الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشخصية ومن ثم كانوا لا يملكون حيالها أية حرية حقيقية. أما على المستوى الميتافيزيقى فإن مسألة مقدار الحرية الممنوحة للبشر حيال اللَّه القادر على كل شئ ظلت تشغل عقول المسلمين منذ الإسلام ومع ذلك فأيما كانت الرخصة فى ذلك فإنها لم تكن تعطى فى صورة أى نوع من الحرية الشخصية وإنما كانت تعطى لضمان قيام مجتمع أحسن تنظيمًا. زد على دلك أن الحل الأشعرى للغز الاختيار الذى اتسع انتشاره كان أدق وألطف من أن تعيه الجماهير وعلى أى حال فإن هذا الحل فشل فى أن يجعلهم يعون أهمية عنصر الحرية الإنسانية التى ينطوى عليها.
المصادر:
(1)
The Muslim con-: F. Rosenthal cept of freedom، ليدن سنة 1960.
(2)
أما عن الكتب الإسلامية الحديثة التى تعنى أيضًا بعض العناية بالأساس التاريخى للحرية فانظر مصادر المادة التالية.
خورشيد [روزنتال. F. Rosenthal]
-
العصر الحديث:
الإمبراطورية العثمانية وما بعدها: ترجع الشواهد الأولى على استعمال كلمة حرية بمعنى سياسى محدد تحديدًا واضحًا إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادى فى تركية. ولم تكن الكلمة التى استعملت للدلالة عليها هى كلمة "حرية" بل كلمة "سربستييت"؛ (ثم سربستى من بعد أيضًا) وهما مصدران عربيان وفارسيان منتحلان من "سربست"؛ وسربستييت اصطلاح تركى مقرر يدل على عدم وجود حدود أو قيود (ومن ثم كان معنى "سربست تيمار" الإقطاع الذى تعود كل موارده إلى المقطع تمييزًا له عن الإقطاع المألوف الذى يحتفظ فيه ببعض موارده لتؤدي إلى بيت المال الإمبراطورى؛ وقد دلت كلمة "سربستييت" فى أول ظهور لها معروف فى الوثائق الرسمية بمعنى الحرية الجماعية أكثر من دلالتها على الحرية الفردية، أى بمعنى الاستقلال أكثر من معنى الحرية بمدلولها القديم الليبرالى. وهذا ماثل فى المادة الثالثة من معاهدة كوجوك قينارجه المعقودة سنة 1774 م التى قررت الاستقلال
القصير العمر لتتر القريم عن تركية وروسيا. فقد اتفقت هاتان الدولتان على الاعتراف بالتتر "متحررين من أية دولة أجنبية ومستقلين عنها تمام الاستقلال"؛ وقد عدّ السلطان رئيسهم الدينى "ولكن دون مساس بحريتهم السياسية والمدنية المقررة". وصيغ الكلمات كما وردت فى الأصل الإيطالى للمعاهدة للدلالة على هاتين العبارتين هي: Liberi، immediati، ed "independenti" assolutamente da "qualunque straniera potenza" و senza pero mettere in" copromesso la stalitita loro politica e "civile، وقد نقلت العبارتان إلى التركية كما يأتى "سربستييت وغير تعلق مستقل وجوهله أجنبى بر دولته تابع أولمه ماق أوزره .. وعهد أولونان سربستييت دولت ومملكتلرينه خلل كتيرمى يرك" (النص التركى فى جودت: تاريخ، جـ 1، ص 358 - 359؛ مجموعة معاهدات، جـ 3، ص 254، النص الإيطالى فى G.F. de Martens
…
Recueil des traites 4، كوتنكن سنة 1795، ص 610 - 612).
وقد أكسبت الثورة الفرنسية كلمة "سربستييت" معنى جديدًا. واستعملها موره لى السيد على أفندى السفير العثمانى فى باريس فى عهد حكومة الديركتوار فى كتابه "سفارتنامه"، ترجمة لكلمة liberte وخاصة فيما يتعلق بالشعارات والتشريعات (انظر على سبيل المثال تاريخ عثمانى أنجمنى مجموعه سى، رقم 23 [سنة 1329 هـ]، 1458، 1460 وانظر عن عرض "شعارات" الحرية على يد الفرنسيين فى تركية جودت: تاريخ، الطبعة الثانية، جـ 6، ص 182 - 183). أما "رئيس الكتاب" عاطف أفندى فقد أبدى فى مذكرته التى كتبها سنة 1798 م عن الموقف السياسى الناشئ من نشاط فرنسا الثورية تفهمًا أوضح للمضمون السياسى الجديد للكلمة، وللخطر الذى تمثله حيال النظام القائم فى الإمبراطورية العثمانية وفى غيرها. وهو يتحدث فى وصفه التمهيدى للثورة كيف أغرى الثوريون عامة الناس (عوام ناس) باتباعهم باذلين لهم الوعود بالمساواة والحرية (مساوات وسربستييت) وهما الوسيلتان إلى
الحصول على السعادة الكاملة فى هذه الدنيا. وقد روعه، بصفة أخص، ما فعله الفرنسيون فى ممتلكات البندقية السابقة التى استولوا عليها وهى الجزائر الأيونية والمدن الأربع القائمة على البر الأصلى. ذلك أن الفرنسيين برجوعهم إلى صور الحكم عند اليونان القدماء وإقامة صورة من الحرية (سربستييت) قد أفصحوا بجلاء عن نواياهم العدوانية (جودت تاريخ، الطبعة الثانية، جـ 6، ص 395، 400؛ وانظر B. Lewis فى J.Wld-Hist، جـ 1، سنة 1953، ص 120 وما بعدها [نسخة منقحة فى. G.S. Mertaux & F The New Asia: Croizet،eds نيويورك - لندن سنة 1965، ص 47 وما بعدها] و Slavonic Review، جـ 34، سنة 1955، ص 234 - 235).
وقبل نهاية السنة كان الفرنسيون قد نزلوا فى بر مصر، وهنالك خاطب الجنرال بونابرت عند وصوله المصريين باسم الجمهورية الفرنسية التى "قامت على أساس الحرية والتسوية" وهما كلمتان وردتا فى الجبرتى (مظهر التقديس، القاهرة، من غير تاريخ، جـ 1، ص 37؛ وانظر نقولا الترك: مذكرات، طبعة غاستون فيت، القاهرة سنة 1950، ص 8؛ والنص يظهر أيضًا فى الجبرتى: عجائب الآثار، جـ 3، القاهرة سنة 1879، ص 4؛ وانظر حيدر الشهابى: لبنان إلخ .. )
وقد استعمل فى ذلك كلمة حرية التى كانت لا تزال أبعد من أن تكون مرادفًا مقبولا بصفة عامة للمصطلح الأوربى بمعناه السياسى. ويترجم روفى Ruphy فى قائمته بالكلمات الفرنسية والعربية التى نشرت 1802 كلمة Liberte بكلمة حرية، ولكنه وضع قيدًا على ذلك فقصر المعنى على أنه يدل على "ضد العبودية" وهو يفضل كلمة "سراح" للدلالة على "القدرة على الفعل" Dictionnaire abrege: J.F. Ruphy francais - arabe باريس سنة 1802، ص 120). وقد ترجم هانجرى الفنارى فى وقت متأخر يرجع إلى سنة 1841 العبارتين Liberte civile"" و " Liberte politique" بالعبارتين العربيتين:"رخصة شرعية" و"رخصة ملكية" Dictionnaire francais arabe - persan et
turc جـ 2، موسكو سنة 1840 - 1841، ص 397 مع شروح وشواهد).
والإشارات القديمة إلى الحرية فى كتب المؤلفين المسلمين إشارات فيها عداء، وهم يجعلونها مرادفة للخلاعة والفجور والفوضى. على أن ثمة تغيرًا له مغزاه طرأ على الكلمة، ويمكن أن نراه فى فقرة من تاريخ شانى زاده المتوفى سنة 1826 م فى حوادث عام 1230 هـ (1815 م) وهو يناقش طبيعة مجالس الشورى (كيفيت مجالس مشورت) التى شاعت فى تلك الأيام. وقد حرص شانيزاده على أن يجعل أساس عقد مثل هذه المشاورات معتمدًا على السوابق الإسلامية والسنة العثمانية القديمة، وهو يحذر من إساءة استعمال هذه المجالس، ويبين فى الوقت نفسه أن المجالس التى من هذا القبيل تعقد على ما جرى به العرف محققة نتائج مفيدة فى "بعض الدول ذات النظام الحسن"(دول منتظمه) وفى قوله هذا تلطف بارز فى الإشارة إلى دول أوربا - وينسب إلى الأعضاء الذين يحضرون هذه المجالس صفة تمثيلية جديدة كل الجدة على الفكر السياسى الإسلامى.
وكان أعضاء المجالس طائفتين: موظفين فى الدولة وممثلين للرعايا (وكلا رعيت)؛ وهم يتناقشون ويدلون بحججهم فى حرية (بروجه سربستييت)، وبذلك يصلون إلى قرارات (شانى زاده: تاريخ، جـ 4، إستانبول سنة 1291 هـ، ص 2 - 3؛ انظر B. Lewis فى Bulletin of the School of Oriental and African Studies، جـ 29، سنة 1966، ص 385 - 386).
وفى العقود التالية من السنين أصبحت فكرة الحرية السياسية أكثر إلفًا لدى الناس بفضل مناقشة الشئون الأوربية وترجمة الكتب الأوربية (مثل الترجمة التركية لكتاب Storia d': Botta Italia القاهرة سنة 1249 هـ = 1834 م، وأعيد نشرها فى استانبول سنة 1293 هـ = 1876 م، وهذه الترجمة حافلة بالإشارات إلى المبادئ والنظم الليبرالية). وكذلك نوقشت هذه الفكرة وتوسع فيها على يد عدة كتاب من المسلمين الذين تأثروا على الأخص بذلك المذهب الدستورى المائل إلى
المحافظة فى العصر التالى لعصر نابليون، وبفكرة الدولة التى تقوم على حكم القانون وتباين الحكم المطلق الذى لا عنان له المأثور عن نابليون وحكم الثورة الخالى من القيود. ومن أهم هؤلاء الكتاب الشيخ المصرى رفاعه رافع الطهطاوى الذى عاش فى باريس (من سنة 1826 إلى سنة 1831 م) وقد نشر وصفه لما رأى وعلم أول ما نشر فى بولاق بالعربية سنة 1834 م وبالتركية سنة 1839 م وقد اشتمل هذا الوصف على ترجمة وتعليق على الدستور الفرنسى ووصف للمؤسسات البرلمانية التى كان الغرض منها أن تحقق قيام حكومة فى ظل القانون وحماية الرعايا من الطغيان وما يسميه الفرنسيون "الحرية" هو عين ما يسميه المسلمون "العدل والإنصاف" أى تحقيق المساواة أمام القانون والحكم بمقتضى القانون وتجنب الحاكم القيام بأفعال تحكمية غير قانونية ضد الرعية (تخليص الإبريز فى تلخيص باريز، طبعة مهدى علام وأحمد بدوى وأنور لوقا، القاهرة من غير تاريخ [1958؟ ] ص 148). وساعدت مساواة الشيخ رفاعة الحرية بالتصور الإسلامى المأثور عن العدل على ربط التصورات الجديدة بالتصورات القديمة وكيّف رفاعة كتاباته السياسية بسلسلة المواعظ الإسلامية الطويلة الموجهة إلى السلطان ليحكم بحكمة وعدل مع الاحترام الواجب للشرع والرعاية الواجبة لصالح رعاياه وخيرهم. أما الجديد والغريب على الأفكار السياسية التقليدية فكان اقتراح أن الرعية لها "الحق" فى أن تعامل بالعدل، وأنه لا بد من قيام جهاز لضمان هذا الحق، وقد تبين الشيخ رفاعة وشرح فى إدراك عجيب مهام البرلمان المختلفة والمحاكم والصحافة فى حماية الرعايا من الطغيان، أو قل إنه بين أثرها فى تمكين الرعايا من حماية أنفسهم: على أن الأمر البعيد عن الوضوح هو مدى إحساسه بارتباط هذه الأفكار والنظم بحاجات بلاده، ففى كتاباته المتأخرة لا نجد إلا إشارات قليلة لوجود أى ارتباط من هذا القبيل، بل إن امتداحه الخديوى إسماعيل لإقامته مجلسا للمشورة سنة 1866 م يفصح عن عناية تقليدية بواجبات الحاكم (العدل والمشورة) أكثر
مما يفصح عن عناية ليبرالية بحقوق المحكومين، وفى كتابه "المرشد الأمين"(القاهرة سنة 1862، ص 127 وما بعدها) يصف الحرية تحت خمسة عناوين فرعية، العنوانان الأخيران منها أحدهما "مدنى" والآخر "سياسى". وقد وصف الاثنين مرتبطين بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والشرعية دون أن يشير إشارة خاصة إلى "حقوق سياسية" بالمعنى الليبرالى، أما الثلاثة العناوين الأولى فهى الطبيعة والاجتماعية (أى حرية السلوك) والدينية، والحرية السياسية هى أن تكفل الدولة للفرد التمتع بماله وممارسة حريته الطبيعية (أى القدرة الأساسية الفطرية لجميع المخلوقات على الأكل والشرب والحركة .. محدودة بحاجة المخلوق إلى تحاشى أن يلحق الضرر بنفسه وبالآخرين، أنظر L، Zolondeck: political freedom Al-Tahtawi and فى مجلة Muslim World، جـ 54، سنة 1964، ص 90 - 97).
أما معاصر الشيخ رفاعة التركى صادق رفعت باشا فإنه كان غامضًا فى أفكاره النظرية عن الحرية، إلا أنه أكثر من رفاعة تحديدًا فى تطبيق الحرية المباشرة ببلاده، ففى مقال له سوّده أول الأمر حين كان السفير العثمانى فى فينا (وكان على اتصال وثيق بمترنيخ) ناقش صادق الفروق الجوهرية بين تركية وأوربا والوجوه التى تستطيع تركية أن تسعى فيها للإفادة من تقليد أوربا، وقد تأثر صادق تأثرًا عميقا بثراء أوربا وصناعتها وعلمها ورأى فيها أنها خير الوسائل لإحياء تركية وهو يشرح كلامه قائلا إن تقدم أوربا وازدهارها كان ثمرة لبعض الظروف السياسية وللإستقرار والطمأنينة، وهذه الظروف تعتمد بدورها على "الحصول على الأمان المطلق على الحياة والمال، وتحقيق شرف كل أمة وكل شعب وكذلك سمعته وسمعتها، أى أنها تعتمد على التطبيق السليم لحقوق "الحرية الواجبة" (حقوق لازمه حريت)، وكانت الحرية فى نظر صادق، كما هى فى نظر رفاعة، هى امتداد للفكرة الإسلامية المأثورة عن العدل، وهى التزام من الحاكم بتحرى العدل فى أفعاله والتزام الشرع، ولكن هذه الفكرة أيضًا تقوم
على "حقوق الأمة"(حقوق ملّت)، وإقامة هذه الحقوق فى تركية مسألة "من ألزم اللوازم" (النص فى صادق رفعت باشا: منتخبات آثار، إستانبول: أوربانك أحوالنه دائر .. رسالة ص 4، وأنظر للكاتب نفسه: إداره حكومتنك بعض قواعد أساسية سينى متضمن
…
رسالة، فى مواضع مختلفة، وثمة رواية أخرى للنص فى عبد الرحمن مشرف: تاريخ محاسبه لرى، إستانبول سنة 1340 هـ، ص 125)، وثمة أفكار مشابهة لذلك عبر عنها كاتب تركى آخر هو مصطفى سامى، وكان سكرتيرًا سابقًا للسفارة العثمانية فى باريس، ذلك أنه يتحدث بإعجاب فى مقال له نشر سنة 1840 م عن الحريات السياسية والدينية بين الفرنسيين، وقد وجدت مثل هذه الأفكار تعبيرا رسميا لها فى المراسيم الإصلاحية الأولى الكبرى مثل فرمان قاعة الورد (كلخانه) الصادر سنة 1839 م، وهو يعترف ويحاول أن يقرر حقوق الرعايا فى الأمان على حياتهم وشرفهم وأملاكهم وأن تستظل الحكومة بالقانون، وثمة إشارتان خاصتان إلى الحرية فى المادة التى تكفل "أن يتصرف كل فرد فى ماله بكامل حريته (سربستييت). وفى المادة التى تتعلق بالمجالس والتى تكفل لكل من يحضرها "أن يعبر عن آرائه وملاحظاته بحرية "سربستجه" وبلا تردد" (النص فى دستور السلسلة الأولى، جـ 1، ص 4 - 7، وبالكتابة الحديثة فى أ، شرف كوز بويوك و. س. كيلى: تورك أناياسه متينلرى، أنقرة سنة 1957، ص 3 - 5، الترجمة الإنكليزية فى Hurewitz جـ 1، ص 113 - 116)
وهذه الأفكار عن الحرية لم تزل تلزم جانب الحرص الشديد والمحافظة، وليس للمرء أن ينتظر أكثر من الشيخ رفاعة، وهو الخادم الأمين لحكام مصر، أو من صادق رفعت تلميذ مترنيخ ومعاون رشيد باشا صحيح أن الرعايا يجب أن تعاملهم الحكومة معاملة عادلة وقد كان لهم فى الواقع الحق فى أن يعاملوا معاملة عادلة، وأن القوانين يجب أن تسن لضمان هذه المعاملة إلا أنه لم تكن هناك بعد أية فكرة بأن للرعايا أى حق فى أن يشاركوا فى تكوين الحكومة أو توجيهها - أى الحق
فى الحرية السياسية أو المواطنية بالمعنى الذى ينطوى عليه تطور الفكر السياسى الليبرالى فى الغرب.
وعلى حين كان المصلحون المحافظون يتحدثون عن الحرية فى ظل القانون كما أن بعض ملوك المسلمين قد جربوا المجالس والمجمعيات فإن الحكومات قد أخذت فى الواقع تزداد تحكمًا وعدوانًا بدلا من أن تقلل تحكمها وعدوانها. ذلك أن صبغ الحكومات بالصبغة الحديثة والقضاء على القوى المتوسطة قد دعم على الفور أوتوقراطية الدولة وأزال أو أوهن القيود التقليدية على الحكومة، وكلما أمعنت الحكومة فى تحكمها أثارت نقدًا أكثر تطرفًا. وكذلك أتاحت الصحافة المنشأة حديثًا والتى انتشرت بسرعة أداة للنقد، وأمدت أوربا القرن التاسع عشر الميلادى ذلك باتساع فى أفق التأثير والقدوة.
وذهب البعض إلى أن بعض الحركات اللبنانية التى وقعت ما بين (سنتى 1820، 1821 م)، وسنة 1840 م قد تكون ثمرة لإيحاء أو تأثير من المثل الفرنسية الثورية للتحرر القومى والحرية السياسية. والوثائق التى تستند إليها هذه الفروض (فيليب وفريد خازن: مجموعات المحررات السياسية، والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان، جـ 1، جونية سنة 1910، ص 1 وما بعدها) قليلة غير وثيقة، وقد تعكس نشاط المهيجين الفرنسيين أكثر من تعبيرها عن أية حركة محلية أصيلة - وثمة تعبير أكثر تحديدًا عن الأفكار التحررية يرد فى وصف لثورة موارنة كسروان سنة (1858 - 1859 م)، تلك الثورة التى قادها طنيوس شاهين ويقول إنه كان يهدف إلى قيام حكومة جمهورية، ولعله كان يرمى إلى قيام صورة من الحكومة تمثيلية (أنطون العقيقى، طبعة يوسف إبراهيم يزبك: ثورة وفتنة فى لبنان، دمشق سنة 1938؛ الترجمة الإنكليزية بقلم Lebanon in the last years: M.H. Kerr feudalism of، بيروت سنة 1959، ص 53؛ وانظر أيضًا The: P.K.Hitti Impact of the West on Syria and Lebanon in the nineteenth century فى J. Wld Hist، جـ 2، سنة 1955، ص 629 - 630).
ثم إن تضخم التأثير الغربى فى أثناء حرب القريم وبعدها والضغوط الداخلية السياسية والاقتصادية قد ساعدت على وقوع إحياء للأفكار والأنشطة التحررية فى العقد السادس من القرن التاسع عشر الميلادى ففى تركية أبرز شناسى أهمية حرية التعبير فى مقالاته الافتتاحية فى مجلة "ترجمان أحوال"(العدد 1، سنة 1277 هـ = 1860 م) ومجلة "تصوير أفكار"(العدد 1، 15 يونيه سنة 1278 هـ = 1862 م). وفى سورية كتب الكاتب المسيحى فرانسيس فتح اللَّه المرَّاش حوارًا رمزيا (غابة الحق، بيروت سنة 1866، وأعيد طبعه فى القاهرة سنة 1298 هـ = 1880 - 1881 م) تضمن مناقشة فلسفية سياسية للحرية والظروف اللازمة لتدعيمها.
وأكثر دخولا فى السياسة فى مضمونه كتاب كاتب مسلم هو خير الدين باشا المشهور الذى كان من واضعى القانون الدستورى التونسى لسنة 1861 م ("أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك"، تونس سنة 1284 - 1285 هـ = 1867 - 1868 م؛ الترجمة الفرنسية necessaires Reformes musulmans aux etats، باريس سنة 1868 م؛ النسخة التركية، إستانبول سنة 1296 هـ = 1879 م). وفى هذا البرنامج الإصلاحى الجانح إلى المحافظة درس خير الدين منابع الثورة والسلطة فى أوربا، ووجد أن هذه المنابع تكمن فى النظم السياسية فيها، تلك النظم التى تحقق العدل والحرية. وقد جعل خير الدين العدل والحرية صنوين لا يفترقان، وأدلى ببعض التوصيات الحذرة أو قل الغامضة عن كيفية تحقيقهما فى الدول الإسلامية دون الخروج أو الابتعاد عن التقاليد والنظم الإسلامية، وذلك بالاعتماد على المشورة، ذلك أن مشورة العلماء والأعيان هى المرادف الإسلامى الموثوق به للنظام الأوربى الخاص بالحكومة التمثيلية والدستورية. ويجوز لنا أن نلاحظ فى هذا الصدد أن خير الدين فى رياسته للوزراء فى بلاد تونس فى السنوات (1873 - 1877) م، وفى توليه منصب الصدر الأعظم فى تركية فى سنة (1878 - 1879) م، لم يفعل شيئًا لإعادة الدستورين اللذين كانا قد أوقفا فى البلدين جميعًا.
وقد حدث من قبل سنة 1856 م، أن خاطب شناسى فى قصيدة قالها فى رشيد باشا المصلح بمناسبة قانون الإصلاح الذى صدر فى نفس هذا العام "لقد جعلتنا أحرارا (آزاد) بعد أن كنا أسرى الظلم" ثم مضى يقول "إن قانونك هو وثيقة عتق للناس (عتق نامه) وقد بين قانونك للسلطان حدوده".
والمعانى الأصيلة التى تنطوى عليها هذه الكلمات (إحلال الحرية محل العدل بوصفها ضد الاستبداد، والإيحاء بوضع قيد دستورى على سلطات السلطان) قد تطورت واتضحت فى العقدين السادس والسابع من القرن التاسع عشر الميلادى بفضل تلك الطائفة من الوطنيين الأحرار الذين عرفوا بالعثمانيين الجدد (يكى عثمانليلر). والآراء السياسية لهؤلاء العثمانيين الجدد، وإن كانت قد صيغت فى صيغ إسلامية وبذل جهد ظاهر فى إرجاعها إلى التقاليد الإسلامية، أصولها أوربية، وهى تفصح عن اقتباس عثمانى إسلامى للوطنية التحررية التى كانت شائعة فى أوربا لذلك الوقت. وكان المثال الذى يتطلع إليه هؤلاء العثمانيون الجدد هو البرلمان الإنكليزى فى وستمنستر، وقد استقوا مثلهم من التعاليم الحرة لحركة التنوير الفرنسية والثورة الفرنسية كما صاغوا تنظيمهم وتحركاتهم على منوال الجمعيات السرية الوطنية فى إيطاليا وبولنده. وكان مفتاح كتاباتهم السياسية كلمتين هما "وطن" و"حرية"(حريت)، وكانت الحرية هى اسم المجلة الأسبوعية التى أصدروها فى المنفى (لندن، يونية سنة 1868 م - أبريل سنة 1870 م؛ جنيف، أبريل - يونية سنة 1870 م). وفى هذه المجلة وفى غيرها من كتاباتهم راح المثاليون لهؤلاء العثمانيين الجدد، وأولهم نامق كمال يعبرون عن تفسيرهم للحرية أى سيادة الشعب التى تكفلها الحكومة الدستورية التمثيلية (انظر على سبيل المثال المقال الذى نقله عن (حريت" ونشره. M Colombe باللغة الفرنسية فى Orient، عدد 13، سنة 1960، ص 123 - 133). وكان الواجب الأول للحكومة، فى نظر كمال والكتاب المسلمين المتقدمين، هو بعدُ الحكم بالعدل، ولكن العدل لا يعنى فحسب العناية بخير
الرعايا بل احترام الحقوق السياسية أيضًا. ويجب أن تؤمن هذه الحقوق بإقامة المؤسسات المناسبة: "وهناك تدبيران أساسيان لسير الحكومة فى حدود العدل، أولهما أن القواعد الأساسية التى تعمل بمقتضاها يجب ألا تكون بعد مضمرة أو مفهومة ضمنيا بل يجب أن تعلن على الملأ .. والمبدأ الثانى هو المشورة التى تجعل السلطة التشريعية مستقلة عن الحكومة"(نامق كمال: حقوق عموميه فى عبرت، عدد 18، سنة 1872؛ وأعيد طبع هذا المقال فى أبو ضيا توفيق: نمونه أدبيات عثمانيه، إستانبول سنة 1306 هـ، ص 357 - 358، وبالكتابة التركية الجديدة فى مصطفى. ن. أوزون: نامق كمال وعبرت غازته سى، إستانبول سنة 1938، ص 96 - 97؛ الترجمة الإنكليزية فى Emergence: Lewis، ص 140). وقد حاول نامق كمال، شأن أسلافه، أن يعرض هذه الأفكار المستوردة على اعتبار أنها تصورات طبيعية للأفكار الإسلامية التقليدية. وبهذه الطريقة تنمو العدالة فتصبح حرية ومشورة فتمثيلا للأمة. وإلى هذا المدى كان نامق كمال وزملاؤه قد سبقهم كتاب مطالع القرن التاسع عشر الميلادى، بل الحكام إلى حد ما الذين دعوا المجالس وأصدروا المراسيم على أن العثمانيين الجدد قد ذهبوا فى أفكارهم وأفعالهم إلى أبعد من أسلافهم الحذرين بكثير ذلك أن كمال كان يرى أن مجلس المشورة، حتى إذا كان منتخبًا، لا يكفى. وجوهر المسألة أن هذا المجلس هو المالك الوحيد للسلطة التشريعية التى تحرم بمقتضاه الحكومة منها. وهذا المذهب فى فصل السلطات الذى يعبر عنه ويعزز بدستور مكتوب، يدعم بفكرة أساسية أكبر هى فكرة سيادة الشعب التى يجعلها نامق كمال هى "البيعة" التقليدية: "وسيادة الشعب (حاكميت أهالى) التى تعنى أن سلطات الحكومة تستمد من الشعب
…
حق ينشأ بالضرورة من الاستقلال الشخصى (استقلال ذاتى) الذى ينعم به كل شخص بالفطرة" (نامق كمال: حقوق عموميه، الموضع المذكور). ولم يخدع كمال بالوجوه الظاهرية التحريرية والدستورية للتنظيمات ذلك أن قانون الإصلاح لسنة 1839 م لم يكن، كما
زعم البعض، وثيقة دستورية أساسية (شرط نامه أساسى) بل كان إجراءً إداريًا لصبغ البلاد بالصبغة الغربية "ولو كان الأمر العالى فى الأحكام القانونية العامة التى وردت فى ديباجته لم يقتصر على الحرية الشخصية دون سواها، وهى الحرية التى فسرت بأنها تأمين الناس على حياتهم ومالهم وشرفهم، وأعلن علاوة على ذلك مبادئ أساسية أخرى كحرية الفكر، وسيادة الشعب، واعتماد الجهاز الحكومى على المشورة (أى حكومة تمثيلية مسؤولة) لا تخذ بذلك، وبذلك فقط صفة الميثاق الأساسى .. ) (عبرت، عدد 46، سنة 1872، وقد استشهد بذلك إحسان سونغى: تنظيمات ويكى عثمانلى لر فى تنظيمات، جـ 1، إستانبول سنة 1940، ص 845؛ الترجمة الإنكليزية فى Emergence: Lewis، ص 167).
وبصدور الدستور العثمانى الأول سنة 1876 م، بدا البرنامج الحر البرلمانى للعثمانيين الجدد على وشك أن يتحقق. فقد قررت المادة العاشرة من هذا الدستور أن الحرية الشخصية لها حرمتها التى لا تنتهك، وتتناول المواد التالية: حرية العبادة والصحافة والاجتماع والتعليم .. إلخ. وكذلك التحرر من الانتهاكات التحكمية لحقوق الأفراد وللسكن والمال.
على أن الأحكام السياسية فى هذا الدستور جاءت أقل من ذلك أخذًا بالحرية. فهى لا تستمد من سيادة الشعب بل من إرادة السلطان الذى احتفظ بامتيازات هامة كما احتفظ بسلطاته الباقية ولم يعترف إلا اعترافًا هينًا بمبدأ الفصل بين السلطات على أن عمر هذا الدستور الفعلى كان قصيرا على أية حال. ففى فبراير سنة 1878 م حل البرلمان، وظل لا يجتمع ثلاثين سنة أخرى.
وفى عهد عبد الحميد كانت الحرية كلمة محكوما عليها بالإعدام، وأصبحت المثل التى تعبر عنها تزداد ندرة. وفى نظر المجددين الأتراك لهذا الجيل كان الغرب المنبع الذى تستقى منه المثل المادية لفوائد الحرية والهداية العقلية إلى طريق بلوغها. وقد كتب سعد اللَّه من معرض باريس سنة 1878 م يقول: "إذا نظرت إلى هذا العرض الساحر للتقدم البشرى فلا تنس أن كل هذا الذى
تحقق هو بفعل الحرية ففى ظل الحرية تحصل الشعوب والأمم على السعادة، وإذا انعدمت الحرية لم يعد هناك أمن، وبلا أمن لا يكون سعى، وبلا سعى لا يكون رخاء، وبلا رخاء لا تكون سعادة .. " (سعد اللَّه باشا: 1878، باريس إكسبوزسيونى فى أبو ضيا توفيق: نمونه .. ص 288؛ الترجمة الإنكليزية فى Middle East: B . Lewis، ص 47). وكما أن جيلا سابقًا قد اتجه إلى فولتير وروسو ومونتسكيو فكذلك قرأ الجيل الجديد كتابات هايكل Haeckel وبوخنر Buechner وله بون Le Bon (وكان الأخير يفضل بصفة خاصة لتعاطفه مع الإسلام) وسبنسر ومل وغيرهم كثير. وقد كتب حسين رحمي سنة 1908 م يقول:"إذا كان يوجد اليوم أناس يستطيعون التفكير والكتابة والدفاع عن الحرية، فإنهم أولئك الذين تنورت عقولهم بهذه القبسات (من الثقافة الأوربية) وفى تلك الأيام المظلمة الكئيبة كان أصدقاؤنا وهداتنا هم تلك الكنوز العقلية للغرب، وقد تعلمنا حب التفكير وحب الحرية من هذه الكنوز"(مقدمة شبسودى، إستانبول سنة 1912؛ الترجمة الإنكليزية فى Niyazi Secularism: Berkes، ص 292). ونستطيع أن نعبر عن ذلك فى لغة سياسية عملية فنقول إن الحرية كانت تعنى حكومة دستورية تمثيلية - أى أنها نهاية للأوتوقراطية وعودة الدستور وتأمين حقوق المواطن بالانتخابات والبرلمانات الحرة. على أن الحرية لم تعد مسألة سياسية محضا، ذلك أنها كانت تقتضى فيما تقتضيه عند أنصار الأفكار المادية والعلمانية تحررًا عقليًا مما ارتأوا أنه قيود غامضة تقوم على الدين ولعل أول من تصور الحرية فى لغة الاجتماع والاقتصاد كان هو الأمير صباح الدين الذى سعى إلى الخروج بتركية من النظام الجماعى إلى نظام اجتماعى فردى بانتهاج سياسة الفيدرالية واللامركزية وبتشجيع العمل الخاص. ذلك أنه أسس سنة 1902 م جمعية كرست لتحقيق هذه الأغراض. وقد أوحت أفكار من هذا القبيل بقيام الاتفاق التحررى "حريت وائتلاف" الذى ظهر سنة 1911 م إحياء لحزب الاتحاد والترقى وثمة شاهد هام على استعمال الكلمة بمعنى اجتماعى ذاتى
نجده فى الكتاب المشهور لقاسم أمين "تحرير المرأة"(القاهرة سنة 1316 هـ = 1898 م وسنة 1905؛ الترجمتان التركيتان القاهرة سنة 1326 هـ = 1908 م، وإستانبول سنة 1329 هـ = 1911 م، وباللغة التركية الشمالية، قازان سنة 1909).
وكان قيام حرية فعالة للفكر والتعبير إلى حين بعد ثورة سنة 1908 م، فاتحة فترة من المناقشة الحامية درست فيها مشكلة الحرية وغيرها من المشكلات وحللت ونوقشت من عدة وجوه.
وقد وجدت الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية جميعًا أنصارًا لها ومدافعين عنها. ولكن الذى حدث بعد أن أحكم العثمانيون الجدد قيود الأوتوقراطية والرقابة أن خفت المناقشة وتفه شأنها. أما فى تركية الجديدة التى برزت فى ظل الجمهورية الأولى والجمهورية الثانية فلم تختلف مناقشة الحرية اختلافا ملحوظًا عنها فى أوروبا، ولا يقتضى المقام أن نتناولها هنا.
وقد لعب الرعايا العثمانيون فى البلاد العربية دورًا معينًا فى حركة التحرير من أول الأمر تقريبًا. ففى 24 مارس سنة 1867 م نشر الأمير المصرى مصطفى فاضل باشا فى الصحيفة الفرنسية Liberte خطابًا مفتوحًا للسلطان ينصحه بمنح دستور للإمبراطورية العثمانية (أعيد طبعة فى مجلة Orient، عدد 5 سنة 1958، ص 29 - 38) ولم يكتف هذا الباشا بمنحهم أول منشور (مانيفستو) بل لقد عاون ماليًا أيضًا العثمانيين الجدد المنفيين، وخلفه فى هذا من بعد أخوه الخديوى إسماعيل الذى رأى فيهم أداة نافعة لخدمة أغراضه السياسية. وفى أيام عبد الحميد كانت أول صحيفة حرة تنشر فى المنفى هى الصحيفة التى أصدرها سليم فارس من أبناء أحمد فارس الشدياق وكان صدورها فى لندن سنة 1894 م وعنوانها "حريت" كما كانت إحياءً ذا مغزى للمجلة الأسبوعية التى سبقتها على يد العثمانيين الجدد. على أن عملاء السلطان أغروه من بعد بإيقاف نشر هذه المجلة. ومن بين المنفيين الآخرين
الأمير اللبنانى أمين أرسلان الذى نشر صحيفة عربية اسمها "كشف النقاب" فى باريس سنة 1895 م؛ ونائب سورى سابق فى البرلمان العثمانى سنة 1876 م، وهو خليل غانم الذى أصبح نشطًا فى دوائر حزب تركية الفتاة. وقد وجدت أفكار وحجج العثمانيين الجدد ورجال تركية الفتاة صداها فى المطبوعات العربية التى جنحت فى تلك الأيام إلى تقديم اقتباس إقليمى للأفكار التى كانت تدور بين الجماعات الحاكمة التركية. ومن ثم فإن الشعار "حب الوطن من الإيمان" الذى كثرت مناقشته عند ظهوره فى المجلة السورية نصف الشهرية "الجنان" سنة 1870 م يعد امتدادا لاستعماله بصفة منتظمة فى مجلة العثمانيين الجدد "حريت" من (سننة 1868 إلى سنة 1870 م). ولا بد أن يكون نمو الجماعات الفدرالية بين العرب العثمانيين متصلا بالحركة الفدرالية عند الأتراك.
وفى مصر فى ظل الخديوين والحكم البريطانى نشأ الفكر السياسى على أسس مختلفة، وقد تأثر تأثرا مباشرًا فى كثير بأوروبا، وتأثر تأثرًا مباشرًا فى قليل بالأحداث والحركات التى قامت فى الإمبراطورية العثمانية، ولو أنه فى هذه الإمبراطورية قد تأثر بهذه الأحداث والحركات. وكان كثير من زعماء الفكر مهاجرين من البلاد العثمانية يتحدثون بالعربية أما الوجود العرضى لنشاط شخصيات تركية فى مصر مثل الأمير صباح الدين وعبد الله جودت فإنه لا يمكن أن يكون قد مر بدون التفات. فقد كتب ولى الدين يكن وهو من أصل تركى وقد شارك فى الأمور السياسية لحزب تركية الفتاة - بالعربية كثيرًا فى المشاكل السياسية والاجتماعية. وكانت لترجمة جودت لكتاب ألفييرى عن الاستبداد (Vittorio Della tirranide: Alfieri) بعض الأثر: والظاهر أن هذه الترجمة كانت الأساس للاقتباس المشهور لكتاب ألفييرى على يد الحلبى المنفى فى مصر عبد الرحمن الكواكبى، وعنوانه "طبائع الاستبداد" (القاهرة من غير تاريخ؛ انظر Alfieri and: Sylvia G. Haim فى Oriente Maderno Kawakibi جـ 34، سنة 1954، ص 321 - 324؛ E. Rossi: Una tradizione turca dell-opera a "Della
Tirannide" di V. Alfieri. الجزء نفسه، ص 335 - 337).
ومن أقدم المناقشات للحرية فى مصر التى مرت فى تلك الأيام دون التفات كبير وأتت بعد الشيخ رفاعة هى المناقشة التى قام بها الأزهرى الشيخ حسين المرصفى. فهو قد عمد فى "رسالة الكلم الثمان" التى نشرها فى القاهرة سنة 1298 هـ (1881 م) إلى دراسة وتفسير ثمانية مصطلحات سياسية شاعت على ألسنة الناس وقصد بذلك فائدة الشبان الأذكياء فى تلك الأيام، وكانت "الحرية" ص 36 - 37) مصطلحًا من هذه المصطلحات فسرها فى لغة طبيعية اجتماعية، ففرق بين الإنسان والبهائم ودرس ما درج عليه الناس اجتماعيًا من التخصص والاجتماع ومن ثم كانت الحاجة إلى التعاون الاجتماعى والاعتراف المشترك بالحقوق. وقد أدرك الشيخ المرصفى الحاجة إلى الحرية بهذا المعنى الطبيعى والاجتماعى، ولكنه يحذر قراءة الشبان فى شئ من الغموض من التوسعات العصية لهذه الفكرة فى عالم السياسة.
وعلى الرغم من هذه التحذيرات فإن الفكر السياسى الليبرالى الأوربى ظل ينمو ووجد تعبيرا له بكثرة فى الكتابات العربية والتركية. فقد عرضت مزايا الحرية عروضًا شتى ودوفع عنها. ورأى البعض الذين فهموا الحرية فهمًا غامضًا أنها لم تزل طلسمًا سريًا لرخاء الغرب وسلطانه. ولذلك فإن اقتباسها كان أمرًا مرغوبًا فيه لبلوغ هذه النتائج نفسها. ورأى البعض الآخر أن الحرية هى القضاء على الاستبداد الذى تجسد فى شخص السلطان عبد الحميد، وإقامة نظام دستورى للحكم بدلا منه. ولعل آخر عرض وأقواه للموقف الليبرالى التقليدى فى العربية كان على يد المصرى أحمد لطفى السيد (1872 - 1963 م). كان هذا الرجل تليمذًا صريحًا لجون ستيوارت مل وغيره من ليبراليى القرن التاسع عشر الميلادى. وقد جعل مشكلة الحرية محور تفكيره السياسى. فالحرية فى الجوهر معناها حقوق الفرد، أجل حريته الطبيعية التى لا نزول عنها تحددها وتؤمنها الحقوق المدنية، وهذه تؤمنها التدابير والنظم السياسية والشرعية. ويجب أن يكون عمل الدولة وتدخلها فى أقل درجة. ويجب أن تؤمن حرية الفرد والأمة على يد صحافة
حرة وقضاء مستقل ونظام حكم دستورى يحقق الفصل بين السلطات.
ولم يعن لطفى السيد بحرية الفرد فحسب، بل عنى أيضًا بحرية الأمة التى لها حقوق طبيعية مشتركة متميزة عن مجموع الحقوق الإضافية للأشخاص التى تتألف منها هذه الحرية، وقد أنكر لطفى السيد الجامعة الإسلامية واعترض على القومية العربية، ورأى أن الأمة هى مصر ودافع عن تحررها من الحكم الأجنبى والتسلط الوطنى.
ومضى التفسير الليبرالى يجد له أنصارًا وخاصة بعد ثورة حزب تركية الفتاة سنة 1908 م، ثم بعد الانتصار العسكرى للديموقراطيات عقب ذلك بعشر سنوات، على أننا نجد فى الوقت نفسه تفسيرًا جديدًا للحرية ينمو ويكتسب أنصارًا، وقد نشأ هذا التفسير من انتشار الاستعمار وظهور القومية. ذلك أن الحرية فى استعمال الآخذين بالقومية مرادفة للاستقلال أى سيادة الدولة لا تكبلها أية سلطة أجنبية أقوى منها. ويقال للأمة أمة حرة إذا تجردت من أى خضوع من هذا القبيل للأجانب، بصرف النظر عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة فيها. وكان هذا التفسير للحرية بين الأتراك الذين لم يفقدوا استقلالهم قط وإن تهدد هذا الاستقلال، أقل أثرًا منه بين الشعوب العربية التى كان الموضوع الرئيسى الذى تدور حوله حياتهم السياسية هو إنهاء الحكم الأجنبى. والذى حدث فى المدة التى ساد فيها البريطانيون والفرنسيون أن الحرية الفردية لم تكن قط قضية تثير الاهتمام الكثير. صحيح أن هذه الحرية كانت فى كثير من الأحوال محدودة وفى بعض الأحوال معطلة إلا أنها كانت بصفة عامة أشمل وأفضل تأمينًا مما كانت عليه من قبل ومن بعد ذلك أن نظم الحكم الاستعمارية منحت الحرية وأمسكت عن الاستقلال. وكان من الطبيعى أن يكون الصراع ضد الاستعمار مركزًا على الاستقلال تاركًا الحرية. وفى الانقلاب الأخير على الغرب أنكرت أيضًا الديموقراطية الغربية ورميت بأنها زيف وخداع ولا قيمة لها للمسلمين. واحتفظت كلمة "حرية" وكلمة "تحرير" بسحرهما، ولكنهما خلتا من ذلك المضمون الفردى