الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سادسا: ايران
مدخل
…
سادسًا: إيران
تدل الأبحاث الجيولوجية على أن إيران أثناء العصور الجليدية في أوربا تكثر بها السطوح المائية لتعرضها لكمية وفيرة من التساقط حتى إن كثيرًا من جهاتها بما في ذلك بعض الوديان العليا كانت تحت سطح الماء، وأن صحراء الملح التي تتوسط الهضبة كانت بحيرة عظيمة أو بحرًا داخليًَّا، وفيما بين الألفين الخامس عشر والعاشر قبل الميلاد أخذ المناخ يتدرج نحو الجفاف وحدثت بعض التطورات التي أدت إلى تراكم رواسب الأنهار عند مصباتها مكونة مدرجات مرتفعة تمثل منطقة انتقال بين الجبال وبين السهول الفيضية التي كانت في سبيل التكوين.
ولا بد أن إنسان العصور قبل التاريخية الذي عاش في الهضبة1 كان ينتقل إلى حافة السطوح المائية كلما أخذت في الانكماش والتراجع، وكان حينئذ يعيش في جماعات متفرقة متباعدة في معظم الأحيان، وقد تعرضت هذه الجماعات إلى مؤثرات خارجية؛ لقربها من مناطق حضارية مثل بلاد النهرين من جهة ولوقوعها في طريق الهجرات البشرية الآتية من المناطق الرعوية والجبلية من جهة أخرى. وفضلًا عن ذلك فإن وقوع الهضبة الإيرانية بين بلاد النهرين وبين أرمينيا ورغبة ملوك الأولى في الحصول على بعض الموارد من الأخيرة مثل الرصاص قد أدى إلى أن
1 عن حضارات العصور قبل التاريخية في إيران، انظر كتاب المؤلف "معالم تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم" ص398 وما بعدها.
تصبح إيران أو جزء منها على الأقل منطقة عبور لمثل هذه الموارد.
ولا يعرف على وجه التحديد متى وصل الإيرانيون الذين ينتمون إلى العناصر الهندو أوربية التي كونت إمبراطوريات عظيمة فما بعد؛ ولكن من المرجح أنه في خلال الألف الثانية قبل الميلاد قامت هجرة عظيمة من الشعوب الهندو أوربية من مواطنها التي كانت على الأرجح في السهول الأوراسية جنوب روسيا، وقد تفرعت هذه الهجرة إلى شعبتين: غربية دارت حول البحر الأسود وعبرت البسفور ثم وصلت إلى آسيا الصغرى "وفي أثناء دورانها تقدمت بعض جماعاتها إلى شبه جزيرة البلقان" ويطلق على هؤلاء اسم الهندو أوربيين، وشرقية دارت حول بحر قزوين وعبرت القوقاز ثم وصلت إلى منحنى الفرات واختلطت بالحوريين الأصليين الذين كانوا أيضًا من أصل آسيوي، ونشأ عن ذلك الاختلاط قيام مملكة ميتاني، وقد خرجت من هذه الجماعات بعض العناصر المحاربة التي تستخدم الجياد إلى امتداد جبال زاجروس واخترقتها جنوبًا إلى منطقة اشتهرت فيما بعد كمركز لتربية الخيول، وقد بدأت هذه الجماعة في تلك المنطقة كأقلية نشيطة سرعان ما طغى نفوذها على سكانها الأصليين الذين كانوا يعرفون باسم الكاشيين وامتصتهم، وهذه المجموعة الشرقية كلها عرفت باسم الهندو إيرانيين.
ويمكننا أن نتخيل بأن الإيرانيين وصلوا إلى الهضبة بزوجاتهم وأولادهم وحيواناتهم، وقد انتهزوا فرصة انقسامها إلى عدد من الدويلات فدخلوا في خدمة أمرائها كمحاربين مرتزقة وتمكنوا في النهاية من أن يستأثروا بالسلطة وأجبروا السكان الأصليين على الخضوع لهم.
ومن العسير أن نتتبع هذه التطورات؛ إذ لا توجد وثائق تدل عليها؛ ولكن يمكن أن نستنتج بعض مظاهر حضارتهم من الآثار التي خلفوها إلى جانب الآثار الدالة على حضارة السكان الأصليين، وتدل البقايا البشرية التي عثر عليها لهؤلاء القادمين الجدد على أن معظمهم كانوا من ذوي الرءوس العريضة أي أنهم كانوا يشبهون العناصر التي انتشرت في إيطاليا وغرب أوربا، وكانوا ينقسمون إلى جماعات قبلية حلت كل منها في جزء من أجزاء الهضبة، وكان الميديون والفرس "الإخمينيون" أهم هذه الجماعات وقد نزل الميديون غرب الهضبة ثم كونوا دولة قصيرة الأجل عرفت باسم الدولة الميدية، ونزل الفرس في الجزء الجنوبي الغربي، وأصبح اسمهم يطلق على هذه المنطقة التي استقروا فيها ثم صار علمًا على الدولة التي شملت الهضبة كلها وبلغت من الاتساع في وقت ما درجة جعلتها أعظم الإمبراطوريات في الشرق الأدنى.
والخلاصة أن ظهور هذه الشعوب في هضبة إيران واندماجها مع سكانها الأصليين قد بعث فيها حيوية فائقة ونهضة حضارية عظيمة؛ إذ بعد أن كانت الهضبة تسودها دويلات مدن أو دويلات حول المعابد سرعان ما تحولت هذه إلى اتحادات قوية ما لبثت أن كونت إمبراطوريات من أقوى الإمبراطوريات التي ظهرت في التاريخ وأبعدها أثرًا في ميدان الحضارة.
ومهما قيل عن اختلاف هذه الجماعات عن السكان الأصليين من جهة واختلاف قبائلهم ومكان استقرارهم من جهة أخرى فإنه من الممكن مع التغاضي عن قصر أجل دولة الميديين، أن نعتبر أن الحضارة التي