المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(أ) التعريف بالسنة: - مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة - جـ ١

[ناصر القفاري]

فهرس الكتاب

- ‌هذا الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أهل السنة والجماعة

- ‌الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة

- ‌(أ) التعريف بالسنّة:

- ‌ سبب تسمية أهل السنّة بالجماعة

- ‌(ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة:

- ‌الفصل الثاني: مصادر أهل السنة في تلقي العقيدة

- ‌الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائد أهل السنة التي خالفتها الشيعة

- ‌1- حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم:

- ‌4- اعتقاد أهل السنّة في أهل البيت:

- ‌5- لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب الثاني: الشيعة

- ‌الفصل الأول:‌‌ تعريف الشيعةونشأتهم وفرقهم

- ‌ تعريف الشيعة

- ‌التعريف المختار للشيعة:

- ‌الرأي المختار:

- ‌فرق الشيعة

- ‌الإسماعيلية

- ‌الزيدية

- ‌فرق الزيدية

- ‌الرافضة

- ‌الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين

- ‌1- اعتقادهم في كتاب الله:

- ‌(أ) قولهم بتحريفه

- ‌1- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف:

- ‌2- النصوص الواردة في كتبهم:

- ‌3- معتقدهم في هذه الروايات:

- ‌4- بداية هذا (الافتراء عند الشيعة) :

- ‌(ب) انحرافهم في تأويل القرآن:

- ‌ تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين

- ‌(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة

- ‌1- مصحف فاطمة:

- ‌2- لوح فاطمة:

- ‌3- دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة:

- ‌أولاً: أقوال "أئمتهم الإثني عشر" هي عندهم كأقوال الله ورسوله

- ‌ثانياً: إيداع الشريعة عند الأئمة المعصومين - بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثاً: ردهم لمرويات الصحابة:

- ‌رابعاً: تلقيهم السنّة عن «حكايات الرقاع» وما يسمونه بالتوقيعات الصادرة عن الإمام:

- ‌عمدة الروافض في "أحاديثهم

- ‌1- «بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار» :

- ‌2- «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة» :

- ‌3- «مستدرك الوسائل» :

- ‌أسانيد الشيعة في كتبهم:

- ‌الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة

- ‌1 - الإمامة

- ‌(أ) معنى الإمامة عند الشيعة:

- ‌(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم:

- ‌2 - عصمة الإمام

- ‌3- التقية

- ‌4- الرجعة

- ‌5- البداء:

- ‌6- الغَيْبة:

- ‌7- معتقدهم في الصحابة:

- ‌النتيجة للباب الأول والثاني

الفصل: ‌(أ) التعريف بالسنة:

‌الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة

(أ) التعريف بالسنّة:

السُّنَّة بالضم وفتح النون المشددة في اللغة: الطريقة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة، والجمع سُنن (1) . ومنه قوله (:«من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة.. الحديث» (2) .

وتطلق السنَّة ويراد بها: الطريقة المحمودة، فقد جاء في اللسان:(السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة)(3) .

والسنة في الشرع تطلق على عدة معان:

تطلق على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن

(1) انظر: «المصباح المنير» مادة سن: (1/312) .

(2)

رواه مسلم في كتاب العلم، باب (من سن سنّة حسنة أو سيئة) :(8/61) .

(3)

«لسان العرب» مادة سن: (17/90) .

ص: 23

فارس (1) : (وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته)(2) .

وتطلق في اصطلاح المحدثين على (ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله)(3) .

وللسنّة عند الأصوليين اصطلاح (4) ، وعند الفقهاء اصطلاح

(5) .

ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض والتخصصات التي تعني بها كل فئة من أهل العلم.

ولا يعنينا تتبع جميع تلك الاصطلاحات، إنما يعنينا أن نعرف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة» كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.

يقول ابن رجب (6) رحمه الله: (السنة: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات،

(1) أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب، له تصانيف، منها:«مقاييس اللغة» ، و «جامع التأويل في تفسير القرآن» ، كان مولده سنة 329هـ، وتوفي سنة 395هـ. انظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان:(1/118، 119) .

(2)

«معجم مقاييس اللغة» مادة سن: (3/61)، «مختار الصحاح» : ص 317.

(3)

ابن حجر: «فتح الباري» : (13/245)، الجزائري:«توجيه النظر» : ص 3.

(4)

انظر: الفتوحي «مختصر التحرير» : ص 30، الشوكاني:«إرشاد الفحول» : ص 33.

(5)

انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي: قسم 2 جـ1 ص 156، «شرح الكوكب المنير» :(ص 125، 126) .

(6)

هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين، حافظ للحديث من كبار العلماء، ولد في بغداد سنة 706هـ، وتوفي في دمشق سنة 795هـ، ومن آثاره «القواعد الفقهية» و «ذيل طبقات الحنابلة» : انظر: ابن حجر «الدرر الكامنة» : (2/428، 429)، «الإعلام» :(3/67) .

ص: 24

ثم صار معنى السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين (1) من أهل الحديث وغيرهم: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة (2) ، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة) (3) .

وكذا قال الألوسي (4) رحمه الله: (السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهَدْي والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافاً للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافاً للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة.

وتطلق - أيضاً - على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) يلاحظ أن تخصيص مفهوم السنّة في أصول الاعتقاد بدأ في عصر متقدم؛ فالإمام ابن أبي عاصم (المتوفى سنة 287هـ) يعرف السنة بمسائل العقيدة، انظر:«السنة» لابن أبي عاصم: (2/645، 647) .

(2)

سيأتي - إن شاء الله - ذكره لهذه الكتب في مبحث مصادر أهل السنّة.

(3)

ابن رجب: «كشف الكربة» : (ص 11، 12) .

(4)

هو علامة العراق في زمنه، أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الألوسي الحسيني، مؤرخ وعالم بالدين والأدب، ومن الدعاة إلى الإصلاح. ولد في رصافة بغداد عام 1273هـ، وتوفي ببغداد عام 1342هـ. له 52 مصنفاً بين كتاب ورسالة، منها:«بلوغ الأرب في أحوال العرب» ، و «المسك الأذفر» ، و «غاية الأماني» وغيرها. انظر:«أعلام العراق» : (ص 86 - 241)، «الأعلام» :(8/49، 50) .

ص: 25

وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله (: «الحج عرفة» (1) أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، لذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة) (2) .

وأهل السنة: هم المتبعون للسنة المتمسكون بها، وهم: الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول ابن حزم (3) : (وأهل السنة.. أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة (4) ؛ فإنهم الصحابة (ومن سلك نهجهم من خيار التابعين - رحمة الله عليهم -، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها - رحمة الله عليهم-)(5) .

والسبب في تسميتهم بأهل السنة هو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (6) : (وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم سنته ()(7) .

(1) رواه أبو داود في كتاب (رقم 1949)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن (رقم 2979) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في المناسك (رقم 3015) .

(2)

الألوسي: «غاية الأماني» : (1/428) .

(3)

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، فقيه أديب أصولي محدث، حافظ متكلم، ولد بقرطبة سنة 384هـ أو 383هـ، وتوفي في الأندلس سنة 456هـ، ومن جملة مؤلفاته:«المحلى» و «الفصل» وغيرهما. انظر: المقري: «نفح الطيب» : (2/283 - 289)، وانظر:«الأعلام» : (5/59) .

(4)

يقول ابن تيمية: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله.. انظر: «الفتاوى» : (4/107، 108)، وانظر في موضوع البدعة:«الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة، «الاعتصام» للشاطبي، «البدعة تحديدها وموقف الإسلام» للدكتور عزت عطية.

(5)

«الفصل» : (2/107)، وانظر: ابن الجوزي: «تلبيس إبليس» : ص 16.

(6)

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، قال الذهبي: كان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين، اثني عليه الموافق والمخالف، وسارت في تصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد، ومن مؤلفاته:«مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» في 37 مجلد، وغيرها كان مولده بحران سنة 661هـ، وتوفي سنة 728هـ. انظر: الذهبي: «تذكرة الحفاظ» : (4/1496 - 1498)، ابن كثير:«البداية والنهاية» : (14/132 - 141) .

(7)

المنتقى ص 189.

ص: 26

وكذلك يرجع أبو المظفر الإسفراييني (1) سبب تسميتهم بأهل السنة إلى: اتباعهم لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: (وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر تبعاً لسنته من هؤلاء؛ ولهذا سُمّوا بأهل السنة.

ثم قال لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (2) . وهذه الصفة تقررت لأهل السنة، لأنهم ينقلون الأخبار والآثار عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة (، ولا يدخل في تلك الجملة من يطعن في الصحابة من الخوارج والروافض)(3) .

(1) أبو المظفر شهفور بن طاهر بن محمد الإسفراييني، الإمام الأصولي الفقيه المفسر، له تصانيف، منها:«التفسير الكبير» و «التبصير في الدين» ، توفي عام 471هـ، انظر:«طبقات الشافعية» : (5/11)، «الأعلام» :(3/260) .

(2)

هذا جزء من حديث رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة:(7/297 رقم 2643)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفي بعض نسخ الترمذي: حديث غريب. قال الصدر المناوي: وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي؛ قال الذهبي: ضعفوه. «فيض القدير» : (5/347) . قال المباركفوري: (فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب) . «تحفة الأحوذي» : (7/400) ، ورواه الحاكم في «مستدركه» وذكر أن هذا الحديث روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد تفرد به عبد الرحمن بن زياد الأفريقي فلا تقوم به الحجة، ووافقه الذهبي. انظر:«المستدرك» : (1/128، 129) .

(3)

الإسفراييني: «التبصير في الدين» : ص 167.

ص: 27

(ب) ويطلق على أهل السنة: الجماعة (1) :

فيقال: أهل السنة والجماعة، وقد ورد تفسير الجماعة في بعض الأحاديث بأنها: جماعة المسلمين التي هي على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «

تلزم جماعة المسلمين وإمامهم

الحديث» (2) فبيّن أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين (3) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول (الله حينما سئل عن الفرقة الناجية من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (4) . وقد ورد عن ابن مسعود

(1) الجماعة في اللغة: قال عنها صاحب المحكم: (الجماعة، والجميع والمجمع والمجمعة كالجمع، وقد يستعملون ذلك في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر وجماعة النبات، والجمع وجمعه جمع: المجتمعون) . «المحكم» لابن سيدة: جـ1 مادة جمع.

والجمع كالمنع تأليف: المفرق. «تاج العروس» : جـ5 مادة جمع. والجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضام الشيء. «معجم مقاييس اللغة» : جـ1 مادة جمع، وجامعت الرجل على الأمر مجامعة وجماعاً إذا مالأته عليه، والجمعة مشتقة من اجتماع الناس فيها للصلاة، ونادوا الصلاة جامعة: أي اجتمعوا لها، وفلاة مجمعة: يجتمع فيه القوم، ولا يفترقون خوف الضلال. «جمهرة اللغة» لابن دريد: جـ2 مادة جمع.

(2)

رواه البخاري: (8/93)، مسلم:(6/20) .

(3)

وعلى هذا التعريف للجماعة اقتصرت (دائرة المعارف الإسلامية) ونبهت إلى ملاحظة التفريق بين (الإجماع) الذي يعني اتفاق فقهاء الإسلام في عصر من العصور.. وبين (الجماعة) التي هي جماعة المسلمين المخالفة للمارقين والخارجين. انظر: «دائرة المعارف الإسلامية» : (7/94) .

(4)

تقدم تخريج هذا الحديث ص 27 من هذه الرسالة.

وقد قال الشاطبي عن هذا الحديث: (فأجاب (بأن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه عليه الصلاة والسلام وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلوماً عندهم غير خفي فاكتفوا به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن الصحابة كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد (، وإنما خُلقه (القرآن.. فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنّة مبينة له، فالمتبع للسنّة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية.. وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنا عليه وأصحابي» . فالكتاب والسنة هما الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: «وهي الجماعة» ، لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف)«الاعتصام» : (2/252) .

ص: 28

(موقوفاً تفسير لمفهوم الجماعة حيث قال: «

الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (1) . ويأخذ أبو شامة (2) بهذا التفسير ويؤكده، فيقول:(حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً، والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم)(3) .

فالجماعة - هنا - تعني موافقة الحق.

ومن الملاحظ أن (لفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات)(4) ، ثم خص بقضايا العقيدة ولا سيما المسائل

(1) رواه اللالكائي بسنده عن ابن مسعود في كتاب السنّة، باب سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم. انظر: اللالكائي: «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة» : ص 9 (مخطوط)، وانظر:«الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة: ص 22، و «إغاثة اللهفان» لابن القيم:(1/70) .

(2)

عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي أبو القاسم شهاب الدين المعروف بأبي شامة، محدث حافظ مؤرخ مفسر فقيه أصولي متكلم مقرئ نحوي، ولد بدمشق سنة 599هـ، وبها منشأه ووفاته سنة 665هـ، ومن آثاره: كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين» ، و «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وغيرهما. انظر: ابن كثير: «البداية» : (13/250)، «شذرات الذهب» :(5/318)، «الأعلام» :(4/70) .

(3)

أبو شامة: «الباعث» : ص 22.

(4)

ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بتحقيق: صلاح الدين المنجد: ص 77.

ص: 29

التي خالف فيها أهل البدع كما سبق. كذلك نجد لفظ الجماعة يعني: حسب ما جاء عن ابن مسعود - موافقة الحق على وجه العموم، ثم نراه يخصص بمسائل العقيدة التي انحرف عنها المبتدعة؛ فنجد الإمام أبا حنيفة يعرف الجماعة على هذا الوجه؛ فيقول رحمه الله:(الجماعة: أن تفضل أبا بكر وعمر، وعليّاً، وعثمان (1)، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكفر الناس بالذنوب وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين..) (2) . ونجد فيما بين أيدينا من مصادر عدة تعاريف للجماعة تعرف بها من خلال بعض مبادئها وأصولها، فكما عرف أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل الالتزام بمصادر أهل السنة في التلقي هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم، فيقول:(فمن قال بالكتاب والسنّة والإجماع كان من أهل السنّة والجماعة)(3) ويقول: (لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة

وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين) (4) .

(1) قال شارح الطحاوية: (روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنّة)«شرح الطحاوية» : ص 486، وانظر: الخطابي: «معالم السنن» : (4/302، 303)، ملا علي القاري:«شرح الفقه الأكبر» : ص 119.

وقال ابن تيمية: (وهذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها)«الفتاوى» : (3/153) .

(2)

ابن عبد البر: «الانتقاء» : ص 163، 164.

(3)

«الفتاوى» : (3/346) .

(4)

المصدر السابق: (3/157) .

ص: 30

ولما كان من "أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.. بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم"(1) . نجد من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (2) . وبهذا المعنى روى الطبري بسنده أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد قال: «فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة» (3) .

ومن أصول أهل السنّة الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق والتنازع، وفي المعنى روى البخاري عن عليٍّ (قال:«اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة» (4) .

قال ابن حجر (5) : قوله «فإني أكره الاختلاف» أي: الذي يؤدي إلى النزاع. قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك «حتى يكون الناس جماعة» (6) .

وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية - رضي الله

(1) ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» : ص 20.

(2)

الشاطبي: «الاعتصام» : (2/264)، وانظر: الخطابي: «معالم السنن» : (4/311) .

(3)

«تاريخ الطبري» : (2/447) .

(4)

«صحيح البخاري» مع «فتح الباري» : (7/71) .

(5)

أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، حافظ الإسلام في عصره.. وتصانيفه كثيرة جليلة منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» ، و «لسان الميزان» ، و «تهذيب التهذيب» وغيرها. توفي سنة 852هـ وكان مولده سنة 773هـ. انظر «الضوء اللامع» :(2/36)، «البدر الطالع» :(1/87)، «الأعلام» :(1/173) .

(6)

«فتح الباري» : (7/73) .

ص: 31