المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الإسماعيلية وهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا - مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة - جـ ١

[ناصر القفاري]

فهرس الكتاب

- ‌هذا الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أهل السنة والجماعة

- ‌الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة

- ‌(أ) التعريف بالسنّة:

- ‌ سبب تسمية أهل السنّة بالجماعة

- ‌(ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة:

- ‌الفصل الثاني: مصادر أهل السنة في تلقي العقيدة

- ‌الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائد أهل السنة التي خالفتها الشيعة

- ‌1- حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم:

- ‌4- اعتقاد أهل السنّة في أهل البيت:

- ‌5- لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الثاني: الشيعة

- ‌الفصل الأول:‌‌ تعريف الشيعةونشأتهم وفرقهم

- ‌ تعريف الشيعة

- ‌التعريف المختار للشيعة:

- ‌الرأي المختار:

- ‌فرق الشيعة

- ‌الإسماعيلية

- ‌الزيدية

- ‌فرق الزيدية

- ‌الرافضة

- ‌الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين

- ‌1- اعتقادهم في كتاب الله:

- ‌(أ) قولهم بتحريفه

- ‌1- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف:

- ‌2- النصوص الواردة في كتبهم:

- ‌3- معتقدهم في هذه الروايات:

- ‌4- بداية هذا (الافتراء عند الشيعة) :

- ‌(ب) انحرافهم في تأويل القرآن:

- ‌ تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين

- ‌(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة

- ‌1- مصحف فاطمة:

- ‌2- لوح فاطمة:

- ‌3- دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة:

- ‌أولاً: أقوال "أئمتهم الإثني عشر" هي عندهم كأقوال الله ورسوله

- ‌ثانياً: إيداع الشريعة عند الأئمة المعصومين - بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثاً: ردهم لمرويات الصحابة:

- ‌رابعاً: تلقيهم السنّة عن «حكايات الرقاع» وما يسمونه بالتوقيعات الصادرة عن الإمام:

- ‌عمدة الروافض في "أحاديثهم

- ‌1- «بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار» :

- ‌2- «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة» :

- ‌3- «مستدرك الوسائل» :

- ‌أسانيد الشيعة في كتبهم:

- ‌الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة

- ‌1 - الإمامة

- ‌(أ) معنى الإمامة عند الشيعة:

- ‌(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم:

- ‌2 - عصمة الإمام

- ‌3- التقية

- ‌4- الرجعة

- ‌5- البداء:

- ‌6- الغَيْبة:

- ‌7- معتقدهم في الصحابة:

- ‌النتيجة للباب الأول والثاني

الفصل: ‌ ‌الإسماعيلية وهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا

‌الإسماعيلية

وهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا أن جعفراً أشار إليه في حياته ودل الشيعة عليه، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر من بعده، وأنكروا إمامة سائر ولد جعفر)(1) .

ذلك أنه بعد وفاة جعفر بن محمد افترقت الشيعة ـ كعادتها في الافتراق بعد وفاة كل إمام ـ افترقت إلى عدة فرق عدها النوبختي (2) ستاً، فمن قائل إن جعفراً حي لم يمت حتى يظهر ويلي أمر الناس وهو المهدي (3) . ومن قائل إن الإمام بعد جعفر ولده موسى (4) إلى آخر هذه المقالات والفرق، لكن فرقة الإسماعيلية هي التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وابنه محمد.

ويذكر البغدادي أن الإسماعيلية افترقت فرقتين بعد وفاة إسماعيل:

(1)

فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

(1) الرازي: «الزينة» : ص 287 ضمن كتاب الغلو والفرق الغالية، والرازي هذا هو أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي وهو من أكبر الدعاة إلى الإسماعيلية، توفي سنة 322هـ. انظر:«أعلام الإسماعيلية» : ص 97 وراجع ابن حجر: «لسان الميزان» : (1/164) .

(2)

النوبختي: فرق الشيعة ص 148.

(3)

ويسمون بـ (الناووسية) نسبة لرئيس لهم يقال له الناووس. انظر المصدر السابق: ص 148.

(4)

فخر الدين الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين» : ص 81.

ص: 147

(2)

فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل (ت 143هـ) في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية (1) .

ثم ابتدئ من محمد بن إسماعيل بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سراً ويظهرون الدعاة جهراً (2) ، وأئمة الستر الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مختلف فيه بينهم (3) ، وأول أئمة الظهور عندهم عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية (4)(5) .

(1)«الفرق بين الفرق» : ص 62، 63.

(2)

الشهرستاني: «الملل والنحل» : (1/192)، وانظر: أمين محمد طليع (درزي)«أصل الموحدين الدروز» : ص 180.

(3)

فالرواية الفاطمية تذكر كما يأتي: عبد الله وأحمد وحسين، والرواية الفارسية النزارية تذكر: أحمد ومحمد وأحمد، والرواية الهندية النزارية: تذكر أحمد ومحمد وعبد الله، والرواية الدرزية تذكر: إسماعيل الثاني، محمد، أحمد، عبد الله، محمد، حسن، وأحمد (أي سبعة بدلاً من ثلاثة) «دائرة المعارف» :(3/384) .

(4)

حقق كثير من الأئمة كابن كثير وغيره أن الفاطميين أدعياء للنسب الفاطمي، وقد نقل د. لويس في كتابه «أصول الإسماعيلية» عن كتاب إسماعيلي سري اسمه «غاية المواليد» اعترافاً لهم بأن عبيد الله (مؤسس الدولة الفاطمية) لم يكن علوياً. «أصول الإسماعيلية» : ص 74، ثم بين د. برنارد لويس حقيقة استعمالهم لكلمة أب وابن وأنهم يستعملونها في غير معناها الحقيقي بل بمعنى (الأبوة الروحانية) «أصول الإسماعيلية» : ص 117.

(5)

محمد كامل حسين: «في أدب مصر الفاطمية» : ص 22.

ص: 148

ومن الإسماعيلية انبثق، القرامطة، والحشاشون، والفاطميون، والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة، وألقاب كثيرة.. يقول الشهرستاني:(وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً)(1) ، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الظاهر. فقد جاء في أحد الرسائل "الإسماعيلية" أنه (لما كان الدين ظاهراً وباطناً قام النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الظاهر وصرف إلى وصيه نصف الدين وهو الباطن)(2) .

وعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن التنزيل - أي القرآن - معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم (3) ، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام.

ولهم ألقاب كثيرة ذكر منها الشهرستاني ستة هي: الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والتعليمية، والملحدة، والمزدكية، وذكر منها الغزالي عشرة ألقاب هي: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة والتعليمية (4) .

أما ابن الجوزي فيذكر من ألقابهم ثمانية هي ما ذكره الغزالي باستثناء لقبي: القرمطية، والخرمدينية (5) .

(1)«الملل والنحل» : (1/192) .

(2)

أربع رسائل إسماعيلية: الرسالة الأولى: «مسائل مجموعة من الحقائق والأسرار» : ص 30.

(3)

انظر «تأويل الدعائم» النعمان بن محمد، تحقيق محمد حسن الأعظمي: ص 61.

(4)

الغزالي: «فضائح الباطنية» : ص 11.

(5)

ابن الجوزي: «تلبيس إبليس» : (ص 102 - 106)، ويقول محمد الصباغ في تعليل ترك ابن الجوزي للقبين: لعله اعتبرهما لهجة في نطق الخرمية والقرامطة. هامش =

ص: 149

أما الفقيه المؤرخ محمد بن الحسن الديلمي (1)، فقد ذكر لهم خمسة عشر لقباً هي ما ذكره الغزالي مع زيادة هذه الألقاب: المباركية، والإباحية، والملاحدة، والزنادقة، والمزدكية (2)، ويذكر الكوثري (3) عدداً من ألقابهم فيقول: إنهم (يدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف، وفي الشام بالنصيرية، والدروز، والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية. وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد بالعلوية.. حيث يقولون علي هو الله - تعالى الله عما يقولون - وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم بالبابية (4) . ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة. وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الإسلام) (5) . لهذا يقول عنهم الشهرستاني إنهم:

= ص 35 من «رسالة القرامطة» لابن الجوزي، تحقيق: محمد الصباغ.

(1)

محمد بن الحسن الديلمي الفقيه العلامة الحافظ، خرج من الديلم إلى اليمن وصنف فيها «قواعد أهل البيت» وهو من أصول الكتب الزيدية، اشتمل على فضل الآل، وذكر مذهب الإمامية وإبطاله، وتكفير الباطنية وأن مذهب أهل البيت الترضي عن الصحابة. توفي رحمه الله سنة 711 هـ. محمد بن زيادة:«ملحق البدر الطالع» : ص 194.

(2)

«قواعد عقائد آل محمد» : ص 34.

(3)

محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، فقيه، محدث، متكلم، مؤرخ، أديب عارف باللغات العربية والتركية والفارسية والجركسية، من تصانيفه:«المدخل العام لعلوم القرآن» في مجلدين، «قرة النواظر في آداب المناظر» . توفي بالقاهرة سنة 1371هـ وكان مولده في القسطنطينية سنة 1296هـ. «معجم المؤلفين» :(10/4- 5)، وانظر: أحمد خيري: الإمام الكوثري.

(4)

في كلام الكوثري خلط بين الفرق، ذلك أن النصيرية، والبابية والبهائية هي فرق منبثقة من الإثني عشرية لا من الإسماعيلية، وكذلك فرقة أو لقب «قزلباش» هو من ألقاب الإثني عشرية كما قرره محسن الأمين في أعيان الشيعة، فهي إذن فرق مختلفة عن الاتجاه الإسماعيلي في اعتقادها في الأئمة وأصول أخرى، فلا يصح القول بأنها من ألقاب الإسماعيلية في بعض البلدان. وكذلك ليس كل يامي إسماعيلياً، كما فهمته من خلال سؤالي للعارفين بهم، ولأن اليامية قبيلة وليست فرقة.

(5)

«مقدمة كشف أسرار الباطنية» للكوثري. وانظر «التفسير والمفسرون» الذهبي: (جـ2/ ص253) . وفي «دائرة المعارف الإسلامية» : (3/384) أن الإسماعيلية في فارس تسمى «مريدان آغاجان محلاتي» وفي آسية الوسطى ملآئي =

ص: 150

(يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص)(1) .

ويلاحظ هنا أن هذه الألقاب للإسماعيلية جعلت مفهوم الإسماعيلية يشمل كل الفرق الشيعية الغالية، بل إن بعض هذه الألقاب لا تندرج تحت وصف التشيع مثل: البابكية نسبة إلى بابك الخرمي، كما أن بعض هذه الألقاب عبارة عن لقب واحد اختلفت ألفاظه، كالقرامطة، والقرمطية، كلاهما نسبة إلى حمدان قرمط. كما أن البعض من هذه الألقاب عبارة عن أسماء لفرقهم المختلفة والتي تشترك فيما بينها في المسلك الباطني وفي الهدف والغاية، وهي تقويض دعائم الإسلام وأُسسه على ما بينها من اختلاف، كما أن بعض الفرق الإسماعيلية إنما هي عبارة عن مراتب للدعوة الإسماعيلية، ذلك أن المدعو لا يعرف إلا المرتبة التي وصل إليها فيصور الفرقة على أساس أنها تلك المرتبة التي وصل إليها، وهكذا قد تفسر المراتب على أساس أنها فرق، ذلك أن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم

= أو مولائي، وفي الهند: الخواجات "النزارية" والبوهر أو البهرة "المستعلية" وفي.. مقدمة.. «تأويل الدعائم» .. للإسماعيلي المعاصر: محمد حسن الأعظمي أنهم اليوم قسمان:

المستعلية، وهي التي يطلق عليها اسم البوهرة، وهي لفظ كوجراتي معناه بالعربية التجار، وهم منتشرون في الهند والباكستان واليمن وحضرموت وعدن وغيرها.. والنزارية: وتشتهر باسم الأغاخانية. انظر: «تأويل الدعائم» وانظر: في مجلة الأزهر تقريراً للبعثة الأزهرية إلى الهند عن الإسماعيلية. «مجلة الأزهر» المجلد الثامن: ص 444 عام 1356هـ - مطبعة الأزهر.

(1)

الشهرستاني: «المل والنحل» : (1/192) .

ص: 151

عليها (1) . ويذكر الشهرستاني أن ألقابهم تختلف أيضاً باختلاف البلدان: فبالعراق يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية. وبخراسان التعليمية، والملحدة (2) ، ثم إن لهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان (3) .

مجمل اعتقادهم:

ذكر الغزالي (4) مجمل مذهبهم فقال: (إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم (5)

) ثم فصل القول في مذهبهم.

وقال ابن الجوزي في تلخيص مذهبهم: (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمداً رسول الله والدين الصحيح، لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر. وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة)(6) .

(1)«فضائح الباطنية» الغزالي: ص 37.

(2)

«الملل والنحل» : (1/292) .

(3)

المصدر السابق: (1/192) .

(4)

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (زين الدين أبو حامد) ولد سنة 450هـ، وتفقه على إمام الحرمين وبرع في علوم كثيرة وصار من الأعيان المشاهير، وله مصنفات كثيرة منها:«إحياء علوم الدين» ، و «المستصفى في أصول الفقه» وغيرها، وتوفي بطوس سنة 505هـ. انظر:«مرآة الجنان» : (3/177- 192)، «البداية والنهاية» :(12/173- 174) .

(5)

الغزالي: «فضائح الباطنية» : ص 37.

(6)

ابن الجوزي: «تلبيس إبليس» : ص 99.

ص: 152

وقال فخر الدين الرازي (1) : (اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء - يعني الباطنية - على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار وهم عدة فرق، ومقصودهم على الإطلاق إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة، إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء إلا بالآخرة)(2) .

وإذا أردنا أن نتعرف على عقائد هؤلاء من كتبهم ومصادرهم الخاصة بهم، وجدنا في هذا صعوبة، لأنه كما ينقل عنهم أحد الإسماعيليين المعاصرين قد قالوا:(إن لنا كتباً لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا)(3) .

وقد نشرت في هذا العصر مجموعة من مخطوطات الإسماعيليين، إلا أن معظمها ليست من كتبهم السرية، ذلك أنها قد صيغت بأسلوب الدفاع عن مذهبهم والدعاية له. ولهذا يقول د. علي النشار ـ عن نشرات محمد كامل حسين (4) لكتب الإسماعيلية ـ: (وقد قدم لنا عدداً كبيراً من مخطوطات الإسماعيلية في نشرات علمية، وقد أجهد نفسه في سبيل توضيح عناصر هذا المذهب، غير

(1) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي الإمام فخر الدين الرازي القرشي البكري المعروف بالفحر الرازي، مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم توفي سنة 606هـ، ومن تصانيفه:«التفسير الكبير» ، و «المحصول في أصول الفقه» وغيرهما. السيوطي:«طبقات المفسرين» : ص 115، «عيون الأنباء» :(ص 414-427) .

(2)

الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» : ص 119. وانظر: «البدء والتاريخ» . المقدسي: (5/133-134) .

(3)

مصطفى غالب: «الحركات الباطنية في الإسلام» : ص 67.

(4)

محمد كامل حسين: يدافع عن الإسماعيلية دفاعاً غريباً، لعل سببه اغتراره ببعض كتبهم التي صيغت للدفاع والدعاية، وقد يكون تغريراً مقصوداً والله أعلم - فهو يخطئ =

ص: 153

أنني ألاحظ أنه فيما خلا كتب الكرماني التي نشرها د. محمد كامل حسين فإن الكتب التي قدمها لنا ليست من الكتب السرية) (1) .

ثم إن الباحث وهو يراجع هذه الكتب الباطنية يجد صعوبة في فك أسرارها وحل ألغازها ومعرفة طلاسمها.

وقد كشف أبو حامد الغزالي عن حقيقة مذهبهم في الإلهيات والنبوات وفي الإمامة وفي القيامة والمعاد والتكاليف الشرعية وغيرها فيقول عن معتقدهم في الإلهيات: (وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه. وقالوا

= القدماء من كتاب المقالات والفرق والتاريخ في حكمهم على هؤلاء بأنهم باطنية. «طائفة الإسماعيلية» : ص 148. ويدافع عنهم فيما نسب إليهم من عقائد فيقول: (والفاطميون لم يعملوا على طرح الأديان وإبطال العبادة كما فهم الكتاب والمؤرخون) «في أدب مصر الفاطمية» : ص 30، وأنهم لم يقولوا بالإباحة المطلقة وبالتناسخ والحلول. «المصدر السابق» : ص 33. ويستدل ببعض النصوص من كتبهم التي كتبت للدفاع كما يبدو من أسلوبها، وطبيعي أن توجد مثل هذه الردود في كتب الإسماعيلية للتعمية والخداع، وهي طائفة تعتمد على السرية وتعمل في الظلام، فهذا أسلوب من أساليب التخفي ولا سيما بعدما انكشف أمرهم عن طريق من دخل في دعوتهم ثم خرج وفضحهم كالحادي اليماني في «كشف أسرار الباطنية» وغيره، وعن طريق ما تسرب من كتبهم مما يوجد شيء منه في كتب المقالات والفرق، وبفضائحهم التاريخية

إلخ. من الطبيعي أن يوجد هذا الأسلوب في التخفي ولكن من غير الطبيعي أن يستغل هذا الدفاع ويجعل هو الحقيقة للباطنيين وتهدر جميع القرائن والدلائل والوقائع الأخرى والتاريخ ويخطئ الإجماع على حقيقة حالهم.

(1)

النشار: «نشأة الفكر الفلسفي» : (جـ2/ص394) .

ص: 154

السابق لا يوصف بوجود ولا عدم وليس هو معلوماً ولا مجهولاً) (1) . وقال عن معتقدهم في النبوات: (والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق - بواسطة التالي - قوة قدسية، كما قد يحدث لبعض النفوس الزكية في المنام،.. وقالوا إن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، أما القرآن فهو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل) . ومعتقدهم في الإمامة: (اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات ويستظهر الإمام بالحجج والمأذونين والأجنحة، فلا بد للإمام في كل وقت من اثني عشر حجة.. ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره.. واسم المعاون "المأذون"، ولا بد للدعاة من رسل إلى الإمام يرفعون إليه الأحوال، واسم الرسول "الجناح") .. وقالوا: (كل نبي لشريعته مدة فإذا انصرمت مدته بعث الله نبياً آخر ينسخ شريعته، ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار وهو سبعة قرون، فأولهم هو النبي الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله ومعنى الصامت أن يكون قائماً على ما أسسه غيره، ثم أنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة، إمام بعد إمام، وصوروا بعثات الأنبياء على هذه الفلسفة إلى أن انتهوا إلى بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استتم دوره - كما قالوا - بجعفر بن محمد وصارت شريعته بهذا الدور ناسخة، وهكذا يدور الأمر عندهم إلى أبد الدهر) . أما معتقدهم في القيامة والمعاد: (فقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة والمعاد وتأويلهما إلى غير الحقيقة) .

(1)«فضائح الباطنية» : ص 38، وانظر يحيى بن حمزة العلوي، «مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار» : ص 43 وما بعدها، «الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام» :(ص 38 - 52) .

ص: 155

وأما اعتقادهم في التكاليف الشرعية: (فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب، إليهم ويقولون: لا بد من أخذ الشرع عن الإمام المعصوم)(1) .

وينقل عبد القاهر البغدادي عن كتاب لهم يسمى «السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر» ينقل مضمون ما قرأه فيه عن مذهبهم من القول بإبطال المعاد والعقاب والتشكيك في الكتب السماوية والدعوة إلى إبطال الشرائع وتأويل أركان الإسلام بقولهم بأن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، والصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام، واستدل بما جاء في هذا الكتاب على أن الباطنية دهرية زنادقة (2) .

وللإسماعيليين مراتب في الدعوة.. وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى المرتبة الأخيرة، يقول ابن النديم (3) : (ولهم - أي للإسماعيلية - البلاغات السبعة وهي: كتاب البلاغ الأول للعامة، كتاب البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلاً، كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنة، كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتين، كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين، كتاب

(1)«فضائح الباطنية» باختصار: (ص38- 47)، وانظر في الرد عليهم:«الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام» : ص 53 وما بعدها، و «مشكاة الأنوار» : ص 43 وما بعدها.

(2)

«الفرق بين الفرق» : ص 294 وما بعدها.

(3)

ابن النديم: محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم صاحب كتاب «الفهرست» . وكان معتزلياً متشيعاً يدل كتابه على ذلك، فإنه كما يقول ابن حجر يسمي أهل السنّة "الحشوية" ويسمي الأشاعرة "المجبرة" ويسمي كل من لم يكن شيعياً "عامياً"، توفي سنة 438هـ. انظر:«لسان الميزان» : (5/72)، «الأعلام» :(6/253) .

ص: 156

البلاغ السادس لمن دخل في المذهب أربع سنين، كتاب البلاغ السابع وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر. قال محمد ابن إسحاق "ابن النديم" قد قرأته - أي السابع - فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها) (1) .

وقد تحدث عن مراتب دعوة الإسماعيليين (البغدادي) وسماها بأسمائها (2) ، (والغزالي)(3) ، ونقل (النويري) في نهاية الأَرب عن الشريف أبي الحسن محمد بن علي نصّاً طويلاً في كيفية الدعوة عند الإسماعيليين (4) ، وقد كشف "الحمادي اليماني" عن تجربة شخصية له مع الباطنيين في كتابه «كشف أسرار الباطنية» ، وليس من موضوعنا التفصيل في هذا، إنما غرضنا إلمامة يسيرة وننبه هنا إلى ناحية مهمة في هذا الباب؛ وهي أن الكتب الإسماعيلية انتشرت في وقتنا هذا ولا ندري عن مرتبة هذه الكتب في الدعوة الإسماعيلية، ولكن هناك فئة من الباحثين اعتبروا هذه الكتب هي المرحلة الأخيرة والكشف الأكبر، وراحوا على ضوئها يخطئون ما كتبه الأسلاف وما نقلوه من وثائق عنهم ويغالطون في وقائع التاريخ اغتراراً أو تغريراً، مع أن القوم لم يبرحوا من عزلتهم ولم يخرجوا عن باطنيتهم وزاد نشاطهم في هذا العصر ولهم جامعات في الهند لتخريج دعاة يبعثونهم إلى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها على مراحل مدروسة.

(1)«الفهرست» ابن النديم: (ص 267 - 268) .

(2)

انظر: «الفرق بين الفرق» : ص 298 وما بعدها.

(3)

انظر: «فضائح الباطنية» : ص 21 وما بعدها.

(4)

وهو في القسم المخطوط من «نهاية الأرب» للنويري وقد نقله عبد الرحمن بدوي في «مذاهب الإسلاميين» عن نسخة مخطوطة للكتاب. انظر: «مذاهب الإسلاميين» : (2/176- 177) .

ص: 157