الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولهما - أن طريق الآحاد المحضة هذا هو الذي فتح باب المطاعن لبعض الأئمة في بعض الروايات الواردة في القراءات السبع كابن جرير الطبري الذي ذكر في تفسيره شيئا من ذلك وألف كتابا كبيرا في القراءات وعللها وضمنه بعض تلك المطاعن.
وثانيهما - أن وجود هذه الروايات على ندرتها جعل البعض يشتط ويسرف فسحب حكمها على الجميع وقال: إن القراءات السبع وغيرها كلها قراءة آحاد. وهذا قول في نهاية الإسفاف والخطر أما إسفافه فلأنه لا يليق مطلقا أن يسحب حكم الأقل الضئيل على الأكثر الجليل وأما خطره فلأنه يؤدي إلى نقض تواتر القرآن أو إلى عدم وجود القرآن الآن ما دام القرآن مشروطا فيه التواتر ولا تواتر على رأيهم. ولا يعقل أن يكون القرآن المفروض فيه التواتر موجودا على حين أن وجوه قراءاته كلها غير متواترة ضرورة أنه لا يتحقق قرآن بدون أوجه للقراءة.
ذلك ما وصلنا إليه بعد إعادة النظر في هذا الموضوع. والحمد لله الذي هدانا لهذا {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} .
ج -
نقض الشبهات التي أثيرت في هذا المقام
هناك شبهات أثيرت حول القراءات في اختلافها وتعددها ثم في صحتها وتواتر المتواتر منها وفي القرآن الكريم وتواتره وإجماع الأمة عليه. من تلك الشبهات ما تجده مذكورا في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف. ومنها ما تجده مذكورا في مبحث جمع القرآن. فارجع إليها ان شئت ولا داعي إلى التطويل بإعادتها.
بيد أن الرواية التي نسبوها لابن مسعود في إنكاره قرآنية المعوذتين تكاد تكون أقوى هذه الشبهات من جهة أنها وردت بأسانيد صححها بعض
أعلام الحديث كابن حجر. وقد سبق عرضها من توجيهها وتمحيصها حتى على هذا الاحتمال.
ونزيدك هنا في توهين هذه الشبهة أمورا:
أولها: أن عاصما وهو أحد القراء السبعة قرأ القرآن كله وفيه المعوذتان بأسانيد صحيحة بعضها يرجع إلى ابن مسعود نفسه. ذلك أن عاصما قرأ على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب وقرأ على أبي مريم زر بن حبيش الأسدي وعلى سعيد بن عياش الشيباني.
وقرأ هؤلاء على ابن مسعود نفسه وقرأ ابن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيها: أن حمزة وهو من القراء السبعة أيضا قرأ القرآن كله بأسانيده الصحيحة وفيه المعوذتان عن ابن مسعود نفسه. ذلك أن حمزة قرأ على الأعمش أبي محمد سليمان بن مهران وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب وقرأ يحيى على علقمة الأسود وعبيد بن نضلة الخزاعي وزر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي. وهم قرؤوا على ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
ولحمزة سند آخر بهذه القراءة إلى ابن مسعود أيضا. ذلك أنه قرأ على أبي إسحاق السبيعي وعلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعلى الإمام جعفر الصادق. وهؤلاء قرؤوا على علقمة بن قيس وعلى زر بن حبيش وعلى زيد بن وهب وعلى مسروق. وهم قرؤوا على المنهال وغيره وهم على ابن مسعود وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وهما على النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثها: أن الكسائي قرأ القرآن وفيه المعوذتان بسنده إلى ابن مسعود أيضا. ذلك أنه قرأ على حمزة الذي انتهى بين يديك سنده إلى ابن مسعود من طريقين.
رابعها: أن خلفا يقرأ المعوذتين في ضمن القرآن الكريم بسنده إلى ابن مسعود أيضا. وذلك أنه قرأ على سليم وهو على حمزة.
وهذه القراءات كلها التي رويت بأصح الأسانيد وبإجماع الأمة فيها المعوذتان والفاتحة على اعتبار أن هذه السور الثلاث أجزاء من القرآن وداخلة فيه.
فالقول ببقاء ابن مسعود على إنكار قرآنية هذه السورة محض افتراء عليه.
وكل ما في الأمر أنه لم يكتب الفاتحة في مصحفه اتكالا على شهرتها وعدم الخوف عليها من النسيان حتى تكتب. وكذلك القول في المعوذتين. وقيل إنه لم يكن يعلم أول الأمر أن المعوذتين من القرآن بل كان يفهم أنهما رقية يعوذ بهما الرسول الحسن والحسين.
ومن هنا جاءت روايات إنكاره أنهما من القرآن. ثم علم بعد ذلك قرآنيتهما. ومن هنا جاءت الروايات عنه بقرآنيتهما. كما سقناه بين يديك عن أربعة من القراء السبعة بأسانيد هي من أصح الأسانيد المؤيدة بما تواتر واستفاض وبما أجمعت الأمة عليه من قرآنية الفاتحة والمعوذتين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا.
أما بعد فيصح أن نعتبر ما كتب في هذا الموضوع هنا كلاما عن الشبهة الأولى التي أثيرت فيه.
الشبهة الثانية:
يقولون: إن التواتر في جميع القرآن غير مسلم لأن الدواعي التي ذكرتموها في دليل تواتره لا تتوافر في جميع أجزاء القرآن. وآية ذلك أن البسملة على رأي من يجعلها من القرآن لا يجري فيها التحدي ولا يتحقق فيها أنها أصل لأحكام حتى يكون ذلك من الدواعي المتوافرة على نقلها وتواترها.
ونجيب أولا بأن التحدي يجري فيها باعتبار انضمامها إلى غيرها من آيتين أخريين ليتألف من الجميع ثلاث آيات يقوم بهن الإعجاز. وذلك كاف في أن يكون من دواعي الاعتناء بها ونقلها تواترا.
ثانيا أنه يتعلق بنظمها تلك الأحكام المعروفة من أن لقارئها أجرا عظيما إن كان طاهرا ووعيدا شديدا إن كان جنبا وقرأها بقصد القرآنية أو مسها ونحو ذلك. وهذا من الدواعي المتوافرة على نقلها وتواترها.
الشبهة الثالثة:
يقولون: لو كان القرآن متواترا لوقع التكفير في البسملة على معنى أن من يقول بقرآنيتها يحكم بكفر منكرها ومن لا يقول بقرآنيتها يحكم بكفر مثبتها. وعلى ذلك يكفر المسلمون بعضهم بعضا.
والجواب: أن قرآنية البسملة في أوائل السور اجتهادية مختلف فيها. وكل ما كان من هذا القبيل لا يكفر منكره ولا مثبته شأن كل أمر اجتهادي. إنما يكفر من أنكر متواترا معلوما من الدين بالضرورة. وقرآنية البسملة في أوائل السور ليست متواترة معلومة من الدين بالضرورة.
أما منكر البسملة التي في قصة كتاب سليمان من سورة النمل. فهو كافر قطعا لأن قرآنيتها متواترة معلومة من الدين بالضرورة ولا خلاف بين المسلمين في قرآنيتها حتى يكفر بعضهم بعضها كما يزعم أولئك المعترضون.
الشبهة الرابعة:
يقولون: إن استدلالكم على تواتر القرآن بتوافر الدواعي على نقله منقوض
بالسنة النبوية فإنها غير متواترة مع ذلك تتوافر الدواعي على نقلها فإنها أصل الأحكام كما أن القرآن أصل الأحكام.
ونجيب: أولا: بأن توافر الدواعي على نقل القرآن متواترا لم يجئ من ناحية أصالة الأحكام فحسب. بل جاء منها ومن نواحي الإعجاز والتحدي والتعبد بتلاوته والتبرك به في كل عصر وقراءته في الصلاة ونحو ذلك.
والسنة النبوية لا يجتمع فيها كل هذا. بل يوجد فيها بعضه فقط وذلك لا يكفي في توافر الدواعي على نقلها متواترة.
ثانيا: أن المراد بأصالة الأحكام الفرد الكامل الذي لا يوجد إلا في القرآن. ذلك لأن أصالة الأحكام فيه ترجع إلى اللفظ والمعنى جميعا. أما المعنى فواضح. وأما اللفظ فمن ناحية الحكم بإعجازه وبثواب من قرأه. وبالوعود الكريمة والعطايا العظيمة لمن حفظه وبالوعيد الشديد لمن نسيه بعد حفظه ولمن مسه أو قرأه جنبا إلى غير ذلك والسنة النبوية ليس للفظها شيء من هذه الأحكام. ولهذا تجوز روايتها بالمعنى. أما معناها فإن كان مما تتوافر الدواعي على نقله وجب تواتره وإلا فلا. ولهذا يقطع بكذب نقل الروافض ما نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه نص على أن الإمامة العظمى من بعده محصورة في علي وولده.
رضي الله عنهم. بيان ذلك أنه لو صح ما زعموه لنقل متواترا فإنه مما تتوافر الدواعي على نقله لتعلقه بأمر يتصل بمستقبل الحكم الأعلى والولاية العظمى في الإسلام لجميع بلاد الإسلام.
الشبهة الخامسة:
يقولون: إن تواتر القرآن منقوض بأن ابن مسعود وهو من أجلاء الصحابة لم يوافق على مصحف عثمان بدليل الروايات الآتية وهي:
1-
أن شقيق بن سلمة يقول: خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . غلوا مصاحفكم. أي اخفوها حتى لا تحرق وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله؟ رواه النسائي وأبو عوانة وابن أبي داود.
2-
أن خير بن مالك يقول: لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود فقال: من استطاع أن يغل مصحفه أي يخفيه حتى لا يحرق فليفعل. وقال في آخره: أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
3-
أن الحاكم يروي من طريق أبي ميسرة قال: رحت فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود. فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه يعني مصحفه. أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
ونجيب: أولا: بأن هذه الروايات لا تدل أبدا على عدم تواتر القراءات ولا على عدم تواتر ما جاء في مصحف عثمان. غاية ما تدل عليه أن ابن مسعود لم يوافق أول الأمر على إحراق مصحفه. وهذا لا ينقض تواتر ما جاء في مصحف عثمان. لأنه ليس من شرط التواتر على ما في مصحف عثمان أن يحرق ابن مسعود مصحفه ولا أن يحرق أحد مصحفه. بل المحقق للتواتر أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة. وهذا موجود في مصحف عثمان لأن ما فيه رواه ووافق عليه جموع عظيمة من الصحابة محال أن تكذب وحسبك عثمان ودستوره في جمع القرآن. فارجع إليه إن شئت.
ثانيا: أنه على فرض مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان فإن هذه المخالفة لا تذهب بتواتر القرآن. لأن أركان التواتر متحققة في المصحف العثماني على رغم هذه المخالفة المفروضة ولم يقل أحد في الدنيا: إن من شرط التواتر ألا يخالف فيه مخالف حتى تكون مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان ناقضة لتواتر القرآن.
ثالثا: أن هذه الروايات التي ساقوها طعنا في تواتر القرآن لا تدل على أن ابن مسعود يخالف في القراءة بمصحف عثمان. بل هو يقرأ به كما يقرأ بروايته التي انفرد بها وسمعها وحده من فم النبي صلى الله عليه وسلم. ألا ترى إلى قوله: وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فإن كلمة مثله فيها اعتراف منه بأن زيد بن ثابت قرأ مثله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن ما انفرد ابن مسعود به تعتبر روايته آحادية. وأنت خبير بأن رواية الآحاد لا تكفي في ثبوت القرآنية. لذلك لم يوافق الصحابة على ما انفرد به ابن مسعود بخلاف مصحف عثمان فقد وافقه عدد التواتر وظفر بإجماع الأمة ولم يكتب فيه إلا ما استقر في العرضة الأخيرة من غير نسخ لتلاوته على ما سبق بيانه هناك في مبحث جمع القرآن.
رابعا: أن عدم دفع ابن مسعود مصحفه ليحرق كان توقفا منه في أول الأمر. ثم عاد بعد ذلك وحرقه حين بلغه أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا ذلك في مقالته كما جاء في حديث شقيق من رواية ابن أبي داود عن طريق الزهري. وبهذا اتحدت الصفوف واتفقت الكلمة وتم للمصاحف العثمانية الظفر من كل وجه بإجماع الأمة حتى ابن مسعود. والحمد لله على هذا الكرم والجود. حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ويستنزل رضاه آمين.