المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌65 - باب في المسكر - ناسخ الحديث ومنسوخه للأثرم

[أبو بكر الأثرم]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول من كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌1 - باب فيمن نسي صلاة أو نام عنها فاستيقظ في وقت لا يصلى فيه

- ‌2 - باب تأخير الصلاة عن وقتها في الحرب

- ‌3 - باب الفتح على الإمام

- ‌4 - باب الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة

- ‌5 - باب النوم في المسجد

- ‌6 - باب في الثلاثة يصلون جماعة كيف يقومون

- ‌7 - باب الإيماء في الماء والطين

- ‌8 - باب في الركعتين إذا جاء الإمام يخطب

- ‌9 - باب الصلاة بعد الجمعة

- ‌10 - باب الصلاة يوم الجمعة بنصف النهار

- ‌11 - باب ما يقرأ به في صلاة الجمعة

- ‌12 - باب في الساعة التي ترجى يوم الجمعة

- ‌13 - باب التكبير في العيدين

- ‌14 - باب ما يقرأ به في العيدين

- ‌15 - باب في الصلاة خلف الصف

- ‌16 - باب طول القراءة في ركعتين بعد المغرب

- ‌17 - باب في الرجل يؤم في بيت غيره

- ‌18 - باب القراءة في ركعتي الفجر

- ‌19 - باب الركعتين بعد المغرب أين تصليان

- ‌20 - باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر

- ‌21 - باب في الرجل يصلي الجماعة ثم يدرك أخرى

- ‌22 - باب في السمر بعد صلاة العشاء

- ‌23 - باب الوتر قبل النوم وبعده

- ‌24 - باب الوتر بعد طلوع الفجر

- ‌25 - باب الوتر بركعة وأكثر من ذلك

- ‌26 - باب الوتر، أواجبٌ هو

- ‌27 - باب ما يقرأ به في الوتر

- ‌28 - باب القنوت في الفجر

- ‌29 - باب القنوت قبل الركوع أو بعده

- ‌30 - باب القنوت في غير صلاة الفجر

- ‌31 - باب الصلاة بعد العصر

- ‌32 - باب الركعتين قبل المغرب

- ‌33 - باب في الأمير يؤخر الصلاة عن الوقت

- ‌34 - باب الصلاة في ثياب النساء

- ‌35 - باب خروج النساء إلى المساجد

- ‌36 - باب ما يجوز أن يصلى فيه من المواضع

- ‌37 - باب صلاة الضحى

- ‌الجزء الثاني من كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌38 - باب كم ركعة تصلى الضحى

- ‌39 - باب في مسح الحصى في الصلاة

- ‌40 - باب في النعلين: أين يضعهما المصلي

- ‌41 - باب الجهر بالتأمين

- ‌42 - باب اختيار قصر الصلاة في السفر

- ‌43 - باب متى يتم المسافر الصلاة إذا قدم غير بلده

- ‌44 - باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌45 - باب صلاة الاستسقاء والخطبة

- ‌46 - باب فضل الصلاة في الجماعة

- ‌47 - باب رفع اليدين في الدعاء

- ‌48 - باب صلاة الليل كم هي ركعة

- ‌49 - باب التطوع على الراحلة في السفر

- ‌50 - باب القرآن في كم يختم

- ‌51 - باب الصلاة الوسطى

- ‌52 - باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كيف هي

- ‌53 - باب تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة))

- ‌54 - باب الصوم في السفر

- ‌55 - باب صوم ثلاثة أيام من كل شهر

- ‌56 - باب صيام العشر

- ‌57 - باب صوم يوم الجمعة

- ‌58 - باب في صوم يوم بعينه

- ‌59 - باب صوم يوم عاشورء

- ‌60 - باب في القبلة للصائم

- ‌61 - باب المباشرة للصائم

- ‌62 - باب الوصال في الصيام

- ‌الجزء الثالثمن كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌63 - باب الهلال يُرى ما يقول

- ‌64 - باب صوم يوم السبت

- ‌65 - باب في المسكر

- ‌66 - باب في الخليطين

- ‌67 - باب الشرب في الظروف

- ‌68 - باب في الشرب قائماً

- ‌69 - باب الشرب من في السقاء

- ‌70 - باب التنفس في الشراب

- ‌71 - باب الكراع في الشرب

- ‌72 - باب دعاء المشركين قبل القتال

- ‌73 - باب أي وقت يقاتل العدو

- ‌74 - باب التحريق في أرض العدو

- ‌75 - باب سهم الفارس في العدو

- ‌76 - باب قبول هدية المشركين

- ‌77 - باب في الضيافة

- ‌78 - باب من يجب عليه الحد

- ‌79 - باب طاعة الأئمة

- ‌80 - باب كف الأيدي عن قتال الأئمة

- ‌81 - باب الانتفاع بالغنائم

- ‌82 - باب في آنية المشركين

- ‌83 - باب في الركاز يوجد

- ‌84 - باب المرتد ما يصنع به

- ‌85 - باب في البداوة

- ‌86 - باب الكفارة قبل الحنث

الفصل: ‌65 - باب في المسكر

‌65 - باب في المسكر

روى الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شراب أسكر فهو حرام".

وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وموسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومحمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسكر خمر".

وروى محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 204

وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".

وروى أبو عثمان الأنصاري- وكان ثقة- عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "ما أسكر الفرق فالحسوة منه حرام ".

وروى الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر ابن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره".

وروى عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأبو هريرة، وميمونة، وأم حبيبة، وأنس، ومعاوية، وبريدة والأسلمي، وجماعة سواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر حرام".

وروى الديلم الحميري أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشراب

ص: 205

الذي يتخذونه بأرضهم فقال: " أيسكر؟ " فقال: نعم. قال: "فلا تشربه". قال: فإنهم لا يصبرون عنه، قال:"فإن لم يصبروا عنه فاقتلهم"

وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مسكر حرام". والذي نفسي بيده لمن شرب مسكراً إن حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة"

وروى طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسكر: "لا يشربه رجل فيسقيه الله عز وجل الخمر يوم القيامة ".

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب مسكراً نجس، ونجست صلاته أربعين يوماً".

فتواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم قليل المسكر وكثيره، وأنه خمر.

ثم روى قوم يستحلون بعض ما حرم الله عز وجل أحاديث لا أصول لها فمنها حديث رواه أبو الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار،

ص: 206

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشربوا في الظروف ولا تسكروا".

فتأولوا هذا الحديث على ما أحبوا فوافقوا أهل البدع في تأويلهم المتشابه وتركهم المحكم، قال الله عز وجل:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران/7].

وهذا حديث له علل بينة، وقد طعن فيه أهل العلم قديماً فبلغني أن شعبة طعن فيه.

وسمعتُ أبا عبد الله يذكر أن هذا الحديث إنما رواه سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نهيتكم عن ثلاث: عن الشرب في الأوعية، وعن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي. فأما لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا، وأما زيارة القبور فزوروها، وأشربوا في الأوعية ولا تشربوا مسكراً".

قال: فدرس كتاب أبي الأحوص فلقنوه الإسناد والكلام، فقلب الإسناد والكلام، ولم يكن أبو الأحوص، يقول أبي بردة بن نيار: كان يقول أبو بردة، وإنما هو عن ابن بريدة فلقنوه أن أبا بردة إنما هو ابن نيار فقاله.

ص: 207

وقد سمعت سليمان بن داود الهاشمي يذكر أنه قال لأبي الأحوص من أبو بردة؟ فقال أظنه ثم قال: يقولون ابن نيار.

وهذا حديث معروف، قد رواه غير واحد عن سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه على ما وصفناه، ثم جاءت الأحاديث بمثل ذلك عن بريدة رواها علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه. ورواها محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه.

ورواه أبو فروة الهمداني عن المغيرة بن سبيع عن ابن بريدة عن أبيه.

فلو لم يجئ لهذا الحديث معاريض من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا مما يصح به خبر لبيان ضعفه.

واحتجوا أيضاً بحديث رواه يحيى بن اليمان، وعبد العزيز بن أبان عن سفيان عن منصور عن خالد بن سعد عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وهو يطوف بالبيت فأتي بنبيذ من نبيذ السقاية، فقربه إلى فيه فقطّب فدعا بماء فصبه عليه، فقال رجل يا رسول الله أحرام هو؟ فقال:

ص: 208

لا.

وهذا حديث يحتج به من لا فهم له في العلم ولا معرفة بأصوله. وقد سمعت من أبي عبد الله ومن غيره من أئمة أهل الحديث في هذا الحديث كلاماً كثيراً، وبعضهم يزيد على بعض في تفسير قصته.

فقال بعضهم هذا حديث لا أصل له ولا فرع، وقال إنما أصل هذا الحديث الكلبي، والكلبي متروك عند أهل العلم، وكان يحيى بن اليمان عندهم ممن لا يحفظ الحديث، ولا يكتبه وكان يحدث من حفظه بأعاجيب وهذا من أنكر ما روى. وأما الذي روى عنه فإنه قد عثر عليه بما هو أعظم من الغلط مما قد كنّينا عنه لصعوبته وسماجة ذكره.

وفي هذا الحديث بيان عند أهل المعرفة أجمعين، لأنه زعم أنه قد شرب من نبيذ السقاية نبيذاً شديداً فجعله حجة في تحليل المسكر، وتأولوا أنه لا يقطب إلا من شدة، وأنه لا يكون شديداً غير مسكر، فرجعوا أيضاً إلى الأخذ بالتأويل فيما تشابه، وتركوا ما قد كفوا مئونته وفسر لهم وجهه لقوله:

ص: 209

"ما أسكر كثيره فقليله حرام". فهل يحتاج هذا إلى تفسير؟ فيقال لهم أيكون من النقيع ما يشتد وهو حلو قبل غليانه؟ فيقولون لا. فيقال لهم: أرأيتم نبيذ السقاية أنقيع هو أو مطبوخ؟ فيقولون نقيع. فإذا هم قد تكلموا بالكفر أو شبهه حين زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم شربه نقيعاً شديداً، أو أنه لا يشتد حتى يغلي، وأنه إذا غلا النقيع فهو خمر. فهم يقرون بأنه خمر، وهم يزعمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد شربه ثم يحتجون بذلك في غيره ولا يأخذون به فيه بعينه. وتفسير هذا الكلام أنهم احتجوا بشرب النبي صلى الله عليه وسلم زعموا النقيع الشديد في تحليل المسكر المطبوخ، ولا يرون شرب المسكر الشديد من النقيع، فأيّ معاندة للعلم أبين من هذه؟

وهذا كقولهم إذا قعد مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته. ويحتجون في ذلك بالحديث الضعيف: "إذا رفع رأسه من آخر سجدة ثم أحدث فقد تمت صلاته ". وهم لا يقولون به، لأنهم يقولون حتى تقعد مقدار التشهد. فهذان الحديثان هما حجة من أحل المسكر مما ادعوه على النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله عز وجل قد حرم الخمر فلم يبين في كتابه ما تفسيرها فلجأ قوم إلى أن الخمر هي خمر العنب خاصة بغير حجة من كتاب ولا سنة، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم. أولى بتفسير ما حرم الله عز جل

ص: 210

على لسانه فقال صلى الله عليه وسلم: "الخمر من خمسة أشياء".

وقال في حديث آخر" الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة".

فبدأ بالنخلة. وقال الله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَنا} . فبدأ بالنخيل قبل الأعناب، فمن أين زعم هؤلاء أن الخمر من العنب خاصة؟.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر".

وقال عمر رضي الله عنه: "الخمر ما خامر العقل "؟

وقال ابن مسعود وجماعة كثيرة: المسكر خمر. حتى قال سفيان بن سعيد: باخرة النادي خمر. فمن أين جاء هؤلاء بالتفصيل بين العنب وغيره. إذ لم ينزل تحريم الخمر على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما شرابهم الفضيخ لا يعرفون غيره، فلما تليت عليهم الآية بالتحريم هراقوا آنيتهم، وكانت هي خمرهم، فقال قائلهم: أليس قد قال ابن عباس: "حرمت الخمر بعينها،

ص: 211

والسكر من كل شراب".

وهذا حديث رووه عن مسعر عن أبي عون عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس. فافهم بيان الحجة عليهم في هذا من وجوه منها: أن شعبة كان أعلم بأبي عون، وأروى عنه من مسعر، ولم يسمع شعبة هذا الحديث من أبي عون، فرواه عن مسعر، فشعبة كان أحرى أن يؤدي ما سمع من مسعر.

قال شعبة فيه عن مسعر بهذا الإسناد: حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب.

وهم يتأولون، أن قوله "والسكر من كل شراب"تحليل لما دون السكر من الشراب، وقد جاء ما بيّن هذا حين تركوا ما بان تفسيره وأخذوا بما قد تشابه ذكره، لأن ابن عباس قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مسكر حرام.

وقال ابن عباس: من سرّه أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحرم بنبيذ الجر. وإنما كره نبيذ الجر لأنه يشتد في الجر

ص: 212

حتى يكون مسكراً ليس لأن الظروف تحرمه.

وقال ابن عباس أيضاً: "ما أسكر كثيرة فقليله حرام ".

فكفى هذا من تأويل.

وقيل لابن عباس ما تقول في شراب يصنع من القمح؟ قال: "أيسكر؟ " قيل له: نعم. قال: "هو حرام ". قيل فما تقول في شراب يصنع من الشعير؟ حتى سأله عن أشربةٍ. فقال قد أكثرت عليّ. "اجتنب ما أسكره" فردوه إلى تحريم كل شيء يسكر منه.

وقال ابن عباس: "ما أسكر فهو حرام".

فأين هذا مما يتأولون عليه. فأما تمييزه بين الخمر والسكر فإن هذا كلام بين لمن فهمه، وذلك أن الخمر من خمسة أشياء خاصة، فما كان من تلك الخمسة الأشياء فهو خمر، وما سواهن فهو حلال ما لم يكن مسكراً، فإذا أسكر كثيره من سائر الأشياء فهو حرام.

ص: 213

فقال قائلهم أليس قد شرب عمر نبيذاً شديداً. وقال نشرب هذا النبيذ الشديد لنقطع لحوم الإِبل في بطوننا. فرجعوا أيضاً إلى المتشابه من الكلام الذي لا يصح مخرجه، ولا يثبت خبره ولا يوافق ما روى عن عمر من الوجوه الصحاح معناه. وذلك أن أبا حيان التيمي، وعبد الله بن أبي السفر وغيرهما رووه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر أنه قال:"الخمر ما خامر العقل ".

فجعل كل شراب غيّر العقل خمراً. والخمر لا يحل منها قليل وإن لم يسكر إلا أن يدعوا أن هذه خمر غير تلك التي حرم قليلها.

أفتزعمون أن عمر رضي الله عنه حرم خمراً، وحرم الله خمراً أخرى؟ فهذان إذاً خمران.

أحدهما حرمها الله تعالى، والأخرى حرّمها عمر. أو ليس قد بيّن في حديثه فقال:"يا أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة. ثم قال: والخمر ما خامر العقل. فإن أقررتم فقلتم بلى". إنما أراد عمر رضي الله عنه ما حرم الله ففسره.

ص: 214

فقل أيحل ما حرم الله ما دون السكر؟ أو ليس إنما كان هذا قبل بيان تحريمها حين أباح لهم ما دون السكر منها، ونهاهم عن شربها في أوقات صلواتهم، ثم استأصل أمرها بالنهي عن قليلها وكثيرها حتى أوقعت العداوة والبغضاء، وصدت عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل ما بين ما أحللتموه وبين ما حرمتموه في المعنى الذي حرم الله له الخمر من فرق؟ أو لستم قد أحللتم ما كره الله شربه لما يوقع من الأسباب التي تجدونها واقعة بما أحللتموه. فلو لم يكن التحريم من الله عز وجل بالبيان إلا كما وصفتم أنه خمر العنب النقيع خاصة، ثم وجدتم ما سواها من الأشربة تدعوا إلى مثل ما كره الله عز وجل له تلك الخمر بعينها. ألم يكن ينبغي لكم أن تحرموا ما ضارع ما حرم الله عز وجل ودعا إلى مثل ما يدعوا إليه. أو ليس إنما حرم الله عز وجل الميسر الذي كانوا يتقامرون يومئذ في أشياء معروفة بأعيانها، فحرم المسلمون جميع القمار، حتى ألحقوا بذلك كلما حدث من هذا النحو إلى أن قالوا: لعب الصبيان بالجوز والكعاب.

وحرم الله عز وجل على بني إسرائيل أكل الشحوم، فعابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكل أثمانها، ولو أن عمر رضي الله عنه أراد الذي ادعيتم ما كانت لكم فيه حجة، لأنا وجدناكم تتركون قول

ص: 215

عمر إذا شئتم، وتحتجون عليه بأثمة ضلالة، فكيف يلزمكم قوله فيما قد صح عن النبي صلى الله علي وسلم خلافه. هذا لو كان المذهب في قول عمركما ادعيتم، وقد صح لنا أن عمر قد حرم من المسكر مثل الذي حرمه الله ورسوله. فمن ذلك ما ذكرنا من قوله:"الخمر ما خامر العقل ". وقوله: "الخمر من خمسة". ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن كل مسكر حرام ".

ومن ذلك حديث الزهري عن السائب بن يزيد قال سمعت عمر رضي الله عنه يقول: "ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحاباً له شربوا شراباً وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر جلدتهم"، فجلدهم الحد ثمانين.

فهو قد علم أنهم قد شربوا، وإنما قال أسأل عما شربوا، فإن كان يسكر ولم يقل أسأل عنهم هل سكروا.

وقال: عبيد الله بن عمر العمري إنما كسر عمر النبيذ الذي شربه لشدة حلاوته، وكذلك قال الأوزاعي أيضاً.

ص: 216

وأهل العلم أولى بالتفسير وفي حديث محمد بن جحادة أن الشراب الذي أتى به عمر فكسره إنما كان خلاً، قد خرج من حد المسكر.

فهذا أشبه أن يكون ما روى عن عمر متقارباً لا يخالف بعضه بعضاً.

وقالوا إن عمر قال لعتبة بن فرقد "إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما أطايبها فللمسلمين، وأما العنق وكذا فلنا، نأكل هذا اللحم الغليظ ونشرب عليه هذا النبيذ الشديد يقطعه في بطوننا".

وقد ذكروا في هذا الحديث أن عتبة بن فرقد قال: قدمت عليه بسلال من خبيص فأنكر عليه. وهذا حديث مدفوع عند أهل العلم بأشياء مفهومة منها: أن أبا عثمان النهدي قال: كنت مع عتبة بن فرقد بأذربيجان فبعث إلى عمر رضي الله عنه بسلال من خبيص فردها إليه وكتب إليه إنه ليس من كدّك، ولا من كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك. فهذا عتبة قد أرسل إلى عمر بشيء فأغضبه، ورده.

ص: 217

أفيقدم به عليه ثانية، أو يقدم به عليه فيكرهه ويلومه ثم يوجه به إليه. هذا مالا يكون إلا على وجه المعاندة والمعصية، ولم يكن عتبة كذلك، وقد كانت له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.

ومما يدفع به هذا الحديث أيضاً قوله "إننا ننحر كل يوم جزوراً" وهذا محال أن يدّعى على عمر. أما سمعت ما قال أسلم مولى عمر: عميت ناقة فقلت لعمر قد عميت ناقة من الظهر. فقال: "أقطروها إلى الإبل" قال: فقلت فكيف ترعى من الأرض؟ فقال: "افعلوا بها كذا" يلتمس لها حيلة لبقائها.

أفيفعل هذا من يحتاج إلى جزور كل يوم، فلما لم يجد لها حيلة قال: أردتم والله نحرها. قال: فنحرها.

وكانت عنده صحاف تسع، فلا يكون عنده طريقةٌ إلا بعث إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منها في تلك الصحاف، ويجعل آخر ذلك حظ حفصة، لأنها ابنته، ثم جمع على ما بقي منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له العباس:"لو صنعت هذا كل يوم اجتمعنا عندك؟ " فقال: "هيهات لا أعود لهذا أبداً إنه كان لي صاحبان سلكا طريقاً، وإني أخاف إن سلكت غير طريقهما أن يسلك بي غير سبيلهما".

فعمر يتقي من أن يعود لنحر جزور مرة أخرى، وهذا

ص: 218

يدعى أنه قد كان ينحر كل يوم جزوراً.

ثم رويت هذه القصة من وجوه، وهو يقول:"لتمرنّن أيها البطن على الخبز والزيت مادام السمن يباع بالأواق ".

وقال حذيفة: انطلقت إلى عمر فإذا قوم بين أيديهم قصاع فيها خبز ولحم، فدعاني عمر إلى طعامه، فإذا خبز وزيت. فقلت: منعتني أن آكل مع القوم؟ فقال: "إنما أدعوك إلى طعامي، وأما ذاك فطعام المسلمين ".

فهذه الأحاديث كلها مخالفة وبيان الحجج على من يستحل المسكر كثيرة قصرنا عنها لطولها. وذلك أنهم يحتجون بأحاديث وهذا الذي ذكرناه أرفع حججهم. وما بقي من حججهم من فعل ناس من الماضين فإن بيان الوهن فيه كنحو ما قد شرحنا.

فإذا لم يبق لهم حجة من الأحاديث قالوا فقد شربه فلان وفلان وفلان، وذكروا ناساً قد كانوا يصيبون ويخطئون، وهؤلاء الذين يحتجون بهم فيما يهوون من تحليل المسكر، قد يخالفونهم كثيراً إذا هووا. وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا يؤخذ من قوله ويترك، وقد وجدنا ذلك في أفضل الأمة بعد النبي صلي الله عليه وسلم أما سمعت قول أبي بكر الصديق في الجد إنه بمنزلة

ص: 219

الأب، فلم يجعل للأخ معه ميراثاً. ثم قد وافقه على ذلك أيضاً جماعة، فلم تستوحش الأئمة فراق قوله لأنه لا ينكر أن يترك بعض قوله ويؤخذ ببعضه. وقال أبو بكر رضي الله عنه:"إنه ليس في الأذن إلا خمسة عشر بعيراً". فترك الناس قوله وأخذوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "في الأذن نصف الدية".

فلو قال قائل أنا آخذ بقول أبي بكر كان أبين حجة ممن أخذ بقول فلان وفلان في تحليل ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من المسكر.

أو ما سمعت قول عمر رضي الله عنه: "لا يتيمم الجنب، ولا يصلي حتى يجد الماء".

وضمن أنس وديعة. وقال في المسح على الخفين: "أمسح إلا من جنابة".

وعثمان رضي الله عنه قال في أخت، وأم، وجد، للأم الثلث، وللأخت الثلث، وللجد الثلث. وقال:"عدة المختلعة الحيضة".

وعلي رضي الله عنه قال: "تعتد الحامل المتوفى عنها آخر الأجلين".

ص: 220

وأجاز بيع أمهات الأولاد. وقال في الربيبة قولاً عجيباً.

وابن مسعود رضي الله عنه أفتى في الصرف بفتيا عجب. وأفتى في أم المرأة التي لم يدخل بها. وفي غير ذلك.

فهؤلاء قد جاز أن يترك من قولهم ما خالف آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن دونهم أبعد.

ص: 221