الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع: التشنيع على أولي الأمر والتقول عليهم، وتأليب الناس ضدهم وتتبع زلاتهم والاحتجاج بها
إن من الأسباب التي تفرق الأمة المسلمة وتدعو للخروج على الجماعة وإمامها ما يفعله بعض المغرضين وأصحاب الأهواء، أو الجهال من التشنيع على أولي الأمر ولهم في ذلك طرق كثيرة منها:
التقول على أولي الأمر من علماء وأمراء، والكذب عليهم، ولهم في هذا أهداف.
محاولة تحقير أولي الأمر والحط من شأنهم بالاحتجاج بزلاتهم، والعمل على هتك سترهم وتصيد أخطائهم، وتضخيمها ونشرها، أو تأويل ما يقع حسب ما يهوون، ووفق ما يخدم مصالحهم. وبيان ذلك بالآتي:
التقول على أولي الأمر، والكذب عليهم: لقد دأب أهل الأهواء وأصحاب الفرقة على التقول على أولي الأمر لتأليب الناس ضدهم، ولإعطاء أنفسهم مبررا لخروجهم على الجماعة وعلى إمام المسلمين، فأشعلوا الفتنة وأراقوا دماء المسلمين. ولقد سلك مدبروا الفتنة الخارجون على عثمان رضي الله عنه هذا المسلك فكذبوا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان حينما سرقوا خاتمه وزوروا الكتاب باسمه إلى عامله بمصر يأمره بقتل من رجع عنه من ثوار مصر (1).وزوروا كتابا آخر بلسان علي بن أبي طالب إلى ثوار أهل العراق – الذين شرعوا في المسير نحو ديارهم بعد محاورتهم لعثمان واقتناع أغلبهم – يطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة (2).ولم يكتف هؤلاء الثوار بذلك بل سعوا إلى التقول والكذب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكتابة كتاب باسمها تأمر الناس فيه بالخروج على عثمان (3).وبيَّن محب الدين الخطيب أثر التقول على الولاة، وأثر الوشايات الكاذبة في التحريض على الخروج على الإمام، فقال: كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرؤوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي يثبت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين، ومحرومين سلبوا حقهم (4).إن حب الدنيا والطمع في الرئاسة يدفع أصحاب الأهواء إلى الكذب على ولاة الأمر، وإلى تزييف الحقائق، وتأويل المواقف، كل ذلك ليحصل مرادهم من تأليب الناس على الولاة، ومن تبرير عداوتهم لهم، فانظر كيف أن بعض بني مروان كان يشيع أن عليا رضي الله عنه لم يكن خليفة راشدا، بل كان ممن ينازع على الملك؟! وكذبوا فيما قالوا (5).بل دفع حب الدنيا والموالاة والمعاداة فيها إلى سب علي رضي الله عنه، وسب بعض الصحابة الكرام، والدعوة إلى ذلك، والتجاسر على التقول عليهم (6). فنعوذ بالله من الخذلان، ومن استزلال الشيطان. كما أن من أسباب التقول على الولاة ورؤوس الناس أن هؤلاء الجهال أصحاب الفرقة والضلال إذا سمعوا كلاما مجملا من ولي الأمر زادوا فيه وحملوه ما لا يحتمل، تقول عائشة رضي الله عنها:" يرحم الله عليا، إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله. فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث"(7).لذلك كان عمر رضي الله عنه يحتاط لنفسه من ذلك، فيقول للناس:" إني قائل مقالة قدر لي أن أقولها، فمن عقلها ورعاها فليحدث بها حتى تنتهي به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب علي "(8).
لقد شرط عمر للنقل عنه: الفهم الصحيح لما قاله، والأمانة في النقل فقال: " فمن عقلها ورعاها، فالتقول على الناس عموما إما أن يكون بسبب عدم فهم ما قيل، وتحميل الكلام ما لا يحتمل، وتأويله على هوى فهم السامع لا على مراد القائل. أو يكون بسبب الخيانة في النقل والكذب فيه، وهذا يفسد كثيرا في أحوال الناس العامة، فما بالك إذا كان هذا المنهج يتبع في النقل عن المسؤولين وولاة الأمر؟!.
(1) انظر ((العواصم من القواصم)) (ص 121)، و ((البداية والنهاية)) لابن كثير (7/ 117).
(2)
انظر ((العواصم من القواصم)) (ص 122).
(3)
انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/ 82)، ((العواصم من القواصم)) (ص 123).
(4)
انظر حاشية ((العواصم من القواصم)) له (ص 120).
(5)
انظر مختصر ((سنن أبي داوود)) للحافظ المنذري (7/ 27).
(6)
انظر مختصر ((سنن أبي داوود)) للحافظ المنذري (7/ 28).
(7)
((المسند)) للإمام أحمد (1/ 86)، وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (7/ 280) تفرد به أحمد وإسناده صحيح.
(8)
انظر ((خلق أفعال العباد)) للبخاري (ص 77).
فينبغي لكل مسلم أن يتقي الله عز وجل ويعلم أن قوله من عمله، وأن الله سائله عنه يوم القيامة، فيتقي الله فيما ينقل عن الناس عامة، وعن أولي الأمر والمسؤولين خاصة، ولا يكن ديدنه ومحور حديثه: يقولون إنه قيل كذا وكذا، ويزعمون أنه حصل كذا وكذا؟!!.
إن الأمر خطير إن كان كذبا على الأمراء والمسؤولين، فما بالك إذا كان كذبا على العلماء حملة هذا الدين، إن الخطب أشد.
إن الكذب على العلماء، والتقول عليهم يراد به أمران: - الأول: إما أن يراد به التشنيع عليهم والطعن فيهم، والحط من قدرهم بين الناس، وحقيقة هذا الطعن: طعن في الدين، إذ العلماء حملته، وتشكيك في تعاليمه: إذ العلماء الربانيون هم ورثة الأنبياء الحاصلون لواء الدعوة لهذا الدين، القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا عيبوا ولمزوا وطعن فيهم فهو طعن في علمهم الذي يحملون ويبلغون.
إنها محاولة من أعداء الدين لزعزعة ثقة الناس بالعلماء، ومن ثم فقد المرجعية العلمية في أمور دينهم، ونشر الجهل بذلك بينهم فيسهل تفريقهم وإضعافهم. والثاني: أن يراد بالكذب على العلماء: ترويج القول بالباطن، والتدليس على الناس، ونشر البدعة والضلالة بنسبته إلى إمام مشهور، وعالم موثوق، فلما يسمع الناس أن هذا قول فلان من العلماء يقبلون هذا القول لثقتهم بهذا العالم دون النظر إلى القول نفسه، وبهذا تروج البدعة وتفترق الأمة، وأكثر من يسلك هذا الأسلوب: أصحاب الأهواء والبدع، إذ ينسبون أقوالهم الباطلة للعلماء المشهورين (1).فعلى المسلم أن يتثبت في النقل عن العلماء من مصادرهم وكتبهم، ولا يطير بكل كلمة تقال وتحكى عن عالم أو إمام ويغرر بها، بل عليه أن يتروى ويتثبت (2).ولعل الخطب الآن في العصر الحديث أشد لنفوذ داء الكذب على العلماء، وسرعة انتشاره، لسرعة وسائل الإعلام الحديثة التي يتابعها عامة المسلمين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:((ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف)) (3).
(1) انظر ((منهج كتابة التاريخ الإسلامي)) لمحمد السلمي (ص 251).
(2)
انظر كتاب ((الاستقامة)) لابن تيمية (1/ 109)، ((الفتاوى)) (26/ 334)، وانظر أمثلة كذب القدرية على الحسن البصري رحمه اله، مختصر ((سنن أبي داوود)) للمنذري (7/ 16 – 17).
(3)
رواه أبو داود (4264) والطبراني في ((الأوسط)) (8717) وضعفه الألباني، وقال ابن حجر في ((هداية الرواة)) فيه عبدالرحمن بن البيلماني.
من الطرق التي تسلك للتشنيع على أولي الأمر: محاولة تحقيرهم والحط من شأنهم بالاحتجاج بزلاتهم، والعمل على هتك سترهم، وتصيد أخطائهم وتضخيمها ونشرها، أو تأويل ما يقع منهم حسب ما يهوون ووفق ما يخدم مصالحهم، وهاك توضيح ذلك: زلة العالم: مما جاء في التحذير منه عن الأئمة الأعلام: التحذير من زلة وخطأ العالم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون "(1).ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه: " إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق "(2).وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال: " الله حكم قسط هلك المرتابون، وكان مما قاله يوما: ". . وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال: قلت (3) لمعاذ: ما يدريني – رحمك الله – أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟! ولا يثنيك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا (4).
إن في كلام معاذ رضي الله عنه فوائد وقواعد في التعامل مع زلة العالم منها:
(1) انظر ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر (2/ 979).
(2)
انظر ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر (2/ 979).
(3)
القائل هنا هو يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ وجلسائه وقد حكى هذا الخبر.
(4)
((سنن أبي داود))، كتاب السنة، باب من دعا إلى السنة (4/ 202)، وصحح الألباني إسناده في صحيح ((سنن أبي داود)) (3/ 872).
الحذر من زيغة الحكيم وزلته فإنها فتنة، وإن الشيطان حريص على إضلال الناس وتفريقهم بإزلال العالم الحكيم، وإجراء كلمة الباطل على لسانه لترويجها بين المسلمين. يقول ابن تيمية مبينا كيف تكون الفتنة والمحنة للناس بزلة العالم فيقول:" ولكن وقوع مثل هذا التأويل من الأئمة المتبوعين أهل العلم والإيمان صار من أسباب المحن والفتنة، فإن الذين يعظمونهم قد يقتدون بهم في ذلك، وقد لا يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك، بل يتعدون ويزيدون زيادات لم تصدر من أولئك الأئمة السادة، والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل، قد يعتدون على المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم، ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرمه الله ورسوله، فهذا واقع كثير في موارد النزاع الذي وقع فيه خطأ من بعض الكبار "(1).إن الغرض من التحذير من زيغة العالم وزلته هو عدم اتباعه في هذه الزلة أو الاحتجاج بها، إذ الحجة في قول الله وقول رسوله وإليهما ترد موارد النزاع (2). إن الحق يجب أن يقبل ممن قاله أيا كان، وأن الباطل يجب أن يرد على من قاله أيا كان (3).أما كيف نعرف أن هذا القول من العالم خطأ وزلة؟ فبين معاذ رضي الله عنه ذلك بقوله:" اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟ "، وفي رواية أخرى:" هي كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه "؟ (4).فزلته ضابطها: أنه يخالف بها جمهور الأمة، والعلماء المجتهدون هم الذين يعرفون ما وافق الحق وما خالفه (5)، وينكرون على العالم زلته، يقول ابن تيمية:" وهنا أصل يجب اعتماده: وذلك أن الله سبحانه عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يعصم آحادها من الخطأ، لا صديقا ولا غير صديق، لكن إذا وقع بعضها في خطأ فلابد أن يقيم الله فيها من يكون على الصواب في ذلك الخطأ. وإذا كان فيها من يأمر بمنكر متأولا، فلابد أن يكون فيها من يأمر بذلك المعروف "(6).ويقول الشاطبي رحمه الله: " فإن قيل فهل لغير المجتهدين من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة، فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين "(7).إن زلة العالم لا توجب هجرانه أو الحط من قدره، لذلك قال معاذ:" ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع "، فهذا هو المنهج في التعامل مع العلماء الأجلاء، وهذه هي وسطية الإسلام واعتدال السلف الصالح، يقول ابن القيم: " معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها لا توجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما
…
فلا نؤثمهم ولا نعصمهم، ولا نقبل كل أقوالهم ولا نهدرها
…
(1)((الاستقامة)) (1/ 301)، وانظر الموافقات للشاطبي (4/ 531).
(2)
انظر ((الاستقامة)) (1/ 300)، ((الموافقات)) للشاطبي (4/ 532)، ((إعلام الموقعين)) (3/ 282، 284).
(3)
انظر ((إعلام الموقعين)) (1/ 104) في وجوب قبول الحق ممن قاله.
(4)
انظر ((جامع بيان العلم)) (2/ 981).
(5)
انظر ((الاستقامة)) (1/ 299) باختصار.
(6)
انظر ((الاستقامة)) (1/ 299) باختصار.
(7)
((الموافقات)) (4/ 534).
ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع يعلم أن الرجل الجليل قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده " (1).إنه من الواجب على كل مسلم عدم حكاية الأقوال الضعيفة، أو العمل على نشرها بين المسلمين، فربما سمعها أحد من العامة فاتبعها لجهله، أو عمل بها موافقة لهواه، يقول ابن القيم: " فإذا كنا قد حذرنا زلة العالم، وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها؛ فكثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة، مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها (2).إن إثارة هذه الأقوال الضعيفة للعلماء، والتشويش بها على عامة المسلمين، والطعن بها على علمائهم ومذاهبهم من حيل أعداء الدين لتفريق المسلمين، وتشكيكهم في الحق الذي معهم، يقول ابن تيمية:" ومثل هذه المسألة الضعيفة (3) ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين، لا على وجه القدح فيه، ولا على وجه المتابعة له فيها، فإن ذلك ضربا من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة، وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد. والله أعلم "(4).
ب – من طرق التشنيع على أولي الأمر: ما يقوم به أهل الأهواء وأصحاب الفرقة من هتك ستر أولي الأمر، وتصيد أخطائهم والعمل على تضخيمها ونشرها بين الناس، وهذا أسلوب دنيء يخالف ما أمرنا به من الستر على المسلم وعدم التجسس عليه، وتلمس العذر له إن أخطأ، والعمل على مناصحته لا فضحه.
ثم إن هذا التصرف الذي يديره أهل الأهواء، وتلوكه العامة جهلا منها بذلك، من شأنه أن ينشر البغضاء والعداوة في الأمة خاصة إذا كان هذا الأمر صادرا من العامة ضد ولاة أمرها.
ثم إنه إذا انتشر هذا الأسلوب وقعت الهوة بين أولي الأمر وبين العامة، وفقدت الثقة بين هؤلاء وهؤلاء، وعمت الفوضى، وتفرقت الأمة وفقدت مرجعيتها، وأصبحت لقمة سائغة لكل خارجي مقاتل، أو عدو مخادع. فيجب على المسلم ألا ينظر للفعل الصادر من أخيه المسلم دون نظر إلى مبرراته، والسؤال عن مقتضاه حتى تتضح له الصورة، مثال ذلك أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس رضي الله عنهما:" إن الناس يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية. ولولا أني أخاف أن أكتم علما لم أكتب له "(5).
(1) انظر ((إعلام الموقعين)) (3/ 283) باختصار وتصرف، وانظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت بالسيف بين يدي الساعة " لابن رجب الحنبلي (90/ 93).
(2)
((إعلام الموقعين)) (3/ 286) باختصار يسير.
(3)
يقصد بالمسألة: قول من قال: بجواز نكاح الرجل من ابنته من الزنا. انظر ((الفتاوى)) (32/ 86).
(4)
انظر ((الفتاوى)) (32/ 88).
(5)
انظر كتاب ((السنة)) للمروزي (ص 142).
مثال آخر: أن حذيفة بن اليمان كان بالمدائن، وكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان الفارسي فيذكرون قول حذيفة، فيقول سلمان:" حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان في مبقلة فقال: يا سلمان، ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ((أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فأجعلها عليهم صلاة يوم القيامة)). والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر "(1).ويروي البخاري في صحيحه (2) أن رجلا من أهل مصر حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: " من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء من قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك ".فالسائل كان ممن يتعصب على عثمان ويعيب عليه، فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبر مستحسنا لما أجابه به ابن عمر، لكن ابن عمر أظهر له العذر عن جميعها لما عرف قصده، وقال له في آخر كلامه: اذهب بها الآن معك " أي: اقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان (3).
(1) رواه أبو داود (4659) وأحمد (5/ 437)(23757) والطبراني (6169)، وصححه الألباني.
(2)
كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان (7/ 54 فتح).
(3)
انظر ((فتح الباري)) لابن حجر (7/ 59).
ونجد بعض المسلمين ينتهج نهج هذا المصري من تصيد الأخطاء، واستلالها، دون تلمس للأعذار أو نظر للمحاسن. والعجب كل العجب كيف استزل الشيطان الناس في استباحتهم أعراض العلماء والأمراء والمشهورين من المسلمين، والتساهل في الخوض في سبهم وشتمهم، وغيبتهم، فبعض المجالس (1) لا تدور إلا بما قال هذا العالم أو فعل ذاك الأمير؛ مما قد يكون في أموره الخاصة والتي يستتر بها، وكأنه لا حرمة لهم، أو أن غيبتهم مباحة، بل الأمر يتعدى الغيبة ليصل إلى البهتان، فاحذر أخي المسلم من هذا المزلق، فإنه مؤشر خطير على سوء حال الراعي والرعية. ج- إن سبل الضلال كثيرة، وحيل الشيطان عديدة، لذلك نجد أصحاب الأهواء والفرقة المخالفين للسنة يعمدون إلى ما يصدر من أولي الأمر من أقوال أو أعمال – خاصة إن كانت مجملة أو فيها إيهام – فيعمدون إلى تأويلها تأويلا فاسدا حسب ما يشتهون، ويحاولون الاستدلال بالنصوص وفق ما يخدم مصالحهم، فهذا رجل سائل يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنه ويقول له: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بهذه الآية التي يقول الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]، قال: فإن الله يقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: 39] قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلوه، وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه – وأشار بيده – وهذه ابنته أو بنته حيث ترون " (2).فهذا السائل يعتقد أمرا فجاء يسأل لا سؤال استفهام ومعرفة، بل سؤال من اعتقد شيئا ويريد أن يؤيده ويحتج به، فكان السائل يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك، ولذلك لما رأى أن ابن عمر لا يوافقه فيما يعتقده ولا يؤيده على استدلاله، صرح بمراده وقال: " فما قولك في علي وعثمان؟ فرد عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبي صلى الله عليه وسلم والاعتذار عما عابوا به عثمان (3).ومن الأمثلة على تحريف الأقوال وصرفها حسب ما يهواه السامع لا على حسب مراد القائل: أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها أرسلت إلى ابن عمر تقول له: " بلغني أنك تحرم صوم رجب؟ فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟! (4).يقول الإمام أبو بكر محمد الطرطوشي (5)
(1) سواء كانت مجالس عادية، أو مجالس وأندية عبر القنوات الفضائية، أو الشبكة العنكبوتية (الإنترنت).
(2)
رواه البخاري (4650).
(3)
انظر ((فتح الباري)) (8/ 310).
(4)
انظر كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي (2 141).
(5)
هو: أبو بكر محمد بن الوليد بن أيوب الفهري الأندلسي الطرطوشي، الفقيه، شيخ المالكية، وعالم الإسكندرية كان إماما عالما، زاهدا ورعا. توفي سنة 520هـ. انظر:((السير)) (19/ 490)، الوفيات (4/ 262) ..
تعليقا على هذا الأثر: " وقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة مؤقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب، وهذا التحريف ديدن الناس اليوم، والله المستعان "(1).وصدق الإمام الطرطوشي فهذا التحريف ديدن الناس اليوم! لذلك يجب على العلماء والأمراء ورؤوس الناس البعد عن مواطن الشبه، والحذر من الأمر الملتبس وإن كان في نفسه مباحا، حتى لا يلتبس على العامة لجهلهم وقصر نظرهم، أو لسوء ظن بعضهم، فعلى أولي الأمر دفع الريبة عن أنفسهم وإيضاح الموقف وعدم السكوت أو التأجيل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وذلك أن صفية بنت حيي زوجه جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:((على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبُر عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)) (2).قال ابن حجر رحمه الله: " وفي الحديث من الفوائد. . التحرز من التعرض لسوء الظن، والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم "(3).لذلك لما أبصر عمر رضي الله عنه طلحة بن عبيد الله وعليه ثوبان ممشقان (4)، قال له:" ما هذا يا طلحة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (5)، فقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، ولو رآك أحد جاهل قال: طلحة يلبس الثياب المصبغة وهو محرم، وإن أحسن ما يلبس المحرم البياض، فلا تلبسوا على الناس "(6).
كما أنه ينبغي على أولي الأمر: علماء وأمراء، وعلى المعارضين لهم: أن يفتحوا باب الحوار والنقاش للنظر في سبب الخلاف بينهما ووجه الاعتراض، وطرح كل أوجه النقد ومناقشتها لتجلية الموقف، فإن كان فيه لبس وضح، وإن كان العالم أو الأمير أو الرئيس مخطئا تراجع عن خطئه؛ إذ لا عصمة لأحد من الناس إلا الأنبياء. إن ترك الحوار والاستفهام، وترك التثبت يجلب الفتنة والمحنة للأمة، واعتبر بما حدث مع عثمان رضي الله عنه ومع الخارجين عليه المخالفين لأمره، إذ طلب عثمان رضي الله عنه – وهذا من فقهه وعلمه - في بادئ الأمر أن يستعتبوه، وأن يعرف منهم سبب غضبهم وخروجهم عليه، ويسمعوا له ويفهموا سبب فعله، ولما حدث الحوار بين الطرفين تمهدت الأعذار، وانزاحت العلل، ولم يبق لهؤلاء الخارجين الثائرين شبهة، خاصة من كان من الأتباع المخدوعين المغرر بهم، فما أن سمعوا قول عثمان رضي الله عنه وحجته إلا عرفوا الحقيقة واقتنعوا ورجعوا إلى ديارهم (7).
لكن أصابع الفتنة ما زالت تعبث بعقول العامة، وتنشر الفرقة في جسد الأمة مستعملة الكذب والوشايات والتزوير، فما أن قفلت الجموع الثائرة على عثمان رضي الله عنه إلى ديارهم راضية مقتنعة، إلا بعثت الكتب المزورة في أثرها تغريها بالرجوع، فكان ما كان من عودتها وحصارها لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقتله محصورا شهيدا رضي الله عنه وأرضاه.
فهذه الجموع الثائرة لم تنصت لصوت الحق دائما، ولم تتثبت وتتبين في كل مرة، ولم تتحاكم إلى قول الله ورسوله، بل جعلت الهوى لها قائدا والكذب حجة فضلت وأضلت، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المصدر:
موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص277 - 291
(1) كتاب الحوادث والبدع (ص 141).
(2)
رواه البخاري (2035).
(3)
((فتح الباري)) (4/ 280).
(4)
أي مصبوغ بالمشق وهو المغرة وهو صبغ أحمر. انظر ((لسان العرب)) (10/ 345)، النهاية في غريب الحديث (4/ 285).
(5)
أي مصبوغ بالمدر، والمدر: الطين اليابس، انظر النهاية في غريب الحديث (4/ 267)، ((لسان العرب)) (5/ 162).
(6)
انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/ 220).
(7)
انظر حاشية ((العواصم من القواصم)) لمحب الدين الخطيب (ص 120).