الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفنون
1
ظهرت أقدم محاولات الإنسان في الرسم والنقش في العصور قبل التاريخية حيث بدأها على الفخار بتزيينها بزخارف هندسية وأشكال حيوانية ونباتية انتشرت بعض طرازها إلى إيران شرقًا وإلى البحر المتوسط غربًا. ومن فترة التمهيد للكتابة ظهر النقش البارز وشاع استخدام الأختام الأسطوانية، ويبدو تأثر الفنان في هذه المرحلة بمظاهر البيئة التي عاش فيها؛ إذ تغلب على الأشكال والزخارف التي رسمها ظاهرة التداخل حتى إنه تصرف في أشكال الحيوانات فجعل رقابها أو ذيولها تتداخل أو تتقاطع بحيث تبدو كأنها كائنات خيالية.
وفي عصر فجر الأُسَر استبدل هذا الطراز الزخرفي بأسلوب تصويري وتعددت الموضوعات التي تناولها الفنان وتنوعت وسائله للتعبير عنها؛ فقد يلجأ إلى تمثيل المناظر التي يبدعها بقطع مختلفة الألوان من الأصداف المسطحة تكملها خطوط محفورة في ألواح ارتوازية تثبت في الجدران. وقد وجدت نماذج جميلة للنحت منذ أقدم العصور، ومن خير الأمثلة على ذلك القيثارة الممثل بها رأس ثور "شكل 50"، وفي حالة النحت البارز على السطوح كانت الحيوانات تمثل من الجانب؛ بينما تبرز رءوسها إلى مواجهة الناظر "شكل 51"، أما الأشخاص فكانوا يمثلون
1 انظر مقال المؤلف "بين الفنون والبيئة" في مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، سنة 1967 ص225 وما بعدها.
"شكل 50": قيثارة مثل بها رأس ثور وهي من القطع الفنية الممتازة.
من الجانب في معظم الأحيان مع إظهار الشخص الرئيسي، كما هو الحال في المناظر التي تركها الفراعنة، في حجم أكبر من بقية الأشخاص الممثلين معه؛ كذلك كانت ملامح الأشخاص قوية التعبير ثم ما لبثت هذه الملامح
"شكل 51": إبريق من الحجر نحتت عليه حيوانات تواجه الناظر.
أن لطفت في عهد البابليين وزاد تنوع موضوعات النحت؛ إلا أن ذلك لم يدُمْ طويلًا حيث تدهورت الفنون بصفة عامة أثناء حكم الكاشيين بعد أن تخلى الفنانون عن كثير من تقاليدهم القديمة.
أما في عصر الأشوريين؛ فإن التقاليد القديمة قد عادت إلى الظهور كما ظهرت تأثيرات خارجية لم تكن معتادة في بلاد النهرين؛ فمثلًا شاع تمثيل الإله بهيئة آدمية داخل قرص الشمس وهو يسحب قوسه؛ ليعاون الملك ضد أعدائه "شكل 46" كما شاع تزجيج قطع كبيرة من المنحوتات وهذه مظاهر كانت مألوفة من قبل في مصر، وقد تقيد الفنان بتقاليد فنية -ربما كانت ترجع إلى تأثير ديني- التزم بها ولم يخرج عنها إلا نادرًا.
وعلى العموم يمكن القول إجمالًا بأن الفنان في بلاد النهرين كان كزميله المصري يعرف قواعد المنظور وفن الكاريكاتير، وقد ترك كل منهما أمثلة قليلة تدل على ذلك؛ ولكنهما آثرا أن يكون فنهما تأثيريًّا أكثر منه إخباريًّا.
وسار نحت كتل الأجسام "التماثيل" هو الآخر وفق تقاليد معينة، ويبدو في تلك التماثيل ما تعكسه البيئة من أثر؛ إذ إن بيئة بلاد النهرين يغلب عليها طابع الانفصال في وحدات صغيرة تتمثل في أماكن متناثرة تعلو في مستواها عن منسوب المجاري والمسطحات المائية كأنها مخاريط أو أساطين قائمة بذاتها، وقد استوحى الفنان هذه الأشكال في نحت تماثيله فجاءت في هيئة كتل مخروطية أو اسطوانية "شكل 52".
"شكل 52": تمثال مغنية يبدو كأنه من مخاريط وأسطوانات.
"شكل 53": تمثالان تبدو فيهما ضخامة الساقين.
ونظرًا لأن التماثيل كانت تقام من أجل غرض ديني؛ فقد غالى الفنان في إبراز الاهتمام الشديد في ملامح التمثال وبالغ في حجم العيون؛ ولذا اضطر إلى جعل نسبة الوجه إلى الرأس أكبر مما ينبغي ولم يلجأ فنان بلاد النهرين إلى ما لجأ إليه الفنان المصري من عمل دعامة يستند إليها التمثال أو عدم تفريغ ما بين الساقين حتى تحتملا ثقله ولا تتعرض للكسر؛ بل لجأ إلى جعل هذين الساقين على درجة من الضخامة لا تتناسب مع حجم التمثال وخاصة عند العقبين "شكل 53"؛ كذلك لم يوفق في إبراز تقاطيع الجسم كما وفق زميله المصري في ذلك بل ويبدو أيضًا أنه لم يهتم كثيرًا بالزِّي الذي يلبسه لتمثاله؛ غير أنه بلغ مرتبة عالية في إتقان تماثيل الحيوانات وأبدع فيها غاية الإبداع.
وفي مجال العمارة سبق أن أشرنا إلى ما كانت عليه مساكن أهل بلاد النهرين "انظر أعلاه "ص202- 204" وبينَّا أهم ما تميزت به.
أما المباني العامة مثل المعابد فكانت تقام في أول الأمر من الطين، وبعد أن عرف اللَّبِن استخدم هذا في بنائها وظل الحال كذلك فترة طويلة حتى بعد أن عرف الآجر "اللبن المحروق". وقد حرمت البيئة في جنوب العراق من موارد كافية للأحجار الصالحة للبناء؛ فاستعيض عن ذلك بجعل الجدران سميكة ضخمة حتى تكون لها متانة الجدران الحجرية، كما كان من الضروري تعريج هذه الجدران بجعلها ذات نتوءات وتجاويف "كجدران الحصون" على أبعاد متساوية وربما كان هذا الشكل قد نشأ عن ضرورة حربية وليس لمجرد تقوية الجدران أو للزينة؛ إذ إن المعبد كان يعد أقدس مكان للجماعة وهو مقر معبودها؛ ونظرًا لأن الأسلحة بعيدة المدى لم تكن معروفة عند نشأة هذه المعابد فمن المرجح أن التجاويف التي كانت بالجدران كانت تتيح للمدافعين فرصة الاحتماء فيها ومباغتة العدو، ثم ظهر طراز آخر للمعابد يتمثل في بناء طبقات في هيئة مصاطب تتدرج في صغرها إلى أعلى وهو الأصل الذي تطور إلى الزاقورة أو البرج المدرج2، ويعتقد المؤرخون بأن أهل بلاد النهرين قاموا ببناء هذه المعابد المرتفعة؛ لاعتقادهم بأن الإله يهبط إليها ويشرف منها على شئون البشر، ولكن من جهة أخرى يمكن تفسير ظهور هذا
1 انظر مقال المؤلف "بين الفنون والبيئة في كل العراق ومصر" مجلة كلية الآداب، 1967، ص266 وما بعدها.
2 انظر نفس المقال السابق، شكل "2ب".
الطراز لما له من ميزة دفاعية إزاء ما استحدث من أسلحة أبعد مدى من أسلحة العصور السابقة، ومما يؤيد ذلك أنه على الرغم من بناء معابد أرضية إلى جوار هذه المعابد المرتفعة؛ فإن كلًا من هذه المعابد كان يحاط بسور خاص إلى جانب السور العام الذي يحيط بمجموعة المعابد.
وكانت المعابد عمومًا تخضع في تصميمها لتقاليد موروثة؛ إلا أن المعماريين كثيرًا ما كانوا يتصرفون في ترتيب أجزائها المختلفة، والتصميم الغالب فيها أن يكون بجدارها الخارجي مدخل أو أكثر لها بوابات مزدوجة وتؤدي إلى فناء أوسط وهو بدوره يؤدي إلى بَهْوٍ عن طريق بوابة رئيسية، وهذا البهو ينتهي في طرفه البعيد بالهيكل الذي تقع أمامه غرفة يلحق بها كما يلحق بالهيكل مخازن للأمتعة المقدسة، وكان من المعتاد أن يوضع في أساس كل معبد رمز للوقاية يكون أحيانًا عند البوابة في إحدى المشكاوات وأحيانًا تحت أرضية قدس الأقداس وقد يوجد مذبح أمام قدس الأقداس؛ إلا أن الغرض منه يكون رمزيًّا فحسب لأن مذابح أخرى كانت تقام في أماكن أخرى من المعبد، ومنها ما كان كبير الحجم بحيث يصلح لذبح الماشية.
ومن الجدير بالذكر أن قدس الأقداس في المعابد المرتفعة "الزاقورات" كان يتمثل في أعلى طبقة منه حيث يوجد هيكل كبير روى هيرودوت أنه كان يحوي سريرًا مزخرفًا زخرفة فخمة، وتقوم إلى جانبه مائدة من الذهب، كما يروي هيرودوت أن الإله كان يختار امرأة من الريف
لتمضي الليل في هذا الهيكل1.
وفي العهد البابلي ظهر طراز جديد من المعابد يبدو أنه كان مشيدًا لعبادة الملك الحاكم وهو مربع الشكل أضيفت إليه ركائز أو دعامات، وفي مدخله برجان مزينان بالتجاويف، وهذا المدخل يؤدي إلى ممر ضيق في يساره غرفة للتخزين، وفي نهايته بناء مربع يؤدي إلى صومعة بها كوة لتمثال الإله، أمامها مجرى من الفخار لتصريف سوائل القرابين وإلى يسار الصومعة غرفة للاجتماعات أو للصلاة، وإلى يسار المعبد قصر الحاكم الذي يقع إلى غربه معبد آخر بنفس نظام المعبد السابق؛ ولكنه يتميز بما ألحق به من مبانٍ خصصت للكهنة، ومن هذا يبدو واضحًا أن قصر الملك كان يحتمي بهذين المعبدين حيث كان من المحتم أن يمر من يذهب إلى القصر بأحد المعبدين وكان عليه بعد ذلك أن يمر في غرفتين طويلتين ضيقتين شددت عليهما الحراسة، وبين الغرفة الأخيرة والقصر ساحة مربعة تؤدي إلى الديوان، وهو عبارة عن حجرة كبيرة للأعمال الإدارية والاحتفالات تحيط بها دوائر، ويلي هذه الحجرة قاعة للعرش تفصل الديوان عن الغرفة الخاصة للملك.
ولم يحدث تطور يذكر في طراز المعابد أو القصور الملكية إلا في زيادة عدد الأفنية والحجرات وإضافة أبراج قوية عند الزوايا كما زينت الفجوات التي بجدران المعابد بمنحوتات بارزة من الآجر، وفي عهد الأشوريين استعملت ألواح حجرية لحماية الأجزاء السفلى من الجدران
1 Herodouts، The Histories "penguin 1954"،p.86
المعابد والقصور، كما أن المناظر المنقوشة على الجدران كانت تزجج، أما أسوار المدن فكان في كل ضلع لها مدخلان، وهذه المداخل تحميها أبراج قوية، ومحلى أبواب القصور وضعت تماثيل لثيران مجنحة ذات رءوس بشرية ربما كان القصد منها أن تكون رمزًا للحماية، أما في العصر البابلي الحديث؛ فقد اختفت هذه التماثيل وحلت محلها نقوش لحيوانات وأزهار على آجر أزرق مزجج، وكان قصر الملك يقع في إحدى نهايتي الشارع الرئيسي للمدينة وفي النهاية الأخرى يوجد المعبد الرئيسي وإلى جواره برج بابل أو زاقورة الإله مردوخ "شكل 54".
شكل "54": منظر عام لمدينة بابل وقصورها وزاقورة الإله مردوخ.