الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من رآه توهم أنه هو الملك، لكنت قد أعرته الملك، لأن المقصود من هيئة الملك حصول المهابة فى النفوس والجلالة فى الأعيان، ولكن ذلك غير حاصل مع بقاء ما يدل على كونه سوقيا، فهكذا ما نحن فيه إذا قلت زيد أسد، فقد نفيت عنه ما يدل على أنه ليس بأسد، لأن الذاتين لا يكونان ذاتا واحدة، فلا جرم لا تحصل المبالغة المقصودة من الاستعارة فلا تكون الإعارة حاصلة.
الحجة الثانية، إن المقصود من الاستعارة هو أن يحصل للمستعير من المنافع مثل ما كان حاصلا للمعير منها، كالثوب مثلا فإن المستعير يلبسه كما يلبسه المعير سواء، فإذا قلت زيد أسد، فالمقصود من هذا الإخبار عن الشخص المعلوم بكونه أسدا لا غير، بخلاف قولك: لقيت الأسد، فإنك تفيد به أنه هو الحيوان المعلوم فى الشجاعة، فقد صار الاسم منتفعا بالشجاعة مثل انتفاع الأسد بها، بخلاف قولك زيد الأسد، فلم يقع ذلك الموقع، فلهذا لم يكن منتفعا بها، فلا جرم قضينا بكونه غير مستعار لما ذكرناه.
المذهب الثانى أنه بحقيقة الاستعارة أشبه
، وقد قال به أبو هلال العسكرى، والغانمى، وأبو الحسن الآمدى، وأبو محمد الخفاجى، وغيرهم من علماء البيان ولهم حجتان.
الحجة الأولى، قولهم الاستعارة ليس لها آلة، والتشبيه له الآلة، فما كانت فيه آلة التشبيه ظاهرة فهو تشبيه، وما لم تكن فيه ظاهرة فهو استعارة، فقوله زيد الأسد لا آلة فيه فوجب كونه من الاستعارة.
الحجة الثانية، هو أن المفهوم من قولنا زيد الأسد، مثل المفهوم من قولنا لقيت الأسد، وأتانى أسد، فإذا كان مفهومهما واحدا فى المبالغة فى المجاز، فإذا قضينا بكون أحدهما استعارة وجب أن يكون الآخر كذلك من غير تفرقة بينهما، هذا مغزى كلام الفريقين مع فضل تهذيب منا له لم يذكروه، وقد لخصناه، والمختار عندنا تفصيل نرمز إلى مباديه، وحاصله أنا نقول: ما كان من قبيل التشبيه المضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، وزيد أسد، فليس يخلو حاله من قسمين:
فالقسم الأول أن يكون الكلام مسوقا على جهة الاستعارة، فلو قدرنا ظهور آلة التشبيه لنزل قدره ولخرج عن ديباجة بلاغته، فما هذا حاله يكون من باب الاستعارة، ويفسد
جعله من التشبيه، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] فالخفض والذوق استعارتان بليغتان فلو ذهب بجعله تشبيها قائلا، اخفض لهما جانبك الذى هو كالجناح، وأذاقها الله الجوع والخوف اللذين هما كاللباس، كان من الركة بمكان، وهكذا لو قلت فى نحو قول الشاعر:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت
…
وردا وعضت على العناب بالبرد
فما هذا حاله من رقيق الاستعارة وعجيبها فلو أظهرت التشبيه فيه وقلت فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد، لكان غثا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا.
القسم الثانى أن يكون الكلام متسقا مع ظهور أداة التشبيه وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإنك لو قلت كالأسد كان الكلام سديدا وكقول البحترى:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن
…
ومالت فى التعطف غصن بان
فإنك لو قلت سفرت مثل ضوء الشمس ومالت فى التعطف مثل غصن البان، لم يخرج الكلام عن بلاغته، وعن هذا قيل إن قولنا زيد أسد، الأحق أن يكون من باب الاستعارة، وأن يكون قولنا زيد الأسد، أن يكون من باب التشبيه، لأن الكاف يحسن إظهارها فى المعرف باللام دون المنكر، والتفرقة بينهما أن اللام فى الأسد للجنس، فكأنك قلت زيد يشبه هذه الحقيقة المخصوصة من الحيوان، بخلاف المنكر، فإنها دالة على واحد من هذه الحقيقة، فإذا قلت زيد يشبه واحدا من هذه الحقيقة، فلا مبالغة فيه فافترقا، وقد قرر الزمخشرى فى تفسيره أن قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] يمكن جعله من باب الاستعارة، ويمكن جعله من باب التشبيه، مشيرا إلى ما ذكرنا من التلخيص فى ظهور آلة التشبيه وإضماره، كما مر، والله أعلم، فينحل من مجموع كلامنا أن الاستعارة لا تفتقر إلى أداة التشبيه وأن التشبيه لابد فيه من ذكر الأداة، وهى الكاف وكأن، ومثل، ونحو، وما شاكلها، فكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، وكلما ظهر معنى التشبيه تعفت آثار الاستعارة، وامحت رسومها وأعلامها، واتضح أمر المشابهة كما تشهد له الأمثلة التى ذكرناها من قبل ويشهد له ما نذكره الآن بمعونة الله تعالى.