوغه هذه النعمة، فالجراح وآلامها ومفارقة الدنيا والأحباب كل ذلك لا ينسيهم توديعهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا سعد بن الربيع يقول لمن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لينظر هل في الأحياء هو أم في الأموات؟ وذلك في غزوة أحد، قال سعد:(أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تطرف، قال الرجل ثم لم أبرح حتى مات)(1).
وهذه امرأة من بني دينار ينعى لها يوم أحد زوجها، وأخوها، وأبوها وتقول: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان وتقول: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (2)، تريد صغيرة.
وهذا أبو عامر الأشعري رضي الله عنه أمير جيش أوطاس أصيب في تلك السرية، وأمر أبا موسى الأشعري بعده وقال له: أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم
(1) سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 94 - 95)، الإصابة (2/ 26)، الموطأ (2/ 466).
(2)
سيرة ابن هشام (المجلد الثاني ص 99).
وقل له: استغفر لي، ثم مات (1).
ثانيا: الجهاد بالأموال في سبيل الله:
فلم يكن الصحابة رضي الله عنهم ليبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، ثم يضنوا بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل الله، بل إنهم ضربوا أروع الأمثلة في البذل، والعطاء، والتضحية، والبلاء، سواء منهم المقل، أو المكثر، الأنصاري، أو المهاجر، وكيف لا يكونون كذلك وقد كان المهاجرون هجروا أرضهم، وديارهم، وأقرباءهم، وأموالهم وأرخصوها في سبيل الله.
فهذا صهيب رضي الله عنه مثلا - تمنعه قريش من الهجرة، فيتخلى لهم عن جميع ماله مقابل أن يخلوا سبيله، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ربح صهيب، ربح صهيب (2)» .
وهؤلاء الأنصار في العقبة الثانية يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يحموه وإن أدى ذلك إلى مصيبة الأموال وهلاكها وقتل الأشراف والأبناء، ولهم بذلك الجنة (3). وعندما جاءهم المهاجرون استقبلوهم، وآووهم، وآزروهم كما هو معروف.
ومن الأمثلة على مبادرة الصحابة رضي الله عنهم بالمال وجهادهم في ذلك ومنافستهم فيه - زيادة على ما ذكر -.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبق درهم مائة ألف درهم قالوا: كيف؟ قال: كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله
(1) صحيح البخاري " المغازي "(8/ 41).
(2)
سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 477)، الإصابة (2/ 195).
(3)
سيرة ابن هشام (المجلد الأول ص 446).
فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها (1)».
فهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشجع أصحابه على التنافس في الجهاد بالأموال.
وعن أبي مسعود برواية شقيق عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة، فما يجد أحدنا شيئا يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء بالمد فيعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف اليوم رجلا له مائة ألف ما كان له يومئذ درهم (2)» .
ويحث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصدقة، فيتصدق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وغيره من الأغنياء بمال كثير، ويجيء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، قد كان بات ليلته يجر] بالجرير على صاعين فيترك صاعا لعياله ويتصدق بالآخر، وكان تصدق هؤلاء الصحابة من أغنياء وفقراء كل بحسب طاقته ووسعه شيئا رائعا، مما جعل المنافقين ومرضى القلوب يلمزونهم ويتهمونهم (3).
وقد «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة وعوز شديد، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجهه، فخطب الناس وحثهم على الصدقة، فتسابق الناس فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام
(1) سنن النسائي " الزكاة " باب جهد المقل (5/ 59).
(2)
سنن النسائي " الزكاة " باب جهد المقل (5/ 59).
(3)
انظر صحيح البخاري " التفسير "(8/ 330)، تفسير أبي السعود (2/ 581 - 582).
سنة حسن فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء (1)».
وقال عمر رضي الله عنه في حديث آخر:. . . . إنه - يعني أبا بكر - سباق بالخيرات ما استبقنا خيرا قط، إلا سبقنا إليها أبو بكر (3).
وهكذا فإن الأمثلة على تسابق الصحابة رضي الله عنهم في الجهاد بالأنفس والأموال في سبيل الله كثيرة لا يحصيها عاد، ولا يستقصيها مستقص، ولا يستوعبها ديوان جامع، وليس في هذا فحسب بل كانوا سباقين في جميع الميادين الخيرة وما أكثرها، مبادرين في كل الظروف والأحوال، مما جعلهم يستحقون ثناء الله تعالى، وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم وهم أهل لكل ذلك، فرضي الله عنهم جميعهم وأرضاهم.
(1) صحيح مسلم " الزكاة "(2/ 705).
(2)
سنن أبي داود " الزكاة "(2/ 129)، جامع الترمذي " المناقب " (10/ 161) وقال: حسن صحيح.
(3)
مسند أحمد (1/ 38).