الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عدم تواترهما حتى على فرض أنه يريد انفراد أبي خزيمة وخزيمة بذكرهما من حفظهما. غاية ما يدل عليه كلامه أنهما انفردا بذكرهما ابتداء ثم تذكر الصحابة ما ذكراه وكان هؤلاء الصحابة جمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب فدونت تلك الآيات في الصحف والمصحف بعد قيام هذا التواتر فيها.
الشبهة السادسة
يقولون: كانت الآيات تكتب على الحجارة وسعف النخل والعظام خوفا عليها من الضياع وبقي جانب كبير منها محفوظا في صدور الرجال. وقد نشأ عن ذلك عدة مشاكل يعتبرها الباحثون فيه كافية لإثبات كون القرآن الحالي لا يحتوي جميع الآيات التي نطق بها محمد وبعضها يختلف في القراءة واللفظ والمعنى.
ويقولون بعبارة أخرى إنه من المستحيل أن يكون القرآن الحالي حاويا لجميع ما أنزل إذ من المؤكد أنه ذهب منه جانب ليس بقليل وأنسي منه جانب آخر قال ابن عمر: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله. قد ذهب منه كثير. ولكن ليقل: قد أخذت ما ظهر منه. فهذا يثبت ان القرآن الحالي لا يتضمن جميع ما كان مسطورا في اللوح المحفوظ. ولا هو طبق ما نطقت به شفتا محمد سيما أن في آيات عديدة منه اختلافات مدهشة ولا يعلم نصها الصحيح أحد اهـ.
وننقض هذه الشبهة بما يأتي:
أولا: أن كتابة القرآن على الحجارة والسعف والعظام وبقاء جانب كبير منه محفوظا في صدور الرجال لا يلزم منه مشكلة واحدة فضلا عن عدة مشاكل إنما هو وهم من الأوهام تخيلوه فخالوه وبدليل أنهم لم يذكروا سندهم فيما ذهبوا إليه من هذا الشطط.
ثانيا: أن الحجارة وسعف النخل والعظام التي كتب عليها بعض آيات القرآن لم تكن بحيث يمكن أن يتخيل أولئك الطاعنون أو يخيلوا إلى الناس أنها لا تصلح للكتابة عليها بل كانت العرب لبداوتها ولبعدها عن وسائل الحضارة والعمران تصطفي من أنواع الحجارة الموفورة عندها نوعا رقيقا يكون كالصحيفة يصلح للكتابة وللبقاء أشبه بما نراه اليوم من الكتابة الجميلة المنقوشة على صفحات مصنوعة مما نسميه الجبس.
وكذلك سعف النخل يكشطون الخوص عنه ويكتبون في الجزء العريض منه بعد أن يصقلوه ويهذبوه فيكون أشبه بالصحيفة. وقل مثل هذا في العظام بدليل أن الروايات الواردة في ذلك نصت على نوع خاص منه وهو عظام الأكتاف وذلك لأنها عريضة رقيقة ومصقولة صالحة للكتابة عليها بسهولة.
ثالثا: أن استنتاجهم من هذا كون القرآن الحالي لا يحتوي جميع الآيات التي نطق بها محمد استنتاج معكوس وفهم منكوس لأن كتابة القرآن وحفظه في آن واحد في صدور آلاف مؤلفة من الخلق أدعى إلى بقاء ذلك القرآن وأدل على أنه لم تفلت منه كلمة ولا حرف. كيف وأحد الأمرين من الكتابة والحفظ كاف في هذه الثقة فما بالك إذا كان القرآن كله مكتوبا بخطوط أشخاص كثيرين ومحفوظا في صدور جماعات كثيرين.
رابعا: قولهم: وبعضها يختلف في القراءة واللفظ والمعنى إن أرادوا به الطعن في تعدد القراءات واختلاف وجوه الأداء فقد سبق في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف ما يكفيك في الرد عليهم وسيأتيك في مبحث القراءات ما يزيدك تنورا في هذا الموضوع وإن أرادوا به شيئا آخر فعليهم البيان. وحسبك أن تعرف أن اختلاف حروف القرآن أمر تقتضيه الحكمة ويوجبه عموم الدعوة الإسلامية. خصوصا لمن شافههم الرسول عليه الصلاة والسلام وهم على اختلاف قبائلهم وتنوع
لهجاتهم وتباين وجوه نطقهم عرب تؤلف بينهم العروبة الواحدة ويجمعهم اللسان العربي العام. فأي عيب على القرآن إذا اختلفت حروف أدائه وكيفيات النطق بكلماته ليسع القبائل العربية جميعا وليتسنى لها تلاوة ألفاظه وتفهم معانيه؟ ولئلا يقول أحد منها: لو جاء القرآن بلغتنا لكان لنا معه شأن ولأتينا بمثله وعارضنا بلاغته! {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .
خامسا: قولهم إنه من المستحيل أن يكون القرآن الحالي حاويا لجميع ما أنزل الخ كلام مجرد من السند والحجة لا يستحق الرد فإن استندوا فيه إلى ما سبق فقد استندوا إلى أوهن من بيت العنكبوت وقد عرفت وجوه الوهن التي فيه. وإن استندوا إلى ما ذكروه بعد مما نسبوه لابن عمر فقد زادوا الطين بلة لأن هذه النسبة إلى ابن عمر نسبة خاطئة كاذبة وعلى فرض صحتها فهي موقوفة وليست بمرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فرض رفعها فهي معارضة للأدلة القاطعة المتوافرة في تواتر القرآن وسلامته من التغيير والزيادة والنقصان ومعارض القاطع ساقط مهما كانت قيمة سنده في خبر الواحد.
سادسا: أن نهايتهم التي ختموا بها هذه الشبهة أقبح من بدايتهم لأنهم رتبوها على تلك الأكاذيب والمهاترات ثم زادوا فيها اتهاما جديدا مجردا من السند والحجة أيضا وهو أن في آيات عديدة من القرآن اختلافات مدهشة ولا يعلم نصها الصحيح أحد وهكذا خرجوا من اتهام إلى اتهام واحتجوا بكذب على كذب وهانت عليهم كرامتهم وعقولهم فقالوا ما شاء لهم الهوى والتعصب إلى هذا الحد وأنت خبير بأن القرآن الحالي وصل إلينا محفوظا من كل عبث كما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم وكما خطه الله تعالى بقلمه في