الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينسب به فى الأشعار لطيبه، فإذا قدرنا أداة التشبيه فإنا نقول: مكان كأنه مرعى للعين، وكأنه كان للنسيب منزلا ومألفا، فهكذا يصنع بما هذا حاله، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن كل ما كان من التشبيه المضمر الأداة، فإن تقدير أداة التشبيه إما أن يكون فى غاية القوة كالدرجة الأولى، وإما أن يكون فى نهاية الصعوبة والضعف كالدرجة الرابعة والخامسة، وإما أن يكون متوسطا كالدرجة الثانية والثالثة، ولا مزيد على ما أوردناه من هذا التقرير، وعلى الناظر إعمال نظره فى كل صورة ترد عليه فيما يتعذر من ظهور أداة التشبيه، وما لا يتعذر والله أعلم.
الطرف الثانى فى بيان مواقع الإفراد والتركيب
اعلم أنا قد أسلفنا أن التشبيه المضمر الأداة لا ينفك عن تلك الصور الخمس، وهى منطبقة على الإفراد والتركيب، ونحن الآن نورد كيفية انطباقها على المفرد والمركب فنقول:
أما الصورة الأولى فهى واردة فى تشبيه المفرد بالمفرد ومثاله قولنا: زيد الأسد، وزيد البحر، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
[النبأ: 10]، وقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
[البقرة: 187] وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: 223] فقوله فى ذكر اللباس من الاستعارات التى استبد بها القرآن ولم تأت فى غيره فى كلام منظوم ولا منثور، وهى من عجائب الاستعارة ودقيقها، وقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ
من الاستعارات البديعة أيضا، ومنه قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[يس: 37] فشبه انقطاع الليل من النهار بمنزلة سلخ الأديم عن المسلوخ، لشدة التحامه وصعوبة خروجه، وانقطاعه بالكلية، كما مثلناه وهذا التشبيه فى غاية المناسبة والملائمة لما هو له، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
وإذا اهتز للندى كان بحرا
…
وإذا اهتز للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا
…
وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
ومنه قوله أيضا فى هذا المثال:
خرجن من النقع فى عارض
…
ومن عرق الركض فى وابل
فلما نشفن لقين السياط
…
بمثل صفا البلد الماحل
وأما الصورة الثانية فإنما ترد فى التشبيه المفرد بالمركب، ومثال قوله صلى الله عليه وسلم:«الكمأة جدرى الأرض» «1» ومنه قول البحترى «غمام سحاب» وقول أبى تمام «أى مرعى عين» وقد أسلفناه، وهكذا ما حكيناه عن أمير المؤمنين، فإنه من باب تشبيه المفرد بالمركب، وهو كثير الدور، وأما الصورة الثالثة فمثالها قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث معاذ «وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم» «2» كأنه قال كلام الناس كحصائد المناجل، ومن علامة هذه الصورة التى هى تشبيه المفرد بالمركب، أنه لا يكون المشبه به مذكورا، بل المذكور صفته، وهو الحصد، فيكون تقديره، الألسنة فى كلامها كالمناجل المحصدة فيكون على هذا تشبيه مفرد بالمركب، وأما الصورة الرابعة والخامسة فإنما يردان فى تشبيه المركب بالمركب، فأما الرابعة فمثلناها بقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: 9] كأنه قال المؤمنون فيما تلبسوا به من الإيمان وتمكنوا فيه كمن اتخذ دارا وتبوأها مسكنا، فقد ظهر لك بما ذكرناه صورة التركيب فيهما جميعا، ومن هذا قول أبى تمام:
نطقت مقلة الفتى الملهوف
…
فتشكت بفيض دمع ذروف
وإذا أردنا إظهار تركيبه قلنا: دمع العين الباكية فى حالها كاللسان الناطق، وأما الخامسة فمثلناها بقول الفرزدق «ما ضر تغلب وائل» البيت وبقول البحترى «تعز فإن السيف» البيت وبقول الفرزدق أيضا «قوارص تأتينى» . ومتى أردت إظهار التركيب فى هذا فإنك تقول: هجاؤك فى حق هذه القبيلة بمنزلة بولة مجتمعة فى ملتقى البحرين، وهكذا قوله فى القوارص، كأنه قال: القوارص المجتمعة فى تأثيرها فى الألم والأذية، مشبهة بالقطر القليل الذى يجتمع فيملأ الإناء ونحو قوله «تعز» فإن تقدير ظهور التركيب فيه أن يقال: أنت فيما أصابك من فقد من فقدته، بمنزلة السيف الماضى وإن انقطعت حمائله وخلاه قائمه، فقد ظهر بما حققناه ههنا انطباق الصور الخمس على أقسام المفرد والمركب من غير مخالفة فى ذلك وبالله التوفيق.