الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السادس: قصة مد يد النبي من خارج قبره
ومما يستدل به الرفاعية على صحة نسب الرفاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة مد النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى الرفاعي.
وتفصيلها: أن الله ناداه: قم يا أحمد وزر بيت الله الحرام وزر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرفاعي لربه: سمعا وطاعة.
فسافر ومعه جم غفير إلى مكة ثم المدينة ووقف عند القبر وقال: السلام عليك يا جدي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام يا ولدي. فتواجد الرفاعي وقال:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
…
تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت
…
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فانشق التابوت ومد النبي يده إلى الرفاعي ليقبلها أمام جمع كبير من الناس يزيدون على التسعين ألفا وكان من بينهم عبد القادر الجيلاني وعدي بن مسافر وحيوة بن قيس الحراني. (1) واعتبروها حادثة متواترة يكفر منكرها (2) ويصير خارجا من ملة الإسلام كما صرح الصيادي بذلك قائلا: «فخروج يد النبي صلى الله عليه وسلم لسيدي أحمد بن الرفاعي ممكن ولا يشك فيه إلا ذو زيغ وضلالة، أو منافق طبع الله على قلبه، وإنكارها يؤدي إلى سوء الخاتمة» . (3)
- التعقيب على هذه القصة:
إن مجرد تهديد منكر هذه القصة بكفره وسوء خاتمته إنما كان بسبب ضعف الدليل الذي يمكن أن يقدمه الرفاعية لإثباتها، وإلا فالقصة من أساسها لا تثبت والأدلة على عدم ثبوتها كالآتي:
(1)
أن أصحاب كتب وتراجم الصوفية الأوائل كالسبكي والشعراني وابن الملقن والمناوي لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة مع أنهم كانوا أقرب إلى عصر الرفاعي من المتأخرين كالصيادي، وليس من المعقول أن يحرصوا على جمع كل ما روي عنه فيروون قصة الجرادة والبعوضة ويهملون هذه الحادثة التي اهتزت لها بقاع الأرض على حد تعبير الصيادي.
(2)
أن المؤرخين - غير المتصوفة - كالذهبي وابن كثير وابن خلكان لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة إطلاقاً، ولو أنها وقعت حقيقة لتسابقوا إلى كتابتها. وقد ذكروا ما اشتهر به الرفاعيون من دخول النيران واللعب بالحيات وركوب السباع غير أنهم لم يتطرقوا إلى ذكر هذه الحادثة، الأمر الذي يبعث على الجزم بأن حبكها كان متأخرا عنهم. (3) أن رواة هذه الحادثة هم «الصوفية» الذين شهد الرفاعي نفسه بأنهم يكذبون على مشايخهم وأئمتهم، حيث قال:«واحذر الفرقة التي دأبها التفكه بحكايات الأكابر وما ينسب إليهم فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم: وقال: «يا بني إذا نظرت في القوم الذين ادعوا التصوف وجدت أن أكثرهم من الزنادقة الحرورية والمبتدعة» . (4)
(1)((قلادة الجواهر)) (15 و20 و 108)، ((حكم الرفاعي)(ص5)، ((المعارف المحمدية)) (34 و59)، ((تنوير الأبصار)) (ص 6)، ((ذخيرة المعاد في سيرة بني صياد)) (ص 33)، ((الكنز المطلسم)) (ص 5)، ((الكليات الأحمدية)) (ص201)، ((العقود الجوهرية)) (ص 6)، ((ضوء الشمس في قول النبي بني الإسلام على خمس)) (1/ 174)، ((الغارة الإلهية)) (ص56)، ((نور الأنصاف)) (ص14)، ((التاريخ الأوحد)) (ص59)، ((إرشاد المسلمين)) (ص34)، ((سواد العينين)) (ص (10، ((ترياق المحبين)) (ص 12). ((إجابة الداعي)) (ص18)، وللصيادي كتاب خاص في هذه الحادثة اسمه:((الفخر المخلد في منقبة اليد)) (10 - 11).
(2)
((قلادة الجواهر)) (ص104).
(3)
((قلادة الجواهر)) (15 و 108)، ((ضوء الشمس)) (ص175).
(4)
((الكليات الأحمدية)) (122 - 123 و 156)، _ ((حالة أهل الحقيقة مع الله)) (ص 105).
وتصديقا لقول الرفاعي فإني أنقل عن الصوفية ما ورد في بعض كتبهم: - ذكروا أن إبراهيم الأعزب أنشد شعرا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: «بارك الله بك، أنت منظور بعين الرضا» . (1)
- وأن الشيخ بهاء الدين الرواس الرفاعي وقف عند أحد القبور فخرج له إبراهيم صلى الله عليه وسلم من القبر وأعطاه ورقة مكتوب عليها هكذا (محمد1111).ويتضمن هذا الرمز مئات الأسرار من كتاب (الجفر). (2) - وأن الشيخ علي أبو الحسن الشاذلي استأذن في الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة يقول له: «يا علي ادخل» . (3) - وأن عبد القادر الجزائري وقف تجاه القبر وقال: «يا رسول الله: عبدك ببابك، كلبك بأعتابك، نظرة منك تغنيني يا رسول الله عطفة منك تكفيني فقال له الرسول: أنت ولدي ومقبول عندي بهذه السجعة المباركة» . (4) فمع ما أنه عليه الصلاة والسلام كان يكره السجع ويمقته ويصف أهله بأنهم «إخوان الكهان» (5) إلا أننا نجده هنا يصف السجع بالمبارك!! - وأن الشيخ الشعراني قال: «ومما منّ الله علي: شدة قربي من رسول الله وهي المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات، حتى ربما أضع يدي على مقصورته وأنا جالس بمصر، وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه» . (6)
وبهذا الزعم يصير الأمر مشاهدة عيانية لا منامية، وأي قيمة بعد ذلك لكتب السنة والحديث ما دام أنه صلى الله عليه وسلم حي حاضر مع هؤلاء، وهل يصير اجتهاد المجتهدين في استخراج الأحكام إلا هدرا للوقت؟ هلا طلبوا من الصوفية استفتاءه صلى الله عليه وسلم عنها توفيرا للوقت؟ وكيف يتفق أن يشتهر الصوفية بعدم الإلمام بالشريعة وبالحديث يخلطون بين الصحيح والموضوع من الحديث وبينهم رسول الله يحضرهم كلما شاؤوا؟؟ - أن الصيادي ذكر أن إبراهيم المتبولي كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويتلقى أوامره المحمدية، وأن أبا العباس المرسي كان يراه صلى الله عليه وسلم ويرى الانحجاب عن رؤيته نقصا في مقام ولايته، وأن الشاذلي لم يكن طيلة حياته يفارق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقسم على ذلك قائلا:«والله لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين» . (7) أن الصيادي ذكر أن أحد أعيان الطريقة (الشيخ جلال الدين) كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا في المنام، قيل له كم مرة رأيته يقظة؟ قال بضعا وسبعين مرة، فأيهما أعظم: من يستلم يد النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة أم من يجلس بجانبه يقظة ويحادثه أكثر من سبعين مرة؟!! (8)(4) أنهم زعموا أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤي في الرؤيا أنه شد الرحال إلى قرية الرفاعي والكعبة تسير معه وقد قال: «ها أنا والكعبة زائرون، وجلس ينادي أهل القرى في طريقه أن يزوروا معه الشيخ أحمد الرفاعي. (9) ثم تبين للراوي أن الرؤيا حقيقية فقام وذهب إلى قرية الرفاعي مشاركا موكب النبي عليه الصلاة والسلام والكعبة.
(1)((ترياق المحبين)) (ص69).
(2)
((بوارق الحقائق)) (177 – 179).
(3)
عن كتاب ((أبو الحسن الشاذلي)) للشيخ عبد الحليم محمود. (ص79) ط: المكتبة العصرية - القاهرة.
(4)
((جامع كرامات الأولياء)) (2/ 100).
(5)
الحديث: ((إنما هذا من إخوان الكهان)) رواه البخاري (5758) ومسلم (1681) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
((لطائف المنن والأخلاق)) (ص123).
(7)
((طبقات الشعراني)) (2/ 14)، ((ضوء الشمس)) (1/ 176 – 177)، ((قلادة الجواهر)) (106 و292).
(8)
((قلادة الجواهر)) (422 – 423).
(9)
((روضة الناظرين)) (ص59).
(5)
أنهم رووا عن الرفاعي أيضا أنه في العام الثاني زار القبر مرة أخرى. قال الصيادي: «ولما حج الرفاعي عام وفاته وزار قبر النبي الذي هو أفضل من الجنة بل من العرش والكرسي، أنشد قائلا:
إن قيل زرتم بما رجعتم
…
يا أشرف الرسل ما نقول
فخرج صوت من القبر سمعه كل من حضر وهو يقول:
قولوا رجعنا بكل خير
…
واجتمع الفرع والأصول (1)
فالرفاعي نجده في كل مرة لا يخاطب النبي إلا بالشعر، والنبي لا يجيبه إلا بالشعر! لماذا لا يخاطبه بلغة القرآن من غير شعر ولا نثر ولا سجع؟ وهل نسي القوم قول الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: 69] ألم يعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبغض الشعر؟ عن قتادة: قالت عائشة: ((كان الشعر أبغض الحديث إليه)) (2). وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي)) (3).
(6)
أنه يلزم من تكليم الرفاعي للنبي صلى الله عليه وسلم وإمساك يده عيانا أن يصير صحابيا، فينال شرف الصحبة. ولو قالوا بأنها كانت رؤيا لما لزم ذلك. لكنهم يصرون على أن الحادثة كانت يقظة لا مناما. (7) أن الرفاعية نقلوا عن الرفاعي أنه كان يحث المصلين على رفع الإصبع والإشارة به عند الصلاة مؤكدا على أن من فعل ذلك فإنه يمس به صدره الشريف. وأن من لم يفعل ذلك لا حصل على النبي ولا حصل له شيء من اليقين ولا علم كيف يصلي عليه. (4)
فما ميزة الرفاعي عن غيره من عامة الناس الذين يمسون كل يوم صدره الشريف وعند كل صلاة! (8) أن هذا العدد الهائل الذي ذكروه «تسعين ألفا» من الناس لا تتسع له المنطقة المحيطة بالمسجد برمتها، ولا يستطيع هذا العدد رؤية تقبيل اليد كلهم في وقت واحد (5) وحتى لو وقفوا صفوفا طويلة لرؤية يد النبي صلى الله عليه وسلم لاستغرق ذلك أياما لكثرة عددهم الهائل، فهل بقي النبي مادا يده أياما أو على الأقل يوما كاملا ليراه هذا الحشد الهائل من الناس؟!
(9)
أنهم ذكروا في سياق القصة أن الرفاعي نودي من الحضرة العلية أن قم يا أحمد وزر البيت الحرام وزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال سمعا وطاعة. فإن أرادوا بذلك أن الهاتف هو الله تعالى فهذه إذن كرامة أعظم من مجرد تقبيل يد النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا لم يعيروها اهتمامهم؟!
(10)
أن سياق الكلام الذي نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينفي أن يكون هذا من كلامه، مثل أن يقول للرفاعي:«البس الزي الأسود» وكذلك قوله: «فإن الله نفع بك أهل السموات وأهل الأرض» ، فبماذا انتفع به أهل السموات ثم إنه لم يكن يرد السلام بصيغة المفرد «وعليك السلام» ولم يعهد عنه لفظ «يا ولدي» ولم يقلها للحسن ولا الحسين رضي الله عنهما.
(1)((قلادة الجواهر)) (ص (104، ((ضوء الشمس)) (1/ 176).
(2)
رواه أحمد (6/ 134)(25064) والطيالسي (1490) والبيهقي (10/ 245) قال الهيثمي في ((المجمع)) (8/ 119) رجاله رجال الصحيح، وقال البوصيري في ((الإتحاف)) إسناده صحيح على شرط مسلم وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (3095)
(3)
رواه الطبري في ((التفسير)) (20/ 549) وابن أبي حاتم (10/ 3200) قال الألباني في ((الصحيحة)) (7/ 245) إسناده إلى قتادة صحيح لكنه مرسل منقطع.
(4)
((قلادة الجواهر)) (ص106)، وانظر كتاب ((ضوء الشمس للصيادي)) (1/ 177).
(5)
ذكر الصيادي في كتاب ((الحكم الرفاعية)) (ص 5) أن الناس جميعهم رأوا يد النبي وهي تشق التابوت ليقبلها الرفاعي.
(11)
ادعى الصيادي أن الشيخ عبد القادر الجيلاني كان موجودا وقت الحادثة. وقد أراد الصيادي من ذكر الجيلاني أن يجعل منه شاهدا على ما حدث، ولكن أين شهادة الجيلاني نفسه بذلك وهو لم يذكر في مصنفاته كالمغني والفتح الرباني شيئاً من ذلك ولا روى عنه أصحابه ولا مترجموه أنه شهد على ذلك، بل لم يعرف عنه أبدا أنه رافق الرفاعي إلى الحج. أن الصيادي يأتي لنا بشهود لم يشهدوا. إذ لن يستطيع الجيلاني بعد موته أن يكذب هذه الدعوى المنسوبة إليه.
(12)
أن هذين البيتين اللذين أنشدهما الرفاعي عند القبر منسوبان إلى غيره.
قال الشيخ الألوسي: «إن كثيراً من أهل العلم والأدب نسب البيتين إلى غير الرفاعي. قال الشيخ صلاح الدين الصفوي في تذكرته: حكي أن ابن الفارض لما اجتمع بالشهاب السهروردي في مكة أنشده:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
…
تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه نوبة الأشباح قد حضرت
…
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
قال: وممن نقل ذلك الشهاب الخفاجي في: كتابه (طراز المجالس). (1)
(13)
أن المتصوفة قد اشتهر عنهم ادعاء مخاطبة الموتى والتلقي عنهم وكتبهم مشحونة بذلك. مثاله: أن أبا المظفر المنصور أنشد قصيدة عند قبر الشيخ الرفاعي فظهر صوت الرفاعي من القبر يقول له: وعليك السلام. (2) وأن السيدة نفيسة - صاحبة الضريح - كانت كثيرا ما تكلم أحد المشايخ المتصوفة وهي في قبرها. (3) وأن السيد أحمد البدوي أخرج يده من القبر ووضعها بيد الشعراني ليبايعه وكان من شروط المبايعة أن يكون تحت رقابة البدوي أينما ذهب فأقره البدوي وقال وهو في قبره «نعم» . (4) وهذه شبيهة بقصة مد النبي عليه الصلاة والسلام يده ليبايع الرفاعي حيث قال له: هذه البيعة لك ولذريتك إلى يوم القيامة. (5)
المصدر:
الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص40 - 46
(1)((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) (1/ 224 – 225).
(2)
((العقود الجوهرية)) (77 – 78)، ((ترياق المحبين)) (8 و 39) ط:((البهية)) (1304) مصر للشيخ تقي الدين عبد الرحمن الواسطي.
(3)
((لطائف المنن والأخلاق)) (ص403).
(4)
((طبقات الشعراني)) (1/ 186).
(5)
((المعارف المحمدية في الوظائف الأحمدية)) (ص34).