الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن: النهج الباطني عند النقشبندية والصوفية
وزعم عثمان سراج الدين النقشبندي أن للقرآن ظاهرا وبطنا وظهر ظهر وبطن بطن وهكذا إلى ما لا يعلمه الا الله (1). وفسر قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ [الحجر:26] أي أوجدنا كل فرد من أفراد الإنسان الباطني وهو مجرداته الخمسة: القلب والروح والسر والخفي والأخفى» (2).وقال بهاء الدين نقشبند في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1]، «أي أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة» (3).وفسر عبد الرزاق النقشبندي بِسْمِ اللَّهِ [النمل:30] أي باسم الإنسان الكامل (4).والكمال الإنساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الإلهي. ولا يتجلى الحق إلا من خلف حجاب الكمال المحمدي إذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال إلا بها (5).وفسر مشايخ النقشبندية قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، بمعنى أن العبد بعد الفناء يبقى في الله فيصير مظهر تجليات أسماء الأفعال ويجد في نفسه آثار الأسماء الكونية ويحصل له حظ من كل اسم (6).وفسر الكردي قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: 32]، الظالم لنفسه أي من منع نفسه عن اللذات وما أعطاها مرادها فصار مستعدا لقبول الفيض الإلهي وحينئذ يكون مقدما على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. وهذا تحريف للقرآن وهو عمل اليهود. وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن تحريف معاني النصوص موجود بكثرة عند اليهود (7).وفسروا الآية إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10] ، أي يصعد من القلوب أنوار الذكر وأنوار نازلة من العرش على قلبك، فإذا فني وجودك الجسماني عن شهودها من النور إلى النور فتصعد منك وتنزل منه» (8).وقول النبي صلى الله عليه وسلم:((أمط الأذى عن الطريق)) (9) قال بهاء الدين نقشبند: «الأذى معناه أذى النفس والطريق طريق الحق» (10).وقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: 24]، أي إذا نسيت غيره وحمل الآية على معنى الفناء في الله (11).وقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16]، المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الأحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فإذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16] ، ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري)(12).
(1)((تفسير سورة التين)) (ص 5) طبعة؟ كتب عليها «يوزع مجانا عن روح إبراهيم ومحاسن وناريمان فولادكار» .
(2)
((تفسير سورة التين)) (26)((الحدائق الوردية في أجلاء الطريقة النقشبندية)) (171).
(3)
((المواهب السرمدية)) (162)((الأنوار القدسية)) (162)((رشحات عين الحياة)) (174 و186).
(4)
((رشحات عين الحياة)) (121).
(5)
((نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان)) (26)(34 حسب الترقيم الخطأ).
(6)
((المواهب السرمدية)) (162).
(7)
((فتح الباري)) (13/ 524).
(8)
((نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان)) (81).
(9)
رواه أحمد في ((المسند)) (19810)(4/ 423) من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن من أجل جابر بن عمرو الراسبي، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1390).
(10)
((الحدائق الوردية)) (ص 131).
(11)
((البهجة السنية في آداب الطريقة الخالدية العلية النقشبندية)) (53) لمحمد بن عبد الله الخاني ط: مكتبة الحقيقة بتركيا.
(12)
((رشحات عين الحياة)) (186).
وفي قوله تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس: 37]، قالوا: النهار هو نور الوجود والليل ظلمة العدم (1).وقالوا في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12] ، أي اخلع حبك من الدنيا والآخرة (2).
وقالوا عن معنى قوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا [الشورى: 49]، أي العبادات والمعاملات وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى: 49] ، أي الأحوال والعلوم والمقامات. وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: 50] ، أي بلا علم ولا عمل» (4).
المطلب الثاني: تعاليم هندوسية
ويحكي صاحب (الرشحات) قصة أحد كبار النقشبندية قال: «وكان الشيخ لا يأكل الطعام الحاصل من الحيوانات ويمتنع عنه ويقول: أنا أتعجب من الناس كيف يضعون السكين على حلق ما له عينان ينظر بهما إليهم ويقتلونه ثم يطبخون لحمه ويأكلون؟ قال صاحب (الرشحات): «ويفهم من كلام الشيخ هذا أنه في ذلك الوقت كان متحققا بمقام الأبدال فإن تلك الخصلة مخصوصة بمقام الأبدال فإنهم لا يقتلون شيئًا من الحيوانات ولا يؤذونه ولا يأكلون لحمه لغلبة شهود سريان الحياة الحقيقية في الأشياء عليهم في هذا المقام» (5).
ويحكي صاحب (الرشحات) نفسه عن أحد شيوخه أنه كان يصلي قائما على رجل واحدة فقط. وهذه من تعاليم الهنود. فقد قال الغزالي: «وعباد الهنود يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على رجل واحدة» (6).
تعظيمهم للحسين بن منصور الحلاج
(1)((رشحات عين الحياة)) (126).
(2)
((البهجة السنية في آداب الطريقة الخالدية العلية النقشبندية)) (33) لمحمد بن عبد الله الخاني ط: مكتبة الحقيقة بتركيا.
(3)
الحدائق الوردية في أجلاء الطريق النقشبندية (171).
(4)
((جامع الأصول في الأولياء وأنواعهم وأوصافهم وأصول كل طريق ومهمات المريد وشروط الشيخ)) (ص 141) طبع بالمطبعة الجمالية بمصر سنة 1328.
(5)
((رشحات عين الحياة)) (153).
(6)
((إحياء علوم الدين)) (3/ 62).
هو الحسين بن منصور الحلاج كان من أصحاب أسياد الصوفية كـ " الجنيد " و"الشبلي" غير أنه كان أكثر الصوفية جرأة على إظهار العقيدة الباطنية الاتحادية للفكر الصوفي ولم يكتمها على نحو ما كان يوصي به أئمة التصوف. يقول الشبلي: «كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت» واعتبروا أن خطأه كان في إظهار ما كان يجب عليه كتمانه. (1).وقد أظهر الحلاج من كلمات الكفر ووحدة الوجود ما اضطر كثيرين من الفقهاء وحتى الصوفية إلى الفتوى بوجوب قتله كالجنيد حتى إن الرفاعي نفسه أيد من أفتى بقتله قائلا: «لو كنت في زمن الحلاج لأفتيت مع من أفتوا بقتله» «ولو كان على الحق لما قال أنا الحق .. ما أراه رجلا واصلا أبدا» (2). مع أن السرهندي يعذره لقوله هذا بأن السكر قد غلبه (3).ويروي القشيري أن الحلاج كان مصاحبا لعمرو بن عثمان المكي (أحد سادة التصوف) وكان مرة يكتب شيئًا فسأله عمرو عنه فقال: أكتب شيئًا أعارض به القرآن. فهجره ودعا عليه قائلا: «اللهم اقطع يديه ورجليه» . ومن ثم قالوا: إن قتل الحلاج بطريقة الصلب وتقطيع الأيدي والأرجل إنما كان استجابة من الله لدعوة هذا الرجل (4).
ومع ذلك فإن الصوفية يلمحون تارة بولائهم وتعظيمهم للحلاج وتارة يصرحون بذلك. ولكن بالرغم من ذلك كان القشيري والغزالي وغيرهما يستشهدون بكلامه في إثبات عقائد أهل السنة مما جعل الشعراني يؤكد أن القشيري إنما افتتح كتابه بالاستشهاد بكلام الحلاج لأجل إحسان الظن به. واحتج به الغزالي في إثبات أفضل مراتب التوحيد عند الصوفية وهي مرتبة «وحدة الوجود والفناء بالله» .
وروى الشعراني عن شيخه أبي العباس المرسي أنه كان يكره من الفقهاء خصلتين:
1 ـ قولهم بكفر الحلاج.2 ـ قولهم بموت الخضر (5).
لقد كان الرجل من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و «سبحاني ما أعظم شأني» و «ما في الجبة الا الله» .
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما
…
تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني
…
فإذا أنت أنا في كل حال (6)
وقوله (7) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
…
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
…
وإذا أبصرته أبصرتنا
وقد استحسنت أمهات كتب النقشبندية من الحلاج هذا البيت من الشعر الذي كان بهاء الدين يتمثل به وكان كلما ذكر اسم الحلاج قال «قدس الله سره» وهذا البيت هو:
كفرت بدين الله والكفر واجب
…
لدي وعند المسلمين قبيح (8)
فأي إسلام يرجى ويقبل ممن يستحسن هذا البيت ويتمثل به؟!
(1) كتاب ((الحلاج)) لطه عبد الباقي سرور (104). ((الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة)) (94).
(2)
((حكم الرفاعي)) (16)((المعارف المحمدية)) (10 و 47)((سواد العينين)) (12).
(3)
((مكتوبات الإمام الرباني)) السرهندي (107).
(4)
((الرسالة القشيرية)) (151) وانظر ((ترياق المحبين)) (66)((سير أعلام النبلاء)) (14/ 316).
(5)
((الرسالة القشيرية)) (6)((طبقات الشعراني)) (1/ 108)((لطائف المنن والأخلاق)) (479)((إحياء علوم الدين)) (4/ 247).
(6)
((البداية والنهاية)) (11/ 134)((تاريخ بغداد)) (8/ 115).
(7)
((أخبار الحلاج)) (16)((الطواسين للحلاج)) (134)((تاريخ بغداد)) (8/ 129). ((الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة)) (ص 112) بهامش المكتوبات.
(8)
((الأنوار القدسية)) (134)((الحدائق الوردية)) (134) واحتج ببيته مرة ثانية (ص 213) واحتج به السرهندي (ص 282).
فيا من تتكلمون عن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من علماء الأمة تبرءوا من مدح أئمة الكفر واستحسان كلام الكفر الذي تناقلتموه قبل أن تنقضوا الآخرين. وكان يعتبر فرعون وليا والشيطان مؤمنا. فيقول مثنيا على أخويه: «وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، إبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة البته» (1).وقد ضبط الجنود رسالة إلى شخص وإذا فيها «من الرحمن الرحيم إلى فلان» . فقالوا له: كنت تدعي النبوة فأصبحت تدعي الألوهية؟ قال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة» (2).وكتب رسالة أخرى إلى أحد خواص أصحابه قال له فيها:«ستر الله عنك ظاهر الشريعة وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي وحقيقة الكفر معرفة جلية» (3).وكان يتهكم بالقرآن ويقول عنه: «بإمكاني أن أؤلف مثله» (4).وكان قد أفتى بأن الإنسان إذا أراد الحج ولم يتمكن فليعمد إلى غرفة من بيته فيطهرها ويطيبها ويطوف بها فيكون كمن حج البيت. قال ابن كثير معقبا على فتوى الحلاج: «وكان يقول لأتباعه: من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات أجزأه ذلك عن صوم رمضان» (5).ومهما حاولوا التنصل منه والتظاهر بمخالفته فإنهم في الحقيقة مفتونون فيه ويهتمون بنقل كلامه وإشاراته في التوحيد (أي وحدة الوجود) كما فعل أبو حامد الغزالي في الاستشهاد بكلام الحلاج عن الفناء في التوحيد (6).بل يدافعون عنه ويصفونه بأعلى مقامات الولاية حتى زعم محمد معصوم النقشبندي أنه «لما وضع الحلاج في السجن كان يصلي في الليلة الواحدة خمسمائة ركعة نافلة وكان لا يأكل من أيدي الظالمين» (7).وقال الشيخ علي الراميتني: «لو كان أحد على وجه الأرض من أولاد الشيخ عبد القادر الغجدواني موجودا لما صلب الحلاج» (8).وكان الشيخ حبيب الله جان جانان يعتذر عن شطحات الحلاج ويقول: «وهذا سر قول الحسين بن منصور رحمه الله (أنا الحق) فإنه وإن كان معذورا في ذلك نظرا لغلبة السكر عليه إلا أنه كان مخطئا في تلك الرؤية» (9).
(1)((الطواسين)) للحلاج (42 و51 - 52).
(2)
((تلبيس إبليس)) 171 - 172 ((البداية والنهاية)) 11/ 138.
(3)
((أخبار الحلاج)) (35).
(4)
انظر ((تلبيس إبليس)) 171 و ((الرسالة القشيرية)) 151 والمنتظم لابن الجوزي 6/ 162 وتاريخ بغداد 8/ 121.
(5)
الطبقات الكبرى للشعراني 1/ 16 - 17 ((تلبيس إبليس)) 371 ((البداية والنهاية)) 11/ 140.
(6)
((إحياء علوم الدين)) (4/ 247).
(7)
كتاب ((السبع الأسرار في مدارج الأخيار)) لمحمد معصوم (ص 47).
(8)
((المواهب السرمدية)) 99 ((الأنوار القدسية)) 121.
(9)
((الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية)) 204 و180 وانظر إقرارهم لهذه اللفظة وكثرة استخدامهم لها ((رشحات عين الحياة)) 133 و186 ((المواهب السرمدية)) 90و162و226 - 227 و ((الأنوار القدسية)) 205 ((البهجة السنية)) 81 ((السبع الأسرار في مدارج الأخيار)) 31 أخبار الحلاج 53.
وهكذا فالنقشبنديون متفقون على استحسان هذه العبارة لأنها توافق أعظم غاية الطريقة وهي: الفناء في ذات الله وتحقيق الوحدة بين العابد والمعبود فيصير الرب عبدا والعبد ربا. ويقول مولاهم الجامي «لقد أراد الحلاج بهذه العبارة حقيقة نفسه وحيث قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]: أراد به صورة نفسه» (1)!. فهكذا دائما: كتبهم مملوءة بإشارات وتصريحات وحدة الوجود. وجاء في كتاب (الإيمان والإسلام) للشيخ خالد البغدادي النقشبندي (ص 92) فصلا بعنوان «السلفيون» يظهر أن ملتزم الطبع ألحقه به وفيه يذكر تبديع ابن تيمية لبعض الأئمة قال: «كما تتبع ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وتتبع أيضا الحلاج ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه بل كفره بعض منهم» (2).
فالنقشبنديون يزعجهم طعن ابن تيمية في الحلاج وابن عربي وابن الفارض الذي كان يتغزل بالله بأبيات الشعر ويكنيه بالأنثى.
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحانيوكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد: «سبحاني ما أعظم شأني» (3).
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك إلى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول إلى الله. والإسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها إلى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية. وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت إليهم فقال:«إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (4).وجاء إلى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله (5).وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال: «لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (6).وحكوا أيضا أنه قال: «إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (7). وقوله: «الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي: يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (8).
وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا إلى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق. فالنصارى تقول: «يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (9). وقال فليبس: «يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط إلى الجحيم» .
(1)((رشحات عين الحياة)) 143.
(2)
كتاب ((الإيمان والإسلام)) لخالد البغدادي النقشبندي ص 92
(3)
((المواهب السرمدية)) 48 و90و162و226 - 227 ((الأنوار القدسية)) 97و99 ((تلبيس إبليس)) 344 الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية 204 و180 ((رشحات عين الحياة)) 133 و186 ((الأنوار القدسية)) 205 ((البهجة السنية)) 81 ((السبع الأسرار في مدارج الأخيار)) 31.
(4)
((المواهب السرمدية)) 57 ((الأنوار القدسية)) 102 ((تلبيس إبليس)) 345.
(5)
((المواهب السرمدية)) 47 ((تلبيس إبليس)) 341.
(6)
مكتوبات السرهندي المسماة ((بالمكتوبات الشريفة)) ص 101.
(7)
((الأنوار القدسية)) 103 ((تلبيس إبليس)) 341.
(8)
((الأنوار القدسية)) 100.
(9)
((رسالة بولس إلى أهل غلاطية)) 3: 13.
وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط. قال:«أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (1). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (2).وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة إلى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال:«وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال» (3).
وإنما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد. فقد رووا عنه أنه قال:«اطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف «وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج إلى أن تطلبوا المعاصي» (4).
تعظيم النقشبنديين لابن عربييصفونه بالشيخ الأكبر ويقولون عند ذكر اسمه: «قدس الله سره» ويصفونه بـ «غوث المحققين وقطب الموحدين» مع اعترافهم بأنه كان يقول: أنا ختام الأنبياء والمرسلين (5).ولا يزال النقشبنديون يصفونه بخاتم الأولياء (6)، يعني أنه لا يوجد ولي لله بعد ابن عربي إلى يوم القيامة.
(1)((المواهب السرمدية)) 55 ((الأنوار القدسية)) 101 - 102.
(2)
((مكتوبات الإمام الرباني)) 364.
(3)
((تنوير القلوب)) 469 ((الأنوار القدسية)) 98.
(4)
((المواهب السرمدية)) 61 ((الأنوار القدسية)) 104 وكذلك انظر ((المواهب السرمدية)) 50.
(5)
((البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية)) 51 وانظر المكتوبات ص 193.
(6)
((المواهب السرمدية)) 162.
وبالرغم من اعتراف السرهندي الفاروقي مجدد الطريقة النقشبندية أن ابن عربي أول من صرح بوحدة الوجود وأن عباراته مشعرة بالاتحاد وأنه بوب مسائل وحدة الوجود وفصلها. وأنه زعم أن خاتم الأنبياء يأخذ علومه من مشكاة خاتم الأولياء ويعني بخاتم الأولياء نفسه (1) انتهى. ويصرح بأن أكثر كشوفات ابن عربي مخالفة لعلوم أهل السنة بعيدة عن الصواب ولا يتبعها إلا كل مريض القلب (2).فقد استحسن السرهندي الفاروقي قول ابن عربي أن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الإلهي. وتعجب السرهندي من اعتقاد ابن عربي بأن ذات الله مجهولة مطلقة ومع ذلك فإنه يثبت الإحاطة والقرب والمعية الذاتية. (3).وتحدث السرهندي عن الرضا بالخير والرضا بالشر ثم اعترف بأن «الإيمان مرضي الاسم (الهادي) والكفر مرضي الاسم (المضل) مخالفة لما عليه أهل الحق وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرضا» (4). واعتبر أن قوله بترتيب خلافة الخلفاء الراشدين بحسب مدة أعمارهم، اعتبر ذلك من شطحاته (5).ونقل صاحب (الرحمة الهابطة) عن ابن عربي قوله:«إن الله له لسان يتكلم به وأذن يسمع بها وأن عبد القادر الجيلاني قال: رأيت ربي بعين رأسي بصورة» (6).ومع اعتذار كثيرين عن كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي بأنه مدسوس عليه إلا أنهم لا يزالون يصرحون بإعجابهم بالكتاب وشغفهم بقراءته فقد قال عبد المجيد الخاني عن جده محمد صاحب (البهجة السنية) بأنه كان مشغوفا بمطالعة كتب الصوفية وخصوصا كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي وتائية ابن الفارض قدس الله سرهما
…
وكذلك كتاب (الفصوص) لابن عربي، ويسمون نصوص الفصوص بالكلمات القدسية» (7).فقد جاء في (الرشحات) «أن كتاب (الفصوص)(روح) و (الفتوحات المكية)(قلب) ومن علم (الفصوص) علما جيدا تتقوى داعية متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم وذكر في (الرشحات) أن الشيخ محمد الكوسوي كان يعتقد مصنفات حضرة الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي كان يقرر في كتبه التوحيد الوجودي بما لا يمكن الإنكار عليه (8).
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا [النجم:29] بما قاله محيي الدين بن عربي
ألا بذكر الله تزداد الذنوب
وتنطمس البصائر والقلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا
فإن الشمس ليس لها غروب (9)
فذكر الله يطمس البصائر والقلوب وترك الذكر خير من الذكر.
في أي دين هذا؟ إن النصرانية لا تنهى عن ذكر الله كما ينهى عنه هؤلاء الذين يدعون أنهم وصلوا في محبة الله إلى المقامات العليا وهم لا يزالون يسبون الله ورسوله. ويمدحون قول الحلاج: كفرت بدين الله.
ويدافع الكمشخاتلي صاحب (جامع الأصول) عن قول ابن عربي:
العبد رب والرب عبد
يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
أو قلت رب أنى يكلف
غير أنه يحرفه فيجعله كالتالي:
العبد حق والرب حق
فليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فالعبد ميت
أو قلت رب فما يكلف (10)
ومما قاله ابن عربي في فصوص الكفر:
فوقتا يكون العبد ربا بلا شك
(1)((مكتوبات الإمام الرباني)) 287.
(2)
((مكتوبات الإمام الرباني)) السرهندي 277.
(3)
((مكتوبات الإمام الرباني)) ص 42 وانظر كذلك صفحة 193.
(4)
((المكتوبات الربانية)) 267.
(5)
((مكتوبات الإمام الرباني)) السرهندي الفاروقي 277.
(6)
((الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة)) لحسين الدوسري على هامش مكتوبات السرهندي ص 97 و99.
(7)
الحدائق الوردية ص 271 وانظر صفحة 282 (ترقيم خطأ 274). ((رشحات عين الحياة)) 73وانظر صفحة 128.
(8)
((رشحات عين الحياة)) 111.
(9)
((المواهب السرمدية)) 161.
(10)
((جامع الأصول في الأولياء وأنواعهم وأوصافهم)) (296) قارنه بالفصوص (83 و90 و92).
ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
فإن كان عبد اكان بالحق واسعا
وإن كان ربا كان في عيشة ضنك
ويقول:
فأنت عبد وأنت رب
لمن له فيه أنت عبد
وأنت رب وأنت عبد
لمن له في الخطاب عهد
ويقول:
فيحمدني وأحمده
ويعبدني وأعبده
ففي حال أقر به
وفي الأعيان أجحده
ويقلد النقشبنديون كلام ابن عربي في فلسفته الصوفية فيقولون: «فيدعون أن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول وكان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة» (1).فهذه مخالفة عظيمة لعلماء الإسلام الذين طعنوا في ابن عربي وحذروا منه. أبرزهم في ذلك العلامة العز بن عبد السلام رحمه الله الذي وصفه بأنه شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا (2).
وكتب الشيخ ملا علي قاري كتابا في الرد عليه لقوله بإيمان فرعون. وقد صرح بضلاله الحافظ ابن حجر والسخاوي ووصفه ابن حيان النحوي بالملحد والزنديق وقال المقري: «من لم يكفره كان كمن لم يكفر اليهود ولا النصارى (3).
فكيف تكون الطريقة النقشبندية على السنة وهي تستمد تعاليمها من كتب (الفصوص) و (الفتوحات المكية) وتتجاهل تضليل أئمة الأمة لأخطر وأكفر شخصية امتلأت كتبها بكفر لم يجرؤ عليه اليهود ولا النصارى!!!.بل تقبل كل كلامه حتى قوله بأنه رأى الله على صورة فرس كما صرح به صاحب الرشحات (4)!.
المصدر:
الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص98 فما بعدها
(1)((الحدائق الوردية في أجلاء الطريق النقشبندية)) (171).
(2)
حكاه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (23/ 48).
(3)
((لسان الميزان)) (2/ 384) تفسير ((البحر المحيط)) لأبي حيان 3/ 449 و ((الضوء اللامع)) للسخاوي 6/ 186 و9/ 220 وانظر ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) لابن حجر الهيتمي المكي 1/ 33 - 35 و2/ 379.
(4)
((رشحات عين الحياة)) 133.