المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التواصي بالحق الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز - جـ ٩

[ابن باز]

فهرس الكتاب

- ‌الوصية بكتاب الله (القرآن الكريم)

- ‌الإجابة عن أسئلة متفرقة بعد المحاضرة

- ‌التواصي بالحق

- ‌أقسام التوحيد

- ‌أسئلة وأجوبتها بعد تعليق سماحته

- ‌التوحيد أولا

- ‌أمور التوحيد.. لا عذر فيها

- ‌كلمة توجيهية في الدورة الرابعة والثلاثين للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عام (1416 ه

- ‌الحث على العناية بكتاب الله وتعلمه

- ‌بيان حقوق ولاة الأمور على الأمة

- ‌حول طاعة الأمير

- ‌حكم التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل به

- ‌تعليق على الكلمة الطيبة التي تفضل بها صاحبالفضيلة الشيخ \ محمد ناصر الدين الألباني

- ‌بيان أهمية الفقه الإسلامي

- ‌وجوب وقاية النفس والأهل من النار

- ‌تنبيه على ما وقع من الغلو في قصيدةالمدعو محمد بدر الدين المنشورة فيمجلة الرابطة عدد 368 في شهر جمادى الآخرةمن عام 1416 ه

- ‌نصيحة حول الزلازل

- ‌من حكمة الله تعالى ابتلاء العبادبالمصائب والفتن، منها الزلازل

- ‌الخشوع لا يصرف للرسول عليه الصلاة والسلام

- ‌تقريظ وتحبيذعلى قصيدة الشيخ راشد بن صالح الخنينالعلامة الورع التقي الغيور على الحق

- ‌تقريظ على قصيدة الشيخ \ صالح بن حسين العلي

- ‌الفرق بين الكفر والشرك

- ‌السنة ومكانتها في الإسلام وفي أصول التشريع

- ‌بيان حكم الشرع في الجارودي على ضوء المقابلة معه في مجلة المجلة

- ‌تحذير وبيان عن مؤتمر بكين للمرأة

- ‌معنى تنقض عرى الإسلام عروة عروة

- ‌الإمام ابن تيمية لم يستحسن الاحتفال بالمولد النبوي

- ‌كلمة في حفل التوعية الإسلامية في الحج

- ‌موقف الدعاة والعلماء من كثرة انتشار الباطل

- ‌رد على المفترين على العلماء

- ‌الوهابية لا تناصب آل البيت العداءبل هي على طريقة السلف الصالح

- ‌الإجابة عن عدة أسئلة لصحيفة المدينةرد الافتراء على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهابرحمه الله ودعوته

- ‌حول تفضيل أحد الأولاد على الآخرين في العطاء

- ‌حول اعتماد طالب العلم أو الداعية على الكتب الفكرية والثقافية وعدم قراءة الكتب الشرعية

- ‌نصيحة للدعاة في عدم استعجال ثمار دعوتهم

- ‌ليس الحنابلة هم السلفيون فقط

- ‌تحذير من الوقوع في أعراض الناس والغيبة

- ‌نصيحة عامة للمسئولين الأفغان

- ‌دعوة إلى دعمالهيئة العليا للبوسنة والهرسك

- ‌حث المسلمين على التبرعومساعدة إخوانهم المحتاجين

- ‌حادث التفجير في الرياض جريمة عظيمة. وفساد في الأرض وظلم كبير

- ‌دعوة إلى المساهمة المادية في تحفيظ القرآن الكريم

- ‌تحذير من سؤال الكهنة والعرافين وتصديقهم

- ‌الكهان يدعون الغيب بواسطة شياطينهم

- ‌إتيان الكهان تعلق بخيط العنكبوت

- ‌أسئلة مهمة وأجوبتها

- ‌ الأعور الدجال

- ‌ رؤية الله وكلامه لخلقه يوم القيامة

- ‌ سؤال حول ترجمة الكتب المعرفة للإسلام بعدة لغات

- ‌حكم الدخول بالمصحف إلى الحمام وحكم تمزيق الأوراق المكتوب فيها آيات قرآنية

- ‌الإجابة عن أسئلة لجريدة المدينة

- ‌ كيفية علاج الكبر واكتساب التواضع

- ‌ إصلاح ذات البين

- ‌ دعاة الباطل

- ‌ الاحتفال بضرب النفس بالسيف عمل منكر

- ‌ ما يسمى بعصيدة بنت النبي بدعة منكرة

- ‌ ادعاء أن عليا حارب الجن كذب لا أصل له

- ‌ تفسير الآية (258) من سورة البقرة

- ‌حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان

- ‌أسئلة متفرقة والإجابة عنها

- ‌هذا الحديث غير صحيح

- ‌حول أعمال الدراويش الخادعة

- ‌إخراج الثعابين من البيت بالكلام الطيب ليس بسحر

- ‌الخضر مات قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌حكم وضع القرآن الكريم على الأرض

- ‌حكم تقبيل المصحف

- ‌حكم قراءة القرآن على طريقة المغنيين

- ‌كلمة سيد فلان

- ‌رفع اليدين في الدعاء

- ‌دعاء الصباح والمساء

- ‌كيفية بر الوالدين بعد موتهما

- ‌خروج النساء للدعوة

- ‌لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

- ‌حكم السفر إلى بلاد المشركين

- ‌حكم الرجوع في عطية الوالد لابنه

- ‌حكم مساعدة العاق لوالديه

- ‌علاج الوساوس والشك في العبادة

- ‌الدليل على قتل المرتد عن الإسلام

- ‌حول صحف إبراهيم وموسى

- ‌حول دعاء الركوب في المصعد

- ‌حول كلمة منة الله ولا منة خلقه

- ‌الخروج مع جماعة التبليغ

- ‌ليس في نسيان الآيات إثم

- ‌لم يمد الرسول صلى الله عليه وسلم يده لأحد من قبره

- ‌يأجوج ومأجوج من بني آدم

- ‌نصيحة الوالد الذي يرتكب المعاصي

- ‌الواجب الثبات على الحق وعدم الطاعة في معصية الخالق

- ‌طائفة عبد الله الحبشي ضالة

- ‌دور المراكز الإسلامية وكراسي الدراساتالإسلامية في خدمة الإسلام

- ‌حول كلمة الولاء للوطن

- ‌بدع في العزاء

- ‌حكم قراءة القرآن على قبر الميت

- ‌حكم إهداء الصلاة للغير

- ‌القراءة على الأموات

- ‌هذا العمل شرك أكبر

- ‌الدعاء بقول (بحق محمد) لا يجوز

- ‌حكم أكل المسلم مع الكافر

- ‌المملكة تنفذ الأحكام الشرعية ولو لم ترض الحكومات

- ‌حكم التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌هذا الكلام بدعة ومنكر ولا أصل له

- ‌على الشباب سلوك الطريق الصحيح في التفقه في الدين

- ‌وجوب التكاليف على الأصم والأبكم

- ‌التعلم والتفقه في الدين واجب إذا تيسر في المدرسة

- ‌لا تجوز النياحة على الميت

- ‌حكم الطعن في الأنساب والنياحة على الميت

- ‌يجوز الضرب الخفيف للتأديب

- ‌حول كلمة صدق الله العظيم

- ‌لا يجوز الحلف بالصلاة ولا بالذمة

- ‌الكيفية الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌إنكار المنكر واجب على الجميع دون استثناء

- ‌كيفية إنكار البدع الظاهرة

- ‌الأوقات التي تجاب فيها الدعوات

- ‌حكم قول المسلم للمسلم: يا غبي يا خبل

- ‌قبول التوبة وشروطها الأربعة

- ‌من شروط الدعاء الثقة بالله والإتيان بالأسباب

- ‌لا يجوز تعطيل الأسباب لأحد مهما بلغ

- ‌جمع المصحف على حرف واحد

- ‌كيفيه التكفير عن المعاصي

- ‌توبة الزاني

- ‌الحفظ والتفقه في الدين لتعليم أهل القريةوالصلاة بهم عمل صالح تشكر وتؤجر عليه

- ‌الواجب على العاق لوالديه الاستغفاروالدعاء لهما بعد موتهما

- ‌حكم الصلاة خلف من يتبرك بالقبور

- ‌الصلاة خلف المبتدع

- ‌الكتابة على القبور

- ‌الفتنة بالمال أكثر وأشد

- ‌معنى الخلود في النار

- ‌حول شرعية نوادي النساء

- ‌حكم مشاهدة التليفزيون

- ‌نصيحة لمن يستمع إلى الأغاني من النساء

- ‌الاستماع إلى القرآن عبادة

- ‌لا كفارة عليك إذا لم تحلف

- ‌حكم التصوير للمضطر

- ‌التقرب بالذبح لغير اللهشرك

- ‌حكم الذبح لغير الله

- ‌رد السلام الموجه من الكاتب

- ‌حكم الدعاء جهرا

- ‌التحذير من استفتاء الجهلة وأصحاب العقيدة الباطلة

- ‌حكم العذر بالجهل في العقيدة

- ‌حكم الإقامة بين المشركين

- ‌لا تجوز الإقامة في بلد يظهر فيه الشرك والكفر إلا للدعوة إلى الله

- ‌نصيحة لمن ارتكب الفواحش ثم ندم

- ‌يجوز لساعي البريد أخذ المساعدة

- ‌أخذ الأجرة على القراءة على المرضى

- ‌كيفية علاج المرض النفسي

- ‌ أذكار وتعوذات لعلاج جميع الأمراض الحسية والمعنوية

- ‌علاج صرع الجن للإنس

- ‌صلة الرحم واجبة حسب الطاقة

- ‌من يقرأ القرآن وهو عليه شاق فله أجر

- ‌كراهية الموت

- ‌حكم التسمية بأسماء من الآيات

- ‌حول ترك السنن لتألف الناس

- ‌حكم الإسلام في إجراء العملية لإزالة التشوه الخلقي

- ‌الاغتسال بالدم منكر ظاهر ومحرم

- ‌المبتدع والعاصي

- ‌أسئلة وأجوبة تتعلق بالطبوالعاملين بالمستشفيات

- ‌نصيحة لمن أسرف على نفسه ثم تاب

- ‌جريمة الزنا والخلاص من آثاره

- ‌ليس هناك نص يحدد عمر الدنيا

- ‌حكم من لا يدري في أمور الإسلام إلا قليلا

- ‌هدم قبر لإعادة حفره وبنائه

- ‌اثبتي على توبتك

- ‌رسالة شكر إلى الملك حسينعلى منع إقامة تمثاله

- ‌نصيحة لمن ارتكب معصية وندم ثم نسي وعاد

- ‌اعدل بين أولادك

- ‌حكم تعليق التمائم على الصبيان والمرضىوتعليق الآيات القرآنية والأذكار على الجدرانفي المكاتب والمساجد

- ‌الوصية بالاستمرار في النصيحة

- ‌العقيدة الصوفية باطلة

- ‌أهمية العناية بمن يعتنق الإسلام في بلادنا

- ‌حكم إطلاق لفظة الشهيد على شخص معين

- ‌كيف أنزل الحديث

الفصل: ‌ ‌التواصي بالحق الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على

‌التواصي بالحق

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فإنني أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله، في بيت من بيوت الله في رحاب بيت الله العتيق، للتواصي بالحق والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والتذكير بالله وبحقه، نسأل الله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا وأن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يمنحنا الفقه فيه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعيذهم من بطانة السوء، وأن ينصر بهم الحق ويجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين.

ص: 45

أيها الإخوه في الله:

إن الله جل وعلا خلق الثقلين ليعبدوه وأرسل الرسل لهذا الأمر العظيم وأنزل الكتب لهذا الأمر قال جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1) لهذا الأمر خلق الله الناس جنهم وإنسهم رجالهم ونسائهم عربهم وعجمهم، أغنيائهم وفقرائهم كلهم خلقوا ليعبدوا الله، لم يخلقوا عبثا ولا سدى. قال جل وعلا:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (2) إنكارا على من ظن ذلك. وقال جل وعلا: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} (3) يعنى مهملا لا يؤمر ولا ينهى. وقال جل وعلا: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} (4)

فالله خلق الخلق ليعبدوه، ما خلقهم باطلا ولا عبثا ولا سدى، خلقهم لأمر عظيم وهو: أن يعبدوه بطاعة أمره وترك نواهيه والإخلاص له في جميع العبادات والوقوف عند حدوده، هذه هي العبادة التي خلقوا لها. كما قال سبحانه في سورة الذاريات:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (5){مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (6){إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (7)

وهذه العبادة هي توحيده وطاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وهي الإسلام الذي قال الله فيه:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (8) وهي الإيمان

(1) سورة الذاريات الآية 56

(2)

سورة المؤمنون الآية 115

(3)

سورة القيامة الآية 36

(4)

سورة ص الآية 27

(5)

سورة الذاريات الآية 56

(6)

سورة الذاريات الآية 57

(7)

سورة الذاريات الآية 58

(8)

سورة آل عمران الآية 19

ص: 46

والهدى. قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (1) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (2)

فهذه العبادة هي الإيمان، وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:«الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (3) » فالإيمان هو عبادة الله وهو الإسلام وهو الهدى وهو البر والتقوى وهو طاعة الله ورسوله وهو توحيد الله والإخلاص له والقيام بأوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذه هي العبادة، وهذا هو الإسلام والإيمان وهذا هو التقوى وهذا هو البر والهدى قال تعالى:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (4) وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} (5) وقال سبحانه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (6)

وهذا هو معنى العبادة التي أمر الله بها الناس جميعا وخلقهم لها قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (7) أمرهم بهذه العبادة التي خلقوا لها وأرسل بها الرسل عليهم الصلاة والسلام قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (8) ومعنى قوله سبحانه: {اُعْبُدُوا اللَّهَ} (9) يعني وحدوا الله

(1) سورة النجم الآية 23

(2)

سورة النساء الآية 136

(3)

رواه مسلم في الإيمان برقم 51 واللفظ له، والنسائي في الإيمان وشرائعه برقم 4919.

(4)

سورة النجم الآية 23

(5)

سورة البقرة الآية 189

(6)

سورة الانفطار الآية 13

(7)

سورة البقرة الآية 21

(8)

سورة النحل الآية 36

(9)

سورة النحل الآية 36

ص: 47

وأطيعوا أوامره {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1) يعني: اجتنبوا الشرك والمعاصي.

فالله أرسل الرسل جميعا من أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام كلهم أرسلوا ليدعوا الناس لعبادة الله وأن يوحدوا الله ويخصوه بالعبادة وأن يطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه ويقفوا عند حدوده ويرجوا ثوابه ويخشوا عقابه سبحانه وتعالى، بهذا الأمر بعث الله الرسل وبه أرسلوا قال ابن عباس رضي الله عنهما:(كان آدم أبونا عليه الصلاة والسلام وذريته على الإسلام عشرة قرون، حتى وقع الشرك في قوم نوح فأرسل الله إليهم نوحا عليه الصلاة والسلام، ودعاهم إلى الله ووجههم إلى الخير، وقص الله لنا قصتهم في مواضع كثيرة يأمرهم بتوحيد الله وطاعته يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (2) فلما استكبروا وأصروا على الباطل أخذهم الله بالغرق كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (3){فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (4) مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله سبحانه، فلما استكبروا وعتوا أخذهم الله بالطوفان بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض، حتى غرقوا عن آخرهم إلا من كان مع نوح في السفينة كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (5){فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} (6)

وهكذا غيرهم، من

(1) سورة النحل الآية 36

(2)

سورة المؤمنون الآية 23

(3)

سورة العنكبوت الآية 14

(4)

سورة العنكبوت الآية 15

(5)

سورة العنكبوت الآية 14

(6)

سورة العنكبوت الآية 15

ص: 48

لم يستجب للرسل فهو الهالك في الدنيا والآخرة، وآخرهم وخاتمهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو آخرهم وأفضلهم كما قال الله جل وعلا:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (1) وقال عليه الصلاة والسلام «إنه لا نبي بعدي (2) » وقال «بعثت للناس عامة (3) » قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (4) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (5) عليه من ربه الصلاة والسلام، فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس اتباعه وطاعته والسير على منهاجه عليه الصلاة والسلام قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (6) والمعنى: قل يا محمد للناس جنهم وإنسهم إن كنتم تحبون الله يعني صادقين فاتبعوني يحببكم الله.

فمن كان يحب الله فليتبع محمدا عليه الصلاة والسلام بطاعة أوامره واجتناب نواهيه وذلك بتوحيد الله والإخلاص له وأداء حقه وترك معصيته، ومن ذلك المحافظة على الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وبر الوالدين وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك جميع المعاصي، وترك الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، وترك جميع المعاصي من الزنا، والسرقة، واللواط، والربا، وشرب المسكرات، والغيبة والنميمة وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم إلى غير ذلك.

(1) سورة الأحزاب الآية 40

(2)

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم3196، ورواه مسلم في الإمارة برقم 3429.

(3)

رواه البخاري في التيمم برقم 323، وأحمد في باقي مسند المكثرين برقم 13745.

(4)

سورة الأعراف الآية 158

(5)

سورة سبأ الآية 28

(6)

سورة آل عمران الآية 31

ص: 49

يجب على كل مكلف من الرجال أو النساء أن يعبد الله، وأن يطيع أوامره، وأن ينتهي عن نواهيه، وأن يقف عند حدود الله يرجو ثوابه ويخشى عقابه سبحانه وتعالى يقول جل وعلا:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (1) ويقول جل وعلا: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (2) ويقول سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3)

فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس من الرجال والنساء أن يعبدوا الله وأن يتقوه وأن يعظموا أمره ونهيه، ولا بد من التواصي في ذلك والتناصح والتعاون على البر والتقوى من الرجال والنساء والعرب والعجم وجميع الناس، لا بد من التواصي والتناصح قال جل وعلا:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (4) وقال سبحانه {وَالْعَصْرِ} (5){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (6){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (7) يقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر، والعصر: هو الزمان الليل والنهار، والله سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء من خلقه كما أقسم

(1) سورة النور الآية 54

(2)

سورة النساء الآية 80

(3)

سورة النور الآية 63

(4)

سورة المائدة الآية 2

(5)

سورة العصر الآية 1

(6)

سورة العصر الآية 2

(7)

سورة العصر الآية 3

ص: 50

بالطور، والذاريات، {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (1){وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} (2){وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} (3){وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (4) إلى غير ذلك، وهذه مخلوقات يقسم بها سبحانه لأنها دالة على عظمة الله ودالة على أنه رب العالمين وأنه سبحانه هو المستحق لأن يعبد فهو سبحانه يقسم بما يشاء، أما المخلوق فليس له أن يحلف إلا بالله ولا يجوز له أن يحلف بالنبي ولا بالأمانة ولا بأبيه، ولا بغير ذلك من المخلوقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (5) » ولقوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك (6) » أخرجه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإسناد صحيح فلا يجوز لأحد أن يحلف بأبيه أو بأمه أو بالنبي أو بفلان إنما الحلف بالله وحده كوالله وبالله وتالله. . . وغيرها ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (7) » .

يبين جل وعلا في هذه السورة العظيمة أن الإنسان في خسران، الرجال والنساء والجن والإنس كلهم في خسارة، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (8) هؤلاء هم الرابحون السعداء، الذين آمنوا بالله ورسوله، آمنوا بأن الله ربهم ومعبودهم الحق، وأنه فوق السماوات وفوق العرش وفوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، آمنوا بعلو الله وأنه سبحانه فوق العرش بائن من خلقه كما قال جل وعلا:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (9)

(1) سورة النجم الآية 1

(2)

سورة الليل الآية 1

(3)

سورة الشمس الآية 1

(4)

سورة التين الآية 1

(5)

رواه البخاري في الشهادات برقم 2482، ومسلم في الأيمان برقم 3105 واللفظ متفق عليه.

(6)

رواه أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة برقم 311.

(7)

رواه النسائي في الأيمان برقم 3709، وأبو داود في الأيمان والنذور برقم 2827.

(8)

سورة العصر الآية 3

(9)

سورة طه الآية 5

ص: 51

وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1) هذا هو ربنا سبحانه وتعالى له الخلق والأمر وهو فوق العرش وعلمه في كل مكان، ترفع الأيدي إليه بالدعاء سبحانه وتعالى، وهو العلي العظيم قال تعالى:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (2) وقال سبحانه: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (3)

وهو جل وعلا فوق العرش استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. كما قال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (4) ولا يعلم كيفية صفاته سبحانه وتعالى أحد سواه، فربنا سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى فوق الخلق، وهو الرحمن الرحيم، وهو العزيز الحكيم، وهو الرؤوف الرحيم، والقادر على كل شيء، وهو المستحق لأن يعبد، فالواجب علينا جميعا رجالا ونساء أن نعبده، بماذا؟ بطاعة أوامره، وبترك نواهيه، والإخلاص له في العبادة وحده، فندعوه وحده، ونرجوه، ونستعين به وننذر له، ونصلي له، ونسجد له، ونصوم له ونصرف جميع العبادة له وحده سبحانه، يقول الله جل وعلا:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (5) ويقول سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (6)

(1) سورة الأعراف الآية 54

(2)

سورة فاطر الآية 10

(3)

سورة المعارج الآية 4

(4)

سورة الشورى الآية 11

(5)

سورة الإسراء الآية 23

(6)

سورة الفاتحة الآية 5

ص: 52

ويقول سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (1) ويقول جل وعلا: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (2){أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (3) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (4) » ويقول عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (5) » متفق على صحته.

(1) سورة البينة الآية 5

(2)

سورة الزمر الآية 2

(3)

سورة الزمر الآية 3

(4)

رواه البخاري في الجهاد والسير برقم 2644، ومسلم في الإيمان برقم 44 واللفظ متفق عليه.

(5)

رواه البخاري في الإيمان برقم 24، ومسلم في الإيمان برقم 33، واللفظ متفق عليه.

ص: 53

فعلى جميع المكلفين أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن يعلموا أنه لا معبود حق سواه سبحانه وتعالى، وأن يؤمنوا بأنه سبحانه وتعالى فوق العرش وأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شريك له ولا كفء له ولا ند له {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1) وعليهم أن يؤمنوا بأنه سبحانه هو الخلاق الرزاق كما أنه المستحق للعبادة فهو الخلاق الرزاق لا خالق غيره ولا رب سواه، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى كما قال جل وعلا:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (2) فهو سبحانه له الأسماء الحسنى يدعى بها مثل: الحكيم والعليم والرحمن والرحيم والعزيز والرؤوف والعليم والقادر على كل شيء والسميع والبصير إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى الواردة في كتابه العظيم وفي سنة نبيه الأمين عليه الصلاة والسلام.

(1) سورة الشورى الآية 11

(2)

سورة الأعراف الآية 180

ص: 53

والواجب على جميع المكلفين التناصح في ذلك والتواصي بهذا. قال جل وعلا: {وَالْعَصْرِ} (1){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (2){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3) فالناس في خسران وهلاك، إلا الذين آمنوا بالله يعني آمنوا بأن الله هو معبودهم الحق، وهو ربهم وهو الرزاق، آمنوا بذلك وصدقوا بذلك فهم يؤمنون أن الله سبحانه هو خالقهم وهو رازقهم، وهو فوق العرش وفوق جميع المخلوقات، ويؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من أمر الآخرة والجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك، ويصدقون بما أخبر الله به في كتابه العظيم القرآن وبما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم يصدقون بكل ذلك، ويؤمنون بالله ويصدقون ما قاله سبحانه وتعالى ويؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ويصدقون بما جاء به، فهم يؤمنون بالله وبرسوله، ويصدقون بكل ما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما سيكون، ويؤمنون بأنه سوف يعيدنا يوم القيامة، وسوف يبعثنا، وسوف يجازينا بأعمالنا إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} (4) وقال سبحانه: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} (5) يعني: يوم القيامة فإنهم مجموعون ليوم القيامة ومجزيون بأعمالهم، فعلى العبد أن يؤمن بذلك وأن يصدق بكل ذلك وأن يعد العدة لذلك اليوم وهو يوم القيامة

(1) سورة العصر الآية 1

(2)

سورة العصر الآية 2

(3)

سورة العصر الآية 3

(4)

سورة المجادلة الآية 6

(5)

سورة التغابن الآية 9

ص: 54

بتوحيد الله وطاعته وترك معصيته والقيام بحقه فلهذا قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} (1) يعني الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا الله ورسوله ثم عملوا الصالحات: أي أدوا الصلوات الخمس وحافظوا عليها كما أمر الله وأدوها بالطمأنينة والخشوع، وأدوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجوا البيت، وبروا الوالدين، ووصلوا الأرحام، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في سبيل الله إلى غير ذلك مما أوجب الله ورسوله وتركوا الإشراك بالله، وخصوه سبحانه وحده بالعبادة لا يشركون به شيئا، ولا يأتون شيئا مما نهاهم عنه من جميع المعاصي التي نهاهم عنها، ويجب على المؤمن أن يحذر مما حرم الله عليه، وهكذا المؤمنة تحذر من سائر المعاصي.

فعبادة الله والإيمان بالله معناه: الإخلاص لله في العمل وطاعة الأوامر وترك النواهي على المنهج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فالمؤمن يصلي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويزكي كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، ويجاهد كما أمر الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، وينصح ويوصي إخوانه بالخير، هكذا بالله وباليوم الآخر ثم قال بعدها {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} (2) يعني: مع العمل تواصوا فيما بينهم أن يعملوا، ويؤدوا فرائض الله، وينتهوا عن محارم الله، يرجون ثوابه، ويخافون عقابه عن صدق وعن إخلاص، ثم يتواصون بالصبر فكل واحد ينصح أخاه إذا رأى منه تقصيرا ينصحه يوضح له الخير ويدعوه إلى الله، ويقول: يا أخي اتق الله يا أخي فعلت كذا يا أخي تركت كذا

(1) سورة العصر الآية 3

(2)

سورة العصر الآية 3

ص: 55

يوصيه بالخير إذا رآه يتكاسل عن الصلاة نصحه قال له: يا أخي اتق الله، الصلاة عمود الإسلام، والواجب عليك المحافظة عليها في الفجر وفي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي جميع الأوقات يجب أن تنهض إليها إذا أذن المؤذن، بادر إليها في جميع الأوقات، الرجل يؤديها في الجماعة، والمرأة تؤديها في البيت بإخلاص وصدق وخشوع وطمأنينة وإحضار قلب، وهكذا يزكي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، يبيع كما أمره الله، ويشتري كما أمره الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى غير ذلك، وفي جميع أحواله يراقب الله في المزرعة، وفي العمل، وفي صلاته، وفي صومه، وفي أهله، وفي كل مكان يراقب الله ويتقيه ويطيع أوامره وينتهي عن نواهيه، يرجو ثوابه ويخشى عقابه، وهذا هو معنى قوله سبحانه:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (1)

ثم هو مع هذا يوصي إخوانه وأهل بيته، وينصح زوجته وينصح أولاده، ويوصيهم بطاعة الله يوصي جيرانه، ويوصي جلساءه وزملاءه وينصح لهم ويحذرهم من معاصي الله، ويصبر أيضا ويوصي بالصبر إذ لا بد من الصبر لأن هذه الأعمال تحتاج إلى صبر، فالإيمان يحتاج إلى صبر والعمل يحتاج إلى صبر والتواصي بالحق والصبر عليه يحتاج إلى صبر، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى صبر.

(1) سورة العصر الآية 3

ص: 56

وقد سمعتم ما قرأ إمامنا عن وصية لقمان لابنه يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (1) ثم ذكر الله الوصية بالوالدين وأوصى الولد بوالديه وإن كانا كافرين بأن يحسن إليهما ويصحبهما بالمعروف لعل الله أن يهديهما بأسبابه، ثم يقول لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (2){وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} (3) يعنى إياك والتكبر والتعاظم في نفسك والعجب، وعليك بالتواضع وعدم التكبر.

فالمؤمن يتقي الله ويراقب الله في جميع أموره، فيؤدي ما أوجب الله، ويترك ما حرم الله وينصح لإخوانه ويوصيهم بطاعة الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر ولا يفعله. قال تعالى:{وَالْعَصْرِ} (4){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (5){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (6) وهذه الصفات الأربع هي صفات الرابحين الناجين السعداء: الإيمان الصادق بالله ورسوله وبما أخبر الله به ورسوله عما كان وعما سيكون، ثم العمل بأداء فرائض الله وترك محارم الله، ولا يكفي القول فقط، فلا بد من عمل القلب والجوارح، فالقلب يعمل ويخاف الله ويرجوه ويحبه ويخشاه سبحانه وتعالى: ومع ذلك يعمل بالجوارح فيؤدي فرائض الله، وينتهي عن محارم الله، ويقف عند حدود الله، ويتناصح مع

(1) سورة لقمان الآية 13

(2)

سورة لقمان الآية 17

(3)

سورة لقمان الآية 18

(4)

سورة العصر الآية 1

(5)

سورة العصر الآية 2

(6)

سورة العصر الآية 3

ص: 57

إخوانه يوصي إخوانه وينصح لهم أينما كان، في أي مكان، في البحر، في البر، في السيارة، في الطائرة في الباخرة، في مجلس خاص، في مجلس عام، إذا رأى المنكر أنكره إذا رأى تقصيرا وعظ وذكر، يوصي بالخير وينصح بالخير، ويحذر من الشر، هكذا المؤمن مع إخوانه، وهكذا المؤمنة مع أخواتها في الله، ومع زوجها، ومع أولادها، ومع قراباتها ومع جيرانها تنصح لهم، فالرجل ينصح، والمرأة تنصح، يقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (1) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (2) » ويقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه الصحابي الجليل: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (3) » فالمؤمن ينصح لإخوانه إذا رأى تقصيرا لا يغفل مع الجيران ومع غيرهم، يقول الله جل وعلا:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (4)

هذه صفات المؤمنين وهذه أخلاقهم في هذه الآية العظيمة، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (5)

(1) سورة التغابن الآية 16

(2)

رواه أحمد في مسند الشاميين برقم 16337، والترمذي في البر والصلة برقم 1849.

(3)

رواه البخاري في الزكاة برقم 1313 واللفظ له، ومسلم في الإيمان برقم 83.

(4)

سورة التوبة الآية 71

(5)

سورة التوبة الآية 71

ص: 58

ضد أعداء الله فالمؤمنون أولياء يتحابون في الله ويتناصحون في الله لا يغش المؤمن أخاه ولا يخونه ولا يكذب عليه فالمؤمن أخو المؤمن لا غش ولا خداع، أولياء فيما بينهم، فالذي يغش أخاه أو يكذب عليه أو يظلمه قد خان الأخوة الإيمانية، وقد خرقها وقصر فيها، وعصى ربه في ذلك، فلا بد من المحافظة على هذا الإيمان بأداء الفرائض وترك المحارم مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيقا لقوله سبحانه:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1)

هكذا المؤمنون يتراحمون ويتناصحون ويتعاطفون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرشدون إلى الخير مع أهل بيتهم ومع إخوانهم ومع جيرانهم ومع غيرهم، كما قال الله جل وعلا:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (2) وقال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (3) قال جل وعلا: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4) فالعلماء أهل البصائر يدعون إلى الله وإلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أهل البصائر وأهل

(1) سورة التوبة الآية 71

(2)

سورة فصلت الآية 33

(3)

سورة النحل الآية 125

(4)

سورة يوسف الآية 108

ص: 59

العلم يدعون إلى الله ويرشدون الناس إلى الخير على بصيرة وعلى علم يرجون ثواب الله ويخشون عقابه، فالواجب على كل مؤمن وكل مؤمنة الدعوة إلى الله حسب العلم وحسب الطاقة، فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بغير علم، بل يدعو إلى الله حسب علمه وحسب البصيرة التي عنده، فإذا رأى المؤمن أو المؤمنة من يقصر في الصلاة أو يتساهل أو يتكاسل فلينصحه وليأمره بالمعروف وليحذره من التساهل بالصلاة والتكاسل عنها، وهكذا إذا رأى منه عقوقا للوالدين أو قطيعة للرحم أو رآه يكذب ويغش في معاملته فعليه أن ينصحه ويقول له اتق الله، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ومتى رأى منه خللا نصحه ووجهه إلى الخير في جميع الأحوال، والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

ومن النصح والتواصي بالحق في الاختبارات أداء الأمانة وعدم الغش في الاختبارات، ولا شك أن هذا من النصح لله ولعباده، تنصح زميلك وترشده إلى ما تعلم وتعينه على مهمته في الحق والمذاكرة بينكما، والحذر من الخيانة والغش وهكذا في المعاملات، من النصيحة عدم الغش في المعاملة تبيع وتشتري ولكن بأمانة، وهكذا الذين يجلبون الحاجات من المزارع عليهم أن ينصحوا ولا يغشوا وأن يجعلوا المبيع ظاهره كباطنه وهكذا كل مسلم ينصح في وظيفته التي عنده ويؤدي حقها حسب الطاقة، مع ملاحظة الأمانة وعدم تقديم من لا يستحق على

ص: 60

من يستحق، عدم أخذ الرشوة بل يجب أن يؤدي عمله بالأمانة كما أمر الله على الوجه الذي يجب عليه فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يحابي هذا دون هذا، ويعطل هذا ويقدم هذا لهدية أو لصداقة، بل يجب أن ينصح لله ويؤدي الأمانة كما أمر الله، وهكذا الزوج مع زوجته يجب أن ينصحها وأن يعلمها ويرشدها وأن يكون طيبا رقيقا حسن العشرة طليق الوجه طيب الابتسامة ولا يجوز أن يكون معبسا عند أهله مكفهر الوجه بل يكون طيب العشرة طيب الكلام حسن المحادثة مع زوجته ومع أهل بيته ومع والديه ومع أولاده، ومع ذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسن خلق وطيب كلام، وهكذا الزوجة مع زوجها تكون طيبة الأخلاق وتكون ناصحة له وتكون حسنة المحادثة صبورة والرجل كذلك وهكذا الأب مع أولاده يتقي الله فيهم وينصح لهم والأم مع أولادها تتقي الله فيهم وتنصح لهم وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وهكذا مع الجيران ينصح لهم ويحب لهم الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فإذا رآهم يتخلفون عن صلاة الفجر أو غيرها نصحهم وأنكر عليهم ويقول لهم هذه فريضة الله والصلاة عمود الإسلام من تركها كفر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (1) » ويقول صلى الله عليه وسلم:«رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (2) » ويقول صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (3) »

(1) رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث 116، وأحمد في كتاب باقي مسند المكثرين حديث رقم 14451، والترمذي في كتاب الإيمان.

(2)

رواه الترمذي في الإيمان برقم 2541.

(3)

رواه الترمذي في كتاب الإيمان حديث 2545، والنسائي في كتاب الصلاة 459، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها 1069.

ص: 61

وبذلك يعلم أن الصلاة شأنها عظيم فيجب الحذر من التساهل فيها، وهكذا في جميع الأمور يجب التناصح والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى وعلى ترك الباطل وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا جميعا على دينه وأن يعيذنا وسائر المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، وأن يمنحنا الفقه في الدين، وأن يحسن لنا جميعا الختام ونسأله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

ص: 62