المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أمته عليه الصلاة والسلام أمة أمية: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٤٥

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ الشرائع مختلفة متنوعة على حسب حكمة الله وعلمه بأحوال العباد

- ‌الفقه الحنفي

- ‌الفقه المالكي

- ‌الفقه الشافعي

- ‌الفقه الحنبلي

- ‌الفتاوى

- ‌ أخذ جوائز في مسابقة لحفظ القرآن

- ‌ حافظ القرآن يصلي بالناس أو يقرأ للميت بأجرة

- ‌ أجرة المدرسين الذين يعلمون الناس كتاب الله

- ‌تعلم الرجل القرآن على يد شيخ نظير أجر معين

- ‌ أخذ أجرة على قراءة القرآن الكريم

- ‌ المصاحف المغلوطة أيهما أفضل: حرقها أم دفنها في التراب

- ‌ قراءة القرآن الكريم لمن كان مضطجعا أو قائما أو ماشيا

- ‌ قراءة القرآن في المسجد جماعة

- ‌ قراءة القرآن جماعة

- ‌ قول: (صدق الله العظيم) بعد الفراغ من قراءة القرآن

- ‌ تقبيل القرآن

- ‌ حكم سماع قراءة المرأة المسجل

- ‌ إقامة مباريات ترتيل القرآن الكريم بالنسبة للنساء بحضور الرجال

- ‌ ترجمة القرآن أو بعض آياته إلى لغة أجنبية أو عجمية

- ‌ تعدد القراءات في القرآن

- ‌ الغيبة المحرمة

- ‌ الكتب المفيدة النافعة في الدنيا والدين

- ‌مس الكافر ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية

- ‌التوبة النصوح

- ‌الأمية في المنظور الإسلامي

- ‌النبي الأمي:

- ‌أمته عليه الصلاة والسلام أمة أمية:

- ‌الإسلام وتعلم الكتابة:

- ‌الأمية: مصدر صناعي، والأمي: الذي لا يحسن الكتابة، ولا يقرأ من الكتاب

- ‌ الأميون: هم المسلمون، والأمة الأمية: هي الأمة المسلمة

- ‌الأميون: ما سوى اليهود من الأمم والشعوب

- ‌ الأمي: هو المنسوب إلى ما عليه جبلته الأولى، يوم ولدته أمه

- ‌الأمي: هو المتصف بقلة المعرفة

- ‌خطأ (المعجم الوسيط) في تحديد مفهوم الأمية:

- ‌ نحن أمة أمية

- ‌رحمة اللهأسبابها وآثارها

- ‌بين يدي البحث

- ‌مفهوم الرحمة:

- ‌أسرار اقتران اسم " الرحيم " بغيره من الأسماء الحسنى:

- ‌أولا: الرحمن الرحيم:

- ‌ ورود الاسمين مقترنين:

- ‌ ورود اسم " الرحمن " منفردا:

- ‌ ورود اسم " الرحيم " منفردا:

- ‌ثانيا: ورود الاسمين الحسنيين " التواب، الرحيم " مقترنين:

- ‌ثالثا: ورود الاسمين الحسنيين " الرؤوف الرحيم " مقترنين:

- ‌رابعا: ورود الاسمين الحسنيين " الغفور الرحيم " مقترنين:

- ‌خامسا: ورود الاسمين الحسنيين " العزيز الرحيم " مقترنين:

- ‌سادسا: ورود الاسمين الحسنيين " البر، الرحيم " مقترنين:

- ‌سابعا: مناسبة الاقتران:

- ‌سعة رحمة الله:

- ‌سبق رحمة الله غضبه:

- ‌علاقة الرحم بالرحمن:

- ‌محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة:

- ‌حاجة الأنبياء إلى الرحمة:

- ‌مظاهر رحمة الله وآثارها:

- ‌من أنواع الرحمة ومظاهرها وآثارها

- ‌أسباب الرحمة:

- ‌الخاتمة

- ‌المبحث الأول: كونها سنة

- ‌المبحث الثانيالحكمة من الفتنة والابتلاء

- ‌المسألة الأولى: هل التكفير خاص بالصغائر أم للصغائر والكبائر

- ‌المسألة الثانية: هل المصائب مكفرات أو مثيبات

- ‌المبحث الثالث:هل للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه

- ‌المبحث الرابع: أنواع الفتن:

- ‌فتنة اتباع المتشابه:

- ‌فتن الشهوات:

- ‌تحذير وبيان عن مؤتمر بكين للمرأة

- ‌حكم الإسلام في شعر الرأس الصناعيالمسمى اليوم (الباروكة)

- ‌ كشاف المجلة:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌أمته عليه الصلاة والسلام أمة أمية:

قرأها، فلما كان أميا، لا يقرأ مسطورا ولا يكتب سطرا، فسد مثل هذا الظن، وبطلت حجج مثيريه، وسحبت جميع البسط، من تحت أرجل المتشككين والمرجفين والمبطلين.

قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (1).

ومع كل هذا، فقد اتهموه صلى الله عليه وسلم باكتتاب ما يتلو عليهم، وهم يعرفونه أميا لا يعرف كتابة:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (2).

أرأيت - بعد هذا - إلى سماجتهم وبجاحتهم وائتفاكاتهم، إلى أي حد وصلت، وأي مبلغ بلغت؟ إنها الغواية، التي إذا تغلغلت في القلب، أعمت البصر، وأصمت السمع، وعطلت العقل والذهن.

(1) سورة العنكبوت الآية 48

(2)

سورة الفرقان الآية 5

ص: 135

‌أمته عليه الصلاة والسلام أمة أمية:

وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا أميا، بنصوص الكتاب والسنة وانعقاد الإجماع وشهادة واقع الحال، فإن أمته صلى الله عليه وسلم كانت أمة أمية ولا تزال، وهذا وصفها في كتاب الله عز وجل، وفي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.

(أ) قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (1){وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (2).

(1) سورة الجمعة الآية 2

(2)

سورة الجمعة الآية 3

ص: 135

فالأميون - هنا - هم العرب، يمتن الله عليهم، بأنه بعث إليهم رسولا من جنسهم ومن جملتهم، يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، بما يؤهلهم لقيادة البشرية، والسير بها إلى شاطئ الهداية والنجاة.

قال الطبري: (الأميون: هم العرب، وعن مجاهد قال: هم العرب، وعن قتادة قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية، ليس فيها كتاب يقرءونه، فبعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة وهدى يهديهم به)(1).

وقال ابن كثير: (الأميون: هم العرب، كما قال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} (2)، وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر) (3).

وقال الشوكاني: (المراد بالأميين: العرب، من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، والأمي في الأصل: الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان غالب العرب كذلك)(4). ونقل القرطبي عن ابن عباس قوله: (الأميون: العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل

(1) تفسير الطبري 28/ 61.

(2)

سورة آل عمران الآية 20

(3)

تفسير ابن كثير 4/ 317.

(4)

فتح القدير للشوكاني 5/ 224.

ص: 136

كتاب) (1).

وقال سيد قطب: (قيل: إن العرب سموا أميين؛ لأنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون في الأعم الأغلب، واقتضت حكمة الله أن يكون هذا النبي من العرب، من الأميين، إذ علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية، وأنها زاغت وضلت، وأنها لا تصلح لحمل الأمانة، بعد ما كان منها في تاريخها الطويل)(2).

وقد ورد في بيان سبب نزول هاتين الآيتين، ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:«كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أنزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ: قال له رجل: يا رسول الله، من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلمه حتى سأل ثلاثا، قال: وسلمان الفارسي فينا، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء (4)» .

وفي رواية: «لو كان الدين عند الثريا، لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى يتناوله (5)» .

ومنطوق هذا الحديث يفيد: أن المراد بـ (الأميين) - في هاتين الآيتين - هم العرب، وبـ (الآخرين منهم): الفرس، أو العجم

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 91، الطبعة الثانية، 1954 م، دار الكتب المصرية.

(2)

في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3564، الطبعة الثامنة، 1399 هـ، دار الشروق.

(3)

صحيح البخاري تفسير القرآن (4898)، صحيح مسلم فضائل الصحابة (2546)، سنن الترمذي المناقب (3933)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 417).

(4)

سورة الجمعة الآية 3 (3){وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}

(5)

رواه البخاري 4897 في تفسير سورة الجمعة، باب قوله:" وآخرين منهم لما يلحقوا بهم "، مسلم 2546 في فضائل الصحابة، فضل فارس، الترمذي 3929 في المناقب في فضل العجم.

ص: 137

عامة.

قال الحافظ ابن كثير: (ففي هذا الحديث دليل على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} (1) بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، وقال مجاهد: هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب) (2).

وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي: (الأميون: العرب، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن قوله تعالى: {وَآخَرِينَ} (3) نزلت في فارس قوم سلمان) (4).

(1) سورة الجمعة الآية 3

(2)

تفسير ابن كثير 4/ 318، وانظر قول مجاهد في تفسير الطبري 28/ 62.

(3)

سورة الجمعة الآية 3

(4)

أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 8/ 191 - 192، طبعة 1403 هـ.

ص: 138

(ب) وقد كان اليهود يسمون العرب (الأميين)، ويقصدونهم بهذا الاسم في أحاديثهم، وقد حكى القرآن الكريم ذلك عنهم، قال تعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1).

والمفسرون على أن المراد بالأميين - في هذه الآية - العرب.

قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه، من استحل الخيانة من اليهود وجحود حقوق العرب التي هي له عليه، فلم يؤد ما ائتمنه العربي عليه إليه، إلا ما دام عليه متقاضيا مطالبا، من أجل أنه يقول: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم).

(1) سورة آل عمران الآية 75

ص: 138

ونقل عن قتادة قوله: (قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل).

وعن السدي: (يقال له: ما بالك لا تؤدي أمانتك؟ فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا)(1).

وقال ابن كثير: (وإنما حملهم على جحود الحق، أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج، في أكل أموال الأميين، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا)(2).

وقال الشوكاني: (قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من مال العرب سبيل)(3).

ونقل القرطبي ما يفيد أن المراد بالأميين - في هذه الآية - (المسلمون) عامة، قال رحمه الله:(قيل: إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا في الأميين سبيل، أي: حرج في ظلمهم، لمخالفتهم إيانا، أو ادعوا أن ذلك في كتابهم، فأكذبهم الله عز وجل)(4).

أما سيد قطب فيرى أن مراد اليهود بكلمة (أميين): كل من كان غير يهودي، وإن كان استعمال هذه الكلمة - في هذه الآية - يراد به العرب.

قال رحمه الله: (إنهم يقولون هذا القول، ويجعلون للأخلاق

(1) تفسير الطبري 3/ 226.

(2)

تفسير ابن كثير 1/ 322.

(3)

فتح القدير للشوكاني 1/ 354.

(4)

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/ 118.

ص: 139

مقاييس متعددة، فالأمانة بين اليهودي واليهودي، أما غير اليهود - ويمسونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب - وهم في الحقيقة يعنون: كل من سوى اليهود، فلا حرج على اليهود في أكل أموالهم وغشهم وخداعهم والتدليس عليهم واستغلالهم، بلا تحرج من وسيلة ولا فعل ذميم) (1).

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب 1/ 417.

ص: 140

(جـ) وقد ورد في الحديث الشريف، ما يفيد وصف (الأمة المسلمة) بأنها (الأمة الأمية):

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إنا أمة أمية: لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (1)» .

وفي رواية مسلم: «الشهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين (2)» .

ومن الجلي - هنا - أن كون هذه الأمة لا تكتب ولا تحسب تفسير لاتصافها بصفة (الأمية)، غير أن التفسير الذي يأتي على بيان بعض جوانب المفهوم، لا التفسير الذي يحاول الإحاطة بالمفهوم على سبيل الحصر والتحديد.

فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أراد - في هذا الحديث - أن يذكر ببعض خصائص أمية أمته، لا أن يأتي بتعريف جامع مانع لمفهوم (الأمة

(1) صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2141)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(2)

البخاري 1913، في الصوم، قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا نكتب ولا نحسب "، مسلم 1080 في الصوم، وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، أبو داود 2033، 2319، في الصوم، الشهر يكون تسعة وعشرين، النسائي 2021 و2022 في الصوم، ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير.

ص: 140

الأمية).

وقد ذكر عليه الصلاة والسلام من صفات هذه الأمة الأمية، أنها لا تكتب ولا تحسب، مشيرا بأصابع يديه الشريفتين إلى عدد أيام الشهر، ليبين بشكل واضح وجلي أنه قد رفع عن أمته إصر التكلف والغلو والتمحل، وأنها مأمورة بالأخذ بالأيسر والأسهل والأسمح، والذي لا يخرج - في غالبه - عن طوق عامة الناس وأبسطهم.

فهذه الأمة، من أول خصائصها التي صارت بها (أمة أمية)، أنها لا تزال على ما ولدتها عليه أمهاتها، من السير على نهج الفطرة، والأخذ بمبدأ التيسير، والبعد عن كل مناحي التصلب والتعقيد، ولذا فهي مأمورة بأن لا تكلف نفسها، ما ليس في وسعها الفطري، وطاقتها البشرية السهلة المعهودة: فعن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رمضان فقال:«لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له (1)» .

وفي رواية: «فاقدروا له ثلاثين (2)» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما (3)» هكذا، وبمنتهى البساطة والسهولة

(1) صحيح البخاري الصوم (1906)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2121)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 63)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(2)

مسلم 1080 في الصيام، صوم رمضان لرؤية الهلال، أبو داود 2034/ 2325 في الصوم، الشهر يكون تسعا وعشرين.

(3)

البخاري 1907 في الصوم، إذا رأيتم الهلال فصوموا، مسلم 1081 في الصوم، وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.

ص: 141

والوضوح: اعتمدوا في تحديد صومكم وفطركم، وفي تعيين أيام حجكم، ومعرفة شهوركم على الرؤية البصرية للهلال فحسب، وكفاكم هذا السبيل السهل، الميسر لغالب عامتكم. ولم يطلب صلى الله عليه وسلم من أمته - وهي أمة الفطرة - أن تتكلف تعلم علم حساب النجوم، والعمق في مسائله، والغوص في دقائقه، بغية الوصول إلى معرفة منازل الهلال، وتحديد مطالع الشهور ونهاياتها، وما كان هذا إلا تمشيا مع قاعدة (المشقة تجلب التيسير) التي هي من ألزم قواعد هذا الدين الحنيف وشريعته السمحة الغراء.

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (1)، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.

«إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وبشروا ويسروا (3)» .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما (4)» .

وقد تناول العلماء (حديث الأمة الأمية)، وأسهبوا في بيان تعليق حكم الصوم - بناء على منطوقه - برؤية الهلال، دون تكلف الرجوع في ذلك إلى أهل التسيير والحساب.

(1) سورة البقرة الآية 185

(2)

سورة الحج الآية 78

(3)

النسائي 4661 في الإيمان، الدين يسر.

(4)

البخاري 3560 في المناقب، صفة النبي صلى الله عليه وسلم، مسلم 2327 في الفضائل، مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، أبو داود 4002/ 4785 في الأدب، في التجاوز في الأمر.

ص: 142

قال الحافظ ابن حجر: وقيل للعرب أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، والمراد بالحساب - هنا - حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النزر اليسير).

ثم انتهى من ذلك إلى القول: بأن المعول في الصيام إنما يكون على الرؤية لا الحساب، ولو وجد في المسلمين من يتقن علم حساب النجوم.

قال: فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا ويوضحه قوله في الحديث: فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولم يقل:(فسلوا أهل الحساب).

ثم قال: (وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل)(1).

ثم نقل عن ابن بطال قوله: (في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الهلال، وقد نهينا عن التكلف ولا شك أن مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية

(1) فتح الباري لابن حجر 4/ 151.

ص: 143

التكلف) (1).

وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي: (إذا كان الشهر مختلفا فالعبرة برؤية الهلال، ولذلك ما كلفنا الله تعالى بحساب أهل النجوم، ولا بالشهور الشمسية الخفية، بل كلفنا بالشهور القمرية الجلية، لكنها مختلفة، فالعبرة حينئذ للرؤية)(2).

أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان أسهب في بيان بطلان اعتماد علم الحساب أساسا لتقرير مواعيد العبادات عند المسلمين، مؤكدا على أن التزام رؤية الهلال، هي السنة التي ارتضاها الله لهذه الأمة، في أمور عباداتها.

قال رحمه الله: فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال، بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة، زعم أنه إذا غم الهلال، جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول - وإن كان مقيدا بالإغمام، ومختصا بالحاسب - فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو

(1) فتح الباري 4/ 152.

(2)

سنن النسائي 4/ 139 - 140، الطبعة الأولى 1930 م، دار الفكر، بيروت، بشرح السيوطي وحاشية السندي.

ص: 144

أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم.

وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية، وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام، وقد برأ الله منها جعفرا وغيره.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1)، فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزا له. فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة.

وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار، ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، ولهذا سموه هلالا، لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان، إما سمعا وإما بصرا، كما يقال: أهل بالعمرة، وأهل بالذبيحة لغير الله إذا رفع صوته، ويقال لوقع المطر: الهلل، ويقال: استهل الجنين، إذا خرج صارخا، ويقال: تهلل وجهه إذا استنار وأضاء.

فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس، ولا يشرك الهلال في ذلك شيء، فإن اجتماع الشمس والقمر، الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال، أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس، مع تعب وتضييع زمان كثير

(1) سورة البقرة الآية 189

ص: 145

واشتغال عما يعني الناس وما لا بد له منه، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف.

وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني أو الفلاني، هذا أمر لا يدرك بالأبصار، وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل، الذي قد يغلط فيه، وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريبا، فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال).

وبعد أن تناول عادات الأمم في معرفة شهورها وسنيها، قال:(فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين الله، كما يفعل علماء أهل الملل بمللهم).

وقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز على من قال بقول الفلكيين، بأن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر، في ليالي استسرار القمر، وأنه يمكن الاستدلال بذلك على تحديد بداية الشهر، من غير الاعتماد على رؤية الهلال، فقال:

(أما قول الفلكيين إن كسوف الشمس لا يكون إلا في آخر الشهر، في ليالي استسرار القمر، فليس عليه دليل يعتمد عليه، ويسوغ من أجله أن تخالف الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح جمع من أهل العلم، بأن كسوف الشمس يمكن وقوعه

ص: 146

في غير آخر الشهر، وهكذا خسوف القمر يمكن وقوعه في غير ليالي الإبدار، والله سبحانه على كل شيء قدير، وكون العادة الغالبة وقوع كسوف الشمس في آخر الشهر، لا يمنع وقوعه في غيره).

وأما بصدد وجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة والشهور، فقال:(وقد صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب اعتماد الرؤية في إثبات الأهلة أو إكمال العدة وهي أحاديث مشهورة مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما، وحكمه لا يختص بزمانه فقط، بل يعم زمانه وما يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ لأنه رسول الله إلى الجميع، والله سبحانه أرسله إلى الناس كافة، وأمره أن يبلغهم ما شرعه لهم في إثبات هلال رمضان وغيره، وهو العالم بغيب السماوات والأرض، والعالم بما سيحدث بعد زمانه من المراصد وغيرها، ويعلم سبحانه ما يقع من الكسوفات، ولم يثبت عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه قيد العمل بالرؤية بموافقة مرصد أو عدم وجود كسوف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية: لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشر (1)»، وصح عنه أنه قال:«لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (2)» ، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب، ولم يأذن في إثبات الشهور بذلك.

ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معيارا للرؤية، لا تثبت إلا إذا شهدت المراصد لها بالصحة، أو بأن

(1) صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2140)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43).

(2)

سنن النسائي الصيام (2126)، سنن أبو داود الصوم (2326)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 314).

ص: 147

الهلال قد ولد، فهذا كله باطل، ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك، ما يقع بينهم من اختلاف في كثير من الأحيان، في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته أو عدمها.

ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته، لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به، هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية).

فالمراد بـ (الحساب) الذي أشارت إليه عبارة (لا نحسب) في الحديث، هو علم حساب النجوم، أو ما يسمى بـ (علم التسيير)، وقد دل الحديث على أن هذه الأمة غير مكلفة بالأخذ بهذا العلم، وصولا إلى معرفة منازل القمر، وتحديد بدايات الشهور ونهاياتها، لما في ذلك من الكلفة والعنت، ولكونه علما يقوم على الحدس والتخمين، واحتمال الوقوع في الخطأ فيه كبير، وإنما المعول في ذلك كله على رؤية الهلال بالبصر المجرد، لما في ذلك من التيسير على عامة الأمة، ولكونه أمرا ظاهرا عاما بينا، يشترك فيه غالب الناس، والأخذ به أبعد عن الخطأ، وعن التلبيس في دين الله تعالى.

أما فيما يتعلق بمفهوم (الكتابة) - والمشار إليه في الحديث

ص: 148

بعبارة (لا نكتب) - فإن أكثر العلماء قد وقفوا عند ظاهر اللفظ، لم يتجاوزوه، وحملوه على عدم إجادة الكتابة، باعتبار أن هذه المهارة كانت في هذه الأمة عزيزة نادرة، لا يتقنها إلا قلائل الأفراد.

غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية، نظر إلى المسألة نظرة ثاقبة ذكية متعمقة، فذهب إلى أن أمة العرب كانت أمة أمية قبل القرآن؛ لأنه لم يكن لها كتاب تقرؤه، وظلت بعد نزوله أمية، باعتبار عدم احتياجها لحفظ دينها إلى كتابته، بل إن قرآنها محفوظ في صدور أبنائها، إضافة إلى تكفل الله سبحانه بحفظه - بنص الكتاب - إلى يوم الدين.

قال رحمه الله: (ويقال: (الأمي) لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابا، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرءونه، وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل، وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين، فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} (1)، وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب، وكلهم أميون.

فلما نزل القرآن عليهم، لم يبقوا أميين باعتبار أنهم لا يقرءون كتابا من حفظهم، بل هم يقرءون القرآن من حفظهم، لكن بقوا أميين باعتبار أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم، بل قرآنهم محفوظ في قلوبهم، كما في الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي مرفوعا، وفيه:«إني مبتليك ومبتل بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا (2)» .

(1) سورة الجمعة الآية 2

(2)

صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2865)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 162).

ص: 149

فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم، بل لو عدمت المصاحف كلها، كان القرآن محفوظا في قلوب الأمة، وبهذا الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه، كما في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:«إنا أمة أمية: لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا (1)» ، فلم يقل: إنا لا نقرأ كتابا ولا نحفظ، بل قال: لا نكتب ولا نحسب فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب، كما عليه أهل الكتاب، من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب، ودينهم معلق بالكتب، لو عدمت لم يعرفوا دينهم (2).

قلت: وعدم اعتماد هذه الأمة على الكتابة في حفظ كتابها - كحال الأمم السابقة في حفظ كتبها - يرجع إلى تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الكتاب، الأمر الذي لم يتكفل به سبحانه لأي كتاب سماوي آخر، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (3).

فالكتب السماوية السابقة إنما نزلت لأمد معين ووقت محدد، فإذا انقضى ذلك الأمد أو الوقت، الذي أنزل من أجله كل كتاب من تلكم الكتب، تعرض ذلك الكتاب لما تعرض له سابقوه من الكتب الأخرى، من عوامل الضياع، ومظاهر التلاشي والنسيان، وأصابه - ما أصابها - من النقص والتزيد والحذف والتغيير والتحريف، بما لا يجعله صالحا بعد تلك الفترة التي أنزل لها.

(1) صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2141)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 125)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(2)

مجموع فتاوى ابن تيمية 17/ 435 وما بعدها.

(3)

سورة الحجر الآية 9

ص: 150

أما كتاب هذه الأمة، فهو خاتم الكتب جميعا، وهو معجزة الله الخالدة بين يدي خلقه إلى قيام الساعة، ولذا تكفل سبحانه وتعالى بحفظه وصونه، كتب أم لم يكتب، حرص على جمعه وتدوينه أم لم يحرص، وهذا ما يوضحه الخطاب الإلهي التالي، الموجه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حين أخذ يسارع في حفظ القرآن ويلهج بترديده، مخافة نسيانه له، وضياعه منه، قال تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (1){إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (2){فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (3){ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (4).

فهذا الكتاب المبين محفوظ بحفظ الله له، وبتسخيره طائفة من عباده المؤمنين يحفظونه في صدورهم، ويتعاهدونه بالتلاوة والترديد، آناء الليل وأطراف النهار، وما كتابته - من قبل كتبة الوحي وفي المصاحف - إلا تزيدا في تثبيت هذا الحفظ، ومبالغة في تأكيد ذلك الصون لا أكثر.

لقد رفع - بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (5)» - عن هذه الأمة إصران من الآصار التي تغل حياة غيرها من الأمم:

1 -

إصر تكلف التزام الكتابة، لحفظ الكتاب والسنة، مخافة ضياعهما، ذلك لئلا تصير أصول ديننا - من كتاب وسنة - معلقة بالكتب، لو عدمت هذه الكتب ضاع أكثر تلك الأصول.

2 -

إصر تقحم وعثاء علم حساب النجوم، لمعرفة مواقيت بعض العبادات والأحكام، من صوم، وفطر، وحج، وعدة، وإيلاء، وكفارات، وذلك كي لا تصبح أحكام ديننا معلقة بعلم حساب النجوم، الذي تشق معرفته على غالب جماهير الأمة، بل

(1) سورة القيامة الآية 16

(2)

سورة القيامة الآية 17

(3)

سورة القيامة الآية 18

(4)

سورة القيامة الآية 19

(5)

صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2140)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43).

ص: 151