الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقالَ فِي كتابهِ «محجَّةُ الواثقينَ ومدرجةُ الوامقينَ» : «وأجمعوا أنَّ اللهَ فَوْقَ سماواتِهِ، عالٍ عَلَى عرشِهِ، مُسْتَوٍ عليهِ، لَا مُسْتَولٍ عَلَيهِ كَمَا تقولُ الجهميَّةُ: إنَّهُ بكلِّ مكانٍ، خلافًا لما نزلَ فِي كتابهِ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]» (1).
80 - عبدُ الله بن يوسف الجوينيُّ (438ه
ـ)
قَالَ الشَّيخُ العالمُ العلَّامةُ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والدُ إمامِ الحرمينِ رحمه الله فِي «رسالةٍ فِي إثباتِ الاسْتِوَاءِ والفوقيَّةِ» (2):
(1) مجموع الفتاوى (5/ 60).
(2)
طبعة دار طويق - الرياض، الطبعة الأولى: 1419هـ.
كنتُ أخافُ مِنْ إطلاقِ القولِ بإثباتِ العلوِّ، والاستواءِ، والنزولِ، مخافةَ الحصرِ والتَّشبيهِ، ومَعَ ذلكَ فإذا طالعتُ النُّصوصَ الواردةَ فِي كتابِ الله وسنَّةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم، أجدهَا نصوصًا تشيرُ إِلَى حقائقِ هذهِ المعاني، وأجدُ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم، قدْ صرَّحَ بهَا مخبرًا عنْ ربِّهِ، واصفًا لهُ بها، وأَعلمُ بالاضطرارِ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يحضرُ فِي مجلسهِ الشريفِ العالمُ والجاهلُ، والذكيُّ والبليدُ، والأعرابيُّ والجافي، ثمَّ لا أجدُ شيئًا يعقِّبُ تلكَ النُّصوصَ، التي كانَ يصفُ ربَّهُ بها، لا نصًّا وَلَا ظاهرًا، ممَّا يصرفُها عنْ حقائقها، ويؤوِّلها كَمَا تأوَّلها
…
مشايخي الفقهاءِ المتكلِّمينَ مثلُ تأويلهم الاستواءَ بالاستيلاءِ، وللنزولِ بنزولِ الأمرِ وغيرِ ذلكَ. ولم أجدْ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كانَ يحذِّرُ النَّاسَ مِنَ الإيمان بما يظهرُ مِنْ كلامهِ فِي صفتهِ لربِّهِ مِنَ الفوقيَّةِ واليدين وغيرها، ولم ينقلْ عنهُ مقالة تدلُّ عَلَى أنَّ لهذهِ الصِّفاتِ معاني أُخَرَ باطنة، غير مَا يظهرُ منْ مدلُولِها، مثلُ فوقيَّةِ المرتبةِ، .. وغيرِ ذلكَ.
وأجدُ اللهُ عز وجل يقول: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]. {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *} [الملك: 16 - 17]. {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102]. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37].
وهذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ موسى أخبرهُ بأنَّ ربَّهُ تعالى فوقَ السَّماءِ ولهذا قالَ {وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37].
وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ *} [المعارج: 4] الآية.
ثمَّ ساقَ جُمْلَةً مِنَ الأحاديثِ الدَّالةِ عَلَى عُلُوِّ الرحمنِ - إِلَى أنْ قَالَ:
إِذَا علمنا ذلكَ واعتقدناهُ، تخلَّصنا منْ شبهِ التَّأويلِ، وعماوةِ التَّعطيلِ، وحماقةِ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ، وأثبتنا علوَّ ربِّنا سُبْحَانهُ وفوقيَّته، واستواءَهُ عَلَى عرشهِ، كَمَا يليقُ بجلالهِ وعظمتهِ، والحقُّ واضحٌ فِي ذلكَ والصُّدورُ تنشرحُ لهُ.
فإنَّ التَّحريفَ تأباهُ العقولُ الصَّحيحةُ، مثلُ تحريفِ الاسْتِوَاءِ: بالاستيلاءِ وغيرهِ، والوقوفُ فِي ذلكَ جهلٌ وعيٌّ، مع كونِ أنَّ الرَّبَّ تعالى وصفَ لنا نفسَهُ بهذهِ الصِّفاتِ لنعرفَهُ بها، فوقوفنا عنْ إثباتها ونفيهَا، عدولٌ عَنِ المقصودِ منهُ فِي تعريفنا إيَّاها، فما وصفَ لَنا نفسَهُ بها إلَّا لنثبتَ مَا وصفَ بِهِ نفسَهُ لنا، وَلَا نقفُ فِي ذلكَ.
وكذلكَ التَّشبيهُ والتَّمثيلُ حماقةٌ وجهالةٌ، فمنْ وفَّقهُ الله تعالى للإثباتِ بلا تحريفٍ، وَلَا تكييفٍ، وَلَا وقوفٍ، فقدْ وقعَ عَلَى الأمرِ المطلوبِ منهُ، إنْ شاءَ الله تعالى.
والذي شرحَ الله صدري، فِي حالِ هؤلاءِ الشيوخِ، الذين أوَّلوا الاسْتِوَاءَ: بالاستيلاءِ، والنزولَ: بنزولِ الأمرِ، واليدين بالنعمتين والقدرتينِ هو علمي بأنَّهم مَا فهموا فِي صفاتِ الرَّبِّ تعالى إلَّا مَا يليقُ بالمخلوقينَ، فما فهموا عَنِ الله استواءً يليقُ بهِ، وَلَا نزولًا يليقُ به ولا يدينِ تليقُ بعظمتهِ بلا تكييفٍ وَلَا تشبيهٍ، فلذلكَ حرَّفوا الكَلِمَ عنْ مواضعهِ، وعطَّلُوا مَا وصفَ الله تعالى نفسهُ بِهِ. ونذكرُ بيانَ ذلكَ إنْ شاءَ الله تعالى.
لا ريبَ إنَّا نحنُ وإيَّاهم متَّفقونَ عَلَى إثباتِ صفاتِ الحياةِ، والسَّمعِ، والبصرِ، والعلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، والكلامِ لله. ونحن قطعًا لا نعقلُ مِنَ الحياةِ إلَّا هَذَا العَرَض الّذي يقومُ بأجسامنا، وكذلكَ لا نعقلُ مِنَ السَّمعِ والبَّصرِ إلَّا أعراضًا تقومُ بجوارحنَا. فكمَا أنَّهم يقولونَ: حياتُه ليستْ بِعَرَضٍ، وعلمهُ كذلكَ، وبصرهُ كذلكَ، هي صفاتٌ كَمَا تليقُ بهِ، لا كَمَا تليقُ بنا. فكذلكَ نقولُ نحنُ: حياتهُ معلومةٌ وليستْ مُكيَّفةً، وعلمهُ معلومٌ وليسَ مُكيَّفًا، وكذلكَ سمعهُ وبصرهُ معلومانِ، لَيْسَ جميعُ ذلكَ أعراضًا بلْ هوَ كَمَا يليقُ بِهِ.
ومثلُ ذلكَ بعينهِ فوقيَّتهُ واستواؤهُ ونزولهُ، ففوقيَّته معلومةٌ، أعني ثابتة كثبوتِ حقيقةِ السَّمعِ وحقيقةِ البصرِ فإنَّهما معلومانِ وَلَا يُكيَّفانِ، كذلكَ فوقيَّتهُ معلومةٌ ثابتةٌ، غيرُ مكيَّفةٍ كَمَا يليقُ بهِ، واستواؤهُ عَلَى عرشهِ معلومٌ غيرُ مُكيَّفٍ بحركةٍ أو انتقالٍ يليقُ بالمخلوقِ، بلْ كَمَا يليقُ بعظمتهِ وجلالهِ. صفاتهُ معلومةٌ منْ حيثُ الجملةِ والثبوتِ، غيرُ معقولةٍ منْ حيثُ التكييفِ والتحديدِ، فيكونُ المؤمنُ بِها مبصرًا منْ وجهٍ، أعمى منْ وجهٍ، مبصرًا منْ حيثُ الإثباتِ والوجودِ، أعمى منْ حيثُ التكييفِ والتحديدِ، وبهذا يحصلُ الجمعُ بينَ الإثباتِ لما وصفَ الله تعالى نفسَهُ بهِ، وبينَ نفيِ التَّحريفِ والتَّشبيهِ والوقوفِ، وذلكَ هو مرادُ الرَّبِّ تعالى منَّا فِي إبرازِ صفاتهِ لنا لنعرفهُ بها، ونؤمنُ بحقائقها وننفيَ عنهَا التَّشبيهَ، وَلَا نعطِّلها بالتَّحريفِ والتَّأويلِ، وَلَا فرقَ بينَ الاسْتِوَاءِ والسمعِ، وَلَا بينَ النزولِ والبصرِ، الكلُّ وردَ فِي النَّصِّ.
فإنْ قالوا لنا: فِي الاسْتِوَاءِ شبَّهتم.
نقولُ لهم: فِي السَّمعِ شبَّهتم، ووصفتم ربَّكم بالعَرَض!!
فإنْ قالوا: لا عرض، بل كَمَا يليقُ بِهِ.
قلنا: فِي الاسْتِوَاءِ والفوقيَّةِ لا حَصْرَ، بلْ كَمَا يليقُ بهِ، فجميعُ مَا يلزمونَا بِهِ فِي الاستواءِ، والنزولِ، واليدِ، والوجهِ، والقدمِ والضحكِ، والتعجُّبِ مِنَ التَّشبيه، نلزمهمْ بِهِ فِي الحياةِ والسَّمعِ، فكمَا لا يجعلونها همْ أعراضًا، كذلكَ نحنُ لا نجعلهَا جوارحَ، وَلَا مَا يوصفُ بِهِ المخلوقُ. وليسَ مِنَ الإنصافِ أنْ يفهموا فِي الاسْتِوَاءِ والنزولِ، والوجهِ، واليد صفاتِ المخلوقينَ فيحتاجوا إِلَى التَّأويلِ والتَّحريفِ.
فإنْ فهموا فِي هذه الصِّفاتِ ذلكَ فيلزمهم أنْ يفهموا فِي الصِّفاتِ السبعِ، صفاتِ المخلوقينَ مِنَ الأعراضِ!!
فما يلزمونَا فِي تلكَ الصِّفاتِ، مِنَ التَّشبيهِ والجِسْمِيَّةِ، نلزمهمْ بِهِ فِي هذهِ الصِّفاتِ مِنَ العرضيةِ، وما ينزَّهونَ ربَّهم بِهِ فِي الصِّفاتِ السَّبعِ، وينفونَ عنهُ عوارضَ الجسمِ فيها، فكذلكَ نحنُ نعملُ فِي تلكَ الصِّفاتِ، التي ينسبونا فِيهَا إِلَى التَّشبيهِ سواءٌ بسواءٍ.
ومنْ أنصفَ، عرفَ مَا قلنا واعتقدهُ، وقبلَ نصيحتنَا، ودانَ لله بإثباتِ جميعِ صفاتهِ هذهِ وتلكَ، ونفى عنْ جميعهَا التَّشبيهَ، والتَّعطيلَ، والتَّأويلَ، والوقوفَ.
وهذا مرادُ الله تعالى منَّا فِي ذلكَ، لأنَّ هذه الصِّفاتِ وتلكَ، جاءتْ فِي موضعٍ واحدٍ، وهو الكتابُ والسنَّةُ، فإذا أثبتنا تلكَ بلا تأويلٍ، وحرَّفنا هذهِ وأوَّلناها، كنَّا كمنْ آمنَ ببعضِ الكتابِ وكفرَ ببعضٍ، وفي هَذَا بلاغٌ وكفايةٌ إنْ شاءَ الله تعالى
…
ثمَّ قَالَ رحمه الله مبيِّنًا أثرَ هذهِ العقيدةِ فِي قلبِ المؤمنِ بها:
العبدُ إِذَا أيقنَ أنَّ الله تعالى فوقَ السَّماءِ، عالٍ عَلَى عرشهِ بلا حصرٍ وَلَا كيفيَّةٍ، وأنَّهُ الآن فِي صفاتهِ كَمَا كانَ فِي قِدَمِهِ، صارَ لقلبهِ قبلة فِي صلاتهِ وتوجههِ ودعائهِ، ومنْ لا يعرفُ ربَّهُ بأنَّهُ فوقَ سماواتهِ عَلَى عرشهِ، فإنَّهُ يبقى ضائعًا لا يعرفُ وجهةَ معبودهِ،
…
بخلافِ منْ عرفَ أنَّ إلههُ الَّذي يعبدهُ فوقَ الأشياءِ، فإذا دخلَ فِي الصَّلاةِ وكبَّرَ، توجه قلبهُ إِلَى جهةِ العرشِ، منزِّهًا ربَّهُ تعالى عَنِ الحصرِ مفردًا لهُ، كَمَا أفردهُ فِي قِدَمِهِ وأزليَّتِهِ، عالمًا أنَّ هذهِ الجهاتِ منْ حدودنا ولوازمنا، وَلَا يمكننَا الإشارةُ إِلَى ربِّنا فِي قِدَمِهِ وأزليَّتِهِ إلَّا بِهَا؛ لأنَّا مُحْدَثونَ، والمُحْدَثُ لَا بدَّ لهُ فِي إشارتهِ إِلَى جهةٍ، فتقعُ تلكَ الإشارةُ إِلَى ربِّهِ، كَمَا يليقُ بعظمتهِ، لَا كَمَا يتوهَّمهُ هُوَ منْ نفسهِ، ويعتقدُ أنَّهُ فِي علوِّهِ قريبٌ منْ خلقهِ، هُوَ معهم بعلمهِ وسمعهِ وبصرهِ، وإحاطتهُ وقدرتهُ ومشيئتهُ، وذاتُهُ فَوْقَ الأشياءِ، فَوْقَ العرشِ، ومتىَ شعرَ قلبهُ بذلكَ فِي الصَّلاةِ أَوْ التوجُّهِ أشرقَ قلبهُ، واستنارَ، وأضاءَ
…
وقويَ إيمانُهُ، ونزَّهَ ربَّهُ عَنْ صفاتِ خلقهِ مِنَ الحصرِ والحلولِ، وذاقَ حينئذٍ شيئًا منْ أذواقِ السَّابقينَ المقرَّبينَ، بخلافِ منْ لَا يعرف وجهةَ معبودهِ، وتكونُ الجاريةُ راعيةُ الغنمِ أعلمَ باللهِ منهُ، فإنَّها قالتْ:«فِي السَّمَاءِ» عرفتهُ بأنَّهُ عَلَى السَّمَاءِ.
فإنَّ «فِي» تأتي بمعنى «عَلَى» كقولهِ تَعَالَى: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] أي عَلَى الأرضِ: وقوله: {ط ظ ع غ {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أي عَلَى جذوعِ النَّخلِ. فمنْ تكونُ الراعيةُ أعلمَ بالله منهُ، لكونهِ لَا يعرفُ وجهةَ معبودهِ، فإنَّهُ لَا يزالُ مظلمَ القلبِ، لَا يستنيرُ بأنوارِ المعرفةِ والإيمانِ.
ومنْ أنكرَ هَذَا القولَ، فليؤمنُ بهِ، وليجرِّب، ولينظر إِلَى مولاه مِنْ فوقِ عرشهِ بقلبهِ، مبصرًا منْ وجهٍ، أعمى منْ وجهٍ كَمَا سبقَ، مبصرًا منْ جهةِ الإثباتِ والوجودِ والتَّحقيقِ، أعمى منْ جهةِ التَّحديدِ، والحصرِ، والتكييفِ، فإنَّهُ إِذَا عملَ ذلكَ وجدَ ثمرتهُ إنْ شاءَ الله تعالى، ووجدَ نورهُ وبركتهُ عاجلًا وآجلًا، {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] والله سُبْحَانهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
ثمَّ عقدَ فصلًا فِي تقريبِ مسألةِ الفوقيَّةِ إِلَى الأفهامِ، بمعنًى منْ علمِ الهيئةِ والفلكِ لمنْ عرفهُ قَالَ:
لا ريبَ أنَّ أهلَ هَذَا العلمِ حكموا بما اقتضتهُ الهندسةُ، وحكمهَا صحيحٌ لأنَّهُ ببرهانٍ، لا يكابرُ الحسُّ فيهِ بأنَّ الأرضَ فِي جوفِ العالمِ العلويِّ، وأنَّ كرةَ الأرضِ فِي وسطِ السَّمَاءِ كبطيخةٍ فِي جوفِ بطيخةٍ، والسَّماءُ محيطةٌ بهَا منْ جميعِ جوانبهَا، وأنَّ سُفلَ العالمِ هو جوفُ كُرَةِ الأرضِ، وهو المركزُ،
…
وهوَ منتهى السفلِ والتحتِ، وما دونهُ لا يسمَّى تحتًا، بل لا يكونُ تحتًا ويكونُ فوقًا، بحيثُ لَوْ فرضنا خرقَ المركزُ وهو سفلُ العالمِ إِلَى تلكَ الجهةِ لكانَ الخرقُ إِلَى جهةِ فوقَ، ولو نفذ الخرقُ جهةَ السَّمَاءِ منْ تلكَ الجهةِ الأخرى لصعدَ إِلَى جهةِ فوقَ.
وبرهانُ ذلكَ أنَّا لَوْ فرضنَا مسافرًا سافرَ عَلَى كرَةِ الأرضِ منْ جهةِ المشرقِ إِلَى جهةِ المغربِ، وامتدَّ مسافرَ المشيِ عَلَى كرةِ الأرضِ إِلَى حيثُ ابتدأ بالسَّيرِ وقطعَ الكرةَ مما يراهُ النَّاظرُ أسفلَ منهُ، وهو فِي سفرهِ هَذَا لم تبرح الأرضُ تحتهُ، والسَّمَاءُ فوقهُ، فالسَّماءُ التي يشهدهَا الحسُّ تحتَ الأرضِ هي فوقَ الأرضِ، لا تحتهَا، لأنَّ السَّمَاءَ فوقَ الأرضِ بالذَّاتِ، فكيفَ كانتِ السَّمَاءُ كانتْ فوقَ الأرضِ، منْ أيِّ جهةٍ فرضتهَا
…
وإذا كانَ هَذَا جسمٌ - وهو السَّمَاءُ - علُوُّهَا عَلَى الأرضِ بالذَّاتِ فكيفَ منْ لَيْسَ كمثلهِ شيءٌ وعلُوُّه عَلَى كلِّ شيءٍ بالذَّاتِ كَمَا قَالَ تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1]، وقدْ تكرَّر فِي القرآنِ المجيدِ ذكرُ الفوقيَّة:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].
لأنَّ فوقيَّتهُ سُبْحَانهُ وعلوَّهُ عَلَى كلِّ شيءٍ ذاتيٌّ لهُ، فهو العليُّ بالذَّاتِ، والعلوُّ صفتهُ اللائقةُ بِهِ كَمَا أنَّ السُّفولَ والرسوبَ والانحطاطَ ذاتيٌّ للأكوانِ عنْ رتبةِ ربوبيَّته، وعظمتهِ، وعلوِّهِ. والعلوُّ والسُّفولُ حدٌّ بينَ الخالقِ والمخلوقِ يتميَّزُ بِهِ عنهُ. هو سُبْحَانهُ عليٌّ بالذَّاتِ، وهوَ كَمَا كانَ قبلَ خلقِ الأكوانِ، ومَا سواهُ مستقلٌ عنهُ بالذَّاتِ. وهوَ سُبْحَانهُ العليُّ عَلَى عرشهِ، يدبِّرُ الأمرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرضِ، ثمَّ يعرجُ الأمرُ إليهِ، فيحيي هذا، ويميتُ هذا، ويمرضُ هذا، ويشفي هذا، ويعزُّ هذا، ويذلُّ هذا، وهو الحيُّ القيُّومُ القائمُ بنفسهِ، وكلُّ شيءٍ قائمٌ بِهِ (1).
(1) رسالة فِي «إثبات الاسْتِوَاء والفوقية» (ص32 - 84).