الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك بالصغائر، للحديث «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (1)» . فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة البلاء وخفته (2).
والذي يظهر أن المصائب مكفرات للصغائر والكبائر لعموم الأحاديث المتقدمة، وأما هذا الحديث فهو خاص بالأعمال المذكورة ولا وجه لدخول عموم التكفير بالنسبة للمصائب بهذا إلا بدليل؛ لذلك قال بعض العلماء إن المصائب مع تكفيرها السيئات ترفع الدرجات.
(1) صحيح مسلم: 1/ 209 كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس. . (5) واللفظ سنن الترمذي: 1/ 418 كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل الصلوات الخمس (160) سنن ابن ماجه: 1/ 196 كتاب الطهارة باب تحت كل شعرة جنابة، مسند أحمد: 2/ 359، 400، 414، 484.
(2)
فتح الباري: 10/ 108.
المسألة الثانية: هل المصائب مكفرات أو مثيبات
؟
قال النووي رحمه الله تعالى بعد سياقه للأحاديث المتقدمة: وفي
هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة وتكتب حسنة قال: وروي نحوه عن ابن مسعود، وقال أيضا: والوجع لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا فقط. واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات (1).
وقال المنبجي رحمه الله. احتجت طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (2).
(1) صحيح مسلم بشرح النووي: 16/ 128.
(2)
سورة التوبة الآية 120
ثم ساق حديث أبي سعيد المتقدم وقال: وروى الحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المصاب من حرم الثواب (1)» . وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (2)» ثم ساق كلام النووي المتقدم وقال: ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)» ، وقوله صلى الله عليه وسلم:«إني لأوعك مثل رجلين منكم (4)» «وإنك لتوعك وعكا شديدا (5)» . وقوله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل (6)» . قال جماعة من العلماء: والحكمة
(1) ذكره المنبجي ولم أجده في المستدرك.
(2)
صحيح البخاري: 2/ 72 كتاب الجنائز باب فضل من مات له ولد (6) واللفظ له وبنحوه في صحيح مسلم: 4/ 2028، كتاب البر باب فضل من يموت له ولد (47) سنن الترمذي: 3/ 364، كتاب الجنائز باب ما جاء في ثواب من قدم ولدا.
(3)
مسند أحمد: 6/ 173، سنن الترمذي: 4/ 601. كتاب الزهد باب ما جاء في الصبر (56) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
جزء من الحديث الذي قبله.
(5)
جزء من الحديث الذي قبله.
(6)
جزء من حيث تقدم تخريجه.
في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب، والأنبياء معصومون من الخطايا، ولهم الثواب والله أعلم.
وفي حديث المرأة التي كانت تصرع. دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب وفي صحيح مسلم قالت امرأة: «يا رسول الله دفنت ثلاثة قال: دفنت ثلاثة؟ قالت: نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار (1)» .
قال بعض السلف: فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة فإنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المصاب من حرم الثواب (2)» . واحتجت الطائفة الأخرى من العلماء ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها وإنما يثاب على الصبر عليها بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (3).
(1) صحيح مسلم: 4/ 2030 كتاب البر باب فضل من يموت له ولد (47) مسند أحمد: 2/ 419.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
سورة الزمر الآية 10
قال ابن عبد السلام. في (قواعده): الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (1){أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (2)، فما حصل لهم من صلاة الله عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم بقولهم:{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (3) فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر (4). وكذلك حديث الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل لملك الموت يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينيه وثمرة فؤاده، قال: نعم قال: فما قال: قال حمدك واسترجع قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد (5)» . فحمده واسترجاعه هو سبب بناء البيت له في الجنة وتسمية البيت كافية (6)، وقد تقدم نقل القاضي عياض (7) رحمه الله ولشيخ الإسلام
(1) سورة البقرة الآية 156
(2)
سورة البقرة الآية 157
(3)
سورة البقرة الآية 156
(4)
انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 126.
(5)
مسند أحمد: 4/ 415، سنن الترمذي: 3/ 332 كتاب الجنائز باب فضل المصيبة إذا احتسب (36) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(6)
تسلية أهل المصائب: 222.
(7)
تقدم ترجمته.
ابن تيمية تفصيل في المسألة، فبعد أن ذكر ما أصيب به الرسول والمؤمنون من المصائب بسبب اختيارهم طاعة الله فقال:(وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه، وتكفر عنه الذنوب بمصائبه، فإن هذا (1) أصيب وأوذي باختياره طاعة الله، يثاب على نفس المصائب، ويكتب له بها عمل صالح قال تعالى:{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (2). بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار العبد، كالمرض وموت العزيز عليه، وأخذ اللصوص ماله، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة، وما يتولد عنها، والذين يؤذون على الإيمان وطاعة الله ورسوله، ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال، وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتباعهم المهاجرين الأولين، فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح، كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار، وإن
(1) هذا إشارة إلى ذكر متقدم وهو المؤمن الذي اختار الأذى بسبب طاعته لله وهو صاحب المصائب.
(2)
سورة التوبة الآية 120
كانت هذه الآثار ليست عملا فعله ويقوم به، لكنها متسببة عن فعله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة (1) ا. هـ.
فتبين من كلام شيخ الإسلام أن المصائب مكفرات ومثيبات وإن كانت بسبب طاعة الله فإنه يثاب عليها وعلى ما يتولد منها، وهذا ما دلت عليه النصوص، فقد تقدم جملة من الأدلة على تكفير السيئات.
أما الأدلة العامة على رفع الدرجات فمنها: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة (2)» . وفي لفظ: «ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له حسنة أو حطت عنه بها خطيئة (3)» . وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط (4)» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيرا يصب منه (5)» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ما
(1) أمراض القلوب وشفاؤها: 20.
(2)
صحيح مسلم: 3/ 1991 كتاب البر ثواب المؤمن فيما يصيبه (14) واللفظ له.
(3)
صحيح مسلم: 4/ 1992 كتاب البر ثواب المؤمن فيما يصيبه (14).
(4)
سنن الترمذي: 4/ 601 كتاب الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، سنن ابن ماجه: 2/ 1338 كتاب الفتن باب الصبر على البلاء (23) وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1/ 216، وسلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/ 227 رقم 146.
(5)
تقدم.
لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة (1)». ومع هذا الأجر العظيم الذي دلت عليه الأحاديث فإنها تدل كذلك على التعويض من الله، سواء في الدنيا أو الآخرة، لدلالة الأحاديث المتقدمة والآيات الواردة في ذلك منها قوله سبحانه:{مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (2). وقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3). فهذه الآية كما تقدم في تكفير السيئات أن المؤمن لا بد له من ابتلاء حتى عمله ابتلاء من الله هل يصبر ويعمله باحتساب أم لا، فإن كان عمله أشغله عن لذة من لذات الدنيا فإن العوض من الله خير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الله قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة (4)» يريد عينيه. والمتتبع لسير المرسلين وأتباعهم، وما أصيبوا به من أذى، يرى أن العاقبة كانت لهم، سواء في العاجل أو الآجل.
فهذا إبراهيم عليه السلام لما صبر على بلاء قومه عوضه الله بذرية
(1) صحيح البخاري: 7/ 172 كتاب الرقاق باب العمل الذي يبتغي به وجه الله تعالى، مسند أحمد: 2/ 417.
(2)
سورة العنكبوت الآية 5
(3)
سورة العنكبوت الآية 7
(4)
صحيح البخاري: 7/ 4 كتاب المرضى باب فضل من ذهب بصره واللفظ له، مسند أحمد: 3/ 144 سنن الترمذي: 4/ 603 كتاب الزهد باب ما جاء في ذهاب البصر 7/ 457.
بارة مطيعة كما قال سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (1). ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم حيث أمرهم الله قال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (2). أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا، وملكهم شرق الأرض وغربها، فمن اتقى الله عز وجل وترك الشيء له لأجله سبحانه، عوضه الله خيرا عظيما، كما قال صلى الله عليه وسلم:«ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه (3)» . ويقول سبحانه وتعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (4){وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (5). وكما ترك يوسف الصديق امرأة العزيز لله، واختار السجن على الفاحشة، عوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن المجاهد في الله يهديه الله سبله
(1) سورة العنكبوت الآية 27
(2)
سورة العنكبوت الآية 56
(3)
كشف الخفا: 2/ 239 - 312 الرقم 2119 - 2428 واللفظ له مسند أحمد: 5/ 78.
(4)
سورة الطلاق الآية 2
(5)
سورة الطلاق الآية 3
ومعلوم أن المجاهد لله لا بد أن يترك كثيرا من الملذات والشهوات ويقبل على الله فعوضه الله أن هداه سبيله وكان معه خاصة، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (1). وقد عزى الله المؤمنين حين اختاروا الألم المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (2). فضرب لمدة هذا الألم لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله ولله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه؛ ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل، كما عزاهم تعالى بعزاء آخر وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين. .، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين (3) كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} (4).
(1) سورة العنكبوت الآية 69
(2)
سورة العنكبوت الآية 5
(3)
زاد المعاد: 3/ 16.
(4)
سورة العنكبوت الآية 9
ثالثا: هل التكفير حاصل بمجرد المصيبة أم لا بد من الصبر؟
الناس بالنسبة لأقدار الله أربعة أقسام:
الأول: من يرضى عن ربه فيها لمزيد من حبه والشوق إليه، وهذا نشأ من مشاهدتهم للطف الله فيهم، وبره وإحسانه العاجل والآجل.
الثاني: من يشكر الله عز وجل على المصائب كما يشكر على النعم. وهذا فوق الرضا، إلا أنه غالبا ما يكون على النعم، فهو في فتنة السراء أظهر.
الثالث: من يصبر على أقدار الله، وهم المقصودون، ولا يتحقق الرضا والشكر إلا بالصبر.
الرابع: الجزع والتسخط والتشكي، واستبطاء الفرج، واليأس من الروح، والجزع الذي يفوت الأجر (1).
وعلى هذا التقسيم فلا بد للمصاب أن يكون من الصابرين فما فوق، أم من الساخطين، وقد ذكر ابن حجر أن الأجر حاصل بمجرد المصيبة، فقال عند سياقه للحديث الأول - حديث عائشة السابق ذكره:(وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام (2) حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور إنما هو على الكسب، وهو خطأ صريح؛ فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا) (3).
(1) انظر طريق الهجرتين: 218.
(2)
تقدمت ترجمته في ص: 286.
(3)
قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 127.
ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي: المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل، كذا قال: والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه (1) ا. هـ.
والذي يظهر لي بعد هذا النقل أن الأجر لا يحصل إلا مع الصبر، لا بد للإنسان أن يصبر أو يسخط، ولا أعرف مرتبة بينهما، إلا أن الصبر إما أن يكون لله ومع الله فإنه يؤجر على ذلك؛ للآيات والأحاديث التي تحث على الصبر وتأمر به، وإما أن يكون لغير ذلك من غاياته في الدنيا، أو يجبر على الصبر كصبر البهائهم، ويسلي نفسه كصبر الكفار، فإن هذا لا أجر له.
قال ابن القيم بعد أن تكلم على الصبر فقال: المراتب أربعة:
أحدها: مرتبة الكمال، وهي مرتبة أولي العزائم، وهي الصبر لله وبالله، فيكون في صبره مبتغيا وجه الله، صابرا به، متبرئا من حوله
(1) فتح الباري: 10/ 105، وانظر 109.
وقوته، فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها.
الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا، فهو أخس المراتب، وأردأ الخلق، وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان.
الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله، وهو مستعين متوكل على حوله وقوته، متبرئ من حوله هو وقوته، ولكن صبره ليس لله؛ إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه، فهذا ينال مطلوبه ويظفر به، ولكن لا عاقبة له، وربما كانت عاقبته شر العواقب.
الرابعة: من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به، والتوكل عليه، والثقة به والاعتماد عليه، فهذا له عاقبة حميدة، ولكنه ضعيف عاجز (1).
وإن حصل مع الصبر على المصائب رضى وشكر فإنه أعظم للأجر، فالرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره، مستحب وهو من مقامات أهل الإيمان، بخلاف الرضى بالقدر الجاري عليه باختياره، مما يكرهه الله ويسخطه وينهي عنه، كالظلم والفسوق والعصيان، فإن هذا حرام يعاقب عليه، وهو مخالفة لله تعالى (2). وكذلك الشكر؛ حيث إن الله أمر به وأثنى على أهله ونهى عن ضده، من ذلك قوله تعالى عن إبراهيم في دعوة قومه:{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (3).
(1) مدار السالكين 2/ 177.
(2)
انظر مدارج السالكين: 2/ 202.
(3)
سورة العنكبوت الآية 17
وقال سبحانه: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (1). إلا أن الغالب في الشكر أن يكون على السراء وهي من الفتن العامة التي ينبغي للمسلم أن يشكر الله عليها، وليست من المصائب النازلة المقصودة في هذا الموضوع.
فتبين أنه لا أجر بدون الصبر فما فوقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(المصائب التي تجري بلا اختيار العبد، كالمرض وموت العزيز عليه، وأخذ ماله، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها، لا على نفس ما يحدث من المصيبة وما يتولد عنها)(2). وأما إن حصل ضد الصبر وهو الجزع والتسخط والتشكي، فإن هذا لا يؤجر، بل قد يحصل له الإثم لقوله صلى الله عليه وسلم:«إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط (3)» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الصالقة
(1) سورة سبأ الآية 13
(2)
أمراض القلوب وشفاؤها: 21.
(3)
مسند أحمد: 5/ 427 - 429 سنن الترمذي: 4/ 601 وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.
والحالقة والشاقة (1)».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية (2)» .
ومن حكم الابتلاء التمييز بين المؤمنين والكفار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند التمحيص. فالتمييز: من مزت الشيء أميزه ميزا: عزلته وفرزته، وكذلك ميزته تمييزا فانماز، وامتاز، وتميز، واستماز كله بمعنى، يقال: امتاز القوم إذا تميز بعضهم من بعض، وفلان يكاد يتميز من الغيظ أي ينقطع (3). هذا معنى التمييز في اللغة، فالمراد هنا تمييز المؤمن من الكافر، وقد ثبت ذلك في قوله تعالى:{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (4). قال الطبري - رحمه الله تعالى -: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} (5) منهم، في قولهم: آمنا، {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (6) منهم في قولهم ذلك، والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك:
(1) صحيح البخاري: 2/ 83 كتاب الجنائز باب ما ينهى الحلق عند المصيبة (38) صحيح مسلم: 1/ 100 كتاب الإيمان باب تحريم ضرب الخدود (44). الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. الحالقة: هي التي تحلق شعرها.
(2)
صحيح البخاري: 2/ 83 كتاب الجنائز باب ليس منا من ضرب الخدود (39) صحيح مسلم: 1/ 99 كتاب الإيمان باب تحريم ضرب الخدود (44) ودعوى الجاهلية: هي النياحة وندبة الميت والدعاء بالويل وشبهه، النووي على مسلم: 2/ 110.
(3)
الصحاح للجوهري: 3/ 897.
(4)
سورة العنكبوت الآية 3
(5)
سورة العنكبوت الآية 3
(6)
سورة العنكبوت الآية 3
وليظهرن الله الصادق منهم في قوله: آمنا بالله، من كذب الكاذب منهم، بابتلائه إياه؛ ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه (1).
والله عز وجل بين في كتابه عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقضي أن كل من قال: أنه مؤمن، وادعى لنفسه الإيمان؛ أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته تعالى في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغني والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة.
فمن كان عند ورد الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته دل ذلك على صدق إيمانه وصحته، ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه (2). فعلى هذا يكون الابتلاء تخليص الخير من الشر وتمييزه
(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 20/ 129.
(2)
تيسير الكريم الرحمن: 6/ 66.
سواء في الدنيا الآخرة، كما قال تعالى:{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (1)، وكما قال صلى الله عليه وسلم: صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه (3)» . وعلى هذا فهل يمكن تمييز الخبيث من الطيب بدون ابتلاء؟ إنه لا بد للتمييز من ابتلاء، فما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وأذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه، وهو كالحر الشديد والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى الأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع من الضر واللذة عن الألم لكان عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة (4).
(1) سورة الأنفال الآية 37
(2)
صحيح مسلم: 1/ 128 كتاب الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا: 65 واللفظ له، مسند أحمد: 5/ 386: 405.
(3)
المرباد: هو شدة البياض في سواد (أو شبه البياض) والكوز مجخيا أي منكوسا: صحيح مسلم: 1/ 130. (2)
(4)
إغاثة اللهفان: 2/ 189.
إذا لا بد من الابتلاء، فلو كان المؤمنون دائما منصورين قاهرين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه (1). وقد مرت حوادث على الأمة الإسلامية تميز فيها الصادق من المنافق، ومن أبرزها ما حصل في غزوة أحد حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أحد، قال ابن إسحاق حتى إذا كانوا بالشوط (2) بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس وقال:(أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل هاهنا أيها الناس)، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب (3)، وقد ذكر ابن القيم من الحكم في غزوة أحد فقال: (ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطالهم الصيب، ودخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه
(1) انظر: إغاثة اللهفان: 2/ 190.
(2)
اسم حائط يعني بستانا في المدينة بينها وبين أحد. معجم البلدان: 3/ 372.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 68 وانظر المغازي للواقدي: 1/ 219.
باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبأتهم وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا) (1)، وكما في قصة الأقرع والأعمى والأبرص، التي ميز الله فيها بين الغني الشاكر والكافر، وقد ميز الله بين المؤمنين والمنافقين وقد بين سبحانه أن المنافقين لا يتحملون أي أذى يصيبهم في ادعائهم الإيمان، فهم لا يصبرون ويعدون أي أذى كأنه هو عذاب الله، الذي بين سبحانه أنه شديد. قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} (2).
(1) زاد المعاد: 3/ 219.
(2)
سورة العنكبوت الآية 10
الناس في الابتلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن رده ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه، وجمعه عليه وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، فمن حكمة الابتلاء بالنسبة للمؤمنين: تكميل العبودية لله في السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية، بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم
القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع (1). ومن العبودية أن يشكو العبد إلى ربه ويتضرع إليه ويدعوه، فالله يحب ذلك من العبد، (فهو سبحانه يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها، ويعلم خائنة أعينهم وما تخفي صدورهم، فيثيب كل عبد على قصده ونيته، وقد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه، ولم يستكن له وقت البلاء)(2). كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} (3). فالله عز وجل يذيق عبده ألم الحجاب عنه والبعد، وزوال ذلك الأنس والقرب ليمتحن عبده، فإن أقام على الرضى بهذه الحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأولى مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره، علم أنه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به.
وإن استغاث به استغاثة الملهوف، وتعلق تعلق المكروب، ودعاء دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقا، فهو يهتف بربه أن يرد عليه حياته، ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه، علم أنه موضع لما هو أهل له، فرد أحوج ما هو إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت
(1) إغاثة اللهفان: 2/ 190.
(2)
تسلية أهل المصائب: 217 - 218.
(3)
سورة المؤمنون الآية 76
به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذ مقداره، فعض عليه بالنواجذ، وثنى عليه الخناصر، وكان حاله كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذ وجدها بعد معاينة الهلاك (1).
فما أعظم موقع ذلك الوجدان عنده، ولله أسرار وحكم ومنبهات وتعريفات لا تنالها عقول البشر.
القسم الثاني: إذا ابتلي الإنسان ولم يرده ذلك البلاء إلى الله، بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته، وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع من الشر والبطر، والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلية هذا وبال عليه، وعقوبة ونقص في حقه (2). ويرد على هذا:
مسألة: هل المصائب في الدنيا للمؤمنين فقط؟
وأقول: إنها ليست خاصة بالمؤمنين، فما يرى فيه الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه، فهو دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان، وإن كان في الظاهر بخلافه. قال الحسن البصري رحمه الله: (أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليح، ووطئت
(1) مفتاح دار السعادة: 1/ 296.
(2)
طريق الهجرتين، 964.