الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ا-
الجبهة الأولى: أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما
ولنبدأ بشرح العوامل والدواعي التي يسرت للصحابة حفظ الكتاب والسنة ونقلهما حتى لا يستبعد ذلك عليهم أحد ولا يطعن في الكتاب والسنة عن هذا الطريق أحد:
العامل الأول
أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يحذقون الخط والكتابة اللهم إلا نزر يسير لا يصاغ منهم حكم على المجموع. وترجع هذه الأمية السائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم وبعدهم عن أسباب المدنية والحضارة وعدم اتصالهم اتصالا علميا وثيقا بالأمتين المتحضرتين في العالم لذلك الحين: أمة الفرس في الشرق وأمة الروم في الغرب. ومعلوم أن الكتابة والقراءة وامحاء الأمية في أية أمة رهين بخروجها من عهد السذاجة والبساطة إلى عهد المدنية والحضارة.
ثم إن هذه الأمية تجعل المرء منهم لا يعول إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمه حفظه وذكره. ومن هنا كان تعويل الصحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأن الحفظ هو السبيل الوحيدة أو الشبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بهما.
ولو كانت الكتابة شائعة فيهم لاعتمدوا على النقش بين السطور بدلا من الحفظ في الصدور.
نعم. عمل الرسول على كتابة القرآن وكان له كتاب يكتبون الوحي كما سبق وكان بعض الصحابة يكتبون القرآن لأنفسهم كذلك غير أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة بجانب الجم الغفير من سواد الأمة الكثير. ولعلك لم تنس أن كتابة القرآن في عهد الرسول كان الغرض منها زيادة التوثق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده وتسجيله بالنقش فوق تقييده وتسجيله بالحفظ.
أما السنة النبوية فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن كتابتها أول الأمر مخافة اللبس بالقرآن إذ قال عليه الصلاة والسلام: " لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني فلا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري.
نعم. خشي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختلط القرآن بالسنة إذا هم كتبوا السنة كما كانوا يكتبون القرآن أو أن تتوزع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السنة وجميع القرآن فقصرهم على الأهم أولا وهو القرآن. خصوصا إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حد بعيد حتى كانوا يكتبون في اللخاف والسعف والعظام كما علمت.
فرحمة بهم من ناحية وأخذا لهم بتقديم الأهم على المهم من ناحية ثانية وحفظا للقرآن أن يشتبه بالسنة إذا هم كتبوا السنة بجانب القرآن نظرا إلى عزة الورق وندرة أدوات الكتابة رعاية لهذه الغايات الثلاث نهى الرسول عن كتابة السنة.
أما إذا أمن اللبس ولم يخش الاختلاط وكان الأمر سهلا على الشخص فلا عليه أن يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم. وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السنة آخر الأمر والواردة في الإذن لبعض الأشخاص
كعبد الله بن عمرو رضي الله عنه ولهذا الموضوع مبحث خاص به فاطلبه إن شئت في علوم الحديث.
وأيا ما تكن كتابة القرآن والسنة النبوية فإن التعويل قبل كل شيء كان على الحفظ والاستظهار ولا يزال التعويل حتى الآن على التلقي من صدور الرجال ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
غير أن الرجل الأمي والأمة الأمية يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ للمعنى الذي أسلفناه لك.
العامل الثاني
أن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعية وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها ولعلها على بال منك. حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال وربما كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم وأن صدورهم كانت سجل أنسابهم وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيامهم كل أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمة العربية من قبل الإسلام ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ونفوسهم من طهر وعقولهم من سمو خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب الله ولخير الهدى وهو هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
العامل الثالث
بساطة هذه الأمة العربية واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى الترف ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات. فقد كان حسب الواحد منهم لقيمات يقمن صلبه وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله:-
وما العيش إلا نومة وتبطح
…
وتمر على رأس النخيل وماء
ومثلك يعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود وترضي الإنسان بالموجود ولا تشغل البال بالمفقود. ولهذا أثره العظيم في صفاء الفكرة وقوة الحافظة وسيلان الأذهان خصوصا أذهان الصحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النبي عليه الصلاة والسلام وذلك على حد قول القائل:-
".... فصادف قلبا خاليا فتمكنا".
العامل الرابع
حبهم الصادق لله ولرسوله حبا ملك مشاعرهم واحتل مكان العقيدة فيهم. وأنت تعرف من دراسة علم النفس أن الحب إذا صدق وتمكن حمل المحب حملا على ترسم آثار محبوبه والتلذذ بحديثه والتنادر بأخباره ووعي كل ما يصدر عنه ويبدر منه. ومن هنا كان حب الصحابة لله ورسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حد قول القائل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
…
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به
…
ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا شكت من كلال السير واعدها
…
روح القدوم فتحيا عند ميعاد
أما حب الصحابة العميق لله تعالى فلا يحتاج إلى شرح وبيان ولا إلى إقامة دليل وبرهان فهم خير القرون بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ثم الذين يلونهم وهم الذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رضاه وهم الذين باعوا الدنيا بما فيها يبتغون فضلا من الله وهم الذين حملوا هداية الإسلام إلى الشرق والغرب وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو وكانوا أحرياء بامتداح الله إياهم غير مرة في القرآن وبثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم في أحاديث عظيمة الشأن!
وأما مظاهر حبهم للرسول صلى الله عليه وسلم فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحب أحدا مثل ما كان يحب أصحاب محمد محمدا. دم الرجل منهم رخيص في سبيل أن يفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من شوكة يشاكها في أسفل قدمه. وماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشديد البرد يتبركون به وأب الواحد منهم وأبناؤه من ألد أعدائه ما داموا يعادون محمدا وحديث محمد موضع التنافس من رجالهم ونسائهم حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرسول بعد إيابه1.
وهذه وافدة النساء تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله إلى غير ذلك من شواهد ومظاهر تدل على مبلغ هذا الحب السامي الشريف ويرحم الله القائل:-
1 انظر باب التناوب في طلب العلم من صحيح البخاري.
أسرت قريش مسلما في غزوة
…
فمضى بلا وجل إلى السياف
سألوه هل يرضيك أنك سالم
…
ولك النبي فدى من الإتلاف
فأجاب كلا لا سلمت من الردى
…
ويصاب أنف محمد برعاف
ولقد كان من مظاهر هذا الحب كما رأيت تسابقهم إلى كتاب الله يأخذونه عنه ويحفظونه منه. ثم إلى سنته الغراء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها. بل كانوا يتفننون في البحث عن هديه وخبره والوقوف على صفته وشكله كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجيبا به من تجلية تلك الصور المحمدية الرائعة ورسمها بريشة المصور الماهر والصناع القادر على يد أبيهما علي بن أبي طالب وخالهما هند بن أبي هالة رضي الله عنهم أجمعين1.
العامل الخامس
بلاغة القرآن الكريم إلى حد فاق كل بيان وأخرس كل لسان وأسكت كل معارض ومكابر وهدم كل مجادل ومهاتر حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من الله لحبيبه وآية من الحق لتأييد رسوله. وبعد كلام الله في إعجازه وبلاغته كلام محمد صلى الله عليه وسلم في إشراقه وديباجته وبراعته وجزالة ألفاظه وسمو معانيه وهدايته. فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأبلغ الناس وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور. فمن هنا هبوا هبة واحدة يحفظون القرآن ويفهمون القرآن ويعملون بالقرآن وينامون ويستيقظون على القرآن. وكذلك
1 انظر في ذلك ما يرويه محمد أبو عيسى الترمذي متفرقا في كتاب الشمائل من طريق سفيان بن وكيع، رضي الله عنهم.
السنة النبوية كانت عنايتهم بحفظها والعمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها ويتبادرونها كما سمعت.
والكلام في أسرار بلاغة القرآن ووجوه إعجازه وفي بلاغة كلام النبوة وامتيازه وفي تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح ولا تبيان فهذا كتاب الله ينطق علينا بالحق ويتحدى بإعجازه كافة الخلق. وهذا بحر النبوة يفيض بالدراري واللآلئ ويزخر بالهدايات البالغة والحكم الغوالي. وهذا تاريخ الأدب العربي يسجل لأولئك العرب فوقهم في صناعة الكلام وسبقهم في حلبة الفصاحة كافة الأنام وامتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصا بلاغة القرآن!!.
العامل السادس
الترغيب في الإقبال على الكتاب والسنة علما وعملا وحفظا وفهما وتعليما ونشرا وكذلك الترهيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما.
نقرأ في القرآن الكريم قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} . فتأمل كيف قدم تلاوة القرآن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جل ذكره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} . فانظر كيف حث بهذا الأسلوب البارع على تدبر القرآن والتذكر والاتعاظ به؟ ونقرأ قوله عز اسمه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} . فتدبر كيف يكون وعيد من كتم القرآن وهدي القرآن؟.
ثم نقرأ في السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
ونقرأ في صحيح البخاري ومسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ونقرأ لأبي داود والترمذي وابن ماجه قوله صلى الله عليه وسلم: " عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها".
أليس ذلك وأمثال ذلك وهو كثير يحفز الهمم ويحرك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه وهو وعيد كما سمعت شديد؟.
أما السنة النبوية فقد جاء في شأنها عن الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} . وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} . وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} .
وجاء ترغيبا في السنة النبوية من الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله أمرأ أسمع منا حديثا فأداه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" وهو حديث متواتر وقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "ألا: فليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" رواه الشيخان. وجاء ترهيبا من
الإعراض عن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني". رواه مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرمه الله" أخرجه أبو داود والترمذي. زاد أبو داود في أوله: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ". فأنت ترى في أمثال هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ما يحفز همة المؤمن الضعيف إلى الإقبال على روائع النبوة يستهديها وبدائع النبي صلى الله عليه وسلم يستظهرها فكيف أنت والصحابة الذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علو همة في هذا الميدان!!.
العامل السابع
منزلة الكتاب والسنة من الدين فالكتاب هو أصل التشريع الأول والدستور الجامع لخير الدنيا والآخرة والقانون المنظم لعلاقة الإنسان بالله وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه. ثم السنة هي الأصل الثاني للتشريع وهي شارحة للقرآن الكريم مفصلة لمجمله مقيدة لمطلقه مخصصة لعامه مبينة لمبهمه مظهرة لأسراره كما قال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . ومن هنا يقول يحيى بن كثير: السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السنة يريد بهذه الكلمة ما وضحه السيوطي بقوله: والأصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له ومفصلة لمجملاته لأن لو جازته كنوزا تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها وذلك هو المنزل عليه صلى الله عليه وسلم
وهو معنى كون السنة قاضية على الكتاب وليس القرآن مبينا للسنة ولا قاضيا عليها لأنها بينة بنفسها إذ لم تصل إلى حد القرآن في الإعجاز والإيجاز لأنها شرح له وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح اهـ.
ولا ريب أن الصحابة كانوا أعرف الناس بمنزلة الكتاب والسنة فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما وتحفظهما والعمل بهما.
العامل الثامن
ارتباط كثير من كلام الله ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام. وتنبه الأذهان وتلفت الأنظار إلى قضاء الله ورسوله فيها وحديثهما عنها وإجابتهما عليها وبذلك يتمكن الوحي الإلهي والكلام النبوي في النفوس فضل تمكن وينتقش في الأذهان على مر الزمان.
تجول مرة في رياض القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطوارئ في تجددها ووقوعها فتارة يجيب السائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} وتارة يفصل في مشكلة قامت ويقضي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} إلى قوله: {أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهن ست عشرة آية من سورة النور نزلن في حادث من أروع الحوادث هو اتهام أم المؤمنين السيدة الجليلة عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنت الصديق أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها. وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت ولا تزال تقرأ على الناس إلى يوم الساعة ولا تزال تسجل براءة هذه الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات. وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح
أغلاطهم التي وقعوا فيها ويرشدهم إلى شاكلة الصواب. كقوله سبحانه في سورة آل عمران {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى آيات كثيرة بعدها. وكلها نزلت في غزوة أحد تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرهيب وتحذرهم أن يقعوا حينا آخر في مثل ذاك المأزق العصيب.
وعلى هذا النمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوت العدد وتجاوز الإحصاء.
وإذا تجولت في رياض الحديث النبوي الشريف يطالعك منه العجب العاجب في هذا الباب. انظر قصة المخزومية التي سرقت وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمن شفع فيها: "وايم الله لو أن بنت محمد سرقت لقطعت يدها" رواه أصحاب الكتب الستة. ثم تأمل حادث تلك المرأة الجهنية التي أقرت بزناها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا كيف أمر الرسول فكفلها وليها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلى رسول الرحمة عليها. ولما سئل صلوات الله وسلامه عليه كيف تصلي عليها وهي زانية. قال: "إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ رواه مسلم. وتدبر الحديث المعروف بحديث جبريل وفيه يسأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصحابة. وقد قال لهم أخيرا: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". أخرجه الخمسة غير البخاري. والناظر في السنة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة.
وقد قرر علماء النفس أن ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر تجعلها أبقى على الزمن وأثبت في النفس فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث المشافهون بخطاب الحق المواجهون بكلام سيد الخلق في هذه المناسبات الملائمة والأسباب
القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء الله فيها متعطشة إلى حديث رسوله عنها فينزل الكلام على القلوب وهي متشوفة كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطشة تنهله بلهف وتأخذه بشغف وتمسكه وتحرص عليه بيقظة وتعتز به وتعتد عن حقيقة وتنتفع به وتنفع بل تهتز به وتربو وتنبت من كل زوج بهيج!!.
العامل التاسع
اقتران القرآن دائما بالإعجاز واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة للعادة تروع النفس وتشوق الناظر وتهول السامع. وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصحابة لأن الشأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامة أن يتقرر في حافظة من شاهده وأن يتركز في فؤاد كل من عاينه فردا كان أو أمة حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخ بحدوثه الأيام والسنون وتقاس بوجوده الأعمار والآجال.
أما القرآن الكريم فإعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه. وأعرف الناس بوجوه إعجازه وأعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذوق عن فطرتهم العربية الصافية وسليقتهم السليمة السامية وتمهرهم في فنون البيان وصناعة اللسان. ومن هذا كان القرآن حياتهم الصحيحة به يقومون ويقعدون وينامون ويستيقظون ويعيشون ويتعاملون ويلتذون ويتعبدون. وهذا هو معنى كونه روحا في قول الله سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} وليست هناك طائفة في التاريخ تمثل فيها القرآن روحا كما تمثل في هذه الطبقة العليا الكريمة طبقة الصحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة وطبعهم طبعة جديدة حتى صاروا
أشبه بالملائكة وهكذا سواهم الله بكتابه خلقا آخر {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} !!.
وأما السنة النبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة وأمامك أحاديث المعجزات وهي كثيرة فيها المعجب والمطرب. غير أن نربأ بك أن تكون فيها كحاطب ليل على حين أن بين أيدينا في الصحيح منها ألجم الغفير والعدد الكثير {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} .
وهاك نموذج واحدا رواه البخاري ومسلم عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية غدا رجل يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" فبات الناس يدوكون أي يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها. فقال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقيل يا رسول الله هو يشتكي مرضا بعينيه قال: "فأرسلوا إليه". فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
وهذه الوصية من الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي في هذا المقام جديرة وحدها أن تقطع ألسنة أولئك الأفاكين الذين يزعمون ان الإسلام قام على السيف والقوة واعتمد على البطش والقسوة ولم ينتشر بالدليل والحجة ولم يجيء بالسلام والرحمة. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} !.
العامل العاشر
حكمة الله ورسوله في التربية والتعليم وحسن سياستهما في الدعوة والإرشاد مما جعل الكتاب والسنة يتقرران في الأذهان ويسهلان على الصحابة في الحفظ والاستظهار.
أما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة الله به في التربية والتعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم وبالأسلوب الخلاب والنظم المعجز الآخذ بقلوبهم وأنه تدرج بهم في نزوله فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه بل أنزله منجما في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من سوره وآياته ودعمه بالدليل والحجة وخاطب به العقول والضمائر وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم وصدر في ذلك كله عن رحمة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين! {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
وأما السنة النبوية فقد ضربت الرقم القياسي في باب هذه السياسة التعليمية الراشدة حتى إذا كان علماء التربية في العصور الحديثة قد عدوا من الحكمة في التعليم والتربية الاستعانة بوسائل الإيضاح وألوان التشويق فإن محمدا صلى الله عليه وسلم النبي الأمي كان من قبل أربعة عشر قرنا ومن قبل أن يولد علم التربية وعلم النفس كان هو المعلم الأول في رعاية تلك الوسائل الموضحة وهاتيك المشوقات الرائعة حتى تفتحت قلوب سامعيه للهداية وامتلأت صدور أصحابه بتعاليمه كأنما كتبت فيها كتابا بالكلمة والحرف.
ذلك لأنه كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس لسانا وأوضحهم بيانا وأجودهم إلقاء ينتقي عيون الكلام وهو الذي أوتي جوامع الكلم ويفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ويفصله تفصيلا يراعي فيه المقام والأفهام ولا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بشيء منه بل يتكلم كلاما لو عده العاد لأحصاه. وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا. وكما جاء في حديث البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثا قلنا: بلى يا رسول الله قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور وشهادة الزور" - وكان متكئا فجلس- فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا1 فإلي وعلي" رواه مسلم.
ومن وسائل إيضاحه صلى الله عليه وسلم أنه كان يضرب لهم الأمثال الرائعة التي تجلي لهم المعاني كأنها العروس بارعة ليلة الزفاف أو الشمس ساطعة ليس دونها سحاب. تأمل قوله وهو يضرب المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطر إهمالهما ثم قل لي بربك: هل يبارح ذاكرتك هذا التمثيل البديع؟.
1 الضياع بفتح الضاد: يستعمل مصدرا لضاع، ويستعمل اسما بمعنى العيال أو الضائعين منهم. قال في القاموس: والضياع أيضا العيال، أو ضيعهم ا. هـ ولا يخفى أن المعنى المصدري غير مراد هنا.
يروي البخاري عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذي في أسفلها إذا استقو من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".
ومن وسائل إيضاحه صلى الله عليه وسلم أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه فيوقظ بها انتباههم ويرهف بسببها شعورهم حتى يستقبلوا هديه بنفوس عطاش وقلوب ظماء فيستقر فيها أثبت استقرار ويعلق بها علوق الروح بالأجسام.
وإليك مثلا واحدا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" رواه مسلم.
ومن العجائب في وسائل إيضاحه عليه الصلاة والسلام أنه كان يستعين برسم يديه الكريمتين على توضيح المعاني وتقريبها إلى الأذهان مع أنه النبي الأمي الذي لم يقرأ كتابا ولم يجلس إلى أستاذ ولم يذهب إلى مدرسة ولم يدرس الرسم ولا الهندسة.
نقرأ في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط وسطه خطا وخط خطوطا إلى جنب الخط أي الذي في الوسط وخط خطا خارجا. فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا الإنسان يريد الخط الذي في الوسط وهذا الأجل محيط به يريد الخط المربع
وهذه الأعراض تنهشه يشير إلى الخطوط التي حوله إن أخطأه هذا نهشه هذا وهذا الأمل يعني الخط الخارج".
ومن سياسته الحكيمة في التعليم والتربية أنه كان ينتهز فرصة الخطأ في أفهامهم فيصحح لهم الفكرة في حينها ويلقنهم تعاليمه السامية ونفوسهم مستشرفة لها.
من ذلك ما يقصه علينا البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها أي رأوها قليلة وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا. وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وكان من وسائل إيضاحه تمثيله صلى الله عليه وسلم بالعمل. يصلي ويقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويحج ويقول: "خذوا عني مناسككم" ويشير بأصبعيه السبابة والوسطى ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" كما تقدم في رواية مسلم.
العامل الحادي عشر
الترغيب والترهيب اللذان يفيض بهما بحر الكتاب والسنة ولا ريب أن غريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير وأن يحميها من كل شر سواء ما كان فيهما من عاجل وما كان من آجل ومن هنا تحرص النفوس الموفقة على وعي هداية القرآن وهدي الرسول وتعمل جاهدة على أن تحفظ منهما ما وسعها الإمكان.
أما النفوس الضالة المخذولة فإنها مصروفة عن هذه السعادة بصوارف الهوى والشهوة أو محجوبة عن هذا المقام بحجاب التعصب والجمود على الفتنة أو مرتطمة بظلام الجهل في أوحال الضلال والنكال.
ولسنا بحاجة أن نلتمس شواهد الترغيب والترهيب من الكتاب والسنة فمددها فياض بأوفى ما عرف العلم من ضروب الترغيب والترهيب وفنون الوعد والوعيد وأساليب التبشير والإنذار على وجوه مختلفة واعتبارات متنوعة في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق على سواء.
وهاك نموذجا من ترغيبات القرآن وترهيباته على سبيل التذكير والذكرى تنفع المؤمنين.
يقول تبارك اسمه في سورة واحدة هي سورة السجدة {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً؟ لا يَسْتَوُونَ، أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} .
فانظر بعين بصيرتك في أساليب هذه الترغيبات وفنون تلك الترهيبات التي احتوتها هذه الآيات والقرآن مليء كله من هذه الأنوار على هذا الغرار.
ولا تحسبن السنة النبوية إلا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب. وهاك نموذجا بل نماذج منها تدلك على مدى ما تتأثر به النفوس البشرية عند ما يمر بها الوعد والوعيد وما يتركه هذا التأثر من ثبات الأوامر والنواهي واستقرارها في الذهن وانتقاشها في صحيفة الفكر ثم اندفاع الإنسان من ورائها إلى العمل والاتباع.
ها هو صلى الله عليه وسلم يبشر واصل رحمه بسعة الرزق والبركة في العمر فيقول: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" أخرجه البخاري والترمذي.
وها هو صلى الله عليه وسلم يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همه وبالوعيد لمن جعل الدنيا همه
فيقول: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله الفقر بين عينيه وفرق الله عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" رواه الترمذي.
وها هو صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال ويحثهم على الدفاع والنضال فيقول: "تضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل" أخرجه الثلاثة والنسائي.
فأنت ترى في هذه الكلمات النبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما تجعل النفوس رخيصة هينة في سبيل الدفاع عن الدين والأوطان. حتى لقد كان الرجل يستمع إلى هذه المرغبات والمشوقات وهو يأكل فما يصبر حتى يتم طعامه بل يرمي بما في يده ويقوم فيجاهد متشوقا إلى الموت متلهفا على أن يستشهد في سبيل الله. كذلك أخرج مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الجهاد وذكر الجنة ورجل من الأنصار يأكل تمرات فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن فرمى ما في يده وحمل بسيفه فقاتل حتى قتل".
العامل الثاني عشر
اهتداء الصحابة رضوان الله عليهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يحلون ما فيهما من حلال ويحرمون ما فيهما من حرام ويتبعون ما جاء فيهما من نصح ورشد ويتعهدون ظواهرهم وبواطنهم بالتربية والآداب الإسلامية دستورهم القرآن وإمامهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
وما من شك أن العمل بالعلم يقرره في النفس أبلغ تقرير وينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش على نحو ما هو معروف في فن التربية وعلم النفس من أن التطبيق يؤيد المعارف والأمثلة تقيد القواعد ولا تطبيق أبلغ من العمل ولا مثال أمثل من الاتباع خصوصا المعارف الدينية فإنها تزكو بتنفيذها وتزيد باتباعها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} الأنفال أي هداية ونورا تفرقون به بين الحق والباطل وبين الرشد والغي كما جاء في بعض وجوه التفاسير. وذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة والعناية بطهارة القلوب وتزكية النفوس تفجر الحكمة في قلب العبد. قال الغزالي رحمه الله: أما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك أي بالحكمة تتفجر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة ومراقبة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله عز وجل عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف؟ فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة. وكم من مقتصر على المهم في التعليم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم"1.
1 قال الحافظ العراقي في هذا الحديث: رواه أبو نعيم في الحلية لكن بسند ضعيف.
العامل الثالث عشر
وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم يحفظهم من الكتاب والسنة ما لم يحفظوه ويعلمهم ما جهلوه ويجيبهم إذا سألوه ويريهم شاكلة الصواب فيما أخطؤوه ويقفهم على حقيقة الأمر إذا تشككوه في صبر وأناة وسعة صدر وكرم نفس وطيب قلب.
ولا ريب أن هذا عامل مهم ييسر لهم الحفظ ويهون عليهم الاستظهار ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم مرجع واضح ومنهم عذب لا سيما إذا لاحظنا أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب وأن من جالسه أو فاوضه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس علم وحياء وأمانة وصبر يدرس فيه القرآن وتذاع فيه السنة ويعبق منه أريج الهداية.
عوامل خاصة بالقرآن الكريم.
تلك العوامل التي ذكرناها عوامل مشتركة بين الكتاب والسنة طوعت للصحابة حفظهما واستظهارهما والإحاطة بهما وحذقهما.
بيد أن هناك عوامل خاصة توافرت في حفظ الصحابة للقرآن دون السنة.
أولها: أن الله تعالى تحدى بالقرآن أمة العرب بل كافة الخلق فقال سبحانه: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} ولما عجزوا قال: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} ولما عجزوا أيضا قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} ولما عجزوا الثالثة سجل عليهم
هزيمتهم وأعلن فلج القرآن بالإعجاز في هذا الميدان إذ قال عز اسمه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} .
هذا التحدي الذي امتاز به القرآن فتح عيون الناس جميعا ولفتهم بقوة إليه لا فرق بين أوليائه وأعدائه. أما أولياؤه ومتبعوه فقرؤوه من هذه الناحية ليفحموا به أعداءهم ويؤيدوا بإعجازه دينهم ونبيهم. وأما أعداؤه ومخالفوه فاقتفوا أثره وتتبعوه أملا في أن يجدوا فيه مغمزا ويأخذوا عليه مطعنا. فلا جرم كان هذا التحدي من الدواعي التي توافرت على نقل القرآن وتواتره وجريانه على كل لسان.
ثانيها: عنايته صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة إذ اتخذ كتابا للوحي من أصحابه. وأقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الذي نهى فيه عن كتابة السنة في الحديث الذي أسلفناه من رواية مسلم لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.
وغني عن البيان أن الكتابة من عوامل تيسير الحفظ والاستظهار.
ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصلاة فرضا كان أو نفلا سرا أو جهرا ليلية أو نهارية حتى صلاة الجنازة
ومثل الصلاة في ذلك خطبة الجمعة. وتلك وسيلة فعالة جعلت الصحابة يقرؤونه ويسمعونه ثم جعلتهم عن هذا الطريق يتحفظونه ويستظهرونه لا فرق بين رجل وامرأة وصغير وكبير وغني وفقير على قدر ما سمح به استعداد كل منهم.
رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن ولو في غير صلاة ومن غير وضوء. اقرأ إن شئت قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" رواه البخاري ومسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن وهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" رواه الشيخان أيضا.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: آلم حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؟ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري.
فهل يعقل أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين سمعوا ذلك وأمثال ذلك يتوانون لحظة عن قراءة القرآن؟ ثم ألا تكون تلك التلاوة سبيلا إلى أن يحذقوه ويحرزوه؟.
خامسها: عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن وإذاعته ونشره إذ كان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره الله. وكان يسمعهم إياه في الخطبة والصلاة وفي الدروس والعظات وفي الدعوة والإرشاد وفي الفتوى والقضاء وكان يرغب في تعليمه ونشره كما سمعت. وكان يرسل بعثات القراء إلى كل بلد يعلمون أهله كتاب الله كما أرسل مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إليها وكما أرسل
معاذ بن جبل إلى مكة بعد الفتح للإقراء. قال عبادة بن الصامت: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن.
سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب الله عن كل ما سواه حيث اجتمع فيه من المزايا ما قصصنا عليك وما لم نقصص عليك. كنسبته إلى الله تعالى وكحرمة قراءته على الجنب والحائض والنفساء وكحرمة مس مصحفه وحمله على أولئك جميعا وعلى المحدث حدثا أصغر أيضا إلى غير ذلك.
ولا شك أن هذه القداسة تلفت الأنظار إليه وتخلع همم المؤمنين به عليه فيحيطون به علما ويخضعون لتعاليمه عملا. وذلك ما حدا المسلمين في كل عصر ومصر أن يعنوا بحفظ كتاب الله حتى عصرنا الذي نعيش فيه فما بالك بعصر الصحابة وهو عصر العلم والنور والتقوى والهداية والنشر والدعوة؟.
أما بعد:
فهذه بضعة عشر عاملا توافرت في أصحاب الرسول الأكرم حتى حفظوا الكتاب والسنة وقد جمعناها لك هذا الجمع معتقدين أن من ورائها عوامل شخصية توافرت في بعض القراء وبعض المحدثين منهم دون بعض.
والسبيل إلى تلك العوامل الشخصية دراسة تراجم أولئك القراء والمتصدرين لرواية الحديث من الصحابة فارجع إليها إن شئت واحرص على ما ذكرنا لك وصغ منها أسلحة علمية مرهفة تشهرها في وجه أولئك الخونة الذين يخوضون في الصحابة بغير علم ويطعنون في الكتاب والسنة عن طريق الطعن فيهم بعد الحفظ والضبط.
ونحن نتحدى أمم العالم بهذه الدواعي التي توافرت في الصحابة حتى نقلوا الكتاب والسنة وتواتر عنهم ذلك خصوصا القرآن الكريم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
…
إذا جمعتنا يا جرير المجامع!
غمرهم الله برحمته ورضوانه وصب عليهم شآبيب جوده وإحسانه. آمين.