الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضل لا يمحى فى نمو التصوف نشأ من ورعه وتقشفه اللذين كانا يتجليان أكثر وأكثر إذا قورن بغيره من أهل عصره، ذلك أن الحرص على متاع الدنيا بدأ يغزو جميع طبقات المجتمع الإسلامى. وقد نسبت إليه عدة أقوال فى الورع، وهو عند الصوفية من السابقين يستشهدون به كثيرا كما يفعل أهل السنة، على أن المعتزلة أيضا يجاهرون بأنه واحد منهم لسببين: الأول أن عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وهما أول القائلين بالاعتزال، كانا من تلاميذه، والثانى أن أبا الحسن نفسه كان يميل إلى مذهب الاختيار، ولم يغير من رأيهم انفصال واصل بن عطاء عنه فيما بعد. وهكذا يمكن أن نقول إن معظم الحركات الدينية فى الإسلام ترد إلى الحسن، ومن ثم فليس بعجيب أن نسمع أن أهل البصرة جميعا خرجوا لتشييعه عندما توفى مرضيا عنه من الجميع فى مستهل رجب عام 110 هـ (أكتوبر سنة 728 م).
المصادر:
(1)
الفهرست، ص 183.
(2)
ابن خلكان: وفيات الأعيان، طبعة فستنفلد، رقم 155.
(3)
أحمد بن يحيى: المعتزلة، طبعة أرنولد، ص 12 وما بعدها.
(4)
الشهرستانى: الملل والنحل، طبعة كيورتن، ص 32.
(5)
الهجويرى: ترجمة نيكلسون (مجموعة كب التذكارية، جـ 17 ص 86 وما بعدها.
(6)
فريد الدين العطار: تذكرة الأولياء، طبعة نيكلسون جـ 1، ص 24 وما بعدها).
(7)
Geshichte der: V. Kremer herrschenden ideen ص 32 وما بعدها.
(8)
Die Philosphishen: Horten Systeme etc ص 21 وما بعدها.
الشنتناوى
+ الحسن البصرى، أبو سعيد بن أبى الحسن يسار البصرى (21 - 110 هـ = 642 - 728 م): واعظ
مشهور من عصر الأمويين فى البصرة، وهو من التابعين. وقد أسر أبوه، الذى كان اسمه الأصلى فيروز، عند الاستيلاء على ميسان فى العراق، ويقال إنه حمل إلى المدينة واعتقته مالكته، وهى امرأة لا نستطيع أن نعرف شخصيتها على التحقيق، ثم تزوج أم حسن: خيره. وتقول الرواية إن حسن ولد فى المدينة سنة 21 هـ (642 م؛ وانظر فى نقد هذه الرواية Schaeder: Hasan Al Basri ، فى ISl جـ 14، سنة 1925، ص 42 وما بعدها). وترعرع فى وادى القرى وشخص إلى البصرة بعد سنة من وقعة صفين. واشترك وهو شاب فى الفتوح التى وقعت فى شرق إيران (سنة 43 هـ = 663 م وما بعدها من سنين). ثم عاش فى البصرة حتى وفاته سنة 110 هـ (728 م). وتقوم شهرته على ما تميزت به شخصيته فى الدين من صدق واستقامة، مما كان له عميق الأثر فى معاصريه (Ritter، ص 14، 33، تعليق 5) كما قامت بصفة خاصة على مواعظه المشهورة وأقواله التى لم يقتصر فيها على تحذير بنى وطنه من اقتراف الآثام فحسب، بل إنه قد أمرهم فيها أيضا أن يتدبروا حياتهم كلها وينظموها مع النظر الى الآخرة. وهذه المواعظ التى لم يبق منها إلا شذرات، تعد من خير ما وصل إلينا من نماذج النثر العربى المبكر، والصور الجياشة والمقابلات البارعة الواردة فيها ترفعها إلى صف آيات البلاغة. ومن هنا كانت الدواوين مثل ما كتبه الجاحظ والمبرد على حق فى الاستشهاد بها ضمن الخطب المشهورة لأئمة الساسة فى العصر الأموى على اعتبار أنها من روائع الأساليب، بل إن كثيرا من هذه الأقوال قد دخلت فى المعاجم العمدة. وأشهر شاهدين هما:"حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور"(Ritter، ص 24، وقد أسيئت ترجمته)؛ و"اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها"(المبرد: الكامل، طبعة Wright ص 158). ومن ثم فإن من الطبيعى القول بأننا لا نكاد نجد كتابا
فى المواعظ إلا استشهد فيه بأقوال الحسن. أما أحكامه السياسية على الخلفاء الأولين فليست، على ما هو مألوف، إعلانًا بالولاء لحزب من الأحزاب السياسية، وإنما هى تنبع من مبادئه الدينية. فقد نقد الحسن بلا خوف حكام زمانه ونعنى بهم أمراء العراق. وحيثما أبعد فى النقد فحمل على الحجاج لإقامته مدينة واسط سنة 86 هـ (705 م) سخط عليه الحجاج ولم يجد الحسن بدا من الاختباء حتى أدركت المنية هذا الوالى (Schaeder، ص 55 - 63، Ritter، ص 53 - 55). ومع ذلك فإن الحسن لم يرض عن أولئك الذين شاركوا فى محاولات "تغيير المنكر" الإطاحة بالولاة غير الصالحين بالانتقاض عليهم. وحين أمره أتباع الثائر ابن الأشعث بالانضمام إليهم بين لهم الحسن أن جور الطغاة فى أفعالهم هى عقاب أنزله الله ولا يمكن معالجة هذا الجور بالسيف، وإنما يجب احتماله بالصبر (Schaeder ص 56 - 57؛ Ritter، ص 51). وقد كان الحسن فى مواعظه يحذر الناس دائما من الانصراف إلى أمور الدنيا والاهتمام بنعيمها، ذلك أنهم سائرون الى الموت وأن الموتى هم السابقون والأحياء هم اللاحقون (Ritter، ص 20) وكان الحسن يرتاب فيمن يستكثرون من المال، وقد رفض خاطبًا لابنته اشتهر بثروته لا لشئ إلا لثروته (Ritter، ص 25)، ولم يطف بذهنه أن يقبل أرضا "مواتا" وزعت بلا مقابل، "ما يسرنى لو أن لى ما بين الجسرين بزنبيل تراب"(Ritter، ص 25 - 26) وكان الحسن يطلق على محب الدنيا الذى يأخذ عقيدته بخفة ويرتكب الإثم دون أن يراجع نفسه "المنافق" وكان يقتصر فى استعمال هذه الصفة على هذا المعنى ومن ثم فإن الحسن يظهر فى مختارات الحكم بأنه النصير الأكبر للمذهب القائل بأن صاحب الكبيرة منافق (Ritter، ص 42 - 44). وهو يتخذ موقف المتشدد فى المعاصى، ويرى أن الآثم مسئول كل المسئولية عن أفعاله، ولا يمكن أن يلتمس العذر لنفسه بأن جميع الأفعال من صنع الله. وهذا هو موقف القدرية.
ويدرك ابن تيمية الصلة بين تشديد المعاصى والقدرية إذ يقول إن الناس يرمون كل من يتشدد فى المعاصى بأنه قدرى، ومن أجل هذا اتهم الحسن بأنه يؤمن بمذهب القدرية. ولا شك فى أن الحسن قد اتخذ موقف القدرية، ولو أن ثمة محاولات بذلت من قبل تاريخ متقدم لتبرئته من هذه الوصمة (Ritter، ص 57 وما بعدها) ويظهر أن هذا قد وضع أيضا فى رسالته لعبد الملك (طبعة Ritter، ص 67 - 83) وكذلك نوّه بـ "أخوة" الحسن وإيثاره. وكان من المعجبين به الشاعر الفرزدق فقد دعاه شاهدا على طلاقه من زوجه "نوار"(المبرد: الكامل، ص 70).
ولم يبق من آثار الحسن الكثير، فإلى جانب القطع من مواعظه التى ذكرناها، فإن له "رسالة" إلى عمر بن عبد العزيز فيها طابع التقشف والموعظة (Ritter، ص 21 وما بعدها) وله أيضا رسالة إلى "أخ " فى مكة يمتدح فيها "المجاورة" بمكة (Ritter، ص 8 - 9)، وكتاب فى 54 فريضة، لم يتثبت بعد من نسبته إليه (Ritter ص 7 - 8). ويروى الفهرست (ص 34، س 1) أن الحسن كتب تفسيرا للقرآن الكريم. وقد ذكر ماسينيون (Essai: L. Massignon . ص 162 - 163) تفصيلات قليلة عن هذا التفسير. ويتناول برجشتراسر (G. Bergstraesser فى Islamica جـ 2، ص 11 وما بعدها نظراته اللاحقة فى قراءة القرآن الكريم. ويعد الحسن فى نظر المتأخرين من المحدثين محدثا قليل العناية بالأحاديث التى يرويها، فقد ذاعت أقواله هو وقيل إنها "أحاديث" ولم ينف هو ذلك (Ritter، ص 11). ومن ثم فقد أساء الحكم عليه النقاد من المحدثين، ورماه الذهبى (ميزان الاعتدال مادة الحسن) بأنه "كثير التدليس"(Ritter ص 2 - 3).
أثره: كان أهل السنة والجماعة والمعتزلة يقولون إنه واحد منهم، ولو أن المعتزلة يزعمون أنه لا يمت لهم من حيث الأصل بصلة. أما أتباع "الفتوة" فيقولون إنه لإخوته إمامهم (Ritter ص 40 وما بعدها). ويظهر اسمه فى سلاسل كثيرة من الطرق الصوفية بأنه حلقة فى هذه السلاسل ويذكر اسمه