الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التنبيه الأول
فى قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
صدر الجملة الابتدائية، بإنّ المؤكدة، لتدل على إيضاح الجملة وتحقيقها فى مبدأ الأمر ومطلعه، ثم قال: رَبَّكُمُ
يشير بذلك إلى الإبداع، والحدوث فيهم وأنهم مخلوقون مربوبون، وأنهم مندرجون تحت وجود الممكنات، داخلون فى حيز المكونات، وأنه لهم رب، ومالك لأمورهم وتصاريف أحوالهم، لا يملكها أحد غيره، ولا يقدر عليها سواه، وصدر الجملة بذكر الربوبية إشارة إلى عظم الاعتناء بذكرها وقطعا لاعتقاد من يعتقد خلاف ذلك، وتنبيها منه تعالى على استحقاقه لحقيقة الإلهية، من حيث كان مالكا لأزمّة الأمور، ومقاديرها، ومن لا يكون بهذه الصفة فإنه لا حظ له فيها، ولا يكون مستحقا لها بحال، وحكم على الربوبية بالإلهية، حيث جعل رَبَّكُمُ
مبتدأ وقوله اللَّهُ
خبره، إشارة إلى أن كل من كان موصوفا بالربوبية، فإنه مستحق للإلهية لا محالة، لأن استحقاقه للإلهية إنما يكون إذا كان منعما بأصول النعم، والرب هو المالك، ومن كان مالكا للشىء فله التصرف فيه، ومن ملك الشىء كان مستحقا لإعطائه وله من أصول النعم وفروعها، فلهذا قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
ولم يقل: إن الله ربكم ملاحظة لما ذكرناه، ويشير بهذا النظام والتأليف إلى نكتة لطيفة، وهى أن الإلهية أعم من الربوبية، والربوبية أخص منها، جريا على قانون القياس فى العربية، من أن خبر المبتدأ لابد من أن يكون أعم منه، ولهذا جاز أن يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال. الحيوان إنسان، فالإلهية أعم من الربوبية، فالربوبية على الحقيقة لا يستحقها إلا هو، لأن معناها لا يصلح إلا فيه، وأما الإلهية وهى استحقاق العبادة، فقد شاركه فيها غيره، زعما أن غيره يستحق العبادة، فأما الربوبية وهى الملك، فإنه لا يخلص على الحقيقة إلا له لكونه مالك المكونات دون غيره، ومن عجيب ما تضمنه هذا التنبيه أنه جمع الوصفين منبها على عظم القهر والاستيلاء، فلهذا كان ربا مالكا، وعلى كونه مختصا بصفات الجلال، فلهذا كان إلها.
التنبيه الثانى
فى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
لما خاطبهم بالخطاب الدال على نهاية الملاطفة لهم حيث أضاف نفسه إلى نفوسهم بقوله: رَبَّكُمُ اللَّهُ
لما لهم من الاختصاص به حيث كان مالكا لأمورهم ومدبرا لأحوالهم، وما له من الاختصاص بهم،
حيث كان منعما بالخلق، والإيجاد، والتكوين، والرحمة، واللطف، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى، ودالة عليه، ثم عقب ذلك بقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وإنما خصّ السموات والأرض، لما فيهما من باهر القدرة، وعظم الملكوت، ولهذا قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[غافر: 57] وقدم السموات لأنها من أعظم المخلوقات، ألا ترى إلى قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ
[الأعراف: 185] وقوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[الأنعام: 75] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة، والتقديس، والتمجيد، وأنواع العبادات كلها، ولكونها محطا للرحمة، ونفوذ الأوامر والأقضية، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق، وبساطا ممهدا للتصرفات، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار، والفواكه وأنواع المعادن، وغير ذلك ثم قال: وَما بَيْنَهُما
يشير به إلى مهابّ الريح، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع، وتحريك السفن، وجرى السحاب لإرسال الأمطار، وطلوع الشمس والقمر، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، ثم إيراده عقب قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال:
وإنما كان ربا لكم، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السموات والأرض وما بينهما، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها، فالتكوين فى هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لابد من موجد وقادر، ومكون، لأن من المحال فى العقول أن حصول الشىء بعد أن لم يكن لابد له من قادر، وموجد، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان، وهى العالمية ثم قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فيه تنبيه على الوحدانية، لأن من هذه حاله فى التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذى من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره، ثم لما كانت دالة على القادرية، والعالمية، كما أشرنا إليه فهى دالة على الوجود بلا أولية، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات، لأنه لا فرق فى مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين