الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجواب: أن هذه الشبهة لا ترد على القول بأن الترتيب اجتهادي ولا على القول بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا. أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن اجتهاد عثمان كان فيما لم يرد فيه توقيف من الشارع.
أما القول بأن ترتيب السور كله توقيفي فقد أجابوا على هذه الشبهة بجوابين:
أولهما: أن حديث ابن عباس هذا غير صحيح لأن الترمذي وهو راويه قال في تخريجه: إنه حسن غريب لا يعرف إلا من طريق يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه الذي انفرد به في ترتيب القرآن.
ثانيهما: أنه على فرض صحته يجوز أن جواب عثمان لابن عباس كان قبل أن يعلم بالتوقيف ثم علمه بعد ذلك. لكن يرد على هذا الجواب ان الرواية تفيد أن جواب عثمان هذا كان بعد جمع القرآن وترتيب سوره فكيف كان توقيفيا وعثمان هو الجامع والمرتب ولا يعلم دليل التوقيف؟.
المبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك
1-
الكتابة
معروف أن الأمة العربية كانت موسومة بالأمية مشهورة بها لا تدري ما الكتابة ولا الخط. وجاء القرآن يتحدث عن أميتها هذه فقال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} .
ولن يشذ عن هذه القاعدة إلا أفراد قلائل في قريش تعلموا الخط ودرسوه قبيل الإسلام
وكأن ذلك كان إرهاصا من الله وتمهيدا لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وتقرير دين الإسلام وتسجيل الوحي المنزل عليه بالقرآن لأن الكتابة أدعى إلى حفظ التنزيل وضبطه وأبعد عن ضياعه ونسيانه.
وكادت تتفق كلمة المؤرخين على أن قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس. لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب. فرواية أبي عمرو الداني تذكر أنه تعلم الخط من عبد الله بن جدعان وفيها يقول زياد بن أنعم قلت لابن عباس معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع وتفرقون فيه ما افترق هجاء بالألف واللام والميم والشكل والقطع وما يكتب به اليوم؟ قال ابن عباس: نعم. قلت: فمن علمكم الكتابة؟ قال حرب بن أمية قلت: فمن علم حرب بن أمية؟ قال عبد الله بن جدعان قلت: فمن علم عبد الله بن جدعان؟ قال: أهل الأنبار قلت: فمن علم أهل الأنبار؟ قال: طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة قلت: فمن علم ذلك الطارئ؟ قال: الخلجان بن الموهم كان كاتب هود نبي الله عز وجل.
أما رواية الكلبي فتقص علينا أن حربا تعلم الكتابة من بشر بن عبد الملك وفيها يقول عوانة: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وكذا عامر بن جدرة وهم من عرب طيىء تعلموه من كاتب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ثم علموه أهل الأنبار ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرهما. فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق فتعلم حرب منه الكتابة ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان فتعلم منه جماعة من أهل مكة اهـ.
ومن هنا وجد عدد يحذق الخط والكتابة قبيل الإسلام ولكنهم نزر يسير بجانب تلك الكثرة الغامرة من الأميين. وفي ذلك يمتن رجل من أهل دومة الجندل على قريش فيقول:
لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو
…
فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم1 حتى حفظتمو
…
من المال ما قد كان شتى مبعثرا
فأجريتم الأقلام عودا وبدأة
…
وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا
وأغنيتمو عن مسند الحي حمير
…
وما زبرت في الصحف أقلام حميرا
أولئك أهل مكة. أما أهل المدينة فكان بينهم أهل الكتاب من اليهود وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها يهودي يعلم الصبيان الكتابة وكان فيها بضعة عشر رجلا يحذقون الكتابة منهم المنذر بن عمرو وأبي بن وهب وعمرو بن سعيد وزيد بن ثابت الذي تعلم كتابة اليهود بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
شأن الكتابة في الإسلام:
ثم جاء الإسلام فحارب فيما حارب أمية العرب وعمل على محوها وطفق يرفع من شأن الكتابة ويعلي من مقامها. وإن كنت في شك فهذه أوائل آيات نزلن من القرآن الكريم يشيد الحق فيها بالقلم وما يعلم الله عباده بوساطة القلم إذ يقول جلت حكمته: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى أن قال: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
وهذه سورة ن يحلف العلي الأعلى فيها بالقلم وما يسطرون إذ يقول: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} . وهذا من أروع ألوان التنبيه إلى جلال الخط والكتابة ومزاياهما.
1 سمي بالجزم لأنه جزم- أي قطع- من الخط المسمى بالمسند، وهو خط حمير.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع أصحابه دفعا إلى أن يتعلموا الخط ويحذقوا الكتابة ويهيىء لهم السبل بكل ما يستطيع من وسيلة مشروعة.
حتى لقد ورد أن المسلمين في غزوة بدر أسروا ستين مشركا فكان مما يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء الواحد منهم أن يعلم عشرة من أصحابه الكتابة والخط. وهكذا أعلن الرسول بعمله هذا أن القراءة والكتابة عديلان للحرية وهذا منتهى ما تصل إليه الهمم في تحرير شعب أمي من رق الأمية.
وبمثل هذه الطريقة أخذت ظلمات الأمية تتبدد بأنوار الإسلام شيئا فشيئا وحل محلها العلم والكتابة والقراءة.
وهذا من أدل الأدلة على أن الإسلام دين العلم والحضارة والمدنية.
النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب:
حتى لقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم عرف القراءة والكتابة في آخر أمره بعد أن قامت حجته. وعلت كلمته وعجز العرب في مقام التحدي عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الذي جاء به وكأن الحكمة في ذلك هي الإشارة إلى شرف الخط والكتابة. وأن أمية الرسول صلى الله عليه وسلم في أول أمره إنما كانت حالا وقتية اقتضاها إقامة الدليل والإعجاز واضحا على صدق محمد في نبوته ورسالته وأنه مبعوث الحق إلى خليقته ولو كان وقتئذ كاتبا قارئا وهم أميون لراجت شبهتهم في أن ما جاء به نتيجة اطلاع ودرس وأثر نظر في الكتب وبحث.
وفي هذا المعنى يقول سبحانه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} .
قال العلامة الألوسي بعد تفسيره لهذه الآية ما نصه: واختلف في أنه صلى الله عليه وسلم أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا فقيل إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في التهذيب وقال: إنه الأصح. وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب1 تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن أبي شيبة وغيره: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر".
ثم قال: ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث.
وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية. ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه ومعرفة الكتاب بعد أميته صلى الله عليه وسلم لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم.
1 لعل مراده بهذه الكلمة، ظهور فساد الارتياب وأنه لا قيمة له.
وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله كتب فمعناه أمر بالكتابة كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ} على قوله سبحانه: {وَلا تَخُطُّهُ} كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقا.
وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال: يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان قادرا على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوا عن الفائدة. وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته.
ثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه:
ولا يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام. ولعل ذلك باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وأكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد. وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتبة فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض إن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب كالنص في أنه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا. فالله تعالى أعلم اهـ.
وأقول إن التشنيع ليس من دأب العلماء ولا من أدب الباحثين. والمسألة التي نحن بصددها مسألة نظرية. والحكم في أمثالها يجب أن يكون لما رجح من الأدلة لا للهوى
والشهوة. ونحن إذا استعرضنا حجج هؤلاء وهؤلاء نلاحظ أن أدلة أميته صلى الله عليه وسلم قطعية يقينية.
وأن أدلة كونه كتب وخط بيمينه ظنية غير يقينية ولم يدع أحد أنها قطعية يقينية. ثم إن التعارض ظاهر فيما بين هذه وتلك. غير أنه تعارض ظاهري يمكن دفعه بأن نحمل أدلة الأمية على أولى حالاته صلى الله عليه وسلم وأن نحمل أدلة كتابته على أخريات حالاته وذلك جمعا بين الأدلة. ولا ريب أن الجمع بينها أهدى سبيلا من إعمال البعض وإهمال البعض ما دام في كل منها قوة الاستدلال وما دام الجمع ممكنا على أية حال. أما لو لم يمكن الجمع فلا مشاحة حينئذ في قبول القطعي ورد الظني لأن الأول أقوى من الثاني {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} . هذا هو الميزان الصحيح لدفع التعارض والترجيح فاحكم به عند الاختلاف والاشتباه {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .
كتابة القرآن:
بعد ما قصصنا عليك من تلك الفذلكة التاريخية في الخطوط والكتابة العربية نلفت نظرك إلى أن كتابة القرآن وفيناها بحثها في مبحث جمع القرآن من ص 232 إلى ص 256 وذكرنا هناك كيف كتب القرآن؟ وفيم كتب؟ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم على عهد عثمان رضي الله عنهما.
ومنه تعلم أن عناية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكتابة القرآن كانت عناية فائقة يدلك على هذه العناية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتاب يكتبون الوحي منهم الأربعة الخلفاء ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وأرقم بن أبي وحنظلة بن الربيع وغيرهم. فكان صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه شيء يدعو أحد كتابه هؤلاء ويأمره بكتابة ما نزل عليه ولو كان كلمة كما روي أنه
لما نزل عليه قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله إنا أعميان فهل لنا رخصة؟ فأنزل الله {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائتوني بالكتف والدواة" وأمر زيدا أن يكتبها. فكتبها فقال زيد كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف. ورواية البخاري اقتصرت هنا على عبد الله بن أم مكتوم وليس فيها ابن جحش.
ولعلك لم تنس حديث ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: "ضعوا هذه في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا". وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه" وقول أبي بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أضف إلى ذلك أن الصحابة كانوا يكتبون القرآن فيما يتيسر لهم حتى في العظام والرقاع وجريد النخل ورقيق الحجارة ونحو ذلك مما يدل على عظيم بلائهم في هذا الأمر الجلل رضي الله عنهم أجمعين.