المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌تصدير الطبعة الثالثة وفهرسها

- ‌مقدمة: في القرآن وعلومه ومنهجي في التأليف

- ‌المبحث الأول: في معنى علوم القرآن

- ‌مدخل

- ‌القرآن في الاصطلاح

- ‌القرآن عند المتكلمين

- ‌القرآن عند الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية

- ‌هل القرآن علم شخص

- ‌هل يصاغ للأعلام تعاريف

- ‌إطلاق القرآن على الكل وعلى أبعاضه

- ‌ معنى علوم القرآن بالمعنى الإضافي

- ‌القرآن كتاب هداية وإعجاز

- ‌القرآن يحض على الانتفاع بالكون

- ‌إعجاز علمي للقرآن

- ‌ معنى علوم القرآن كفن مدون وموضوعه وفائدته

- ‌المبحث الثاني: في تاريخ علوم القرآن وظهور اصطلاحه

- ‌عهد ما قبل التدوين

- ‌عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن

- ‌عهد التدوين لعلوم القرآن بالمعنى الإضافي

- ‌أول عهد لظهور هذا الاصطلاح

- ‌علوم القرآن في القرن الأخير

- ‌خلاصة

- ‌المبحث الثالث: نزول القرآن

- ‌معنى نزول القرآن

- ‌ تنزلات القرآن

- ‌كيفية أخذ جبريل للقرآن وعمن أخذ

- ‌ما الذي نزل به جبريل

- ‌مدة هذا النزول

- ‌دليل تنجيم هذا النزول

- ‌الحكم والأسرار في تنجيم القرآن

- ‌الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه

- ‌الحكمة الثانيةالتدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا

- ‌الحكمة الثالثة: مسايرة الحودث والطواىء في تجددها وتفرقها

- ‌الحكمة الرابعةالإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده

- ‌المعركة الطاحنة أو الوحي بين معتقديه ومنكريه

- ‌مدخل

- ‌ حقيقة الوحي وأنواعه وكيفياته

- ‌ الوحي من ناحية العلم

- ‌ الوحي من ناحية العقل

- ‌ دفع الشبهات

- ‌المبحث الرابع: في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن

- ‌مدخل

- ‌أول ما نزل على الإطلاق

- ‌آخر ما نزل على الإطلاق

- ‌مثلان من أوائل وأواخر مخصوصة

- ‌ملاحظة

- ‌المبحث الخامس: في أسباب النزول

- ‌مدخل

- ‌معنى سبب النزول

- ‌ فوائد معرفة أسباب النزول

- ‌ طريق معرفة سبب النزول

- ‌ التعبير عن سبب النزول

- ‌ تعدد الأسباب والنازل واحد

- ‌ تعدد النازل والسبب واحد

- ‌ العموم والخصوص بين لفظ الشارع وسببه

- ‌ عموم اللفظ وخصوص سببه

- ‌ أدلة الجمهور

- ‌ شبهات المخالفين وتفنيدها

- ‌ شبيه بالسبب الخاص مع اللفظ العام

- ‌المبحث السادس: في نزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌مدخل

- ‌ أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌ شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة

- ‌ معنى نزول القرآن على سبعة أحرف

- ‌ الوجوه السبعة في المذهب المختار

- ‌ لماذا اخترنا هذا المذهب

- ‌الذين قالوا بهذا المذهب

- ‌ النسبة بين هذه المذاهب ومذهب الرازي

- ‌ دفع الاعتراضات الواردة على هذا المذهب

- ‌ بقاء الأحرف السبعة في المصاحف

- ‌ الأقوال الأخرى ودفعها

- ‌ ردود إجمالية لهذه الأقوال الأخيرة

- ‌ علاج الشبهات الواردة

- ‌المبحث السابع: في المكي والمدني من القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌ الاصطلاحات في معنى المكي والمدني

- ‌ فائدة العلم بالمكي والمدني

- ‌ الطريق الموصلة إلى معرفة المكي والمدني

- ‌ الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني

- ‌ السور المكية والمدنية والمختلف فيها

- ‌ أنواع السور المكية والمدنية

- ‌وجوه تتعلق بالمكي والمدني

- ‌فروق أخرى بين المكي والمدني

- ‌نقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع

- ‌مدخل

- ‌الشبهة الأولى

- ‌الشبهة الثانية

- ‌الشبهة الثالثة

- ‌الشبهة الرابعة

- ‌الشبهة الخامسة

- ‌الشبهة السادسة

- ‌المبحث الثامن: في جمع القرآن وتاريخه والرد على ما يثار حوله من شبه ونماذج من الروايات الواردة في ذلك

- ‌مدخل

- ‌جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور

- ‌جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌لماذا لم يجمع القرآن أيامئذ في صحف ولا مصاحف

- ‌جمع القرآن على عهد أبي بكر رضي الله عنه

- ‌جمع القرآن على عهد عثمان رضي الله عنه

- ‌الرد على ما يثار حول جمع القرآن من شبه

- ‌الشبهة الأولى

- ‌الشبهة الثانية

- ‌الشبهة الثالثة

- ‌الشبهة الرابعة

- ‌الشبهة الخامسة

- ‌الشبهة السادسة

- ‌خط منيع من خطوط الدفاع عن الكتاب والسنة

- ‌مدخل

- ‌ الجبهة الأولى: أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما

- ‌ الجبهة الثانية: أو عوامل تثبت الصحابة في الكتاب والسنة

- ‌المبحث التاسع: في ترتيب آيات القرآن وسوره

- ‌معنى الآية:

- ‌طريقة معرفة الآية:

- ‌عدد آيات القرآن:

- ‌فوائد معرفة الآيات:

- ‌ترتيب آيات القرآن

- ‌ترتيب السور

- ‌المبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك

- ‌ الكتابة

- ‌ رسم المصحف

- ‌ الشبهات التي أثيرت حول كتابة القرآن ورسمه

- ‌ المصاحف تفصيلا

- ‌المبحث الحادي عشر: في‌‌ القراءاتوالقراء والشبهات التي أثيرت في هذا المقام

- ‌ القراءات

- ‌ القراء

- ‌ نقض الشبهات التي أثيرت في هذا المقام

الفصل: ‌ المصاحف تفصيلا

ولقد مرت على الأمة أجيال وقرون وما شعرت بغضاضة في التزامها الرسم العثماني. على أن المعول عليه أولا وقبل كل شيء هو التلقي من صدور الرجال. وبالتلقي يذهب الغموض من الرسم كائنا ما كان. وليس بعد العيان بيان.

ص: 399

د -‌

‌ المصاحف تفصيلا

لعلك لم تنس ما ذكرناه في المباحث السابقة عن نشأة المصاحف العثمانية وكتابتها ورسمها وتحريق عثمان ما سواها من المصاحف الفردية التي كانت لبعض الصحابة والتي كان يخالف بعضها بعضا على مقدار ما وصل إليه علم الواحد منهم بأحرف القراءات وبما نسخ وما لم تنسخ تلاوته في العرضة الأخيرة. ولأجل الإحاطة بما يتصل بالمصاحف العثمانية يجدر بنا أن نتحدث عما يأتي:

الحروف السبعة في المصاحف العثمانية:

المصاحف التي نسخها عثمان رضي الله عنه كان مجموعها مشتملا على الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن كما بينا ذلك أو في بيان تحت عنوان خاص في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف فارجع إليه إن شئت. ويؤيده هنا أن هذه المصاحف نسخت من الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر وكانت عند حفصة.

ومن المتفق عليه أن هذه الصحف كتب فيها القرآن بحروفه السبعة التي نزل عليها ولم يرد أن عثمان أمرهم أن يتركوا ستة أحرف منها ويبقوا حرفا واحدا كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. فلنستمسك بالمتفق عليه حتى يثبت لدينا ما ينفيه. فما يكون لنا أن نترك اليقين للشك. ثم إن دفع الفتنة وتوحيد الكلمة بين المسلمين لا يتوقف على ترك ستة

ص: 399

أحرف وإبقاء حرف واحد من الأحرف التي نزل عليها القرآن بل إن الذي يدفع الفتنة ويوحد الكلمة هو إقرار النازل كما نزل من تعدد حروفه إلى سبعة رحمة بهذه الأمة. غاية ما يجب في هذا الباب هو إحاطة المسلمين علما بهذه الحروف حتى يتركوا ما عداها ولا يعتمدوا سواها وحتى يعتمد كل منهم صواب قراءة غيره ما دامت قراءته لا تتعداها. ومن هنا تجتمع كلمتهم وتنطفئ فتنتهم على نمط ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين اشتعلت مثل هذه الفتنة بين بعض الصحابة فعالجهم بأن أفهمهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف وقرر فيهم هذا المعنى وحكم بأن كلا من المختلفين على صواب في قراءته وأنها هكذا أنزلت. وما كان لعثمان وجمهور الصحابة وجميع الأمة أن يتركوا هدي الرسول في هذا وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

بقي أن نفسر لك معنى قول عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا فقد فهم بعضهم من هذه الجملة أن عثمان أمر أن يتركوا ستة أحرف ويقتصروا في نسخ المصاحف على حرف قريش ولغتهم وحدهم. وهذا مردود بوجوه:

أحدها: أن اللفظ لا يؤدي ذلك المعنى.

ثانيها: أن القرآن فيه كلمات كثيرة من لغات قبائل أخرى وليست من لغة قريش: انظر في ذلك ما قدمناه في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف أيضا وما ذكره السيوطي في الإتقان في النوع السابع والثلاثين.

ثالثها: أن المصاحف العثمانية كانت مشتملة على الأحرف السبعة كما بينا آنفا.

رابعها: أنه لم ينقل إلينا نقلا صحيحا صريحا أنهم تركوا من الأحرف السبعة شيئا

ص: 400

فضلا عن أن يتركوها ما عدا واحدا ولو فعلوا ذلك لنقل متواترا لأن هذا الأمر الجلل مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره. وقصارى ما وصلنا من بعض الطرق أنهم اختلفوا في كلمة التابوت في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الخ أيكتبونها بالتاء المفتوحة أم بالهاء فأمرهم عثمان أن يكتبوها بالتاء المفتوحة لأنها كذلك في لغة قريش.

وهذا يوضح لنا أن عثمان في كلمته تلك إنما يريد الاختلاف في الكتابة والرسم لا في الألفاظ واللغات والحروف. أو يريد أن لغة قريش متوافر فيها التواتر أكثر من غيرها فليأخذوا بها عند الاختلاف لهذا الغرض وحده وهو التواتر الذي شرطوه في دستور كتابتهم وجمعهم. أضف إلى ذلك أن المصاحف نقلت من الصحف التي جمع أبو بكر رضي الله عنه القرآن فيها والتي ظفرت بالتواتر وإجماع الأمة كما قدمنا. فهل يرضى عثمان ويوافقه الصحابة جميعا على أن يخرقوا هذا الإجماع ويعبثوا بذلك التواتر في أمر جعل الله تعدد الوجوه والحروف فيه رحمة بالأمة إلى هذا اليوم؟ ذلك فهم بعيد.

الصحف والمصاحف

قلنا: إن أبا بكر رضي الله عنه جمع القرآن في صحف وإن عثمان جمعه ونسخه في مصاحف. والفرق بين الصحف والمصاحف في الأصل أن الصحف جمع صحيفة وهي القطعة من الورق أو الجلد يكتب فيها.

أما المصحف فهو بزنة اسم المفعول من أصحفه أي جمع فيه الصحف. فكأن المصحف ملحوظ في معناه اللغوي دفتاه وهما جانباه أو جلداه اللذان يتخذان جامعا لأوراقه ضابطا لصحفه حافظا لها.

ص: 401

ولا يلحظ هذا في معنى الصحف وإن كان يصح استعمال كلا اللفظين في كلا المعنيين استعمالا متوسعا فيه.

هذا في أصل اللغة أما في الاصطلاح فالمراد بالصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سورا مرتبة آياتها فقط كل سورة على حدة لكن لم يترتب بعضها إثر بعض. والمراد بالمصحف اصطلاحا الأوراق التي جمع فيها القرآن مع ترتيب آياته وسوره جميعا على الوجه الذي أجمعت عليه الأمة أيام عثمان رضي الله عنه. وقد أطلق بعضهم لفظ المصحف على صحف أبي بكر وتوجيهه لا يخفى.

ولقد بقيت الصحف عند أبي بكر حتى حضرته الوفاة فدفعها إلى عمر لأنه وصى له بالعهد ولما مات عمر انتقلت إلى ابنته أم المؤمنين حفصة بوصية من عمر ثم طلبها عثمان ونسخ المصاحف منها وردها إليها وبقيت عندها حتى توفيت رضي الله عنها.

وقد حضر جنازتها مروان والي المدينة وقتئذ ورغب إلى أخيها عبد الله بن عمر أن يبعث إليه بالصحف فبعثها إليه وكان مروان قد طلبها من السيدة حفصة من قبل فأبت رضي الله عنها. أخرج ابن أبي داود في رواية أن مروان أحرق هذه الصحف؟ وفي رواية أنه غسلها وفي رواية شققها. ولا مانع من الجمع بين هذه الروايات الثلاث بأنه غسلها أولا ثم شققها ثانيا ثم أحرقها أخيرا مبالغة في التكريم والمحو كما روي أنه قال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أي يظن أن فيها ما يخالف المصاحف فإنها كانت صحفا منثورة لا تأخذ شكل المصاحف المجموعة المنظومة.

عدد المصاحف

اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها عثمان رضي الله عنه فصوب ابن عاشر

ص: 402

أنها ستة: المكي والشامي والبصري والكوفي والمدني العام الذي سيره عثمان رضي الله عنه من محل نسخه إلى مقره والمدني الخاص به الذي حبسه لنفسه وهو المسمى بالإمام. وقال صاحب زاد القراء: لما جمع عثمان القرآن في مصحف سماه الإمام ونسخ منه مصاحف فأنفذ منها مصحفا إلى مكة ومصحفا إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة ومصحفا إلى الشام وحبس مصحفا بالمدينة وهذا القول كسابقه في أنها ستة وذهب السيوطي وابن حجر إلى أنها خمسة. ولعلمهما أرادا بالخمسة ما عدا المصحف الإمام فيكون الخلاف لفظيا بينه وبين سابقيه.

وقيل إنها ثمانية خمسة متفق عليها وهي الكوفي والبصري والشامي والمدني العام والمدني الخاص وثلاثة مختلف فيها وهي المكي ومصحف البحرين ومصحف اليمن. وقيل إن عثمان رضي الله عنه أنفذ إلى مصر مصحفا.

ولعل القول بأن عددها ستة هو أولى الأقوال بالقبول. والمفهوم على كل حال أن عثمان رضي الله عنه قد استنسخ عددا من المصاحف يفي بحاجة الأمة وجمع كلمتها وإطفاء فتنتها. ولا يتعلق بتعين العدد كبير غرض فيختلفوا في هذا التعيين وما وسعتهم أدلة ذاك الاختلاف. والله تعالى أعلم بالحقيقة.

كيف أنفذ عثمان المصاحف العثمانية؟

كان الاعتماد في نقل القرآن - ولا يزال- على التلقي من صدور الرجال ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني مبالغة في الأمر وتوثيقا للقرآن ولجمع كلمة المسلمين. فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب روي أن عثمان رضي الله عنه أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني وبعث عبد الله بن السائب

ص: 403

مع المكي والمغيرة بن شهاب مع الشامي وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي وعامر بن عبد القيس مع البصري. ثم نقل التابعون عن الصحابة فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم تلقيا عن الصحابة الذين تلقوه من فم النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا في ذلك مقام الصحابة الذين تلقوه من فم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم تفرغ قوم للقراءة والأخذ والضبط حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم واعتماد روايتهم. ومن هنا نسبت القراءة إليهم وأجمعت الأمة - وهي معصومة من الخطأ في إجماعها- على ما في هذه المصاحف وعلى ترك كل ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال لأنه لم يثبت عندهم ثبوتا متواترا أنه من القرآن.

أين المصاحف العثمانية الآن؟

وليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن فضلا عن تعيين أمكنتها. وقصارى ما علمناه أخيرا أن ابن الجزري رأى في زمانه مصحف أهل الشام ورأى في مصر مصحفا أيضا.

أما المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية فإننا نشك كثيرا في صحة هذه النسبة إلى عثمان رضي الله عنه لأن بها زركشة ونقوشا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا ومن النقط والشكل أيضا كما علمت.

نعم إن المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان رضي الله عنه مكتوب بالخط الكوفي القديم مع تجويف حروفه وسعة حجمه جدا. ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي حيث رسم فيه كلمة من يرتدد من سورة المائدة بدالين اثنين

ص: 404

مع فك الإدغام وهي فيها بهذا الرسم. فأكبر الظن أن هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها. وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة ويقال إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتبه بخطه يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم. بيد أنه أصغر حجما وخطه أقل تجويفا من سابقه ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية حيث رسمت فيه الكلمة السابقة من يرتد بدال واحدة مع الإدغام وهي في غيرهما كذلك. فمن الجائز أن يكون كاتبه عليا أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة.

ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن حتى الآن.

على أن المصاحف العثمانية نسخت على غرارها الآلاف المؤلفة في كل عصر ومصر مع المحافظة على الرسم العثماني كما سيجيء إن شاء الله فاصبر {وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} .

المصاحف في دور التجويد والتحسين:

كانت المصاحف العثمانية أشبه بماء نزل من السماء فأصاب أرضا خصبة صالحة ولكنها ظامئة متعطشة. فما كاد يصل إليها الماء حتى اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج كذلك المصاحف الشريفة ما كاد عثمان يرسلها إلى الآفاق الإسلامية حتى أقبلت عليها الأمة من كل صوب وحدب وحتى اجتمعت عليها الكلمة في الشرق والغرب وحتى نسخت على غرارها آلاف مؤلفة من المصاحف المقدسة في كل جيل وقبيل.

ص: 405

ومما يلفت النظر أن يد التجويد والصقل والتحسين أخذت تتناول المصاحف على ألوان شتى وضروب متنوعة فهناك تحسينات مادية أو شكلية ترجع إلى النسخ والطبع والحجم والورق والتجليد والتذهيب ونحو ذلك. وهذه لا تعنينا كثيرا لأن أمرها هين وإن كان فيها بعض التيسير أو التشويق إلى القرآن الكريم. وهناك تحسينات معنوية أو جوهرية ترجع إلى تقريب نطق الحروف وتمييز الكلمات وتحقيق الفروق بين المتشابهات عن طريق الإعجام والشكل ونحوهما. وفي هذه نسوق الحديث.

الإعجام:

إعجام الكتاب: نقطه. قال في القاموس: أعجم فلان الكلام: ذهب به إلى العجمة والكتاب: نقطه كعجمه وعجمه أي بتخفيف الجيم وتضعيفها.

والمعروف أن المصحف العثماني لم يكن منقوطا وذلك للمعنى الذي أسلفناه وهو بقاء الكلمة محتملة لأن تقرأ بكل ما يمكن من وجوه القراءات فيها. بيد أن المؤرخين يختلفون فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفا قبل الإسلام ولكن تركوه عمدا في المصاحف للمعنى السابق. ومنهم من يرى أن النقط لم يعرف إلا من بعد على يد أبي الأسود الدؤلي.

وسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت واختلط العرب بالعجم وكادت العجمة تمس سلامة اللغة وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يلح بالناس حتى ليشق على السواد منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة. هنالك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ فأمر الحجاج أن يعنى بهذا الأمر الجلل وندب الحجاج - طاعة لأمير المؤمنين- رجلين يعالجان هذا المشكل هما نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني. وكلاهما كفء قدير على ما ندب له،

ص: 406

إذ جمعا بين العلم والعمل والصلاح والورع والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن. وقد اشتركا أيضا في التلمذة والأخذ عن أبي الأسود الدؤلي.

ويرحم الله هذين الشيخين فقد نجحا في هذه المحاولة وأعجما المصحف الشريف لأول مرة ونقطا جميع حروفه المتشابهة والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث. وشاع ذلك في الناس بعد فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف.

وقيل إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر. ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية ثم تبعه ابن سيرين وأن عبد الملك أول من نقط المصحف ولكن بصفة رسمية عامة ذاعت وشاعت بين الناس دفعا للبس والإشكال عنهم في قراءة القرآن.

شكل المصاحف:

شكل الكتاب في اللغة رديف لإعجامه. وقد عرفت أن الإعجام هو النقط. قال صاحب القاموس ما نصه:. . والكتاب أي وشكل الكتاب: أعجمه كأشكله كأنه أزال عنه الإشكال اهـ. ثم شاع استعمال الشكل في خصوص ما يعرض للحروف من حركة أو سكون. والمناسبة بين المعنيين ظاهرة لأن في كل منهما إزالة لإشكال الحرف ودفعا للبس عنه.

واتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول لم يكونوا يعرفون شكل الحروف والكلمات فضلا عن أن يشكلوها. ذلك لأن سلامة لغتهم وصفاء سليقتهم وذلاقة ألسنتهم

ص: 407

كل أولئك كان يغنيهم عن الشكل. ولكن حين دخلت الإسلام أمم جديدة منهم العجم الذي لا يعرفون العربية بدأت العجمة تحيف على لغة القرآن. بل قيل إن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} . فقرأها بجر اللام من كلمة رسوله. فأفزع هذا اللحن الشنيع أبا الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله. ثم ذهب إلى زياد والي البصرة وقال له وقد أجبتك إلى ما سألت. وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث.

وهنا جد جده وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف وجعل علامة الكسر نقطة أسفله وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف وجعل علامة السكون نقطتين.

طفق الناس ينهجون منهجه ثم امتد الزمان بهم فبدؤوا يزيدون ويبتكرون حتى جعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة. ودامت الحال على هذا حتى جاء عبد الملك بن مروان فرأى بنافذ بصيرته أن يميز ذوات الحروف من بعضها وأن يتخذ سبيله إلى ذلك التمييز بالإعجام والنقط على نحو ما تقدم تحت العنوان السابق. وهنالك اضطر أن يستبدل بالشكل الأول الذي هو النقط شكلا جديدا هو ما نعرفه اليوم من علامات الفتحة والكسرة والضمة والسكون. والذي اضطره إلى هذا الاستبدال أنه لو أبقى العلامات الأولى على ما هي عليه نقطا ثم جاءت هذه الأخرى نقطا كذلك لتشابها واشتبه الأمر. فميز بين الطائفتين بهذه الطريقة. ونعما فعل.

حكم نقط المصحف وشكله

كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله مبالغا منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه.

ص: 408

ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وما روي عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك.

ولكن الزمان تغير- كما علمت- فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه.

فمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل ويحل محله القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل. لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال النووي في كتابه التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله فإنه صيانة من اللحن فيه. وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه. وقد أمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكونه محدثا فإنه من المحدثات الحسنة فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم اهـ.

تجزئة القرآن:

كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التي نذكرها كما كانت مجردة من النقط والشكل. ولما امتد الزمان بالناس جعلوا يفتنون في المصاحف وتجزئتها عدة تجزئات مختلفة الاعتبارات. فمنهم من قسم القرآن ثلاثين قسما وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره حتى إذا قال قائل: قرأت جزءا من القرآن تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءا من الثلاثين جزءا التي قسموا المصحف إليها. وجرى على ذلك أصحاب الربعات إذ طبعوا كل جزء نسخة مستقلة ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه ربعة ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدي صغار التلاميذ في المدارس وغيرهم.

ص: 409

ومن الناس من قسموا الجزء إلى حزبين ومن قسموا الحزب إلى أربعة أجزاء سموا كل واحد منها ربعا.

ومن الناس من وضعوا كلمة خمس عند نهاية كل خمس آيات من السورة وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات منها فإذا انقضت خمس أخرى بعد العشر أعادوا كلمة خمس فإذا صارت هذه الخمس عشرا أعادوا كلمة عشر وهكذا دواليك إلى آخر السورة.

وبعضهم يكتب في موضع الأخماس رأس الخاء بدلا من كلمة خمس ويكتب في موضع الأعشار رأس العين بدلا من كلمة عشر. وبعض الناس يرمز إلى رؤوس الآي برقم عددها من السورة أو من غير رقم. وبعضهم يكتب فواتح للسور كعنوان ينوه فيه باسم السورة وما فيها من الآيات المكية والمدنية إلى غير ذلك.

وللعلماء في ذلك كلام طويل بين الجواز بكراهة والجواز بلا كراهة ولكن الخطب سهل على كل حال ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل وما دام الأمر بعيدا عن اللبس والتزيد والدخيل. {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} .

احترام المصحف:

ليس فيما نرى ونسمع كتاب أحيط بهالة من الإجلال والتقديس كالقرآن الكريم. حتى لقد وصفه الحق جل شأنه بأنه كتاب مكنون وحكم بأنه لا يمسه إلا المطهرون وأقسم على ذلك إذ يقول: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

وحتى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن السفر به إلى أرض العدو إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم.

والحديث مروي في الصحيحين.

ص: 410

وحتى أفتى العلماء بكفر من رمى به في قاذورة وبحرمة من باعه لكافر ولو ذميا وقالوا بوجوب الطهارة لمسه وحمله وكذلك ما يتصل به من خريطة وغلاف وصندوق على الصحيح.

واستحبوا تحسين كتابته وإيضاحها وتحقيق حروفها.

قال النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار فالمصحف أولى اهـ.

رزقنا الله الأدب معه ومع كتابه ومع كافة من اصطفاهم من عباده آمين.

ص: 411