المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[باب الصلح] الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ - مختصر خليل - ومعه شفاء الغليل في حل مقفل خليل - جـ ٢

[ابن غازي - خليل بن إسحاق الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌[باب البيوع]

- ‌[باب الصرف]

- ‌[باب المطعومات]

- ‌[باب البيوع المنهي عنها]

- ‌[باب بيوع الآجال]

- ‌[فصل]

- ‌[باب الردّ بالعيب]

- ‌[باب المرابحة والمداخلة والثمار، والعرية والجائحة والمنازعة]

- ‌[ما يتناوله البيع]

- ‌[اختلاف المتبايعين]

- ‌[باب السلم والقرض والمقاصّة]

- ‌[فصل]

- ‌[أحكام المقاصة]

- ‌[باب الرهن]

- ‌[باب التفليس]

- ‌[باب الحجر]

- ‌[باب الصلح]

- ‌[باب الحوالة]

- ‌[باب الضمان]

- ‌[باب الشركة]

- ‌[باب المزارعة]

- ‌[باب الوكالة]

- ‌[باب الإقرار]

- ‌[باب الاستلحاق]

- ‌[باب الإيداع]

- ‌[باب العارية]

- ‌[باب الغصب]

- ‌[باب الاستحقاق]

- ‌[باب الشفعة]

- ‌[باب القسمة]

- ‌[باب القِرَاضِ]

- ‌[باب المساقاة]

- ‌[باب الإجارة]

- ‌[فصل كراء الدوابّ والرباع]

- ‌[فصل]

- ‌[باب الجعل]

- ‌[باب إحياء الموات]

- ‌[باب الوقف]

- ‌[باب الهبة]

- ‌[باب اللُقَطة]

- ‌[باب الأقضية]

- ‌[أحكام القضاء]

- ‌[باب الشهادة]

- ‌[باب الدماء]

- ‌[فصل الدية]

- ‌[باب الباغية]

- ‌[باب الردة]

- ‌[باب الزنا]

- ‌[باب القذف]

- ‌[باب السرقة]

- ‌[باب الحرابة]

- ‌[باب الخمر والحد والضمان]

- ‌[باب العتق]

- ‌[باب التدبير]

- ‌[باب الكتابة]

- ‌[باب أم الولد والولاء]

- ‌[أحكام الولاء]

- ‌[باب الوصية]

- ‌[باب الفرائض]

الفصل: ‌ ‌[باب الصلح] الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ

[باب الصلح]

الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ، أَوْ إِجَارَةٌ وعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ وجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ وعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ. وعَكْسِهِ. إِنْ حَلا.

قوله: (أَوْ إِجَارَةٌ) مثاله أن يدّعي عَلَى رجلٍ شيئاً معيناً، فيصالحه عَلَى سكنى دار أو خدمة عبد أو ما أشبه ذلك إلى أجل معلوم، وقد أبعد من ضبطه إجازة، بالزاي المعجمة.

وعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا.

قوله: (كَمِائَةِ دِينَارٍ ودِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِمَا) أي كمائة دينار ودرهمٍ واحد صلحاً عن مائة دينار ومائة درهم كما فِي " المدونة "، فهو مثال لقوله: وعَلَى بعضه هبة.

وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ.

قوله: (وعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) أشار به لقوله فِي كتاب: الأيمان والنذور من " المدونة ": " ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جَازَ ذلك "(1). انتهى. وقد افتدى عثمان وحلف عمر. قال ابن عرفة: قيّدها غير واحدٍ بمعنى الصلح عَلَى الإنكار فِيمَا يجوز وما لا يجوز.

أَوِ السُّكُوتِ.

قوله: (أَوِ السُّكُوتِ) عياض: وحكم السكوت حكم الإقرار عَلَى قولي مالك وابن القاسم جميعاً، فما وقع من صلحٍ حرام عَلَى الإقرار أو السكوت فسخ عَلَى كلّ حال كالبيع. ابن عرفة: وقسّموه لإقرار (2) وإنكار، فبقول عياض: حكم السكوت حكم الإقرار تكون القسمة حقيقية بين الشيء ونقيضه، والمساوي لنقيضه ". انتهى. وقال ابن محرز أما الصلح عَلَى السكوت فإنه يعتبر فِيهِ حكم المعاوضة فِي الإقرار، ويعتبر عَلَى مذهب [مالك](3) فِيهِ الوجوه الثلاثة التي فِي الإنكار، وعَلَى مذهب ابن القاسم إنما يعتبر الصلح فِي حقّ كل واحد منهما عَلَى انفراده، ولا يلتفت إلى ما يوجبه الحكم فِي ظاهره.

(1) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: 2/ 95، وانظر: المدونة، لابن القاسم: 3/ 100.

(2)

في الأصل، و (ن 2)، و (ن 3):(حكم لإقرار).

(3)

ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، و (ن 4).

ص: 749

أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ. فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وأَعْلَنَ أنّه يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ.

قوله: (أَوِ الإِنْكَارِ إِنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ. وظَاهِرِ الْحُكْمِ، ولا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ) هذا قول مالك خلافاً لابن القاسم وأصبغ (1).

تحرير:

قال ابن عرفة: الصلح عَلَى الإنكار جائز باعتبار عقده، وأما فِي باطن الأمر فإن كَانَ الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإِلا فحلال، فإن وفّى بالحقّ بريء، وإِلا فهو غاصب فِي الباقي، ولم يذكر المازري ولا ابن القصار ولا أحد من مشاهير شيوخ المذهب المعتاد منهم نقل غريب المذهب خلافاً فِي جوازه إِلا عياضاً عن ابن الجهم عن بعض أصحابنا، وكَانَ يجري لنا فِي البحث تخريج مثل قول الشافعي من قول سحنون: إن طلب السلابة شيئاً خفيفاً لَمْ يجز أن يعطوه خلاف ما فِي أول جهاد " المدونة "(2)؛ بجامع أنّه إعطاء مال لدفع عداء، وأن التخريج أحروي؛ لأن العداء فِي المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشدّ من عداء الخصومة المعروض للحلف. وقال ابن عبد السلام: والنفس تميل فِيهِ لمذهب الشافعي.

وفِي كتاب الجهاد من " المدونة " ما يقرب منه. قال ابن عرفة: والذي فِي أوّل الجهاد منها يدلّ عَلَى عكس ما قاله حسبما قدمناه، والذي أشار إليه من كتاب: الجهاد هو ما كَانَ يجري لنا فِي درسه من الأخذ من قول مالك هناك: وإِذَا تنازع رجلان فِي اسم مكتوب فِي العطاء، فأعطى أحدهما الآخر مالاً عَلَى أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لَمْ يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم [إن كَانَ صاحب الاسم فقد أخذ الآخر (3) ما لا يحلّ له، وإن كَانَ الذي

(1) قال المواق: (عِيَاضٌ: مَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: مَا يَجُوزُ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، ومَعَ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ وعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ) انظر: التاج والإكليل، للمواق: 5/ 83.

(2)

انظر: المدونة، لابن القاسم: 3/ 3.

(3)

في (ن 1)، و (ن 3):(الأجر).

ص: 750

أخذ الدراهم] (1) هو صاحب الاسم لَمْ يجز؛ لأنه لا يدري ما باع قليلاً أو كثيراً، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه، فهذا غرر لا يجوز (2).

قال ابن عرفة: ويرد بأن المنع فِي مسألة الجهاد إنما كَانَ لدوران الأمرين أمرين كل منهما موجب للفساد حسبما قرره فِيهَا، والصلح عَلَى الإنكار ليس كذلك؛ لأنه عَلَى تقدير صدق المدعي لا موجب للفساد.

كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرَّاً فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ، لا إِنْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ ولَمْ يُشْهِدْ، أَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ.

قوله: (كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرَّاً فَقَطْ عَلَى الأَحْسَنِ) الفاعل بـ: (يعلن) يعود عَلَى المدعي المشهد، والفاعل بـ:(يقرّ) يعود عَلَى المدعى عَلَيْهِ؛ ولذلك يجب رفع (يقرّ)، والمعنى كمن أشهد ولم يعلن بإشهاده، وكمن يقر له المدعي عَلَيْهِ سراً فقط، وهذا مما يميّزه ذهن السامع اللبيب، فهما مسألتان، فأما المسألة الأولى: فذكر الخلاف فِيهَا ابن يونس وغيره واستظهر فِيهَا ابن عبد السلام عدم القيام عكس قول المصنف: (عَلَى الأحسن).

فإن قلت: لعلّ قوله: (عَلَى الأحسن) خاصٌ بالثانية؟

قلت: هذا لا يصحّ؛ لأنه يلزم عَلَيْهِ أن يكون لَمْ يذكر خلافاً فيمن لَمْ يعلن الإشهاد فلا يكون للتفريق بين المعلن وغيره فائدة.

وأما الثانية فطوّل فِيهَا ابن يونس، واقتصر من ذلك فِي " التوضيح " عَلَى ما نصّه: " إِذَا أقرّ فِي السرّ وجحد فِي العلّانية فصالحه غريمه عَلَى أن يؤخر سنة، وأشهد أنّه إنما صالحه لغيبة بينة، فإذا قدمت قام بها فقيل: ذلك له إِذَا علم أنّه كَانَ يطلبه وهو يجحده، وقيل: ليس ذلك له. قال المصنف: وأفتى بعض أشياخ شيخي: أن ذلك له للضرورة

(1) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن 1).

(2)

انظر: المدونة، لابن القاسم: 3/ 43.

ص: 751

وهو قول سحنون والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى: إيداع الشهادة (1). انتهى (2).

فإن قلت: مسألة الذي أشهد أنّه يقوم بالبينة ولم يعلن [86 / ب] إشهاده أعمُّ من أن يكون لدد خصمه بالإقرار سرّاً والجحود علانية أو بغير ذلك، فالثانية مندرجة فِي الأولى؟

قلت: هو كذلك، ولو قصدنا أن نحمل كلامه فِي " مختصره " عَلَى محاذاة " توضيحه " لحملنا الثانية عَلَى أنّه لَمْ يشهد فِي السّر أنّه يقوم بالبينة، ولكن بمجرد الإقرار الذي يستدعيه منه بالتأخير (3)، فيكون ذلك أبعد من التداخل، وقد قال ابن عرفة: ولو صالحه عَلَى تأخيره سنة بعد أن أشهد بعد لشهادة عَلَى إنكاره أنّه إنما صالح ليقرّ له بحقّه ففي لزوم أخذه بإقراره ولغو صلحه عَلَى تأخيره ولغو إقراره ولزوم صلحه بتأخيره نقلا ابن يونس عن سحنون وابن عبد الحكم قائلاً: الأول أحسن والظالم أحقّ أن يحمل عَلَيْهِ.

ابن عرفة: وعَلَيْهِ عمل القضاة والموثقين، وأكثرهم لَمْ يحك عن المذهب غيره، وحكى المتيطي عن ابن مزين عن أصبغ: لا ينفع إشهاد السر إِلا عَلَى من لا ينتصف منه كالسلطان أو الرجل القاهر، ولم يذكر الثاني، فالأقوال ثلاثة، وعَلَى الأول حاصل حقيقة الاسترعاء عندهم وهو المسمى فِي وقتنا إيداعاً هو إشهاد الطالب أنّه طلب فلاناً وأنّه أنكره وقد علم إنكاره بهذه البينة أو غيرها، وأنّه مهما أشهد بتأخيره إياه بحقّه أو بوضيعة شيء منه أو بإسقاط بينة الاسترعاء فهو غير ملتزم لشيء من ذلك، وأنّه إنما يفعله ليقرّ له بحقّه، وشرطه تقدمه عَلَى الصلح، فيجب تعيين وقته بيومه وفِي أي وقتٍ هو من يومه؛ خوف اتحاد يومهما. فإن اتحد دون تعيين جزء اليوم لَمْ يفد استرعاؤه.

(1) قال ابن القيم: (صورتها: أن يقول له الخصم لا أقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه، وأشهد عليك أنك لا تستحق عليّ بعد ذلك شيئاً، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على طلب حقي كله من فلان، وأني لم أبرئه من شيء منه وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه وقال بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل، وأني إنما أشهدت على ذلك توصلاً إلى أخذ بعض حقي) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم: 4/ 30.

(2)

انظر التوضيح، لخليل بن إسحاق: 8/ 562.

(3)

في الأصل، و (ن 2):(بالتخير).

ص: 752

قال المتيطي وابن فتّوح: ولا ينفع الاسترعاء إِلا مع ثبوت إنكار المطلوب، ورجوعه فِي الصلح إلى الإقرار، فإن ثبت إنكاره وتمادى عَلَيْهِ فِي صلحه لَمْ يفد استرعاؤه شيئاً إن لَمْ تقم بينة تعرف أصل حقّه، وقول العوام صلح المنكر إثبات لحقّ الطالب جهل، وقول الموثق فِي الصلح: تساقطا الاسترعاء، والاسترعاء فِي الاسترعاء حسن؛ لأنه إِذَا استرعى أحد المصالحين حيث يجب له الاسترعاء، وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بقطع الاسترعاء فإنما يفعل ذلك لإظهار حقّه ويستجلب به إقرار خصمه ورجوعه عن إنكاره، فيكون له حينئذ القيام بالاسترعاء، ولا يضره ما انعقد عَلَيْهِ من إسقاط البينات المسترعاة، ونفعه الاسترعاء فِي هذا، وإن لَمْ يذكر فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينة المسترعاة، فهو راجع عن ذلك قطع ما انعقد فِي كتاب الصلح من إسقاطه لها قيامه بالاسترعاء.

فإذا قلت: أنّه قطع الاسترعاء، والاسترعاء [في الاسترعاء](1)، ثُمَّ استرعا وقال فِي استرعائه أنّه متى أشهد عَلَى نفسه بإسقاط البينات المسترعاة فإنما يفعل ذلك ليستجلب به إقرار خصمه لَمْ [ينتفع بهذا الاسترعاء إذ الاسترعاء فِي الاسترعاء، زاد المتيطي وقاله غير واحدٍ من الموثقين وفِيهِ تنازع، والأحسن فِي هذا كلّه أن يقر أن كل بينة تقوم له بالاسترعاء فهي ساقطة كاذبة، وإقراره أَيْضاً أنّه لَمْ يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء، فإن ذلك يسقط دعواه ويخرج به الخلاف إن شاء الله تعالى؛ لأنه يصير مكذباً لبينته ومبطلاً لها، وهذا من دقيق الفقه ". انتهى.

وقد سبق ابن محرز إلى إنكار ما يجري عَلَى ألسنة العوام من أن: صلح المنكِر إثبات لحقّ الطالب.

وقال ابن رشد فِي أول سماع ابن القاسم من كتاب العتق: وللتحرز من الخلاف يكتب فِي كتب الاصطلاحات أي فِي رسوم الصلح، وأسقط عنه الاسترعاء والاسترعاء فِي الاسترعاء، ومن الكُتّاب من يزيد ما تكرر وتناهى ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو: أن

(1) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن 1).

ص: 753

يشهد قبل الصلح فِي السر أنّه إنما يصالحه لوجه كذا، فهو غير ملتزم للصلح، والاسترعاء فِي الاسترعاء هو أن يشهد أنّه لا يلتزم الصلح، وأنّه متى صالح وأشهد عَلَى نفسه فِي كتاب الصلح أنّه أسقط عنه الاسترعاء فِي السر، فإنه لا يلتزم ذلك ولا يسقط عنه القيام به، فلا تتصور فِي ذلك منزلة ثالثة، وهذا الاسترعاء فِي السرّ إنما ينفع عند من يراه نافعاً فِيمَا خرج عَلَى غير عوض، وأما ما خرج عَلَى عوض من العقود كلّها فلا اختلاف أن الاسترعاء فِيهِ غير نافع (1).

فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ فَائْتِ بِهِ، فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَهُ. وعَنْ إِرْثِ زَوْجَةٍ مِنْ عَرْضٍ ووَرِقٍ وذَهَبٍ بِذَهَبٍ مِنَ التَّرِكَةِ قَدْرَ مَوْرِثِهَا مِنْهُ فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. إِنْ قَلَّتِ الدَّرَاهِمُ. لا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقاً إِلا بِعَرْضٍ إِنْ عَرَفَ جَمِيعَهَا وحَضَرَ، وأَقَرَّ الْمَدِينُ وحَضَرَ، وعَنْ دَرَاهِمَ وعَرْضٍ تُرِكَا بِذَهَبٍ كَبَيْعٍ وصَرْفٍ، وإِنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعِهِ، وعَنِ الْعَمْدِ بِمَا قَلَّ وكَثُرَ لا غَرَرٍ كَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ ولِذِي دَيْنٍ مَنْعُهُ مِنْهُ.

قوله: (فَقِيلَ لَهُ حَقُّكَ ثَابِتٌ) أي فقال له المطلوب: حقك حق فات بالصك فامحه وخذ حقك فقال: قد ضاع وأنا أصالحك ففعل، ثُمَّ وجد ذكر الحقّ فلا رجوع له باتفاق.

وإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ.

قوله: (وَإِنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وخُلْعٍ) هذه الثلاث من النظائر السبع التي يرجع فِيهَا [87 / أ] لأرش العوض فِي الردّ بالعيب والاستحقاق والشفعة، وقد كنّا جمعناها فِي بيتٍ وهو:

صُلْحَانِ عِتْقَانِ وبُضْعَانِ مَعاً

عُمْرَى بِأَرْشِ عِوَضٍ بِهِ ارْجِعَا

فالبيت مشتملٌ عَلَى إحدى وعشرين مسألة من ضرب ثلاثة فِي سبعة.

وإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ. وإِنْ صَالَحَ مَقْطُوعٌ، ثُمَّ نُزِيَ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ لا لَهُ رَدُّهُ، والْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ كَأَخْذِهِمُ الدِّيَّةَ فِي الْخَطَإِ، وإِنْ وَجَبَ لِمَرِيضٍ عَلَى رَجُلٍ جَرْحٌ عَمْداً فَصَالَحَ فِي مَرَضِهِ بِأَرْشِهِ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ ولَزِمَ، وهَلْ مُطْلَقاً، أَوْ إِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لا مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلانِ. وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ

(1) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: 14/ 395، 396، إلا أنها ثاني مسألة على ما وقفت عليه.

ص: 754

وَلِيَّيْنِ، فَلِلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وسَقَطَ الْقَتْلُ كَدَعْوَاكَ صُلْحَهُ فَأَنْكَرَ، وإِنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإٍ بِمَالِهِ لَزِمَهُ، وهَلْ مُطْلَقاً أَوْ مَا دَفَعَ؟ تَأْوِيلانِ، لا إِنْ ثَبَتَ، وجَهِلَ لُزُومَهُ، وحَلَفَ، ورُدَّ، إِنْ طُولِبَ بِهِ مُطْلَقاً، أَوْ إِنْ طَلَبَهُ ووُجِدَ، وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ، وإِنْ عَنْ إِنْكَارٍ، فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ كَحَقٍّ لَهُمَا فِي كِتَابٍ.

قوله: (وَإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ، أَوْ قَطَعُوا جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، والْعَفْوُ عَنْهُ) كذا فِي النسخ التي بين أيدينا وهو صحيح جار مع نصّ " المدونة "(1)، وفِي تعدد القاتلين أو القاطعين، وكذلك الجارحون، وأما العكس فروى يحيي عن ابن القاسم: من قتل رجلين عمداً وثبت ذلك عَلَيْهِ فصالح أولياء أحدهما عَلَى الدية وعفوا عن دمه، وقام أولياء الآخر بالقود فلهم القود، فإن استقادوا بطل الصلح، ويرجع المال إلى ورثته؛ لأنه إنما صالحهم عَلَى النجاة.

أَوْ مُطْلَقٍ إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.

قوله: (إِلا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ) كأنه يعني ففي وجه استثنائه تَرَدُّدٌ.

إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ (2) الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى.

قوله: (إِلا أَنْ يَشْخَصَ، ويُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوْ فِي الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى) المبالغة راجعة لمحذوف تقديره: فلا يدخل معه صاحبه، وإن لَمْ يكن بيد المطلوب غير ما اقتضى منه الذي شخص.

أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ، وفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا، وكُتِبَ فِي كِتَابٍ قَوْلانِ، ولا رُجُوعَ، إِنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وإِنْ هَلَكَ.

قوله: (أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ) منصوب عطفاً عَلَى إن يشخص.

(1) قال في المدونة: (.. الجراح إذا اجتمعت على رجال شتى، أيكون له أن يصالح من شاء، ويقتص ممن شاء ويعفو عمن شاء؟ قال: نعم مثل قول مالك في القتل. قلت أرأيت إن اجتمع على قطع يدي رجال قطعوها عمداً أيكون لي أن أصالح من شئت منهم في قول مالك وأقطع من شئت وأعفو عمن شئت؟ قال: قال مالك في القتل: للأولياء أن يصالحوا من شاؤا ويعفوا عمن شاؤا ويقتلوا من شاؤا، وكذلك الجراحات عندي مثل القتل) انظر: المدونة، لابن القاسم: 11/ 372.

(2)

في أصل المختصر والمطبوعة: (أو في).

ص: 755

وإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ [58 / أ] مِنْ [خَمْسِيه](1) فَلِلآخَرِ إِسْلامُهَا، أَوْ أَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، ويَرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وأَرْبَعِينَ، ويَأْخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً، وإِنْ صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلِكٍ لَمْ يَجُزْ إِلا بِدَرَاهِمَ، كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، أَوْ ذَهَبٍ كَذَلِكَ، وهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ، وإِنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوَضِّحَتَيْ عَمْدٍ وخَطَإٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّقْصِ وبِدِيَةِ الْمُوَضِّحَةِ، وهَلْ كَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلانِ.

قوله: (وَإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِيه) بحذف نون خمسين للإضافة أي من الخمسين الواجبة له من المائة.

تذييل:

قال ابن عرفة: الصلح من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعيّن مصلحته، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته كما مرّ فِي النكاح للخمي وغيره. قال ابن رشد: لا بأس بندب القاضي الخصمين إليه ما لَمْ يتبين له الحقّ لأحدهما؛ لقول عمر لأبي موسى: " واحرص عَلَى الصلح ما لَمْ يتبين لك فصل القضاء "(2)، وقيل فِي بعض المذاكرات: لا بأس به بعد التبيين إن كَانَ لرفقٍ بالضعيف منهما كالندب لصدقة عَلَيْهِ، وردّ بأنه يوهم الحق عَلَى من له الحقّ أو سقوطه له، بِخِلاف الصدقة. ابن رشد إن أباه أحدهما فلا يلحّ عَلَيْهِ إلحاحاً يوهم الإلزام. ابن عرفة: وقد نقل عن بعض القضاة بأطرابلس جبره عَلَيْهِ فعزل. وبالله تعالى التوفيق.

(1) في أصل المختصر: (خمسين) وفي المطبوعة: (خمسينه). واعتمدنا ما عند المؤلف، فانظره.، وانظر: تعقيب الخرشي على ثبوت النون وحذفها، حيث اعتمد ثبوتها، وقال:(أُثْبِتَتْ نُونُهُ خَوْفَ الْتِبَاسِهِ بِخُمُسَيْهِ تَثْنِيَةُ خُمُسٍ فَيَكُونُ بِضَمِّ الْخَاءِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ يُقَالُ إنَّ إثْبَاتَ النُّونِ لَا يَنْفِي ذَلِكَ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَثْنِيَةُ مَا ذُكِرَ مَعَ ثُبُوتِ النُّونِ الَّتِي تُحْذَفُ لِلْإِضَافَةِ).

(2)

لم أقف على هذا الأثر، ونقله بعض الشراح عن المقدمات لابن رشد حيث قال ابن رشد:(. . .قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا واحْرِصْ عَلَى الصُّلْحِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك فَصْلُ الْقَضَاءِ.) انظر: المقدمات الممهدات، لابن رشد: 2/ 157، قلت: وأخرج البيهقي في سننه: (قال عمر: رضي الله عنه ثم ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن) انظر: سنن البيهقي برقم (11142) كتاب الصلح، باب ما جاء في التحلل وما يحتج به من أجاز الصلح على الإنكار.

ص: 756