الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسمه الأول المأثور يقرؤه العارفون ومن لا يخشى عليهم الالتباس. ولا شك أن الاحتياط مطلب ديني جليل خصوصا في جانب حماية التنزيل.
ج -
الشبهات التي أثيرت حول كتابة القرآن ورسمه
الشبهة الأولى:
يقولون: روي عن عثمان أنه حين عرض عليه المصحف قال: أحسنتم وأجملتم إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها.
ويقولون: روي عن عكرمة أنه قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستعربها بألسنتها. لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف.
أورد أعداء الإسلام هاتين الروايتين وقالوا: إنهما طعنان صريحان في رسم المصحف فكيف يكون مصحف عثمان وجمعه للقرآن موضع ثقة وإجماع من الصحابة؟ وكيف يكون توقيفيا؟ وهذا عثمان نفسه يقول بملء فيه: إن فيه لحنا.
ونجيب على هذه الشبهة أولا: بأن ما جاء في هاتين الروايتين ضعيف الإسناد وأن فيهما اضطرابا وانقطاعا..
قال العلامة الألوسي في تفسيره: إن ذلك لم يصح عن عثمان أصلا اهـ ولعلك تلمح معي دليل سقوط هاتين الروايتين ماثلا فيهما
من جراء هذا التناقض الظاهر بين وصفهما نساخ المصحف بأنهم أحسنوا وأجملوا ووصفهما المصحف الذي نسخوه بأن فيه لحنا. وهل يقال للذين لحنوا في المصحف: أحسنتم وأجملتم؟.
اللهم إلا إذا كان المراد معنى آخر.
ثانيا: أن المعروف عن عثمان في دقته وكمال ضبطه وتحريه يجعل صدور أمثال هاتين الروايتين من المستحيل عليه. انظر إلى ما سبق من دستوره في جمع القرآن. ثم انظر إلى ما أخرجه أبو عبيد عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها لم يتسن وفيها لا تبديل للخلق وفيها فأمهل الكافرين فدعا بدواة فمحا أحد اللامين وكتب لخلق الله ومحا فأمهل وكتب فمهل وكتب لم يتسنه فألحق فيها الهاء.
قال ابن الأنباري: فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادا فأمضاه؟ وهو يوقف على ما يكتب ويرفع الخلاف الواقع من الناسخين فيه فيحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده اهـ.
ثالثا: على فرض صحة ما ذكر يمكن أن نؤوله بما يتفق والصحيح المتواتر عن عثمان من نسخ المصاحف وجمع القرآن ومن نهاية التثبت والدقة والضبط.
وذلك بأن يراد بكلمة لحنا في الروايتين المذكورتين قراءة ولغة. والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. وقد ضرب بعض أجلاء العلماء لذلك مثلا كلمة "الصراط" بالصاد المبدلة من السين فتقرأ العرب بالصاد عملا بالرسم وبالسين عملا بالأصل.
الشبهة الثانية:
يقولون: روي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} ويقول هو من لحن الكتاب.
والجواب: على غرار ما سبق أي أن ابن جبير لا يريد بكلمة لحن الخطأ. إنما يريد بها اللغة والوجه في القراءة على حد قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} . والدليل على هذا التوجيه أن سعيد بن جبير نفسه كان يقرأ: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} فلو كان يريد باللحن الخطأ ما رضي لنفسه هذه القراءة. وكيف يرضى ما يعتقد أنه خطأ؟
وهذه الكلمة في آية من سورة النساء ونصها: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} فكلمة {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} قرأها الجمهور بالياء منصوبا كما ترى. وقرأها جماعة بالواو منهم أبو عمرو في رواية يونس وهارون عنه. ولكل من القراءتين وجه صحيح فصيح في اللغة العربية فالنصب مخرج على المدح والتقدير وأمدح المقيمين الصلاة. والرفع مخرج على العطف والمعطوف عليه مرفوع كما ترى.
الشبهة الثالثة:
يقولون: ألا يكفي في الطعن على جمع القرآن ورسمه ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى. {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا} أنه قال: إن الكاتب أخطأ والصواب: حتى تستأذنوا.
ونجيب: أولا: بما أجاب به أبو حيان إذ يقول ما نصه: إن من روي عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول اهـ.
ثانيا: بما أخرجه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه فسر {تَسْتَأْنِسُوا} فقال: أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها يعني أصحاب البيوت.
ثالثا: أن القراء لم يرووا غير قراءة {تَسْتَأْنِسُوا} فلو كان ذاك النقل صحيحا عن ابن عباس لنقلوا عنه أنه قرأ تستأذنوا.
رابعا: إذا سلمنا للحاكم أن هذا الخبر صحيح عن ابن عباس فإننا نرده برغم دعوى هذه الصحة لأنه معارض للقاطع المتواتر وهو قراءة {تَسْتَأْنِسُوا} والقاعدة أن معارض القاطع ساقط وأن الرواية متى خالفت رسم المصحف فهي شاذة لا يلتفت إليها ولا يعول عليها.
الشبهة الرابعة:
يقولون: ألا يكفي في الطعن على جمع القرآن ورسمه ما روي عن ابن عباس أيضا أنه قرأ "أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا". فقيل له: إنها في المصحف {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس.
ونجيب: بأنه لم يصح ذلك عن ابن عباس. قال أبو حيان: بل هو قول ملحد زنديق. وقال الزمخشري: ونحن ممن لا يصدق هذا في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكيف يخفى هذا؟ حتى يبقى ثابتا بين دفتي الإمام أي المصحف الإمام وهو مصحف عثمان وكان متقلبا بين أيدي أولئك الأعلام المحتاطين
لدين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي أقيم عليها البناء؟ هذا والله فرية ما فيها مرية اهـ. وقال الفراء: لا يتلى إلا كما أنزل: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ} اهـ. وعلى ذلك تكون رواية ذلك في الدر المنثور وغيره عن ابن عباس رواية غير صحيحة. ومعنى {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} : أفلم يعلموا قال القاسم بن معن: هي لغة هوازن. وجاء بها الشعر العربي في قول القائل:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني
…
ألم تيأسوا إني ابن فارس زهدم1
أي ألم تعلموا.
الشبهة الخامسة:
يقولون: من وجوه الطعن أيضا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} إنما هي ووصى ربك التزقت الواو بالصاد وكان يقرأ: ووصى ربك ويقول: أمر ربك إنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد وروي عنه أنه قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم. ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس: {وَقَضَى رَبُّكَ} ولو نزلت على القضاء ما أشرك أحد.
ونجيب: عن ذلك كله أولا بما أجاب به ابن الأنباري إذ يقول: إن هذه الروايات ضعيفة.
1 قال في القاموس: زهدم كجعفر: فرس لعنترة، وفرس لبشر بن عمرو الرياحي- إلى أن قال- والزهدمان أخوان من عبس: زهدم، وكردم.
ثانيا: أن هذه الروايات معارضة للمتواتر القاطع وهو قراءة وقضى ومعارض القاطع ساقط.
ثالثا: أن ابن عباس نفسه وقد استفاض عنه أنه قرأ: وقضى وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس الرخيصة التي لفقها أعداء الإسلام. قال أبو حيان في البحر: والمتواتر هو {وَقَضَى} وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر. وقال ابن مسعود وأصحابه بمعنى وصى اهـ
إذن رواية وقضى هي التي انعقد الإجماع عليها من ابن عباس وابن مسعود وغيرهما فلا يتعلق بأذيال مثل هذه الرواية الساقطة إلا ملحد ولا يرفع عقيرته بها إلا عدو من أعداء الإسلام.
الشبهة السادسة:
يقولون: إن ابن عباس روي عنه أيضا أنه كان يقرأ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً1} ويقول خذوا هذه الواو واجعلوها في {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} . وروي عنه أيضا أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} .
ونجيب: أولا: بأن هذه الروايات ضعيفة؟ لم يصح شيء منها عن ابن عباس.
ثانيا: أنها معارضة للقراءة المتواترة المجمع عليها فهي ساقطة.
ثالثا: أن بلاغة القرآن قاضية بوجود الواو لا بحذفها لأن ابن عباس نفسه فسر الفرقان في الآية المذكورة بالنصر وعليه يكون الضياء بمعنى التوراة أو الشريعة. فالمقام للواو لأجل هذا التغاير.
1 الآية في سورة الأنبياء- لكن اتصال الواو بكلمة {ضِيَاءً} . ونص الآية الكريمة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} .
الشبهة السابعة:
يقولون: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} أنه قال: هي خطأ من الكاتب. هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. إنما هي: مثل نور المؤمن كمشكاة.
ونجيب: أولا: بأنها رواية معارضة للقاطع المتواتر فهي ساقطة.
ثانيا: أنه لم ينقل عن أحد من القراء أن ابن عباس قرأ: مثل نور المؤمن فكيف يقرأ رضي الله عنه بما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه صواب؟ ألا إنها كذبة مفضوحة ولو أنهم نسبوها لأبي بن كعب لكان الأمر أهون لأنه روي في الشواذ أن أبي بن كعب قرأ: مثل نور المؤمن. والذي ينبغي أن تحمل عليه هذه الروايات أن أبيا رضي الله عنه. أراد تفسير الضمير في القراءة المعروفة المتواترة وهي مثل نوره. فهي روايات عنه في التفسير لا في القراءة بدليل أنه كان يقرأ: {مَثَلُ نُورِهِ} .
دفع عام عن ابن عباس
كل ما روي عن ابن عباس في تلك الشبهات يمكن دفعه دفعا عاما بأن ابن عباس قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت وأبي بن كعب وهما كانا في جمع المصاحف. وزيد بن ثابت كان في جمع أبي بكر أيضا. وكان كاتب الوحي وكان يكتب ما يكتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره. وابن عباس كان يعرف ذلك ويوقن به فمحال إذن أن ينطق لسانه بكلمة تحمل رائحة اعتراض على جمع القرآن ورسم القرآن وإلا فكيف بأخذ عن زيد وابن كعب ثم يعترض على جمعهما ورسمهما؟.
الشبهة الثامنة:
يقولون: روي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} وعن قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وعن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} . فقالت: يا بن أخي هذا من عمل الكتاب قد أخطئوا في الكتاب. قال السيوطي في هذا الخبر إسناده صحيح على شرط الشيخين. ويقولون أيضا: روي عن أبي خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة فقال: جئت أسألك عن آية في كتاب الله كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ قال: {الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} أو "الّذِينَ يَأتُون مَا أَتوا". قالت: أيهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا. قالت: أيهما؟ قلت: "الذين يأتون ما أتوا". فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف.
ونجيب: أولا: بأن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحا فإنها مخالفة للمتواتر القاطع ومعارض القاطع ساقط مردود فلا يلتفت إليها ولا يعمل بها.
ثانيا: أنه قد نص في كتاب إتحاف فضلاء البشر على أن لفظ هذان قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها كما شرحنا ذلك سابقا في فوائد رسم المصحف. وإذن فلا يعقل أن يقال أخطأ الكاتب فإن الكاتب لم يكتب ألفا ولا ياء. ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب بل كانت تنسبه لمن يقرأ بتشديد إن وبالألف لفظا في هذان. ولم ينقل عن عائشة ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؟ بل هي قراءة الأكثر ولها وجه فصيح في العربية لا يخفى على مثل عائشة. ذلك هو إلزام المثنى الألف في جميع حالاته. وجاء منه قول الشاعر العربي:-
واها لسلمى ثم واها واها
…
يا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال من رجلاها
…
بثمن يرضى به أباها
إن أباها وأبا أباها
…
قد بلغا في المجد غايتاها
فبعيد عن عائشة أن تنكر تلك القراءة ولو جاء بها وحدها رسم المصحف.
ثالثا: أن ما نسب إلى عائشة رضي الله عنها من تخطئة رسم المصحف في قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} بالياء مردود بما ذكره أبو حيان في البحر إذ يقول ما نصه: وذكر عن عائشة رضي الله عنها وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف. ولا يصح ذلك عنهما لأنها عربيان فصيحان وقطع النعوت مشهور في لسان العرب. وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره. وقال الزمخشري: لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه خطأ في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب يريد كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان وخفي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة يسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحقهم.
رابعا: أن قراءة والصابئون بالواو لم ينقل عن عائشة أنها خطأت من يقرأ بها ولم ينقل أنها كانت تقرأ بالياء دون الواو. فلا يعقل أن تكون خطأت من كتب بالواو.
خامسا: أن كلام عائشة في قوله تعالى: {يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} لا يفيد إنكار هذه القراءة المتواترة المجمع عليها. بل قالت للسائل: أيهما أحب إليك؟ ولا تحصر المسموع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قرأت هي به. بل قالت: أنه مسموع ومنزل فقط.
وهذا لا ينافي أن القراءة الأخرى مسموعة ومنزلة كتلك. خصوصا أنها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما قولها: ولكن الهجاء حرف فكلمة حرف مأخوذة من الحرف بمعنى القراءة واللغة والمعنى أن هذه القراءة المتواترة التي رسم بها المصحف لغة ووجه من وجوه الأداء في القرآن الكريم. ولا يصح أن تكون كلمة حرف في حديث عائشة مأخوذة من التحريف الذي هو الخطأ وإلا كان حديثا معارضا للمتواتر ومعارض القاطع ساقط.
الشبهة التاسعة:
يقولون: روي عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه قال: قالوا لزيد يا أبا سعيد أوهمت إنما هي ثمانية أزواج من الضأن اثنين1 اثنين ومن المعز اثنين اثنين ومن الإبل اثنين اثنين ومن البقر اثنين اثنين. فقال: لا. إن الله تعالى يقول: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} فهما زوجان كل واحد منهما زوج. الذكر زوج والأنثى زوج اهـ. قال أعداء الإسلام: فهذه الرواية تدل على تصرف نساخ المصحف واختيارهم ما شاءوا في كتابة القرآن ورسمه.
والجواب أن كلام زيد هذا لا يدل على ما زعموا. إنما يدل على أنه بيان لوجه ما كتبه وقرأه سماعا وأخذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصرفا وتشهيا من تلقاء نفسه.
وكيف يتصور هذا من الصحابة في القرآن وهم مضرب الأمثال في كمال ضبطهم وتثبتهم في الكتاب والسنة. لا سيما زيد بن ثابت وقد عرفت فيما سبق من هو زيد في حفظه
1 يريدون آية سورة الأنعام ونصها: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ} الخ.
وأمانته ودينه وورعه؟ وعرفت دستوره الدقيق الحكيم في كتابة الصحف والمصاحف فأنى يؤفكون؟
الشبهة العاشرة:
يقولون: إن مروان هو الذي قرأ ملك يوم الدين من سورة الفاتحة بحذف الألف من لفظ مالك. ويقولون: إنه حذفها من تلقاء نفسه دون أن يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن أن يتواتر عنه قراءة ولفظا أو يصح كتابة ورسما.
والجواب: أن هذا كذب فاضح أولا لأنه ليس لهم عليه حجة ولا سند.
ثانيا أن الدليل قام والتواتر تم والإجماع انعقد على أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لفظ مالك يوم الدين بإثبات الألف وحذفها وأخذ أصحابه عنه ذلك. فممن قرأ بهما علي وابن مسعود وأبي بن كعب. وممن قرأ بالقصر أي حذف الألف أبو الدرداء وابن عباس وابن عمر. وممن قرأ بالمد أي إثبات الألف أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. وهؤلاء كلهم كانوا قبل أن يكون مروان وقبل أن يولد مروان وقبل أن يقرأ مروان. وقصارى ما في الأمر أن مروان اتفق أن روايته كانت القصر فقط. وذلك لا يضرنا في شيء. كما اتفق أن رواية عمر بن عبد العزيز كانت المد فقط.
ثالثا أن كلمة مالك رسمت في المصحف العثماني هكذا ملك كما سبق.
خلاصة الدفاع:
والخلاصة أن تلك الشبهة وما ماثلها مدفوعة بالنصوص القاطعة والأدلة الناصعة على أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ناسخ في تلاوته وهو هذا الذي حواه مصحف عثمان بين الدفتين لم ينقص منه شيء ولم يزد فيه شيء بل
إن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه الله سبحانه وتعالى ورتبه رسوله من آي وسور. لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر منه مقدم. وقد ضبطت الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواقعها كما ضبطت منه نفس القراءات وذات التلاوة على ما سبق وما سيجيء في الكلام على القراءات إن شاء الله.
فليلاحظ دائما في الرد على أمثال تلك الشبهات أمران: أولهما: تلك القاعدة الذهبية التي وضعها العلماء: وهي أن خبر الآحاد إذا عارض القاطع سقط عن درجة الاعتبار وضرب به عرض الحائط مهما تكن درجة إسناده من الصحة.
ثانيهما: خط الدفاع الذي أقمناه في المبحث الثامن حصنا حصينا دون النيل من الصحابة واتهامهم بسوء الحفظ أو عدم التثبت والتحري خصوصا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
شبهة على التزام الرسم العثماني في هذا العصر:
يقولون: إن كثيرا من المتعلمين لا يحفظون القرآن ولا يحسنون قراءته في المصحف لعدم معرفتهم الرسم العثماني. فلماذا نتقيد بهذا الرسم ولا نكتب المصاحف اليوم باصطلاح الكتابة المعروف تسهيلا على الناشئة وتيسيرا على الناس؟
والجواب: أولا: أن للعلماء آراء في ذلك بالجواز بل قال بعضهم وهو العز بن عبد السلام بوجوب كتابة المصحف للعامة باصطلاح كتابتهم الحديث خشية الالتباس كما يجب كتابته بالرسم العثماني محافظة على هذا التراث العزيز. وقد سبق شرح آراء العلماء قريبا. وما هي منك ببعيد.
ثانيا: أن في الرسم العثماني مزايا وفوائد ذكرناها سابقا.
ثالثا: أن مذهب الجمهور قائم على أدلة متوافرة على وجوب التزام هذا الرسم عندهم. وقد تقدمت تلك الأدلة أيضا.
رابعا: أن مصطلح الخط والكتابة في عصرنا عرضة للتغيير والتبديل. ومن المبالغة في قداسة القرآن حمايته من التغيير والتبديل في رسمه.
خامسا: أن إخضاع المصحف لمصطلحات الخط الحديثة ربما يجر إلى فتنة أشبه بالفتنة التي حدثت أيام عثمان وحملته على أن يجمع القرآن. فربما يقول بعض الناس لبعض أو بعض الشعوب لبعض عند اختلاف قواعدهم في رسم المصحف: رسمي خير من رسمك أو مصحفي خير من مصحفك أو رسمي صواب ورسمك خطأ. وقد يجر ذلك إلى أن يؤثم بعضهم بعضا أو يقاتل بعضهم بعضا. ومن المقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
سادسا: أن الرسم العثماني أشبه بالرسم العام الذي يجمع الأمة على كتابة كتاب ربها في سائر الأعصار والأمصار كاللغة العربية فإنها اللسان العام الذي يجمع الأمة على قراءة كتاب ربها في سائر الأعصار والأمصار. وما يكون لنا أن نفرط في أمر هذا شأنه يجمع الشتات وينظم الأمة في سلك واحد لا فرق بين ماض وحاضر وآت.
سابعا: أنه يمكن تسهيل القراءة على الناس بإذاعة القرآن كثيرا إذاعة مضبوطة دقيقة وبإذاعة من التجويد في المدارس وفي أوساط المتعلمين وأخيرا يمكن -كما قالت مجلة الأزهر- أن ننبه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف على ما يكون فيها من الكلمات المخالفة للرسم المعروف والاصطلاح المألوف. لا سيما أن رسم المصاحف العثمانية لا يخالف قواعدنا في الخط والإملاء إلا قليلا وفي كلمات معدودة: أضف إلى ذلك أن الفرق بين الرسمين لا يوقع القارئ اليقظ في لبس عند تأمله وإمعانه غالبا.