الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
فوائد معرفة أسباب النزول
زعم بعض الناس أنه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول وأنها لا تعدو أن تكون تاريخا للنزول أو جارية مجرى التاريخ وقد أخطأ فيما زعم فإن لأسباب النزول فوائد متعددة لا فائدة واحدة:
الأولى: معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن. أما المؤمن فيزداد إيمانا على إيمانه ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام الله والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام ومن أجلها جاء هذا التنزيل. وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم والطغيان خصوصا إذا لاحظ سير ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد. وحسبك شاهدا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه وقد مر بك في البحث السابق فلا نعيده ولا تغفل.
الفائدة الثانية: الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها. حتى لقد قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالمسبب يورث العلم بالسبب اهـ.
ولنبين لك ذلك بأمثلة ثلاثة: الأول قال الله تعالى في سورة البقرة: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فهذا اللفظ الكريم يدل بظاهره على أن للإنسان أن يصلي إلى أية جهة شاء ولا يجب عليه أن يولي وجهه شطر البيت الحرام لا في سفر ولا حضر. لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة أو فيمن صلى باجتهاده ثم بان له خطؤه تبين له أن الظاهر غير مراد إنما المراد التخفيف على خصوص المسافر في صلاة النافلة أو على المجتهد
في القبلة إذا صلى وتبين له خطؤه. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وقيل: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. وقيل في الآية غير ذلك ولكن ما ذكرناه يكفيك.
المثال الثاني: روي في الصحيح أن مروان بن الحكم أشكل عليه معنى قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} من سورة آل عمران.
وقال: لئن كان كل امرىء فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. وبقي في إشكاله هذا حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه أي طلبوا منه أن يحمدهم على ما فعلوا. وهنالك زال الإشكال عنه وفهم مراد الله من كلامه هذا ووعيده.
المثال الثالث أشكل على عروة بن الزبير رضي الله عنه أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة مع قوله سبحانه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} .
وإشكاله نشأ من أن الآية الكريمة نفت الجناح ونفي الجناح لا يتفق والفرضية في رأيه وبقي في إشكاله هذا حتى سأل خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأفهمته أن نفي الجناح هنا ليس نفيا للفرضية إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية نظرا إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له: إساف وكان على المروة صنم يقال له: نائلة. وكان المشركون إذا سعوا بينهما تمسحوا بهما. فلما ظهر الإسلام وكسر
الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت الآية. كذلك جاءت بعض الروايات.
لكن جاء في رواية صحيح البخاري ما نصه: فقال أي عروة لها أي لعائشة أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} : فو الله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابن أختي إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية. قالت عائشة وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما انتهى ما أردنا نقله. ومعنى يهلون: يحجون. ومناة الطاغية: اسم صنم وكان صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر فكانوا يعبدونها. والمشلل بضم الميم واللام الأولى مشددة مفتوحة: اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر. وقديد بضم القاف: قرية بين مكة والمدينة. وكلمة سن معناها في هذا الحديث شرع أو فرض بدليل من السنة لا من الكتاب.
وهذه الرواية كما ترى تدل على أن عروة فهم من جملة {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أن الجناح منفي أيضا عن عدم الطواف بهما وعلى ذلك تنتفي الفرضية وكأنه اعتمد في فهمه هذا على أن نفي الجناح أكثر ما يستعمل في الأمر المباح. أما عائشة رضي الله عنها فقد فهمت أن فرضية السعي بين الصفا والمروة مستفادة من السنة وأن جملة {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} .
لا تنافي تلك الفرضية كما فهم عروة إنما الذي ينفيها أن يقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما وإنما توجه نفي الحرج في الآية عن الطواف بين الصفا والمروة لأن هذا الحرج هو الذي كان واقرا في أذهان الأنصار كما يدل عليه سبب نزول الآية الذي ذكرته السيدة عائشة فتدبر.
الفائدة الثالثة: دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر نحو قوله سبحانه في سورة الأنعام: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} . ذهب الشافعي إلى أن الحصر في هذه الآية غير مقصود واستعان على دفع توهمه بأنها نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا إلا أن يحرموا ما أحل الله ويحلوا ما حرم الله عنادا منهم ومحادة لله ورسوله فنزلت الآية بهذا الحصر الصوري مشاد لهم ومحادة من الله ورسوله لا قصدا إلى حقيقة الحصر.
نقل السبكي عن الشافعي أنه قال ما معناه: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم. فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه. نازلا منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا حلاوة والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل اهـ.
قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية اهـ.
الفائدة الرابعة: تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. فآيات الظهار في مفتتح سورة المجادلة- وقد تقدمت-
سببها أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة والحكم الذي تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما على هذا الرأي أما غيرهما فيعلم بدليل آخر قياسا أو سواه. وبدهي أنه لا يمكن معرفة المقصود بهذا الحكم ولا القياس عليه إلا إذا علم السبب وبدون معرفة السبب تصير الآية معطلة خالية من الفائدة.
الفائدة الخامسة: معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها. وذلك لقيام الإجماع على أن حكم السبب باق قطعا. فيكون التخصيص قاصرا على ما سواه. فلو لم يعرف سبب النزول لجاز أن يفهم أنه مما خرج بالتخصيص مع أنه لا يجوز إخراجه قطعا للإجماع المذكور. ولهذا يقول الغزالي في المستصفى: ولذلك يشير إلى امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد غلط أبو حنيفة رحمه الله في إخراج الأمة المستفرشة من قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش". والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فقال عليه الصلاة والسلام: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فأثبت للأمة فراشا وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم اهـ.
الفائدة السادسة: معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره فيتهم البريء ويبرأ المريب مثلا. ولهذا ردت عائشة على مروان حين اتهم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر بأنه الذي نزلت فيه آية {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} الخ من سورة الأحقاف. وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته إلى آخر تلك القصة.
الفائدة السابعة: تيسير الحفظ وتسهيل الفهم وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها. وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات والأحكام بالحوادث والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة. كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر وذلك هو قانون تداعي المعاني المقرر في علم النفس.