المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الموافقات إن ارتيادنا القرآن وتأملنا له مع اختلاف مقاصدنا ومع تعلقنا - الظاهرة القرآنية

[مالك بن نبي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الفرنسيةللمرحوم الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز

- ‌شكر وتنبيه

- ‌تقديمفصل في إعجاز القرآنللأستاذ محمود محمد شاكر

- ‌مدخل إلى دراسة الظاهرة القرآنية

- ‌مَدْخَلٌ إِلَى دِرَاسَةِ الظَّاهِرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ

- ‌الظَّاهِرَةُ الدِّينِيَّةُ

- ‌الْمَذْهَبُ الْمَادِّيُّ

- ‌الْمَذْهَبُ الْغَيْبِيُّ

- ‌الحركة النبوية

- ‌الحركة النبويّة

- ‌مبدأ النبوة

- ‌ادعاء النبوة

- ‌النبي

- ‌أرمياء

- ‌الظاهرة النفسية عند أرمياء

- ‌خصائص النبوة

- ‌أصول الإسلامبحث المصادر

- ‌أصول الإسلامبحث المصادر

- ‌الرسول

- ‌عصر ما قبل البعثة

- ‌طفولة النبي- مراهقته

- ‌الزواج والعزلة

- ‌العصر القرآني

- ‌المرحلة المكية

- ‌المرحلة المدنية

- ‌كيفية الوحي

- ‌اقتناعه الشخصي

- ‌مقياسه الظاهريمقياسه العقلي

- ‌مقياسه الظاهري

- ‌مقياسه العقلي

- ‌مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي

- ‌الفكرة المحمدية

- ‌الرسالة

- ‌الخصائص الظاهرية للوحي

- ‌التنجيم

- ‌الوحدة الكمية

- ‌مثال على الوحدة التشريعية

- ‌مثال على الوحدة التاريخية

- ‌الصورة الأدبية للقرآن

- ‌مضمون الرسالة

- ‌العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس

- ‌العلاقة بين القرآن والكتاب المقدَّس

- ‌ما وراء الطبيعة

- ‌أخرويَّات

- ‌كونيات

- ‌أخلاق

- ‌اجتماع

- ‌تاريخ الوحدانية

- ‌قصة يوسف في القرآن والكتاب المقدس

- ‌جدول التفاصيل القرآنية في قصة يوسف

- ‌النتائج الموازنة للروايتين

- ‌البحث النقدي للمسألة

- ‌الفرض الأول

- ‌الفرض الثاني

- ‌موضوعات ومواقف قرآنية

- ‌موضوعات ومواقف قرآنية

- ‌إرهاص القرآن

- ‌ما لا مجال للعقل فيهفواتح السور

- ‌المناقضات

- ‌الموافقات

- ‌المجاز القرآني

- ‌القيمة الاجتماعية لأفاكار القرآن

- ‌المسارد

الفصل: ‌ ‌الموافقات إن ارتيادنا القرآن وتأملنا له مع اختلاف مقاصدنا ومع تعلقنا

‌الموافقات

إن ارتيادنا القرآن وتأملنا له مع اختلاف مقاصدنا ومع تعلقنا مقدماً بمزاعم المثقفين المحدثين، يبهرنا بنظام أفكاره الغريب، ومادتها العجيبة؛ على أن اهتمامنا قد تزايد منذ بعيد بازدياد سياحتنا في هذا العالم الذي يمتاز بنظامه وهندسته وطبيعته الخاصة، وهو في هذه المعاني جميعاً يشبه دوائر المعارف العلمية أو الكتب التعليمية المعدة لتطبيق خاص. لقد سقطت مزاعمنا تلقائياً، كما تسقط دائماً المزاعم أمام ثورات العلم، أو انقلابات التاريخ، وأمام الانتصارات الساحقة للحق وللخير، ونحن هنا نجد أنفسنا ملزمين (باعتراف) هو اعتراف مثقف أقبل على القرآن بطوية فطرية، كيما يكتشف فيه (كومة) من المعلومات المحددة، كأنه يطلع على أحد المجلدات الفنية. على أن هذا الاعتراف- علاوة على أنه يثقل بتفاصيل شخصية عديمة الجدوى موضوعاً محدوداً- فإنه ربما يكون استطراداً مملاً بالنسبة للخطة المتبعة.

ونحن لن نقول هنا سوى كلمة واحدة هي أن المثقف قد تخلى الآن عن مزاعمه الساذجة، من أجل أن يدخل باهتمام جديد إلى العالم القرآني، تماماً كأنه شخصية من الشخصيات التي نسمع عنها في حكايات الجن، لتجد نفسها معراة عن ملابسها، وليتسنى لها أن تتوغل في عالم السحر والغموض. وإذا كان لا يليق بنا أن نعد القرآن كتاب علم فإننا نلاحظ فيه مع ذلك آيات تحتوي الاهتمامين كليهما: لمسها حقيقة علمية، وإلقاؤها بهذا اللمس مزيداً من الوضوح على علاقة الذات المحمدية بالظاهرة القرآنية. فدراسة بعض هذه الآيات مفيدة إذن من الوجهتين

ص: 282

التاريخية والنفسية. وضروري أن نلاحظ من الوجهة النفسية أن موضوع التفكير تحدده في جوهره طبيعة الفكر الذي يصوغه، وهو يحتل مكانه في سياق الاطراد الطبيعي لهذا الفكر، ويحب على الأخص أن يكون جزءاً من الأفكار الخاصة بالذات التي تفكر فيه، وأن يدخل في نطاق تجربتها، وفي مجال رؤيتها، وبعبارة أخرى: لكي تصح نسبة هذه الملاحظات إلى النبي يجب أن نثبت أن:

الأفكار المحمدية = الأفكار القرآنية

وربما تصح هذه المعادلة لو أننا تحققنا من أن موضوع آية ما يمكن أن يصدر عن مجال ذات محمد، وأن يندمج في نسق فكره، وأن ينبعث عن تجربته، وأن ينتزع من محيط بصره. وفي هذه الحالة قد تفصح هذه المعادلة- بترتيبها المشار إليه آنفاً- عن علاقة سببية، لتكون الأفكار المحمدية سبباً في حصول الأفكار القرآنية، وإذا ثبت العكس تصبح المعادلة مستحيلة، إذ تنتفي العلاقة السببية، وهو ما نسعى إلى إثباته هنا. وعليه، فنحن نتصور تصوراً كاملاً طبيعة الفكر لدى إنسان فني في المشكلة الدينية والمشكلة الغيبية والمشكلة الروحية خاصة، وربما تصورنا أيضاً اطراد هذا الفكر في وصفه الطبيعي، وهو الاطراد الذي يجب أن يضم في مجال إدراكه البصري الوقائع وسبب حدوثها، والكون وعلة كونه. وينبغي أيضاً أن يربط بين الخالق والمخلوق برباط الإيمان، وأن ينصب للكائنات والأشياء سلماً من الدرجات الخلقية.

لقد شغلت أفلاطون فكرة كهذه، فانبجست منها فلسفته الخلقية. أما حين يحدث تحول جوهري في تيار الفكر لدى إنسان ما، فينتقل اهتمامه فجأة من أفق إلى آخر، فإن ذلك يدفعنا- دون شك- إلى أن ندقق النظر من قريب في هذه الحالة الغريبة، فلو اتضح لنا أنها غريبة عن الفكر الديني الذي نريد أن ندرس امتداده فمن الواجب أن نعدها (ظاهرة فريدة)، والقرآن يقدم لنا دائماً كثيراً

ص: 283

من هذه الغرائب التي تعلق الاهتمام، وتلجم فجأة اطراد الفكر وانسيابه، فنشر بأن المستوى قد تغير، كأنما وضعت هذه الغرائب هنالك قصداً لتكون مرقاة يصعد فيها المتأمل طفرة إلى ما هو أسمى من مستوى الذات الإنسانية، فإذا بالعقل- وهو الذي تعود أن يفكر فيما هو معلوم، وفيما هو قابل للعلم مما يتصل بالمستوى الإنساني- يجد نفسه وقد حمل بعيداً ليلحظ من هنالك، في وميض آية من آيات القرآن، أفقاً من آفاق المعرفة المطلقة.

لماذا نرى في اطراد فكرة غيبية صورة بصرية؟ ومن خلال عرض تشريعي تتدفق حقيقة أرضية أو سماوية.؟. لا شك أن هذا عجيب! .. ولا شك أننا لو تأملنا من قريب هذه الغرائب فسنكتشف في اطراد الفكرة القرآنية روحاً مذهلاً، ونسقاً رفيعاً، لا يصدر إلا عن معرفة مطلقة محضة تتدفق منها الآية، فنحن مضطرون إلى أن نعد أمثال هذه الغرائب إشارات بينات، وشهباً ثواقب، تكشف للفكر الإنساني المبهور عن المصدر الغيبي الذي تدفقت منه تلك الفكرة، التي سبقت عصور التقدم الإنساني، واتفقت مع الحقائق التي كشف عنها العلم بعد ذلك بقرون، وكأنما سبقت هذه الغرائب العقل الإنساني الذي يتطور، لتكون طلائع شاهدة على السر الأسمى للمعرفة القرآنية.

إن القرآن يتجه بالخطاب إلى البشر سكان الأرض، أولئك الذين يهمهم ولا ريب أن يعرفوا كل شيء عن الأرض التي تحملهم، فما هو شكل هذا الكوكب المظلم؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا يسلك القرآن مسلكاً علمياً، فهو ليس كتاباً في وصف الكون، ولو أنه كان كذلك لحوى تلك الأفكار التخمينية، التي كانت تقول بها النظرية البطلمية (1) La Théorie Ptelemienne الشائعة آنذاك،

(1) بطليموس هو الذي افترض أن الأرض مركز الكون الذي تدور حوله الشمس والكواكب الأخرى، وقد حلت محل النظرية نظرية كوبرنيك السائدة الآن.

ص: 284

ومعلومات ذلك العصر عن الأرض تذهب إلى كرويتها التامة، وتذهب أيضاً إلى أنها ساكنة في مركز الفضاء (1). أما الأفكار الأفلاطونية المشار إليها فقد كانت أكثر زخرفة، إذ أن أفلاطون حين تغنى بظواهر الكون أراد أن يجعل الأرض مركز قبة الفلك المترنم.

هذه إذن هي المصادر العلمية التي يمكن أن تستقى منها الإجابة الإنسانية عن السؤال الموضوع، ولكن إجابة القرآن- على الرغم من أنها لا تحمل طابعاً تعليمياً شأن كتب وصف الكون- تبدو كأنما تضع معالم بسيطة أمام العقل الإنساني على جوانب طريق التقدم العلمي. ولننظر في الآية الآتية، قوله تعالى:

{أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء21/ 44]

ففي هذه الآية فكرتان متميزتان ينبغي أن نؤكد كلاً منهما على حدة:

إحداهما: ذات طابع هندسي، فتشكل الأرض قد عين ضمناً في قوله:"أطراف".

والأخرى: ذات طابع آلي عبّرت عنه صراحة (ننقصها). والواقع أن لفظة (أطراف) تقتضي فكرة عن شكل الأرض، فأي شكل هو؟

إن الأرض لا توحي بداهة بشكل خيطي في الفضاء، أو بشكل مسطح أو مسدس أو مربع أو مثلث .. الخ .. إذ أن أقل نتوء في مساحتها يوحي بداهة بفكرة الأبعاد الثلاثة، وبالتالي بشكل هندسي ممتد في الاتجاهات الثلاثة، ولكن جميع الأشكال الهندسية في الفضاء لا تتفق مع فكرة (الأطراف) فأقرب الأشكال إلى التصور - حين نأخذ في اعتبارنا اللفظ المكمل (انتقاص الأطراف)، وحين نساير

(1) بوكيه Boquet ( تاريخ الفلك Histoire de l'Astronomie)

ص: 285

معارف الهندسة الأرضية عن (دحو القطبين (1) Applatissement aux Pôles) هو الشكل البيضاوي.

هذا التوافق الذي يخص شكل الأرض ودحو قطبيها، تلك الخاصة المساحية التي أثبتها العلم الحديث عموماً، أقول: هذا التوافق قد ازداد وضوحاً حين أيدته الأفكار القرآنية الأخرى التي تتحدث عن كوكبنا، وتتفق مع الحقيقة العلمية، فإذا اقتصر العلم في أوربا حتى عهد (كو برنيك Copernic) و (فابيوناتشي Fabionacci) على الأفكار البطلمية، فها هو ذا القرآن يصف صراحة قبل ذلك بثمانية قرون حركة الأرض فيقول:{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل 27/ 88]

هذه الفكرة عن حركة الأرض جوهرية في ذاتها، وهي زيادة على ذلك توحي بفكرة ملازمة لها، هي فكرة (محور الحركة)، وبالتالي بفكرة (القطبين) والقطبان قد عينهما لفظ (أطراف)، وأشار إليهما في فكرة (دحو القطبين).

ولكن من أين يأتي هذا الكوكب الذي تحدث القرآن عن شكله ودحوه، وحركته في إشارتين شفافتين؟ .. يبدو لنا أن النظريات قبل (لابلاس Laplace) - بصرف النظر عن الأساطير- لم تواجه هذا السؤال. ولكن منذ (لابلاس) عدت الأرض شرارة مظلمة منفصلة عن الشمس، أما القرآن فمن غير

(1) تخيرنا أن نستعمل عبارة "دحو القطبين" في ترجمة عبارة Applatissement aux Pôles لأن الدحو البسط والترقيق، وهو المعنى الوضعي لكلمة Applatissement، وهو أيضاً تعبير يتصل بشكل الأرض البيضاوي، فقد قال في القاموس عند كلامه على مادة (دحا) والأدحيّة والأدحُوّة مبيض النعام في الرمل" ويطلق على البيضة في بعض البلاد العربية الآن (الدحة) أو (الدحية)، ولعل سر هذا الشكل البيضاوي للأرض يكمن في قوله تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . (المترجم)

ص: 286

أن يلجأ إلى التفسير العلمي نراه يضع بعض المعالم على هذه الطريق:

{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس 36/ 40]

ومن الممكن أن يقال: إن الأمر هنا يتعلق بفكرة معتسفة تحدد اتفاقاً نقطة بدء في تقسيم الزمن، ومع ذلك فليس ما يمنع من تفسير الآية طبيعياً، مع اعتبارنا المعنى العام للنص، ولعلها في هذه الحالة تتفق مع الفكرة العلمية عن (الليل) من حيث كونه ظاهرة طبيعية أعقبت البرودة التدريجية للأرض؛ إذ الواقع أنه طالما كانت الأرض كتلة ملتهبة فإنها لم تكن تعرف الليل، فكانت في نهار طبيعي دائم.

وأخيراً فإن هذا الوصف الكوني مكمل بأفكار قرآنية أخرى، ليست بأقل أهمية في إثبات التوافق مع الحقيقة العلمية، ولنا أن نذكر خاصة خط مسير الشعاع الضوئي في الجو، فنحن نعلم أن الجوَّ هو:"تراكب طبقات متتابعة تقل فيما بينها كثافة الهواء ابتداء من الأرض"، وفي وسط كهذا يجب أن يكون مسلك الشعاع الضوئي طبقاً للقانون الثاني للعالمين (الهيثم (1) - ديكارت)، وهو (قانون الانكسار)، ولكن القرآن الذي يلفت أنظارنا دائما إلى ظواهر الطبيعة

(1) هو أبو علي الحسن بن الهيثم- ولد بالبصرة عام 355 هـ "965م"، ومات بالقاهرة عام 430 هـ "1028 م" وكان من علماء الرياضة المبرزين، وقد استطاع أن ينقل رسائل المتقدمين في الرياضة والطبيعة، وأن يضع الكثير من الرسائل في هاتين المادتين وفي الطب الذي كان مهنته الأصلية، ومن أهم مؤلفاته كتابه (المناظر) عن البصريات والضوء، وأصله العربي مفقود ولم تبق إلا ترجمته اللاتينية التي قام بها (وتلو Wltele) عام 1270م، وهو صاحب نظريات: انتشار الضوء، والألوان، وخداع البصر، والانعكاس، كما تناول موضوع انكسار الأشعة الضوئية التي تمر في أوساط شفافة كالهواء والماء، وذلك قبل أن يثبت (سمل Smell) و (ديكارت Descarte) قانون الجيوب في الضوء بستة قرون تقريباً. وللحسن رسالة في الضوء، وأخرى عن ظواهر الشفق وألوان الطيف والهالة والظل والكسوف والخسوف

لخ .. (المترجم)

ص: 287

يدعونا إلى أن نرى يد الخالق- التي لا تُرى- في أقل خطوط الظل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان 45/ 25، 46]

كيف نفسر هذا القبض اليسير (1)؟ .. إن قانون (الهيثم- ديكارت) يقول إن الشعاع الضوئي الذي ينتشر في مجال ذي كثافة متغيرة باستمرار يخط في مسيره خطاً منحنياً ذا تجويف متجه نحو النقط الأكثر كثافة، وفي هذا المجال يقبض الظل (قبضاً يسيراً) بالنسبة لما قد يكون عليه الفراغ الذي لا يوجد فيه انكسار، وفي هذا توافق ملحوظ بين الفكرة القرآنية والخاصة البصرية المحضة التي يجهلها العلم الإنساني في العصر القرآني.

وبما أننا في حديث الجو، فلنذكر اتفاقاً آخر مما قرره القرآن: فمنذ اكتشاف الطبقات العليا بفضل الطيران والبالونات استطعنا أن ندرك ظاهرة عضوية تنتج عن تمدد الهواء، إذ يشعر الصاعد في العلو ببعض الصعوبة في التنفس، ويحس بالضيق والانقباض. لقد اقتبست الفكرة القرآنية من هذه الظاهرة استعارة بارعة، فيقول القرآن:

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام 125/ 6]

وربما أمكننا أن نجزم بأن تسلق الجبال قد لفت نظر هواة التسلق إلى هذه الظاهرة، حتى قبل ارتياد الطبقات الجوية، فضلاً عن أن الآية لا تستخدم في الموازنة تعبير الصعود (في الجبال)، بل تستخدم صراحة تعبير الصعود (في

(1) ذهب المفسرون الذين فاتتهم فكرة القرآن في هذا الباب إلى تفسير هذه الآية متحاشين تحديد معنى الفعل (قبض) مع أنه جد واضح، ومؤولين (يسيراً) تأويلاً غريباً فأصبح معنى الجملة عندهم (ثم قبضناه إلينا وكان ذلك يسيراً علينا). (المؤلف)

ص: 288

السماء) ونضيف إلى هذا أن مهد العبقرية العربية بلد ذو سطح منبسط، وسهول واسعة لا يفيد المرء منها تجربة، أو فكرة في تسلق الجبال، فنحن مجبرون أن نقرر هنا أيضاً اتفاقاً رائعاً للفكرة القرآنية مع الواقع العلمي.

وأخيراً فعلى هذه الأرض التي يبدو القرآن وكأنما يلقي على أصولها البعيدة بعض الإشارات الضوئية وجد الإنسان، فمن أين أتى هذا الإنسان؟. وأين هي نقطة البدء في الحياة الحيوانية؟

لقد تخيل العلم دورة بيولوجية تغذت في وسط مائي حيث تكونت الخلية الحية الأولى وتشكلت واكتملت، حتى وصلت إلى هيئة الإنسان، فمن الأهمية بمكان أن نلحظ التوافق بين الدورة العلمية وبين الفكرة القرآنية التي تصوغها الآيات التالية:

(1)

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} .

(طين = ماء + تراب)[السجدة 7/ 32]

(2)

{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة 8/ 32]

(3)

{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة 32]

فقد سجلت أطوار الدورة بوضوح في هذه الآيات، إذ تسجل الآية الأولى طور الخلق الأول، وتسجل الآية الثانية طور التناسل، وتسجل الثالثة طور الاكتمال. ولقد وضعنا قصداً الشرح التخطيطي لكلمة (طين) بين قوسين لكي نستخرج منه كلمة (ماء)، الذي هو نقطة البدء في الدورة البيولوجية في النظرية العلمية. ليس هذا متعسفاً لأن القرآن يحدد- دون لبس- هذا الطور من أطوار الخلق ابتداء من الماء حيث يقول:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء30/ 21]

ص: 289

لقد ذهب المفسرون الذين فاتتهم الفكرة القرآنية إلى تفسير الاسم المعين (الماء) بمعنى الاسم غير المعين (ماء) الذي يساوي: (سائل منوي)، فتفسيرهم هذا قد ينطبق على آيات أخرى تتحدث عن طور التناسل. ولكي ننتهي من هذا الاستطراد في تفصيل الدورة البيولوجية في الفكرة القرآنية، نرى من المفيد أن نورد تعداداً، ورد بصورة تتفق مع مراحل الحياة الحيوانية.

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ {[النور 45/ 24]

وفي نسق آخر للأفكار يقع توافق عجيب جدير بالذكر في الآية التالية: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف 85/ 18، 86]

وربما تبدو هذه الآية العجيبة ذات سذاجة حلوة، ومع ذلك فلو أننا نظرنا إلى خط الطول الذي تقع عليه مكة، فإن مغرب الشمس سيكون على مدى تسعين درجة طولية إلى الغرب، وهذا الطول يمتد إلى نواحي خليج المكسيك، حيث يتفرع مجرى بحري، هذا التيار البحري الدافئ هو الذي يحمل إلى شواطن أوربا الشمالية ما يناسبها من الدفء المستمد من (عينه الحمئة أو الحامية)(1) وفي هذه الأنحاء نفسها حاول المهندس الفرنسي (جورج كلودح George Claude) استخدام الطاقة الحرارية في البحار، ونجح في ذلك نظرياً.

أو ليس هذا بالتحديد هو المكان الذي تغرب فيه الشمس بالنسبة لخط طول مكة الذي يعد بصورة ما خط طول الفكرة القرآنية؟. هذا أيضاً توافق عجيب. ولنذكر من ناحية أخرى ذلك الانقلاب الجبار الذي حدث منذ قرن باكتشاف

(1) قرأ معاوية "وجدها تغرب في عين حامية" وهي قراءة مسموعة قطعاً. (المترجم)

ص: 290

الكهرباء واستخدامها في الحياة على سطح الأرض، إن النتائج النظرية والعملية لهذا الاكتشاف ذات دوي عميق هائل في حياتنا، وفي فكر الإنسان وفنونه، وقد يكون جديراً بالذكر أن نجد إشارة إلى هذه الظاهرة الخطيرة الشأن في الكتاب الذي قال عنه:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام 38/ 6]

لقد لفت نظرنا بعض المفسرين المحدثين لتلك الإشارة في الآية الآتية:

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور 35/ 24]

ففي هذه الآية أجمل مجازات القرآن التي ألهمت الغزالي كتاباً من أعمق مؤلفاته هو (المشكاة La Cavité) ، ولكن عقلية المفسرين المحدثين قد أدركت في هذا المجاز أكثر من إشارة صوفية، أدركت موافقة من أعجب موافقات الفكرة القرآنية للواقع الذي قرره العلم، ونحن نريد هنا- لزيادة الإيضاح- أن نؤكد بدورنا الخاصة الموحية للآية المذكورة، بأن نرتب عناصرها الأساسية في قالب إيضاحي، بحيث تصبح الآية (ولو لم تمسه نار فإن النور يضيء من مشكاة فيها مصباح في زجاجة)، وبهذا تصبح الإشارة أكثر شفافية، لكنا نستطيع أن نستطرد في تبيان الصفة الخاصة لهذه الآية، مستعيرين من مصطلحات الصناعة ما يعادل ألفاظها، وإنما يصح هذا الاستبدال بالمعادلات الآتية:

مشكاة = Projecteur = عاكس

مصباح = شيء ملتهب مضيء = سلك

زجاجة = أنبوبة

وليس في هذه المعادلات شيء من الاعتساف، فهي مستوحاة من ألفاظ الآية نفسها، وفي ضوء طبيعة مجازها الفريدة، التي تؤدي إلينا فكرة مصباح

ص: 291

يضيء دون أن تمسه نار. وبعد هذا الاستبدال تتكون لدينا الجملة الآتية، حيث يصير الرمز شفافاً تماماً:(ولو لم تمسه نار، يضيء النور من عاكس فيه سلك في أنبوبة، يوقد من زيت شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية)(1). فهنا يجب أن نلاحظ جيداً موافقة من أغرب الموافقات بين الفكرة الموحاة وبين الحقائق التي أثبتها العلم بعد ذلك.

ويمكننا أن نلاحظ أيضاً في حالات أخرى عجزنا عن إيضاح هذه الفكرة الموحاة في ضوء فكرة الإنسان الخاصة. فلو أننا أردنا أن نخلع على عصرنا هذا المضطرب بالحروب المهلكة رمزاً مميزاً فلربما وجدناه في الفكرة الرهيبة التي توحي لنا بها (القذيفة أو القنبلة)، إن رمزاً كهذا قد ورد في قوله تعالى:

{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} (2)[الرحمن 35/ 55]

فهل يتسنى لكائن ما أن يصوغ رمزاً لأدوات الموت أكثر من هذا؟ ولقد كان هذا التوافق غريباً مدهشاً، إذ لم يستخدم فن الحرب حتى معركة (سجلماسة) سوى السلاح الأبيض، ففي هذه المعركة تعلم الإنجليز استعمال البارود، لكي يستخدموه بعد سنوات معدودات في معركة (كريسي).

وأخيراً فلكي نختم هذا الفصل الذي بحثنا فيه بعض الظواهر الطبيعية، قد نتساءل عن مدى العالم الذي تنتشر فيه هذه الظواهر، هل لهذا الامتداد حدود

؟ إن القرآن يجيب صراحة:

(1) استخدمت الشجرة دائما في الرمز الشعبي بمعنى مجازي هو معنى القوة = الطاقة وبالتالي فإن واحداً من أشكالها الموحاة في الآية هو سريان الكهرباء (زيت شجرة مباركة).

(2)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بخفض "نحاس" معطوفة على "نار". وهي القراءة التي اختارها المؤلف، ونسبها إلى من يدعى "مكي بن الأثير" ولا وجود لقارئ بهذا الاسم فيما لدينا من المراجع (انظر النشر ج2 ص381، وطبقات القراء ج2 ص 308 و309 وغيرهما في الجزء نفسه) وقرأ الباقون برفعها، معطوفة على "شواظ". (المترجم)

ص: 292

{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات 37/ 51]

وهكذا يبدو الفضاء- في نظر القرآن- وكأنه لا ينتهي، وكأنه يزداد على الدوام. هذه الفكرة التي أصبحت الآن علمية هي التي هالت (انشتين Einstein) نفسه عندما اكتشف عالم الطبيعة (هابل Huble) أن الكواكب السديمية تبتعد عن سديمنا، واستنبط عالم الرياضة البلجيكي القسيس (لومتر Le maître) من ذلك نظرية (امتداد الكون).

أو ليس عجاباً مذهلاً أن تضع الفكرة الموحاة- هكذا دائماً- معالمها المضيئة أمام الفكر العلمي، حتى كأنها تصف له الطريق؟!. وهل يستطيع أحد أن يقول إن معالم كهذه قد انبثقت من عقل أمي، وبأن هناك بالتالي معادلة بين: الأفكار المحمدية والأفكار القرآنية؟!!

***

ص: 293